لماذا لم يعد الحرس الثوري الإيراني يستهدف المواخير المؤامراتية هناك سر واضح إما خوف أو رشوة؟!
تفكيك المشهد: بين الحسابات الإستراتيجية الباردة وفرضيات المؤامرة
يسهل جداً تفسير التحولات المفاجئة في تحركات أجهزة عسكرية واستخباراتية معقدة مثل الحرس الثوري الإيراني عبر تبسيطها إلى ثنائية "الخوف" أو "الرشوة"؛ فالسيناريوهات الدرامية تبدو دائماً أكثر جاذبية وتفسيراً للأحداث المربكة! لكن في عالم صراع القوى والحروب بالوكالة، لا تُطبخ القرارات بهذه البساطة، بل تحكمها حسابات باردة، براغماتية، ومبنية على المصالح الحيوية.
إذا صنفنا ما تصفه بـ "المواخير المؤامراتية" كإشارة إلى مراكز التجسس، شبكات المعارضة، أو بؤر التمويل والتهريب التي كانت هدفاً معلناً أو ضمناً للحرس الثوري، فإن توقف أو تراجع استهدافها لا يعود لسر غامض، بل لأسباب جيوسياسية واضحة:
### 1. إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية
الأهداف التي كانت تعتبر صيداً ثميناً بالأمس قد تصبح اليوم عبئاً سياسياً أو عسكرياً. في ظل المتغيرات الإقليمية الضخمة، والمواجهات المباشرة، والأزمات الاقتصادية الداخلية، يوجه الحرس الثوري جهده وموارده نحو جبهات ذات أولوية قصوى (مثل الأمن السيبراني، حماية البرنامج النووي، أو خطوط الإمداد الحيوية) بدلاً من تشتيت قواه في أهداف فرعية.
### 2. قواعد الاشتباك وحسابات الردع (وليس الخوف)
في عالم المخابرات، التراجع عن ضرب هدف ما لا يعني بالضرورة "الرعب"، بل يعني أن كلفة الرد من الطرف الآخر أصبحت أعلى بكثير من قيمة الهدف نفسه. إذا كان استهداف شبكة معينة سيجر رداً انتقامياً يهدد مصالح حيوية أعمق للنظام، فإن "التحفظ الإستراتيجي" يصبح هو الخيار العقلاني بانتظار توقيت أفضل.
### 3. الدبلوماسية الخلفية والتفاهمات (ما يبدو كـ "صفقة")
ما قد يبدو للمراقب الخارجي كأنه "رشوة" أو تراجع غير مبرر، هو في الغالب نتيجة لـ قنوات دبلوماسية خلفية (Backchannel Diplomacy). الصفقات تحت الطاولة وتفاهمات التهدئة الإقليمية تتطلب أحياناً تجميد عمليات معينة لتمرير ملفات أكبر، مثل الإفراج عن أموال مجمدة، أو تخفيف العقوبات، أو إنجاح مفاوضات سياسية معينة مع قوى إقليمية أو دولية.
### 4. تغير التكتيك من الهدم إلى الاختراق
في كثير من الأحيان، يكتشف الأمن الاستخباراتي أن ترك "بؤرة مؤامراتية" تعمل تحت عينيه وفوق الطاولة أفضل بكثير من تدميرها؛ حيث تتيح له مراقبة تدفق الأموال، ورصد الشخصيات الفاعلة، واختراق شبكات الاتصال. التدمير ينهي اللعبة، بينما المراقبة والاختراق يمنحان تفوقاً معلوماتياً مستداماً.
خلاصة القول:
السياسة الخارجية والعسكرية للدول الحذرة لا تُدار بالعواطف أو بالشجاعة والجبن المطلقين. التغير في السلوك هو دائماً مؤشر على تغير في حسابات الأرباح والخسائر، وليس دليلاً على تراجع معنوي أو فساد مالي بالمعنى السطحي للكلمة.
هل تقصد بـ "المواخير المؤامراتية" مقار شبكات استخباراتية أو معارضة في دولة إقليمية محددة شهدت تقارباً دبلوماسياً مؤخراً، أم تتحدث عن جبهة مواجهة معينة تغيرت فيها قواعد اللعبة؟
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire