jeudi, septembre 03, 2026

ترامب... حين يتحول جنون العظمة إلى سياسة دولة بقلم: سالم إسماعيل القطامي ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي يختلف الناس حول سياساته؛ إنه نموذج صارخ لسياسي جعل من الأنا الشخصية محورًا للخطاب والممارسة السياسية، حتى بات العالم في كثير من الأحيان يتساءل: هل نحن أمام رئيس يدير دولة عظمى، أم أمام رجل يريد أن يدير العالم باعتباره مسرحًا شخصيًا لتمجيد ذاته؟ إن وصف ترامب بـ«النرجسي» أو «السايكوباتي» في الخطاب السياسي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشخيصًا طبيًا؛ فالتشخيص له أطباء ومعايير وفحص سريري. لكنه، في الخطاب السياسي، يصف نمطًا من السلوك: ثقة متضخمة بالنفس، افتتان بالصورة الشخصية، احتقار للخصوم، ولجوء إلى الصدمة والاستفزاز، واستعداد لتحويل السياسة إلى عرض دائم أمام الجمهور. ترامب لا يكتفي بأن يكون في السلطة؛ يريد أن تكون السلطة انعكاسًا لشخصه. يحب أن يظهر باعتباره الرجل الذي لا يُهزم، والقائد الذي لا يخطئ، والسياسي الذي يعرف كل شيء، حتى عندما تكون الوقائع أكثر تعقيدًا من شعاراته. ولذلك تتحول السياسة في عهده إلى خليط من الاستعراض والتهديد والمساومة، وكأن العالم كله صفقة عقارية ضخمة، وهو الوسيط الذي يريد أن يخرج منها بأكبر قدر من الربح السياسي. المشكلة ليست في أن ترامب يملك شخصية قوية؛ فالسياسة تحتاج أحيانًا إلى الحزم والشجاعة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزم إلى غرور، والقوة إلى ابتزاز، والاختلاف إلى عداوة، والسياسة إلى عبادة للشخص. وعندما يصبح السياسي أسيرًا لصورة «الرجل القوي» التي صنعها لنفسه، فإنه قد يجد نفسه مضطرًا إلى التصعيد باستمرار حتى لا يعترف بالتراجع، وإلى مهاجمة خصومه حتى لا يناقش حججهم، وإلى تحويل كل انتقاد له إلى مؤامرة ضده. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا يحدث عندما تصبح الأنا الشخصية أقوى من مؤسسات الدولة؟ في الديمقراطيات السليمة، الرئيس موظف عام مهما علا منصبه. أما عندما يبدأ الحاكم في النظر إلى الدولة باعتبارها امتدادًا لشخصه، يصبح الخطر أكبر من شخص الرئيس نفسه؛ لأن المؤسسات قد تتحول تدريجيًا إلى أدوات لخدمة الزعيم، والإعلام إلى ساحة لتغذية صورته، والخصوم إلى أعداء، والانتخابات إلى معركة وجود شخصية. ولذلك فإن القضية ليست ترامب وحده. القضية هي قدرة المؤسسات الأمريكية على أن تقول للرئيس: لا. فالولايات المتحدة ليست ملكًا لترامب، كما أن البيت الأبيض ليس عيادة نفسية ولا مسرحًا لعرض فردي، والسلطة التنفيذية ليست شيكًا على بياض. وإذا كان بعض خصوم ترامب يسخرون من شخصيته ويتمنون إيداعه في «عنبر الخطرين»، فإن السخرية الحقيقية في رأيي تكمن في مكان آخر: الخطر الأكبر ليس أن يكون السياسي مضطربًا في شخصيته؛ بل أن تكون المؤسسات من حوله عاجزة عن كبح جماح السلطة عندما تنفلت. فالديمقراطية لا تُختبر عندما يكون الحاكم عاقلًا ومتزنًا ومتسامحًا مع النقد؛ وإنما تُختبر عندما يصل إلى السلطة رجل شديد الاعتداد بذاته، صدامي مع خصومه، لا يحب القيود، ويعتقد أن إرادته ينبغي أن تنتصر دائمًا. هناك فقط نعرف: هل الدولة أقوى من الرجل، أم أن الرجل أقوى من الدولة؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي لترامب وللديمقراطية الأمريكية. فالرئيس يرحل، أما المؤسسات فإن بقيت قوية فإنها تبقى. بقلم: سالم إسماعيل القطامي

 

ترامب... حين يتحول جنون العظمة إلى سياسة دولة

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي يختلف الناس حول سياساته؛ إنه نموذج صارخ لسياسي جعل من الأنا الشخصية محورًا للخطاب والممارسة السياسية، حتى بات العالم في كثير من الأحيان يتساءل: هل نحن أمام رئيس يدير دولة عظمى، أم أمام رجل يريد أن يدير العالم باعتباره مسرحًا شخصيًا لتمجيد ذاته؟

إن وصف ترامب بـ«النرجسي» أو «السايكوباتي» في الخطاب السياسي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشخيصًا طبيًا؛ فالتشخيص له أطباء ومعايير وفحص سريري. لكنه، في الخطاب السياسي، يصف نمطًا من السلوك: ثقة متضخمة بالنفس، افتتان بالصورة الشخصية، احتقار للخصوم، ولجوء إلى الصدمة والاستفزاز، واستعداد لتحويل السياسة إلى عرض دائم أمام الجمهور.

ترامب لا يكتفي بأن يكون في السلطة؛ يريد أن تكون السلطة انعكاسًا لشخصه.

يحب أن يظهر باعتباره الرجل الذي لا يُهزم، والقائد الذي لا يخطئ، والسياسي الذي يعرف كل شيء، حتى عندما تكون الوقائع أكثر تعقيدًا من شعاراته. ولذلك تتحول السياسة في عهده إلى خليط من الاستعراض والتهديد والمساومة، وكأن العالم كله صفقة عقارية ضخمة، وهو الوسيط الذي يريد أن يخرج منها بأكبر قدر من الربح السياسي.

المشكلة ليست في أن ترامب يملك شخصية قوية؛ فالسياسة تحتاج أحيانًا إلى الحزم والشجاعة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزم إلى غرور، والقوة إلى ابتزاز، والاختلاف إلى عداوة، والسياسة إلى عبادة للشخص.

وعندما يصبح السياسي أسيرًا لصورة «الرجل القوي» التي صنعها لنفسه، فإنه قد يجد نفسه مضطرًا إلى التصعيد باستمرار حتى لا يعترف بالتراجع، وإلى مهاجمة خصومه حتى لا يناقش حججهم، وإلى تحويل كل انتقاد له إلى مؤامرة ضده.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

ماذا يحدث عندما تصبح الأنا الشخصية أقوى من مؤسسات الدولة؟

في الديمقراطيات السليمة، الرئيس موظف عام مهما علا منصبه. أما عندما يبدأ الحاكم في النظر إلى الدولة باعتبارها امتدادًا لشخصه، يصبح الخطر أكبر من شخص الرئيس نفسه؛ لأن المؤسسات قد تتحول تدريجيًا إلى أدوات لخدمة الزعيم، والإعلام إلى ساحة لتغذية صورته، والخصوم إلى أعداء، والانتخابات إلى معركة وجود شخصية.

ولذلك فإن القضية ليست ترامب وحده.

القضية هي قدرة المؤسسات الأمريكية على أن تقول للرئيس: لا.

فالولايات المتحدة ليست ملكًا لترامب، كما أن البيت الأبيض ليس عيادة نفسية ولا مسرحًا لعرض فردي، والسلطة التنفيذية ليست شيكًا على بياض.

وإذا كان بعض خصوم ترامب يسخرون من شخصيته ويتمنون إيداعه في «عنبر الخطرين»، فإن السخرية الحقيقية في رأيي تكمن في مكان آخر:

الخطر الأكبر ليس أن يكون السياسي مضطربًا في شخصيته؛ بل أن تكون المؤسسات من حوله عاجزة عن كبح جماح السلطة عندما تنفلت.

فالديمقراطية لا تُختبر عندما يكون الحاكم عاقلًا ومتزنًا ومتسامحًا مع النقد؛ وإنما تُختبر عندما يصل إلى السلطة رجل شديد الاعتداد بذاته، صدامي مع خصومه، لا يحب القيود، ويعتقد أن إرادته ينبغي أن تنتصر دائمًا.

هناك فقط نعرف: هل الدولة أقوى من الرجل، أم أن الرجل أقوى من الدولة؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي لترامب وللديمقراطية الأمريكية.

فالرئيس يرحل، أما المؤسسات فإن بقيت قوية فإنها تبقى.

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

Aucun commentaire:

Pop-Tops

  مرّت فتحات علب المشروبات المعدنية برحلة تطويرية مذهلة مدفوعة بالبحث عن الراحة والأمان وحماية البيئة . إليك المراحل التاريخية الأبرز لتطوره...