مصر بين عهدين وسلطتين: قراءة نقدية في متتاليات الاستبداد وانكسار الديمقراطية
بقلم: سالم القطامي
يقف التاريخ المصري الحديث شاهداً على متتالية مؤلمة من الصراعات والتحولات التي أنهكت الجسد الوطني؛ حيث ظل الشعب يترقب لحظة الفكاك والعبور نحو الحرية والكرامة، ليجد نفسه مراراً وتكراراً محاصراً بين خيارات سلطوية تتعاقب على سلب إرادته وتجيير مقدراته.
إن القراءة الفاحصة لمسار الحكم في مصر تكشف عن حقيقة ساطعة: وهي أن الأزمة لم تكن يوماً مجرد استبدال أشخاص أو تغيير عناوين، بل في عقيدة سياسية وهيمنة فئوية ظلت تعيد إنتاج نفسها بأشكال أشد قسوة.
## 1. العهد الملكي والتبعية القديمة
لم تكن الحقبة الملكية فردوساً مفقوداً كما يروّج البعض؛ بل كانت مرحلة تتسم بتفشي الإقطاع، وتعميق الفوارق الطبقية، وارتهان القرار السياسي للإرادة أجنبية. وعلى الرغم من وجود هامش ليبرالي وبرلماني شكلي، إلا أن السلطة الحقيقية كانت تدار في كواليس القصر والسفارات الأجنبية، مما جعل الدولة عاجزة عن تحقيق الاستقلال الموجز والمواطنة الحقيقية.
## 2. حقبة ناصر: شعارات القومية وتأسيس حكم الضباط
جاءت تحركات 1952 برداء الوطنية والشعارات البراقة، لكنها سرعان ما أرست دعائم نظام "الدولة الأمنية" وحكم الفرد.
إجهاض الحياة السياسية: جرى تجريف الأحزاب، وتكميم الصحافة، وتصفية التجربة المدنية الوليدة.
حصاد الهزائم: تحولت الخطابات الحماسية والاستعراضات العسكرية إلى انكسارات ميدانية متتالية، توجت بنكسة يونيو 1967، والتي كشفت حجم الخلل في إدارة المؤسسات وحصر القرارات المصيرية في يد نخبة عسكرية مغلقة.
## 3. الحقبة المعاصرة: التغول العسكري والتفريط في المقدرات
تُمثل الحقبة الحالية الذروة الأشد خطورة في تاريخ الاستبداد الحديث؛ إذ تجاوزت كل حدود السيطرة التقليدية لتصل إلى مرحلة غير مسبوقة من القبضة الأمنية والتفريط في الأمن القومي.
تقزيم الدور الإقليمي والتبعية: تحولت السياسة الخارجية من محاولة قيادة الإقليم إلى التنسيق الكامل والتماهي مع مصالح القوى الإقليمية والدولية—وحتى القوى الاستعمارية التاريخية—على حساب المصالح العليا لمصر وأمنها القومي وقضايا الأمة المفصلية.
الانهيار الاقتصادي والتفريط في الأصول: جرى رهاب المستقبل الوطني للديون الخارجية القاصمة، وتفكيك أصول الدولة التاريخية لبيعها، وتغول المؤسسات العسكرية على الاقتصاد المدني وتهميش القطاع الخاص.
تصفية الحياة الدستورية: تحول القضاء والمؤسسات التشريعية والإعلام إلى أدوات طائعة لتمرير القرارات وشرعنة القمع، مما أدى إلى تغييب تام للحرية والتداول السلمي للسلطة.
## 4. انكسار التجربة الديمقراطية وأفق المستقبل
بين تجريف العهد الملكي، وقمع العقود الناصرية، وتغول الحقبة الحالية، أُجهضت تجارب التحول الديمقراطي المدني—وعلى رأسها مكتسبات ثورة يناير 2011—ليُعاد فرض شرعية "الأمر الواقع" بالقوة القاهرة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire