mercredi, juillet 29, 2026

إن بناء الشواهد الضخمة والمقرات المعزولة قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان، لكنه يستنزف الدولة ويقطع آخر جسور التواصل مع المجتمع. إن التاريخ يكتبه من يزرع في عقول وقلوب أبناء الوطن، لا من يستخفي خلف البروج المشيدة، وإن استعادة الدولة لن تكون إلا بإعادة السلطة إلى خادمة للشعب لا متسلطة عليه.

 

وهم الحصون الصحراوية: حين تنفصل السلطة عن الواقع

بقلم: سالم القطامي

شهد التاريخ الإنساني عبر مختلف عصوره محاولات متكررة من النخب الحاكمة لترسيخ سلطتها عبر التشييد الضخم، وتحصين مراكز القرار بعيداً عن الكتل السكانية الكبرى. غير أن التحليل السياسي والاجتماعي يؤكد أن الانتقال إلى المعازل النائية وإنشاء المقرات الأجهزة المغلقة—مثل مشروع العاصمة الإدارية ومجمع "الأوكتاجون"—لا يعكس مجرد توسع عمراني، بل يعبر عن أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع.

## 1. فلسفة العزلة: خروج السلطة من النسيج الوطني

إن نقل مراكز الحكم إلى عمق الصحراء يحمل دلالات سياسية واضحة؛ إذ ينقل الدولة من حالة التفاعل الاجتماعي المباشر مع الشارع إلى حالة الفصل والتحصين الذاتي.

  • الهروب من المركز التاريخي: كانت القاهرة عبر التاريخ قلب الأحداث السياسية ونبض الحراك الشعبي. تحييد هذا المركز عبر بناء مقرات جديدة في نطاقات صحراوية معزولة يهدف أولاً وأخيراً إلى حماية السلطة من الهزات الاجتماعية المباشرة.

  • ثقافة القلاع والمجمعات المغلقة: إن التوسع في بناء المجمعات الأمنية والعسكرية الضخمة بعيداً عن الكتلة الشعبية يكرس نظرة شمولية ترى في المجتمع مصدر تهديد يجب التحصن منه، لا شريكاً في الحكم وإدارة مقدرات الوطن.

## 2. بين هدر الموارد والانهيار الاقتصادي

تأتي هذه المشاريع العملاقة في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية طاحنة، وديون متراكمة، وتراجع حاد في القوة الشرائية للمواطن، مما يعمق الانقسام بين واقعين:

  • واقع الهامش الشعبي: حيث يواجه المواطن الغلاء المستمر، وتآكل الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، والتفريط في الأصول الوطنية لسداد أقساط الديون.

  • واقع السلطة الحاكمة: التي تستمر في ضخ المليارات على مشاريع الإسمنت والحصون الاستراتيجية، في مفارقة تعكس غياب ترتيب الأولويات الوطنية والانفصال التام عن الأولويات المعيشية للشعب.

## 3. حتمية التغير: لا حماية للبروج المشيدة أمام واقع الاقتصاد

تؤكد تجارب الشعوب أن القوة الأمنية والجدران الخرسانية العالية لم تكن يوماً ضمانة لبقاء أي نظام يفتقد للشرعية والإنجاز الحقيقي.

  • تآكل الشرعية الخدمية: إن أي نظام سياسي يفقد قدرته على توفير الحياة الكريمة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي يسقط تدريجياً في اختبار الاستمرار، بغض النظر عن حجم التحصينات التي يحتمى خلفها.

  • حتمية المواجهة مع الواقع: إن "الأزمات الهيكلية" كالتضخم وفقدان السيادة الاقتصادية لا توقفها النقاط الحصينة ولا الكتل الخرسانية. فمهما بلغت شدة القبضة الأمنية أو اتسعت المعازل الصحراوية، فإن طوفان الغضب الشعبي والحساب التاريخي يصل دائماً إلى مبتغاه عندما تتساوى لدى الناس كلفة الصمت مع كلفة التحرك.إن بناء الشواهد الضخمة والمقرات المعزولة قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان، لكنه يستنزف الدولة ويقطع آخر جسور التواصل مع المجتمع. إن التاريخ يكتبه من يزرع في عقول وقلوب أبناء الوطن، لا من يستخفي خلف البروج المشيدة، وإن استعادة الدولة لن تكون إلا بإعادة السلطة إلى خادمة للشعب لا متسلطة عليه.

Aucun commentaire:

نظرية غالوا

    الجبر التجريدي ، نظرية غالوا ( الإنجليزية : Galois theory )، المسماة هكذا نسبة لعالم الرياضيات الفرنسي إيفاريست غالوا ، تعطي صلة بين ...