lundi, août 17, 2026

حين تُحارب العبادة باسم الحداثة بقلم: سالم إسماعيل القطامي في زمنٍ عادت فيه شعوب كثيرة إلى البحث عن جذورها، وإحياء رموزها الثقافية والدينية، واستعادة ذاكرتها التاريخية، يبدو المشهد في كثير من بلاد العرب والمسلمين أكثر التباسًا. فبدل أن تُترك للشعوب حرية علاقتها بدينها وتراثها، تتحول بعض السلطات إلى طرفٍ في معركة مفتوحة مع الوعي الديني، تحت شعارات الحداثة والتنوير ومواجهة الرجعية. لقد رأينا في عصور مختلفة شعوبًا تعيد اكتشاف أساطيرها القديمة، وتستحضر رموز الحجر والبقر والشجر والبشر، بل وتعيد إنتاجها في الثقافة والفنون والطقوس والاحتفالات. ولا أحد يعترض على حق الإنسان في دراسة ماضيه أو الاعتزاز بتراثه ما دام ذلك لا يتحول إلى إكراه أو اضطهاد للآخر. لكن المفارقة أن بعض الأنظمة في بلادنا تتعامل مع الإسلام بصورة مختلفة؛ فحين يتعلق الأمر بالدين الإسلامي، يصبح الحديث عن الهوية الدينية فجأة مرادفًا للرجعية، ويُصوَّر التمسك بالشعائر والقيم الإسلامية وكأنه عودة إلى الماضي، بينما يُقدَّم كل ما هو مستورد من أنماط الاستهلاك والترفيه باعتباره عنوانًا للتقدم. المشكلة ليست في الفن ولا في الموسيقى ولا في الاحتفال، وليست في أن يستمتع الناس بوقتهم. المشكلة تبدأ حين يتحول الترفيه إلى بديل مقصود عن المعنى، وحين تُستخدم الحفلات والاستعراضات التجارية الرخيصة لإعادة تشكيل وعي الشباب، بحيث يصبح الدين في نظرهم شيئًا من الماضي، بينما يصبح الاستهلاك واللهو معيارًا للحياة الحديثة. الشباب العربي والمسلم لا يحتاج إلى أن يُقتلع من جذوره حتى يصبح معاصرًا. يستطيع أن يتعلم العلوم الحديثة، وأن يبدع في التكنولوجيا والفنون والاقتصاد، وأن يعيش عصره بكل أدواته، وفي الوقت نفسه يحافظ على إيمانه ولغته وذاكرته وقيمه. إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يختلف شاب مع رجل الدين أو أن يناقش التراث نقديًا؛ فالنقاش والنقد جزء من حيوية أي مجتمع. الأخطر هو أن يُدفع الشباب إلى كراهية هويتهم الدينية نفسها، وأن يُقال لهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة إن الإسلام عقبة أمام المستقبل. الإسلام ليس خصمًا للعلم ولا للحداثة. والتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الحفلات ولا بحجم الإنفاق على صناعة الترفيه، وإنما بقدرة المجتمع على بناء الإنسان، وصيانة كرامته، وتوفير التعليم والعمل والعدالة والحرية، وفتح المجال أمامه لكي يختار معتقده وطريقة حياته دون إكراه. إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والحداثة؛ هذه ثنائية زائفة. المعركة الحقيقية بين مجتمع حر يختار قيمه بوعي، وسلطة تريد أن تختار له ما يؤمن به وما يحتفل به وما يفكر فيه. وحين تصبح الدولة هي التي تقرر للناس ما ينبغي أن يحبوه وما ينبغي أن يكرهوا، وما ينبغي أن يقدسوه وما ينبغي أن يسخروا منه، فإن القضية لم تعد قضية تحديث، بل قضية وصاية على العقل والضمير. نحن لا نريد لشبابنا أن يعود إلى الماضي هربًا من الحاضر، ولا نريد له أن يهرب من دينه كي يدخل المستقبل. نريده أن يدخل المستقبل وهو يعرف من أين جاء، وماذا يؤمن، وما الذي يريد أن يكونه. فالحداثة التي تطلب من الإنسان أن يكره جذوره ليست حداثة؛ إنها اقتلاع. والترفيه الذي يُقدَّم للإنسان بوصفه بديلًا عن المعنى ليس حرية؛ إنه استهلاك. أما الدين الذي يختاره الإنسان بإرادته ويمارسه دون إكراه، فلا ينبغي أن يكون عدوًا للدولة ولا عائقًا أمام التقدم، بل شأنًا من شؤون الضمير والهوية التي يجب أن تُحترم في مجتمع حر. بقلم: سالم إسماعيل القطامي

 

حين تُحارب العبادة باسم الحداثة

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

في زمنٍ عادت فيه شعوب كثيرة إلى البحث عن جذورها، وإحياء رموزها الثقافية والدينية، واستعادة ذاكرتها التاريخية، يبدو المشهد في كثير من بلاد العرب والمسلمين أكثر التباسًا. فبدل أن تُترك للشعوب حرية علاقتها بدينها وتراثها، تتحول بعض السلطات إلى طرفٍ في معركة مفتوحة مع الوعي الديني، تحت شعارات الحداثة والتنوير ومواجهة الرجعية.

لقد رأينا في عصور مختلفة شعوبًا تعيد اكتشاف أساطيرها القديمة، وتستحضر رموز الحجر والبقر والشجر والبشر، بل وتعيد إنتاجها في الثقافة والفنون والطقوس والاحتفالات. ولا أحد يعترض على حق الإنسان في دراسة ماضيه أو الاعتزاز بتراثه ما دام ذلك لا يتحول إلى إكراه أو اضطهاد للآخر.

لكن المفارقة أن بعض الأنظمة في بلادنا تتعامل مع الإسلام بصورة مختلفة؛ فحين يتعلق الأمر بالدين الإسلامي، يصبح الحديث عن الهوية الدينية فجأة مرادفًا للرجعية، ويُصوَّر التمسك بالشعائر والقيم الإسلامية وكأنه عودة إلى الماضي، بينما يُقدَّم كل ما هو مستورد من أنماط الاستهلاك والترفيه باعتباره عنوانًا للتقدم.

المشكلة ليست في الفن ولا في الموسيقى ولا في الاحتفال، وليست في أن يستمتع الناس بوقتهم. المشكلة تبدأ حين يتحول الترفيه إلى بديل مقصود عن المعنى، وحين تُستخدم الحفلات والاستعراضات التجارية الرخيصة لإعادة تشكيل وعي الشباب، بحيث يصبح الدين في نظرهم شيئًا من الماضي، بينما يصبح الاستهلاك واللهو معيارًا للحياة الحديثة.

الشباب العربي والمسلم لا يحتاج إلى أن يُقتلع من جذوره حتى يصبح معاصرًا. يستطيع أن يتعلم العلوم الحديثة، وأن يبدع في التكنولوجيا والفنون والاقتصاد، وأن يعيش عصره بكل أدواته، وفي الوقت نفسه يحافظ على إيمانه ولغته وذاكرته وقيمه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يختلف شاب مع رجل الدين أو أن يناقش التراث نقديًا؛ فالنقاش والنقد جزء من حيوية أي مجتمع. الأخطر هو أن يُدفع الشباب إلى كراهية هويتهم الدينية نفسها، وأن يُقال لهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة إن الإسلام عقبة أمام المستقبل.

الإسلام ليس خصمًا للعلم ولا للحداثة. والتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الحفلات ولا بحجم الإنفاق على صناعة الترفيه، وإنما بقدرة المجتمع على بناء الإنسان، وصيانة كرامته، وتوفير التعليم والعمل والعدالة والحرية، وفتح المجال أمامه لكي يختار معتقده وطريقة حياته دون إكراه.

إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والحداثة؛ هذه ثنائية زائفة. المعركة الحقيقية بين مجتمع حر يختار قيمه بوعي، وسلطة تريد أن تختار له ما يؤمن به وما يحتفل به وما يفكر فيه.

وحين تصبح الدولة هي التي تقرر للناس ما ينبغي أن يحبوه وما ينبغي أن يكرهوا، وما ينبغي أن يقدسوه وما ينبغي أن يسخروا منه، فإن القضية لم تعد قضية تحديث، بل قضية وصاية على العقل والضمير.

نحن لا نريد لشبابنا أن يعود إلى الماضي هربًا من الحاضر، ولا نريد له أن يهرب من دينه كي يدخل المستقبل. نريده أن يدخل المستقبل وهو يعرف من أين جاء، وماذا يؤمن، وما الذي يريد أن يكونه.

فالحداثة التي تطلب من الإنسان أن يكره جذوره ليست حداثة؛ إنها اقتلاع.

والترفيه الذي يُقدَّم للإنسان بوصفه بديلًا عن المعنى ليس حرية؛ إنه استهلاك.

أما الدين الذي يختاره الإنسان بإرادته ويمارسه دون إكراه، فلا ينبغي أن يكون عدوًا للدولة ولا عائقًا أمام التقدم، بل شأنًا من شؤون الضمير والهوية التي يجب أن تُحترم في مجتمع حر.

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

Aucun commentaire:

في بلاد النيل: يجب تلافي ما حدث في تشيرنوبل بقلم: سالم إسماعيل القطامي ناشط سياسي ومفكر تُعيد التقريرات الصحفية والتغطيات الإعلامية الأخيرة – وفي مقدمتها ما نشرته منصة "بوليتيكو" (Politico) – تسليط الضوء على الأبعاد الجيوسياسية والأمنية والبيئية للمشاريع النووية الكبرى حول العالم، وفي قلبها مشروع "مفاعل الضبعة" النووي في مصر. إن البدء في مثل هذه المشاريع العملاقة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إنجاز هندسي أو طفرة في طاقة المستقبل، بل يتطلب وقفة جادة وقراءة متأنية للدروس التاريخية القاسية، وعلى رأسها كارثة "تشيرنوبل" عام 1986. 1. الشفافية وأمان التشغيل: الدرس الأول من تشيرنوبل إن أكبر خطأ أدى إلى فاجعة تشيرنوبل لم يكن الخلل الفني والتصميمي فحسب، بل تمثل في سياسة التكتم، وغياب الشفافية، وتأخير الإفصاح عن المخاطر الحقيقية أمام الرأي العام والخبراء. في بلد يعتمد حياتياً واقتصادياً على شريان أزرق واحد وهو "نهر النيل"، إضافة إلى الشريط الساحلي المأهول، فإن أي مشروع للفيزياء النووية يتطلب أعلى درجات الإفصاح، والرقابة المستقلة، والتدقيق الدائم في السلامة الهيكلية والأنظمة الذاتية للأمان دون إخضاع ذلك لأي حسابات سياسية أو إعلامية ضيقة. 2. التبعية التكنولوجية والاعتمادية الجيوسياسية تناول تقرير "بوليتيكو" أبعاد الاعتماد المباشر على الشركات الأجنبية الموردة للتكنولوجيا النووية (مثل شركة "روساتوم" الروسية)، وما يرافقه من تعقيدات في سلاسل التوريد والصيانة وتدريب الكوادر المحلية على المدى الطويل، لاسيما في ظل الاضطرابات والأزمات الدولية الراهنة. إن توطين المعرفة الأمنية والتقنية بدقة، وإيجاد كوادر وطنية عالية الكفاءة قادرة على الإدارة والرقابة دون الارتهان الكامل للطرف الخارجي، يمثل حجر الزاوية لحماية الأمن القومي. 3. الأمان البيئي والتخلص من النفايات المشعة لا تقف مخاطر الطاقة النووية عند محاذير التشغيل والأخطاء البشرية، بل تمتد إلى التحدي الأكبر والمتمثل في إدارة ونقل وتخزين "النفايات المشعة" عالية الاستقطاب والتأثير. إن أي تهاون في التعامل مع المخرجات الذرية أو الاستهانة بمعايير العزل على السواحل والأراضي الزراعية القريبة قد يمثل تهديداً وجودياً ومستداماً للأجيال القادمة في أرض النيل. إن الاستثمار في الطاقة والنهضة الصناعية مطلوب، ولكن ليس على حساب السلامة القومية أو الاستهانة بالمعايير البيئية الحاكمة. إن تجربة تشيرنوبل لم تكن مجرد حادثة في كتاب التاريخ، بل كانت تحذيراً أبدياً للبشرية جمعاء من خطورة تقديم الدعاية السياسية والسرية الإدارية على حساب السلامة الإنسانية. يجب على مصر أن تضع السلامة المطلقة والشفافية والرقابة الوطنية المستقلة في أعلى قائمة الأولويات بمشروع الضبعة، حتى لا تدفع أجيال المستقبـل ثمن خطأ واحد لا يمكن معالجته.

 في بلاد النيل: يجب تلافي ما حدث في تشيرنوبل بقلم: سالم إسماعيل القطامي ناشط سياسي ومفكر تُعيد التقريرات الصحفية والتغطيات الإعلامية الأخيرة...