samedi, septembre 05, 2026

غسل الأيدي من الدم لا يمحو الجريمة بقلم: سالم إسماعيل القطامي بمنتهى الخبث السياسي، يحاول حكام المؤامرات أن يغسلوا أيديهم من دم الشاعر عبدالرحمن يوسف، وأن يظهروا أمام الرأي العام في ثوب البراءة والرحمة، وكأنهم لم يكونوا طرفًا في مأساة بدأت بالقبض عليه وانتهت ــ بحسب المخاوف والاتهامات المتداولة ــ بتسليمه إلى سلطة الانقلاب في مصر. إن غسل الأيدي من الجريمة لا يعني البراءة منها. فاليد التي تسلّم إنسانًا إلى من يُخشى عليه من بطشه، لا تصبح نظيفة لمجرد أن صاحبها أعلن لاحقًا أنه «عفا عنه» أو أنه لم يعد مسؤولًا عنه. المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تُمحى ببيان إعلامي، ولا تُغسل بدموع الكاميرات. وإذا صحّت الاتهامات بأن عبدالرحمن يوسف جرى تسليمه في إطار ترتيبات أو صفقات سياسية، فإن الجريمة ــ في هذه الحالة ــ لا تتوقف عند حدود الاعتقال؛ بل تصبح أشد خطورة، لأن الإنسان يتحول إلى ورقة مساومة في سوق السياسة السرية. والأكثر فداحة أن يُسلَّم شاعرٌ ومواطنٌ إلى سلطة يُتهم نظامها منذ سنوات بممارسة القمع السياسي، ثم يُطلب من العالم أن يصدق أن من سلّمه قد أصبح فجأةً «منقذًا» له! أي منطق هذا؟ إنني أرفض من حيث المبدأ أن تتحول حرية عبدالرحمن يوسف إلى منحة من أي حاكم، كما أرفض أن تتحول حياته إلى ورقة تفاوض بين أنظمة وأجهزة ومصالح إقليمية. لا يجوز لمن شارك في صناعة الخطر أن يتقمص لاحقًا دور المنقذ منه. والأخطر من ذلك هو الخوف من أن يكون التسليم إلى سلطة عبدالفتاح السيسي مقدمةً لمصير أكثر مأساوية، وصولًا إلى الإعدام. وهذا الاحتمال، إن كان مطروحًا، يجعل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن سلامة الرجل مضاعفة، ويستوجب شفافية كاملة حول ظروف اعتقاله وتسليمه ومكان احتجازه ووضعه القانوني. عبدالرحمن يوسف ليس «جائزة» في صفقة سياسية، وليس رقمًا في حسابات الأنظمة، وليس متهمًا يُستعمل لتلميع صورة حاكم. إن كان بريئًا، فالواجب إطلاق سراحه، لا التفضل عليه بالعفو. وإن كان متهمًا، فليُحاكم أمام قضاء مستقل وعادل، لا أمام سلطة سياسية. وإن كان معرضًا لخطر الإعدام، فعلى كل من ساهم في تسليمه أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية. أما محاولة غسل الأيدي من الدم قبل أن يقع، أو بعد أن يقع، فلن تغيّر الحقيقة الأخلاقية الكبرى: من يسلّم إنسانًا إلى الخطر لا يستطيع أن يدّعي أنه أنقذه منه. والتاريخ لا يحاكم الحكام بما قالوه أمام الكاميرات، وإنما بما فعلوه عندما كانت حياة الإنسان معلقةً بقرارهم. بقلم: سالم إسماعيل القطامي

 

غسل الأيدي من الدم لا يمحو الجريمة

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

بمنتهى الخبث السياسي، يحاول حكام المؤامرات أن يغسلوا أيديهم من دم الشاعر عبدالرحمن يوسف، وأن يظهروا أمام الرأي العام في ثوب البراءة والرحمة، وكأنهم لم يكونوا طرفًا في مأساة بدأت بالقبض عليه وانتهت ــ بحسب المخاوف والاتهامات المتداولة ــ بتسليمه إلى سلطة الانقلاب في مصر.

إن غسل الأيدي من الجريمة لا يعني البراءة منها.

فاليد التي تسلّم إنسانًا إلى من يُخشى عليه من بطشه، لا تصبح نظيفة لمجرد أن صاحبها أعلن لاحقًا أنه «عفا عنه» أو أنه لم يعد مسؤولًا عنه. المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تُمحى ببيان إعلامي، ولا تُغسل بدموع الكاميرات.

وإذا صحّت الاتهامات بأن عبدالرحمن يوسف جرى تسليمه في إطار ترتيبات أو صفقات سياسية، فإن الجريمة ــ في هذه الحالة ــ لا تتوقف عند حدود الاعتقال؛ بل تصبح أشد خطورة، لأن الإنسان يتحول إلى ورقة مساومة في سوق السياسة السرية.

والأكثر فداحة أن يُسلَّم شاعرٌ ومواطنٌ إلى سلطة يُتهم نظامها منذ سنوات بممارسة القمع السياسي، ثم يُطلب من العالم أن يصدق أن من سلّمه قد أصبح فجأةً «منقذًا» له!

أي منطق هذا؟

إنني أرفض من حيث المبدأ أن تتحول حرية عبدالرحمن يوسف إلى منحة من أي حاكم، كما أرفض أن تتحول حياته إلى ورقة تفاوض بين أنظمة وأجهزة ومصالح إقليمية.

لا يجوز لمن شارك في صناعة الخطر أن يتقمص لاحقًا دور المنقذ منه.

والأخطر من ذلك هو الخوف من أن يكون التسليم إلى سلطة عبدالفتاح السيسي مقدمةً لمصير أكثر مأساوية، وصولًا إلى الإعدام. وهذا الاحتمال، إن كان مطروحًا، يجعل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن سلامة الرجل مضاعفة، ويستوجب شفافية كاملة حول ظروف اعتقاله وتسليمه ومكان احتجازه ووضعه القانوني.

عبدالرحمن يوسف ليس «جائزة» في صفقة سياسية، وليس رقمًا في حسابات الأنظمة، وليس متهمًا يُستعمل لتلميع صورة حاكم.

إن كان بريئًا، فالواجب إطلاق سراحه، لا التفضل عليه بالعفو.
وإن كان متهمًا، فليُحاكم أمام قضاء مستقل وعادل، لا أمام سلطة سياسية.
وإن كان معرضًا لخطر الإعدام، فعلى كل من ساهم في تسليمه أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية.

أما محاولة غسل الأيدي من الدم قبل أن يقع، أو بعد أن يقع، فلن تغيّر الحقيقة الأخلاقية الكبرى:

من يسلّم إنسانًا إلى الخطر لا يستطيع أن يدّعي أنه أنقذه منه.

والتاريخ لا يحاكم الحكام بما قالوه أمام الكاميرات، وإنما بما فعلوه عندما كانت حياة الإنسان معلقةً بقرارهم.

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

Aucun commentaire:

العفو ليس منحةً من الطواغيت بقلم: سالم إسماعيل القطامي «قُلِ العَفْوَ مِنَ اللَّهِ»؛ فالعفو في معناه الأصيل رحمةٌ إلهية، وليس امتيازًا يمنحه بشرٌ لبشر، ولا صكًّا سياسيًّا يُمنح للأبرياء بعد أن تُصنع لهم تهمةٌ أو يُزجّ بهم في السجون بقرارٍ من سلطةٍ ترى نفسها فوق القانون. العفو، في المفهوم الإسلامي، يكون عن مذنبٍ أقرّ بذنبه وتاب وأناب، أما أن يُقبض على إنسانٍ ثم يُعامل إعلاميًّا وكأنه مجرم، وبعد ذلك يظهر الحاكم أو صاحب النفوذ في صورة «المانح للعفو»، فهذه ليست عدالة ولا رحمة؛ بل إعادة صياغة للظلم بحيث يبدو الظالم في هيئة المنقذ! ومن هنا تبرز قضية عبدالرحمن يوسف؛ إذ إن السؤال الجوهري ليس: مَن الذي عفا عنه؟ بل: بأي حق جرى أصلًا التعامل معه باعتباره مستحقًا للعفو؟ إذا كان عبدالرحمن يوسف لم يرتكب جريمة تستوجب العقوبة، فإن إطلاق سراحه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره «عفوًا» من حاكم أو أمير، وإنما باعتباره رفعًا لظلمٍ وقع عليه. فالبراءة لا تحتاج إلى منّة، والحرية ليست هبةً من حاكم، وإنما حق أصيل للإنسان. والأخطر من ذلك هو تحويل وسائل الإعلام التابعة للسلطة إلى مسرحٍ تُعاد فيه كتابة القصة: يُصوَّر صاحب القرار وكأنه صاحب الرحمة المطلقة، يعفو عمّن يشاء، ويُدين عمّن يشاء، ويمنح الحرية متى شاء، وكأن البشر قد صاروا رعايا في مملكةٍ لا قانون فيها إلا إرادة الحاكم. وهنا تكمن خطورة صناعة صورة «الإله السياسي»؛ فالحاكم في الدولة العادلة لا يعفو عن الأبرياء، لأنه ببساطة لا يملك حق سلبهم حريتهم ابتداءً. أما حين تتحول الحرية إلى منحة، والسجن إلى أداة تفاوض، والإعلام إلى ماكينة تبرير، فإننا لا نكون أمام عدالة، وإنما أمام منظومة سلطة تريد أن تجعل المجتمع ممتنًّا لمن أعاد إليه حقًّا سُلب منه. أما ما يتعلق بظروف القبض على عبدالرحمن يوسف، فقد أثيرت اتهامات سياسية خطيرة بشأن تواطؤ وتدليس وخيانة من أطراف إقليمية، من بينها أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبو محمد الجولاني)، ومسؤولون لبنانيون في تلك المرحلة، مقابل وعود أو ترتيبات سياسية ومادية. وهذه اتهامات تحتاج إلى أدلة ووثائق مستقلة حتى تتحول من رواية سياسية إلى حقيقة مثبتة؛ لكن مجرد طرحها يفتح سؤالًا بالغ الخطورة: هل أصبحت حرية الإنسان العربي ورقةً في صفقات الأنظمة والأجهزة والمصالح الإقليمية؟ إن صحّ أن اعتقال رجلٍ لم يكن مجرمًا جرى عبر ترتيبات سياسية أو خداع أو وعودٍ متبادلة، فالمسألة لا تعود قضية شخص واحد؛ بل تصبح نموذجًا لطريقة تعامل بعض الأنظمة مع الإنسان العربي: يُعتقل أولًا، ثم تُبحث التهمة، ثم تُصنع الرواية الإعلامية، ثم يأتي «العفو» ليُقدَّم للجمهور باعتباره فضلًا وكرمًا من صاحب السلطة! كلا. لا فضل للطاغية في ردّ الحرية إلى من لم يكن يستحق السجن أصلًا. ولا يجوز أن يتحول الظلم إلى وسيلة لصناعة البطولة السياسية. فالحرية حق، والبراءة حق، والعدالة حق؛ وكل سلطةٍ تسلب الإنسان هذه الحقوق ثم تعيد بعضها إليه في صورة «منحة» إنما تحاول أن تجعل المظلوم مدينًا للظالم. أما العفو الحقيقي، فهو من الله لعباده المذنبين التائبين. وأما حقوق الأبرياء، فلا تحتاج إلى عفو الطغاة؛ بل تحتاج إلى عدالة تمنع الطغيان من أصلِه. سالم إسماعيل القطامي

  العفو ليس منحةً من الطواغيت بقلم: سالم إسماعيل القطامي «قُلِ العَفْوَ مِنَ اللَّهِ» ؛ فالعفو في معناه الأصيل رحمةٌ إلهية، وليس امتيازًا يم...