حين تصبح الجرائم الغريبة مرآةً لأزمة المجتمع
ثمانية عقود من الفشل وصولًا إلى قاع الهوية
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
ليست خطورة الجرائم والحوادث المستجدة في مصر اليوم كامنةً في غرابتها وحدها، وإنما في السؤال الأكبر الذي تفرضه على المجتمع: كيف وصلنا إلى مجتمع تظهر فيه أنماط من العنف والانحراف والجريمة لم تكن مألوفة بهذه الصورة أو بهذا التكرار في الوعي الاجتماعي المصري؟
لا يجوز أن نُسقط على كل جريمة تفسيرًا سياسيًا جاهزًا، ولا أن نحول كل حادثة فردية إلى دليل على انهيار الدولة. فالجريمة ظاهرة مركبة، تتداخل فيها عوامل اقتصادية ونفسية واجتماعية وأمنية وتعليمية وثقافية. لكن تجاهل التحولات الكمية والنوعية في أنماط الجريمة، ورفض البحث في البيئة التي أنتجتها، لا يقل خطورة عن المبالغة في تفسيرها.
وهنا يبرز السؤال السياسي والتاريخي الأوسع: ماذا فعلت ثمانية عقود من الحكم الذي هيمنت فيه المؤسسة العسكرية على المجال السياسي المصري؟
منذ عام 1952 دخلت مصر مرحلة سياسية مختلفة، تراجعت فيها الحياة الحزبية الطبيعية، وتبدلت بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد، وصولًا إلى الجمهورية شديدة المركزية التي نعيش آثارها اليوم. وليس المقصود بذلك إنكار ما تحقق خلال هذه العقود من مشروعات أو مؤسسات أو إنجازات في بعض المجالات، وإنما مساءلة الحصيلة الكلية لنموذج الحكم: هل أنتج دولة أكثر عدلًا واستقرارًا ومواطنةً، أم دولة أكثر مركزية وأشد اعتمادًا على الأمن وأقل قدرة على معالجة جذور أزماتها الاجتماعية؟
إن المجتمع لا ينهار فجأة.
قبل أن تظهر الجريمة في صورتها الصادمة، تكون هناك مقدمات طويلة:
تراجع في قيمة القانون، اختلال اقتصادي، بطالة أو هشاشة في فرص العمل، تراجع في جودة التعليم، تفكك في الروابط الاجتماعية، أزمة ثقة، انسداد سياسي، وشعور متزايد لدى قطاعات من المواطنين بأن العدالة ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه.
وعندما تتراكم هذه العوامل سنوات طويلة، يصبح العنف أكثر قابلية للانتشار، ويصبح القانون أقل ردعًا في الوعي العام، وتتحول بعض الجرائم من استثناءات صادمة إلى ظواهر تستحق الدراسة الاجتماعية الجادة.
من أزمة الاقتصاد إلى أزمة الإنسان
لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأخلاق الاجتماعية.
حين تتآكل القدرة الشرائية، وتتسع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، ويشعر الإنسان أن مستقبله الاقتصادي مسدود، فإن الضغوط الاجتماعية تتزايد. وهذا لا يعني أن الفقر يصنع مجرمين بصورة آلية؛ فالغالبية العظمى من الفقراء لا يرتكبون الجرائم. لكنه يعني أن الهشاشة الاقتصادية المزمنة يمكن أن تصبح أحد العوامل التي تزيد قابلية بعض المجتمعات للعنف والانحراف والتفكك.
والأخطر من الفقر ذاته هو الإحساس بانعدام العدالة.
فالمواطن الذي يرى تفاوتًا هائلًا في الفرص والثروة، ويعتقد أن النفوذ أقوى من القانون، قد يفقد تدريجيًا ثقته في فكرة الدولة ذاتها.
وحين تهتز صورة الدولة تهتز صورة المجتمع
الدولة ليست مجرد أجهزة أمن ومبانٍ حكومية.
الدولة عقد اجتماعي، وعدالة، وتعليم، وصحة، وفرص متكافئة، وقانون يسري على القوي والضعيف، وإحساس المواطن بأن كرامته مصونة.
أما إذا اختُزلت الدولة في قدرتها على السيطرة والمنع والعقاب، فإنها قد تستطيع فرض الهدوء فترة من الزمن، لكنها لا تستطيع بالضرورة بناء سلام اجتماعي مستدام.
فالاستقرار الحقيقي ليس غياب الأصوات المرتفعة، وإنما وجود مجتمع يشعر أفراده بأن لهم مكانًا عادلًا في وطنهم.
من أزمة الدولة إلى أزمة الهوية
ولعل أخطر ما يلفت النظر في بعض الظواهر الاجتماعية الجديدة ليس الجريمة وحدها، وإنما التغير في منظومة القيم التي تحيط بها.
مصر ليست مجرد رقعة جغرافية أو جهاز دولة.
مصر تاريخ طويل من الأسرة، والقرية، والحي، والمدرسة، والمسجد والكنيسة، والجيرة، والتكافل، واحترام الكبير، وحماية الضعيف، والنجدة، والاعتراف بحرمة الدم والمال والعرض.
وحين تتعرض هذه المنظومة لضغوط متواصلة، فإن الأزمة لا تصبح أمنية فقط، بل تتحول إلى أزمة هوية.
وهنا أستخدم تعبير «قاع الهوية» لا بمعنى أن المصريين فقدوا هويتهم، وإنما بمعنى أن الدولة والمجتمع بلغا مرحلة من الارتباك حول القيم التي ينبغي أن تحكم المجال العام.
زمن السيسي: تكثيف للأزمات أم بداية لها؟
من الخطأ التاريخي تحميل رئيس واحد مسؤولية كل ما حدث خلال ثمانية عقود، كما أنه من الخطأ إعفاء السلطة الحالية من مسؤولية ما يقع في عهدها.
لقد ورث نظام عبد الفتاح السيسي مشكلات مصر البنيوية، لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن السياسات التي اتخذها منذ وصوله إلى السلطة، وعن نتائجها وآثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: هل اخترع السيسي كل أزمات مصر؟
بل:
هل استطاع أن يعالج جذورها، أم أن بعض السياسات زادت من حدتها؟
وهذا سؤال مشروع يجب أن يجيب عنه الاقتصاد والإحصاء وعلم الاجتماع، لا الدعاية الرسمية ولا المعارضة وحدها.
أما وصف كل حادثة بأنها نتيجة مباشرة للحكم العسكري، فهو تبسيط لا يخدم الحقيقة. والحقيقة، في المقابل، لا تخشى التحقيق في العلاقة بين السياسات العامة وبين النتائج الاجتماعية.
ثمانية عقود تستحق المراجعة
لقد آن الأوان لأن تتحول مصر من سؤال:
«من يحكم؟»
إلى سؤال أكثر عمقًا:
«كيف تُحكم مصر؟ ولصالح من؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي قواعد؟»
فالمشكلة ليست في أن يرتدي الحاكم زيًا عسكريًا أو مدنيًا بقدر ما هي في طبيعة النظام السياسي نفسه، ومدى خضوع السلطة للقانون، ووجود المؤسسات الرقابية، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وتداول السلطة، وشفافية إدارة المال العام، وقدرة المواطن على محاسبة من يحكمه.
وإذا كانت الجرائم والحوادث المستجدة تقدم لنا إشارات عن التحولات العميقة داخل المجتمع، فإن تجاهل تلك الإشارات هو الجريمة السياسية الأكبر.
مصر لا تحتاج إلى مزيد من المسكنات الأمنية وحدها.
إنها تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الحجر، وإعادة الاعتبار للقانون قبل تشديد العقوبة، وإصلاح الاقتصاد قبل مطالبة الفقير بالصبر، وإصلاح التعليم قبل اتهام الأجيال الجديدة بالانحراف، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة قبل مطالبة المجتمع بالصمت.
فإذا كانت الدولة تريد مجتمعًا آمنًا، فعليها أن تبني مجتمعًا عادلًا.
وإذا كانت تريد مواطنًا يحترم القانون، فعليها أن تثبت أولًا أن القانون فوق الجميع.
أما الاستمرار في معالجة أعراض المرض، مع ترك أسبابه تتكاثر، فلن يؤدي إلا إلى أن تصبح كل جريمة جديدة أكثر غرابة من سابقتها، وكل حادثة أكثر صدمة من التي قبلها، حتى يستيقظ المجتمع ذات يوم ليكتشف أن السؤال لم يعد:
«كيف حدثت هذه الجريمة؟»
بل:
«كيف وصلنا إلى مجتمع أصبح فيه حدوثها ممكنًا أصلًا؟»
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire