غسل الأيدي من الدم لا يمحو الجريمة
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
بمنتهى الخبث السياسي، يحاول حكام المؤامرات أن يغسلوا أيديهم من دم الشاعر عبدالرحمن يوسف، وأن يظهروا أمام الرأي العام في ثوب البراءة والرحمة، وكأنهم لم يكونوا طرفًا في مأساة بدأت بالقبض عليه وانتهت ــ بحسب المخاوف والاتهامات المتداولة ــ بتسليمه إلى سلطة الانقلاب في مصر.
إن غسل الأيدي من الجريمة لا يعني البراءة منها.
فاليد التي تسلّم إنسانًا إلى من يُخشى عليه من بطشه، لا تصبح نظيفة لمجرد أن صاحبها أعلن لاحقًا أنه «عفا عنه» أو أنه لم يعد مسؤولًا عنه. المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تُمحى ببيان إعلامي، ولا تُغسل بدموع الكاميرات.
وإذا صحّت الاتهامات بأن عبدالرحمن يوسف جرى تسليمه في إطار ترتيبات أو صفقات سياسية، فإن الجريمة ــ في هذه الحالة ــ لا تتوقف عند حدود الاعتقال؛ بل تصبح أشد خطورة، لأن الإنسان يتحول إلى ورقة مساومة في سوق السياسة السرية.
والأكثر فداحة أن يُسلَّم شاعرٌ ومواطنٌ إلى سلطة يُتهم نظامها منذ سنوات بممارسة القمع السياسي، ثم يُطلب من العالم أن يصدق أن من سلّمه قد أصبح فجأةً «منقذًا» له!
أي منطق هذا؟
إنني أرفض من حيث المبدأ أن تتحول حرية عبدالرحمن يوسف إلى منحة من أي حاكم، كما أرفض أن تتحول حياته إلى ورقة تفاوض بين أنظمة وأجهزة ومصالح إقليمية.
لا يجوز لمن شارك في صناعة الخطر أن يتقمص لاحقًا دور المنقذ منه.
والأخطر من ذلك هو الخوف من أن يكون التسليم إلى سلطة عبدالفتاح السيسي مقدمةً لمصير أكثر مأساوية، وصولًا إلى الإعدام. وهذا الاحتمال، إن كان مطروحًا، يجعل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن سلامة الرجل مضاعفة، ويستوجب شفافية كاملة حول ظروف اعتقاله وتسليمه ومكان احتجازه ووضعه القانوني.
عبدالرحمن يوسف ليس «جائزة» في صفقة سياسية، وليس رقمًا في حسابات الأنظمة، وليس متهمًا يُستعمل لتلميع صورة حاكم.
إن كان بريئًا، فالواجب إطلاق سراحه، لا التفضل عليه بالعفو.
وإن كان متهمًا، فليُحاكم أمام قضاء مستقل وعادل، لا أمام سلطة سياسية.
وإن كان معرضًا لخطر الإعدام، فعلى كل من ساهم في تسليمه أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية.
أما محاولة غسل الأيدي من الدم قبل أن يقع، أو بعد أن يقع، فلن تغيّر الحقيقة الأخلاقية الكبرى:
من يسلّم إنسانًا إلى الخطر لا يستطيع أن يدّعي أنه أنقذه منه.
والتاريخ لا يحاكم الحكام بما قالوه أمام الكاميرات، وإنما بما فعلوه عندما كانت حياة الإنسان معلقةً بقرارهم.
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire