زيف العفو ومسرحيات السلطة: حين يُنتزع الحق وتُمنح "المنّة"
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
في أدبيات العقيدة والأخلاق، يُطلب العفو والمغفرة من الله وحده للعباد المذنبين التوابين، لأن الغفران حق لمن يملك الملك والتكليف. أما أن تحاول الأنظمة الاستبدادية ممارسة هذا الدور، وتتحكم في رقاب الأبرياء بالقبض والتجريم ثم "الإنعام" بالعفو، فتلك مسرحية مكشوفة تهدف إلى تصوير المستبد في دور الإله الذي يملك المنح والمنع، ويهب الحرية لمن يشاء وينزعها عمن يشاء.
الأبرياء لا يُعفى عنهم
لم يكن الشاعر والإعلامي عبد الرحمن يوسف مجرماً ولا مذنباً لتسلط عليه الأحكام ثم يستجدى له "عفوٌ رئاسي"؛ فالمواقف الفكرية والكلمة الحرة ليست جرائم تُستوجب العقاب حتى يُسوق التراجع عنها أو التجاوز عنها كأنه مكرمة وسخاء. إن جريمة "الاحتجاز" الأصلية وما رافقها من ملاحقة عابرة للحدود تجعل من أي إجراء لاحق مجرد محاولة لتجميل المشهد وتبرئة الذات أمام الرأي العام.
الصفقات العابرة للحدود وتواطؤ الأطراف
إن واقعة القبض على عبد الرحمن وتسليمه لم تكن لتحدث لولا السقوط الأخلاقي والسياسي والأمني الذي تورطت فيه أطراف الإقليم:التواطؤ الإقليمي والصفقات المادية: تمت العملية في سياق صفقات سياسية ومقايضات مصلحية ضيقة بين سلطات لبنان وأطراف الإقليم، حيث استُخدمت ملفات الملاحقة القضائية كأوراق نقدية في سوق التفاهمات الأمنية والمساعدات المالية.خيانة مبادئ الحماية: أثبتت الواقعة مجدداً أن العواصم التي كانت تُحسب يوماً مناطق آمنة لحرية الرأي والتعبير سقطت في اختبار الاستقلالية، وغدت ساحات مفتوحة للتنسيق الاستخباري القائم على المصلحة لا على القانون الدولي وحقوق الإنسان.صناعة "المنقذ" عبر الإعلام تسعى الآلة الإعلامية الرسمية عند صدور مثل هذه القرارات إلى تصوير الحاكم المستبد بمظهر الراعي الرحيم وحلال العقد، متجاهلة أنه هو نفسه المتسبب في المظلمة منذ بدايتها. يبدأ المسار بالانتهاك وسلب الحرية، وينتهي بالاستعراض الدعائي حول "سعة الصدر والصفح"، في محاولة لترسيخ معادلة الخضوع التي تجعل الحرية استثناءً يُمنح بقرار، وليست حقاً أصيلاً ينزع من المستبدين نزعاً.إن الحرية حق أصيل لكل أصحاب الفكر والكلمة، وما يُؤخذ قسراً وباطلاً لا يُسترد كـ "منّة" أو "عفو". إن العدالة الحقيقية تتطلب إنهاء سياسات الاختطاف وتسييس القضاء، ومحاسبة الأطراف التي جعلت من دماء وأحريات أصحاب الرأي سلعاً تُباع وتُشترى في سوق النفوذ الإقليمي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire