على مر التاريخ، قدم العديد من العلماء والمبتكرين اختراعات أسهمت في تحسين حياة البشر. وبينما قدم البعض براءات اختراع للحصول على حقوق ما ابتكروه وجمع ثروات طائلة، فضل البعض التفريط ببراءة الاختراع مقابل مبالغ زهيدة خدمة للإنسانية.
فيما يصنف الطبيب والباحث الأميركي جوناس سولك (Jonas Salk) كأبرز مثال لذلك، حيث فرط ببراءة ابتكار لقاح شلل الأطفال بهدف جعله متوفراً بسعر زهيد لأطفال العالم وإنقاذهم من هذا المرض.
من جانب آخر، يذكر التاريخ عدداً من المبتكرين الذين فرطوا ببراءة اختراعاتهم مقابل مبالغ ضئيلة بسبب معاناتهم من الديون. ويصنف المبتكر الأميركي والتر هانت (Walter Hunt) كأحد أهم هؤلاء الذين فقدوا ثروة طائلة بسبب الديون، إذ باع براءة اختراعه مقابل مبلغ بسيط. واليوم، تجني مؤسسات عديدة ملايين الدولارات بفضله.

شغف بالأعمال اليدوية والاختراعات
ولد والتر هانت يوم 29 يوليو (تموز) 1796 بمنطقة مارتنسبرغ (Martinsburg)، التابعة لولاية نيويورك، لعائلة متواضعة امتهنت الفلاحة. ولهذا السبب، ترعرع ببيئة فلاحية تميزت بالأعمال اليدوية. ومنذ صباه، أبدى إعجاباً بالميكانيكا واتجه دائماً لإصلاح العديد من الأغراض والأدوات.
من جهة ثانية، تلقى هانت تعليماً محدوداً حيث تعلم القراءة والكتابة والرياضيات بإحدى المدارس المحلية وتخصص فيما بعد بمجال البناء ولم يحصل على أي تعليم جامعي. وخلال شبابه، غادر مارتنسبرغ، فاتجه بادئ الأمر نحو شمال ولاية نيويورك قبل أن يستقر فيما بعد بمدينة نيويورك، حيث عمل في عدد من الورشات. وأثناء تواجده بهذه المدينة، تمكن من ابتكار أشياء عديدة، وعمل على تطوير آلات تحويل الخشب والمحراث وآلات تنظيف الطرقات والبنادق.
في حين جاءت أبرز ابتكاراته خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، حيث طور آلة الخياطة وصمم الدبوس المشبك المعروف أيضاً بدبوس الأمان (Safety Pin).

ابتكار ثوري مقابل 400 دولار
خلال عام 1849، نجح هانت في وضع ابتكار ثوري. فأثناء عمله بسلك نحاسي، اتجه للف السلك بطريقة حلزونية، أنشأ من خلالها حلقة بالمنتصف، وشكّله بطريقة أبقى من خلالها أحد طرفيه حاداً كالإبرة. ثم أضاف قطعة معدنية لهذا السلك عند مستوى المنطقة الحادة لتثبيتها ومنع الإصابة. ومن هنا، ظهر دبوس الأمان الذي لعب دوراً هاماً لاحقاً في تثبيت الثياب تزامناً مع كونه سهل الفتح والإغلاق.
غير أن هانت وضع حينها هذا الابتكار لسداد دين قيمته 15 دولاراً، وهو مبلغ باهظ بتلك الفترة، لصديقه. وفي الفترة التالية، باع براءة اختراعه مقابل 400 دولار، أي حوالي 15 ألف دولار في الفترة الحالية، لمؤسسة W.R. Grace and Company. بينما جنت هذه المؤسسة، ومؤسسات أخرى بعدها، ملايين الدولارات، خلال السنوات التالية، من ابتكار دبوس الأمان.

علاوة على ذلك، ابتكر هانت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ما وصف بآلة الخياطة المعاصرة. إلا أنه تردد ولم يقدم طلب براءة اختراع لها. وخلال أربعينيات القرن التاسع عشر، دخل في نزاع قانوني مع المخترع إلياس هووي (Elias Howe) الذي قدم آلة خياطة مشابهة لتلك التي ابتكرها هانت.
وأملاً في إنهاء هذا الخلاف القانوني والحصول على هذه الآلة لمؤسسته، كان رجل الأعمال إسحاق سينغر (Isaac Singer) مستعداً لتقديم 50 ألف دولار، أي ما يتجاوز 1.5 مليون دولار حالياً، لهانت. لكن الأخير توفي بشكل مفاجئ سنة 1859 دون أن يتم الاتفاق ويحصل على المبلغ.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire