حين تُحارب العبادة باسم الحداثة
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
في زمنٍ عادت فيه شعوب كثيرة إلى البحث عن جذورها، وإحياء رموزها الثقافية والدينية، واستعادة ذاكرتها التاريخية، يبدو المشهد في كثير من بلاد العرب والمسلمين أكثر التباسًا. فبدل أن تُترك للشعوب حرية علاقتها بدينها وتراثها، تتحول بعض السلطات إلى طرفٍ في معركة مفتوحة مع الوعي الديني، تحت شعارات الحداثة والتنوير ومواجهة الرجعية.
لقد رأينا في عصور مختلفة شعوبًا تعيد اكتشاف أساطيرها القديمة، وتستحضر رموز الحجر والبقر والشجر والبشر، بل وتعيد إنتاجها في الثقافة والفنون والطقوس والاحتفالات. ولا أحد يعترض على حق الإنسان في دراسة ماضيه أو الاعتزاز بتراثه ما دام ذلك لا يتحول إلى إكراه أو اضطهاد للآخر.
لكن المفارقة أن بعض الأنظمة في بلادنا تتعامل مع الإسلام بصورة مختلفة؛ فحين يتعلق الأمر بالدين الإسلامي، يصبح الحديث عن الهوية الدينية فجأة مرادفًا للرجعية، ويُصوَّر التمسك بالشعائر والقيم الإسلامية وكأنه عودة إلى الماضي، بينما يُقدَّم كل ما هو مستورد من أنماط الاستهلاك والترفيه باعتباره عنوانًا للتقدم.
المشكلة ليست في الفن ولا في الموسيقى ولا في الاحتفال، وليست في أن يستمتع الناس بوقتهم. المشكلة تبدأ حين يتحول الترفيه إلى بديل مقصود عن المعنى، وحين تُستخدم الحفلات والاستعراضات التجارية الرخيصة لإعادة تشكيل وعي الشباب، بحيث يصبح الدين في نظرهم شيئًا من الماضي، بينما يصبح الاستهلاك واللهو معيارًا للحياة الحديثة.
الشباب العربي والمسلم لا يحتاج إلى أن يُقتلع من جذوره حتى يصبح معاصرًا. يستطيع أن يتعلم العلوم الحديثة، وأن يبدع في التكنولوجيا والفنون والاقتصاد، وأن يعيش عصره بكل أدواته، وفي الوقت نفسه يحافظ على إيمانه ولغته وذاكرته وقيمه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يختلف شاب مع رجل الدين أو أن يناقش التراث نقديًا؛ فالنقاش والنقد جزء من حيوية أي مجتمع. الأخطر هو أن يُدفع الشباب إلى كراهية هويتهم الدينية نفسها، وأن يُقال لهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة إن الإسلام عقبة أمام المستقبل.
الإسلام ليس خصمًا للعلم ولا للحداثة. والتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الحفلات ولا بحجم الإنفاق على صناعة الترفيه، وإنما بقدرة المجتمع على بناء الإنسان، وصيانة كرامته، وتوفير التعليم والعمل والعدالة والحرية، وفتح المجال أمامه لكي يختار معتقده وطريقة حياته دون إكراه.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والحداثة؛ هذه ثنائية زائفة. المعركة الحقيقية بين مجتمع حر يختار قيمه بوعي، وسلطة تريد أن تختار له ما يؤمن به وما يحتفل به وما يفكر فيه.
وحين تصبح الدولة هي التي تقرر للناس ما ينبغي أن يحبوه وما ينبغي أن يكرهوا، وما ينبغي أن يقدسوه وما ينبغي أن يسخروا منه، فإن القضية لم تعد قضية تحديث، بل قضية وصاية على العقل والضمير.
نحن لا نريد لشبابنا أن يعود إلى الماضي هربًا من الحاضر، ولا نريد له أن يهرب من دينه كي يدخل المستقبل. نريده أن يدخل المستقبل وهو يعرف من أين جاء، وماذا يؤمن، وما الذي يريد أن يكونه.
فالحداثة التي تطلب من الإنسان أن يكره جذوره ليست حداثة؛ إنها اقتلاع.
والترفيه الذي يُقدَّم للإنسان بوصفه بديلًا عن المعنى ليس حرية؛ إنه استهلاك.
أما الدين الذي يختاره الإنسان بإرادته ويمارسه دون إكراه، فلا ينبغي أن يكون عدوًا للدولة ولا عائقًا أمام التقدم، بل شأنًا من شؤون الضمير والهوية التي يجب أن تُحترم في مجتمع حر.
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire