samedi, septembre 19, 2026

هل نحتاج إلى حذف صفر؟الأسباب التي جعلت الجنيه يفقد أصفاره وقيمته معًا.

 

صفرٌ زائد على الجنيه... أم أصفارٌ زائدة في فاتورة الانهيار؟

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

لم يعد السؤال في مصر: كم يساوي الجنيه؟ بل أصبح: كم بقي من الجنيه بعد أن التهم التضخم والتخفيضات المتتالية قوته الشرائية؟

لقد تحولت العملة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس أزمة أعمق من مجرد سعر صرف أمام الدولار: أزمة إدارة اقتصادية، وارتفاع مديونية، وضغوط تمويل خارجية، وتضخم متراكم، وسياسات أدت إلى تراجع القيمة الحقيقية للدخل والمدخرات.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الجنيه فقد منذ عام 2016 أكثر من 80% من قيمته أمام الدولار عبر عدة موجات من التراجع في سعر الصرف. كما يوضح الصندوق أن انخفاض قيمة العملة ينتقل بصورة ملموسة إلى الأسعار المحلية؛ إذ يقدّر أن انخفاض الجنيه بنسبة 10% يمكن أن يرفع التضخم بنحو 2.3 نقطة مئوية خلال السنة الأولى.

وفي يونيو/حزيران 2026، ظل التضخم الحضري السنوي عند 14.3% وفق البنك المركزي المصري، بينما بلغ التضخم الأساسي أيضًا 14.3%.

هذه ليست أرقامًا مجردة في دفاتر الاقتصاديين؛ إنها تعني أن المواطن الذي يتقاضى دخله بالجنيه، ويشتري غذاءه ودواءه ومواصلاته وسكنه بالجنيه، يدفع ثمنًا مباشرًا لتدهور القوة الشرائية.

هل نحتاج إلى حذف صفر؟

أطرح هنا فكرة حذف صفر من العملة المصرية، لا باعتبارها وصفة سحرية لإنقاذ الاقتصاد، وإنما باعتبارها جزءًا من عملية إعادة تأسيس نقدية إذا اقترنت بإصلاح اقتصادي حقيقي.

بمعنى أن يصبح:

10 جنيهات قديمة = 1 جنيه جديد.

فتصبح الأسعار والأجور والحسابات المصرفية والديون والعقود مقومة بالوحدة الجديدة.

لكن ينبغي ألا نخدع أنفسنا: حذف الصفر وحده لا يجعل المصري أغنى، ولا يجعل الدولار أرخص، ولا يخفض أسعار السلع.

إذا كان كيلو الأرز يساوي 50 جنيهًا، ثم حُذف صفر، فسوف يصبح خمسة جنيهات جديدة؛ وإذا كان راتب الموظف 20 ألف جنيه، فسوف يصبح ألفي جنيه جديد. القوة الشرائية نفسها لم تتغير.

إذن، حذف الصفر هو إجراء نقدي محاسبي، وليس علاجًا للتضخم.

أما العلاج الحقيقي فيبدأ من وقف الأسباب التي جعلت الجنيه يفقد أصفاره وقيمته معًا.

المشكلة ليست في الصفر... بل في السياسة التي صنعت الأصفار

لقد دفعت سياسات تخفيض قيمة الجنيه وإعادة تسعيره بصورة متكررة إلى انتقال جزء كبير من تكلفة الاختلالات الاقتصادية إلى المواطن.

والأرقام الرسمية والدولية نفسها تؤكد أن العلاقة بين انخفاض العملة والتضخم ليست نظرية مجردة. فصندوق النقد يذكر أن التضخم المصري ارتفع في مارس 2026 إلى 15.2%، ويربط جانبًا من الارتفاع بتراجع سعر الصرف وارتفاع أسعار الطاقة.

كما يلفت تقرير الصندوق إلى أن سعر الصرف المصري شهد منذ 2016 عدة موجات كبيرة من التراجع، وأن مرونة سعر الصرف أصبحت إحدى ركائز السياسة الاقتصادية الحالية.

وهنا تكمن المعضلة السياسية والاقتصادية:

عندما تصبح الدولة مضطرة بصورة متكررة إلى تخفيض قيمة عملتها لتوفير النقد الأجنبي أو امتصاص الاختلالات، فإن المواطن هو الذي يدفع الفاتورة في النهاية من دخله ومدخراته.

فالخبز لا يفهم بيانات صندوق النقد، والدواء لا يفهم برامج الإصلاح، والإيجار لا ينتظر تحسن الاحتياطي النقدي.

المواطن يفهم شيئًا واحدًا:

راتبي بالجنيه، والأسعار ترتفع بالجنيه.

الجنيه لا يحتاج إلى تجميل... بل إلى استعادة الثقة

إنني لا أطالب بحذف صفر لكي نضع مساحيق تجميل على وجه اقتصاد منهك.

بل أطالب بأن يكون حذف الصفر ــ إذا اختارت الدولة تطبيقه ــ نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة أخرى.

مرحلة يكون فيها الجنيه مرتبطًا بإنتاج حقيقي، لا بالاقتراض المتواصل.

وباحتياطي نقدي مستدام، لا بتدفقات مؤقتة.

وبصادرات قادرة على جلب العملة الصعبة، لا باعتماد مفرط على الاستدانة.

