vendredi, septembre 04, 2026

زيف العفو ومسرحيات السلطة: حين يُنتزع الحق وتُمنح "المنّة" بقلم: سالم إسماعيل القطامي في أدبيات العقيدة والأخلاق، يُطلب العفو والمغفرة من الله وحده للعباد المذنبين التوابين، لأن الغفران حق لمن يملك الملك والتكليف. أما أن تحاول الأنظمة الاستبدادية ممارسة هذا الدور، وتتحكم في رقاب الأبرياء بالقبض والتجريم ثم "الإنعام" بالعفو، فتلك مسرحية مكشوفة تهدف إلى تصوير المستبد في دور الإله الذي يملك المنح والمنع، ويهب الحرية لمن يشاء وينزعها عمن يشاء. الأبرياء لا يُعفى عنهم لم يكن الشاعر والإعلامي عبد الرحمن يوسف مجرماً ولا مذنباً لتسلط عليه الأحكام ثم يستجدى له "عفوٌ رئاسي"؛ فالمواقف الفكرية والكلمة الحرة ليست جرائم تُستوجب العقاب حتى يُسوق التراجع عنها أو التجاوز عنها كأنه مكرمة وسخاء. إن جريمة "الاحتجاز" الأصلية وما رافقها من ملاحقة عابرة للحدود تجعل من أي إجراء لاحق مجرد محاولة لتجميل المشهد وتبرئة الذات أمام الرأي العام. الصفقات العابرة للحدود وتواطؤ الأطراف إن واقعة القبض على عبد الرحمن تسليمه لم تكن لتحدث لولا السقوط الأخلاقي والسياسي والأمني الذي تورطت فيه أطراف الإقليم: التواطؤ الإقليمي والصفقات المادية: تمت العملية في سياق صفقات سياسية ومقايضات مصلحية ضيقة بين سلطات لبنان وأطراف الإقليم، حيث استُخدمت ملفات الملاحقة القضائية كأوراق نقدية في سوق التفاهمات الأمنية والمساعدات المالية. خيانة مبادئ الحماية: أثبتت الواقعة مجدداً أن العواصم التي كانت تُحسب يوماً مناطق آمنة لحرية الرأي والتعبير سقطت في اختبار الاستقلالية، وغدت ساحات مفتوحة للتنسيق الاستخباري القائم على المصلحة لا على القانون الدولي وحقوق الإنسان. صناعة "المنقذ" عبر الإعلام تسعى الآلة الإعلامية الرسمية عند صدور مثل هذه القرارات إلى تصوير الحاكم المستبد بمظهر الراعي الرحيم وحلال العقد، متجاهلة أنه هو نفسه المتسبب في المظلمة منذ بدايتها. يبدأ المسار بالانتهاك وسلب الحرية، وينتهي بالاستعراض الدعائي حول "سعة الصدر والصفح"، في محاولة لترسيخ معادلة الخضوع التي تجعل الحرية استثناءً يُمنح بقرار، وليست حقاً أصيلاً ينزع من المستبدين نزعاً.إن الحرية حق أصيل لكل أصحاب الفكر والكلمة، وما يُؤخذ قسراً وباطلاً لا يُسترد كـ "منّة" أو "عفو". إن العدالة الحقيقية تتطلب إنهاء سياسات الاختطاف وتسييس القضاء، ومحاسبة الأطراف التي جعلت من دماء وأحريات أصحاب الرأي سلعاً تُباع وتُشترى في سوق النفوذ الإقليمي.

 زيف العفو ومسرحيات السلطة: حين يُنتزع الحق وتُمنح "المنّة"

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

في أدبيات العقيدة والأخلاق، يُطلب العفو والمغفرة من الله وحده للعباد المذنبين التوابين، لأن الغفران حق لمن يملك الملك والتكليف. أما أن تحاول الأنظمة الاستبدادية ممارسة هذا الدور، وتتحكم في رقاب الأبرياء بالقبض والتجريم ثم "الإنعام" بالعفو، فتلك مسرحية مكشوفة تهدف إلى تصوير المستبد في دور الإله الذي يملك المنح والمنع، ويهب الحرية لمن يشاء وينزعها عمن يشاء.

الأبرياء لا يُعفى عنهم

لم يكن الشاعر والإعلامي عبد الرحمن يوسف مجرماً ولا مذنباً لتسلط عليه الأحكام ثم يستجدى له "عفوٌ رئاسي"؛ فالمواقف الفكرية والكلمة الحرة ليست جرائم تُستوجب العقاب حتى يُسوق التراجع عنها أو التجاوز عنها كأنه مكرمة وسخاء. إن جريمة "الاحتجاز" الأصلية وما رافقها من ملاحقة عابرة للحدود تجعل من أي إجراء لاحق مجرد محاولة لتجميل المشهد وتبرئة الذات أمام الرأي العام.

الصفقات العابرة للحدود وتواطؤ الأطراف

إن واقعة القبض على عبد الرحمن وتسليمه لم تكن لتحدث لولا السقوط الأخلاقي والسياسي والأمني الذي تورطت فيه أطراف الإقليم:التواطؤ الإقليمي والصفقات المادية: تمت العملية في سياق صفقات سياسية ومقايضات مصلحية ضيقة بين سلطات لبنان وأطراف الإقليم، حيث استُخدمت ملفات الملاحقة القضائية كأوراق نقدية في سوق التفاهمات الأمنية والمساعدات المالية.خيانة مبادئ الحماية: أثبتت الواقعة مجدداً أن العواصم التي كانت تُحسب يوماً مناطق آمنة لحرية الرأي والتعبير سقطت في اختبار الاستقلالية، وغدت ساحات مفتوحة للتنسيق الاستخباري القائم على المصلحة لا على القانون الدولي وحقوق الإنسان.صناعة "المنقذ" عبر الإعلام تسعى الآلة الإعلامية الرسمية عند صدور مثل هذه القرارات إلى تصوير الحاكم المستبد بمظهر الراعي الرحيم وحلال العقد، متجاهلة أنه هو نفسه المتسبب في المظلمة منذ بدايتها. يبدأ المسار بالانتهاك وسلب الحرية، وينتهي بالاستعراض الدعائي حول "سعة الصدر والصفح"، في محاولة لترسيخ معادلة الخضوع التي تجعل الحرية استثناءً يُمنح بقرار، وليست حقاً أصيلاً ينزع من المستبدين نزعاً.إن الحرية حق أصيل لكل أصحاب الفكر والكلمة، وما يُؤخذ قسراً وباطلاً لا يُسترد كـ "منّة" أو "عفو". إن العدالة الحقيقية تتطلب إنهاء سياسات الاختطاف وتسييس القضاء، ومحاسبة الأطراف التي جعلت من دماء وأحريات أصحاب الرأي سلعاً تُباع وتُشترى في سوق النفوذ الإقليمي.

Aucun commentaire:

العفو ليس منحةً من الطواغيت بقلم: سالم إسماعيل القطامي «قُلِ العَفْوَ مِنَ اللَّهِ»؛ فالعفو في معناه الأصيل رحمةٌ إلهية، وليس امتيازًا يمنحه بشرٌ لبشر، ولا صكًّا سياسيًّا يُمنح للأبرياء بعد أن تُصنع لهم تهمةٌ أو يُزجّ بهم في السجون بقرارٍ من سلطةٍ ترى نفسها فوق القانون. العفو، في المفهوم الإسلامي، يكون عن مذنبٍ أقرّ بذنبه وتاب وأناب، أما أن يُقبض على إنسانٍ ثم يُعامل إعلاميًّا وكأنه مجرم، وبعد ذلك يظهر الحاكم أو صاحب النفوذ في صورة «المانح للعفو»، فهذه ليست عدالة ولا رحمة؛ بل إعادة صياغة للظلم بحيث يبدو الظالم في هيئة المنقذ! ومن هنا تبرز قضية عبدالرحمن يوسف؛ إذ إن السؤال الجوهري ليس: مَن الذي عفا عنه؟ بل: بأي حق جرى أصلًا التعامل معه باعتباره مستحقًا للعفو؟ إذا كان عبدالرحمن يوسف لم يرتكب جريمة تستوجب العقوبة، فإن إطلاق سراحه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره «عفوًا» من حاكم أو أمير، وإنما باعتباره رفعًا لظلمٍ وقع عليه. فالبراءة لا تحتاج إلى منّة، والحرية ليست هبةً من حاكم، وإنما حق أصيل للإنسان. والأخطر من ذلك هو تحويل وسائل الإعلام التابعة للسلطة إلى مسرحٍ تُعاد فيه كتابة القصة: يُصوَّر صاحب القرار وكأنه صاحب الرحمة المطلقة، يعفو عمّن يشاء، ويُدين عمّن يشاء، ويمنح الحرية متى شاء، وكأن البشر قد صاروا رعايا في مملكةٍ لا قانون فيها إلا إرادة الحاكم. وهنا تكمن خطورة صناعة صورة «الإله السياسي»؛ فالحاكم في الدولة العادلة لا يعفو عن الأبرياء، لأنه ببساطة لا يملك حق سلبهم حريتهم ابتداءً. أما حين تتحول الحرية إلى منحة، والسجن إلى أداة تفاوض، والإعلام إلى ماكينة تبرير، فإننا لا نكون أمام عدالة، وإنما أمام منظومة سلطة تريد أن تجعل المجتمع ممتنًّا لمن أعاد إليه حقًّا سُلب منه. أما ما يتعلق بظروف القبض على عبدالرحمن يوسف، فقد أثيرت اتهامات سياسية خطيرة بشأن تواطؤ وتدليس وخيانة من أطراف إقليمية، من بينها أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبو محمد الجولاني)، ومسؤولون لبنانيون في تلك المرحلة، مقابل وعود أو ترتيبات سياسية ومادية. وهذه اتهامات تحتاج إلى أدلة ووثائق مستقلة حتى تتحول من رواية سياسية إلى حقيقة مثبتة؛ لكن مجرد طرحها يفتح سؤالًا بالغ الخطورة: هل أصبحت حرية الإنسان العربي ورقةً في صفقات الأنظمة والأجهزة والمصالح الإقليمية؟ إن صحّ أن اعتقال رجلٍ لم يكن مجرمًا جرى عبر ترتيبات سياسية أو خداع أو وعودٍ متبادلة، فالمسألة لا تعود قضية شخص واحد؛ بل تصبح نموذجًا لطريقة تعامل بعض الأنظمة مع الإنسان العربي: يُعتقل أولًا، ثم تُبحث التهمة، ثم تُصنع الرواية الإعلامية، ثم يأتي «العفو» ليُقدَّم للجمهور باعتباره فضلًا وكرمًا من صاحب السلطة! كلا. لا فضل للطاغية في ردّ الحرية إلى من لم يكن يستحق السجن أصلًا. ولا يجوز أن يتحول الظلم إلى وسيلة لصناعة البطولة السياسية. فالحرية حق، والبراءة حق، والعدالة حق؛ وكل سلطةٍ تسلب الإنسان هذه الحقوق ثم تعيد بعضها إليه في صورة «منحة» إنما تحاول أن تجعل المظلوم مدينًا للظالم. أما العفو الحقيقي، فهو من الله لعباده المذنبين التائبين. وأما حقوق الأبرياء، فلا تحتاج إلى عفو الطغاة؛ بل تحتاج إلى عدالة تمنع الطغيان من أصلِه. سالم إسماعيل القطامي

  العفو ليس منحةً من الطواغيت بقلم: سالم إسماعيل القطامي «قُلِ العَفْوَ مِنَ اللَّهِ» ؛ فالعفو في معناه الأصيل رحمةٌ إلهية، وليس امتيازًا يم...