وباقتصاد منتج، لا باقتصاد يحمّل المواطن كلفة اختلالاته من خلال التضخم والضرائب وارتفاع الأسعار.

والأهم من ذلك كله: سياسة نقدية ومالية مستقلة عن القرارات السياسية قصيرة الأجل.

فالبنك المركزي ليس ماكينة لطباعة الأموال، والجنيه ليس ورقة يمكن إنقاذها بمرسوم إداري.

المشكلة في "تغريق" العملة ثم مطالبة المواطن بالسباحة

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تتحول قيمة العملة إلى أداة لتسوية أخطاء السياسة الاقتصادية.

كل تخفيض لقيمة الجنيه يجعل الواردات أغلى، ويضغط على تكاليف الإنتاج التي تعتمد على مدخلات مستوردة، ثم ينتقل الأثر إلى الأسعار، ثم يطالب المواطن برفع قدرته على الاحتمال.

وهكذا تبدأ الدائرة:

تراجع العملة → ارتفاع تكلفة الاستيراد → ارتفاع الأسعار → تآكل الأجور والمدخرات → مزيد من الضغط الاجتماعي → مزيد من الاقتراض → مزيد من الحاجة إلى العملة الصعبة.

وهذه الدائرة لا يكسرها حذف صفر.

يكسرها الإنتاج والتصدير والانضباط المالي والثقة والاستقرار النقدي.

هل يصبح الجنيه المصري مثل الجنيه السوداني؟

المقارنة بين العملتين ينبغي ألا تتحول إلى مجرد شعار سياسي؛ فلكل اقتصاد أسبابه وظروفه وبنيته.

لكنها تصلح كتحذير من مسار خطير:

العملات لا تنهار في يوم واحد؛ إنها تفقد الثقة فيها على مراحل.

والدرس السوداني، كما دروس دول أخرى شهدت انهيارات نقدية، هو أن انهيار العملة يصبح كارثيًا عندما يتحول التضخم وفقدان الثقة إلى حلقة ذاتية التغذية.

ولذلك فإن مصر لا ينبغي أن تنتظر حتى يصبح الحديث عن إعادة تسمية الجنيه ضرورة فنية بعد أن تكون العملة قد فقدت المزيد من قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

الوصفة التي أطالب بها

إذا أرادت السلطة بالفعل إنقاذ الجنيه، فلتبدأ من المكان الصحيح:

أولًا: وقف الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لتمويل عجز هيكلي.

ثانيًا: إعطاء الأولوية المطلقة لزيادة الإنتاج والصادرات بدلًا من الاكتفاء بإدارة أزمة الدولار.

ثالثًا: تقليص الإنفاق غير المنتج والمشروعات التي لا تولد عائدًا اقتصاديًا كافيًا.

رابعًا: حماية استقلال السياسة النقدية ومنع تحويل سعر الصرف إلى أداة لمعالجة أخطاء مالية أو اقتصادية أخرى.

خامسًا: وضع برنامج واضح لاستعادة القوة الشرائية للأجور والمدخرات.

سادسًا: إعادة بناء الثقة في الجنيه من خلال استقرار طويل الأجل، لا من خلال قرارات مفاجئة ومتكررة.

سابعًا: وبعد تحقيق قدر كافٍ من الاستقرار، يمكن دراسة حذف صفر من العملة باعتباره عملية لإعادة هيكلة الوحدة النقدية وتبسيط التعاملات.

الصفر ليس عدوًا... لكنه شاهد على الجريمة الاقتصادية

لن يخدعني تغيير شكل الأرقام.

فلو أصبح الألف جنيه مئة جنيه جديدة، فإن المواطن لن يصبح أغنى لمجرد أن الآلة الحاسبة أصبحت أكثر أناقة.

القيمة الحقيقية للعملة ليست في عدد الأصفار المكتوبة عليها، وإنما في ما تستطيع شراءه بها.

ولهذا فإن القضية ليست:

هل نحذف صفرًا من يمين الجنيه؟

بل:

كيف نعيد القوة الشرائية إلى الجنيه؟

وحين تعجز السياسة الاقتصادية عن الإجابة عن السؤال الثاني، فإن حذف الصفر يصبح مجرد عملية تجميل حسابية.

أما إذا سبقه إصلاح حقيقي يعيد للإنتاج المصري قدرته، وللاقتصاد توازنه، وللمواطن ثقته، وللجنيه استقراره، فإن حذف الصفر يمكن أن يكون إعلانًا رمزيًا عن نهاية عصر التضخم النقدي وبداية مرحلة جديدة.

مصر لا تحتاج إلى جنيه جديد على الورق؛ مصر تحتاج أولًا إلى اقتصاد جديد في الواقع.

فالجنيه لا يسقط لأن لديه أصفارًا كثيرة، وإنما تسقط قيمته عندما تصبح السياسات التي تحكمه عاجزة عن حماية القوة الشرائية لأصحابه.

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

Aucun commentaire:

ساهم صلاح بشكل مباشر في الأهداف الأربعة

  يبحث عشاق الكرة التركية والجماهير المصرية عن ملخص وأهداف مباراة طرابزون ضد جالاتا سراي، لمشاهدة أبرز لحظات المواجهة التي شهدت تألقًا لافتً...