#العدل_يجلب_الأمن_فأعدلواتأمنوا salem.elkotamy
معادلة الوجود السياسي: لماذا يلد العدلُ الأمنَ ويموت الاستبدادُ بالخوف؟
هذا الشعار المأثور ("العدل يجلب الأمن، فأعدلوا تأمنوا") ليس مجرد موعظة أخلاقية أو نصيحة مثالية، بل هو القانون العلمي الأول في فيزياء المجتمعات والسياسة. إنه يلخص العقد الاجتماعي الشرعي الذي تقوم عليه الدول المستقرة، ويضرب في مقتل العقيدة الأمنية للأنظمة الديكتاتورية التي تؤمن بعكس هذه المعادلة تماماً، وتظن أن «الترهيب يجلب الاستقرار».
حين ينعكس هذا المفهوم في واقع الشعوب، تتضح الحقائق البنيوية التالية:
1. الإرث التاريخي: تفكيك العبارة من عمر إلى ابن خلدون
تضرب هذه الحكمة بجذورها في أعمق تجارب الحكم الراشد والتحليل الفلسفي:
"عدلتَ فأمنتَ فنمتَ": الكلمة الشهيرة لرسول كسرى عندما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نائماً تحت ظل شجرة بلا حراسة ولا قلاع. هذه اللقطة التاريخية تثبت أن العدل هو الحارس الحقيقي للحاكم والمحكوم معاً، وأن القلاع والجيوش والميليشيات لا تُبنى لحماية الأوطان بقدر ما تُبنى لحماية العروش المرتجفة من غضبة المظلومين.
ابن خلدون وقانون العمران: في مقدمته الشهيرة، صاغ القاعدة الذهبية: "الظلم مؤذن بخراب العمران". فالعدل ليس مجرد قيمة قضائية، بل هو المحرك الاقتصادي والاجتماعي؛ وحين يغيب العدل وتُنهب الحقوق، يتوقف الناس عن الإنتاج، وينهار الولاء للدولة، ويسود الفساد، مما يؤدي حتماً إلى الانفجار وفقدان الأمن.
2. الأمن الحقيقي (العضوي) مقابل الأمن الزائف (المصنوع)
ثمة فارق شاسع بين أمنٍ ينبع من رضا الشعوب، وأمنٍ يُفرض بقوة السلاح:
الأمن المصنوع (وهم القبضة الأمنية): هو حالة الهدوء الصامت التي تفرضها الدبابات وزنازين التعذيب. هذا ليس أمناً، بل هو "خوف مكبوت" ورماد يغطي الجمر. تكلفتة الاقتصادية باهظة (الإنفاق على الأجهزة الأمنية بدلاً من التعليم والصحة)، وهو أمن هش ينهار كقصر من ورق عند أول هزة سياسية أو اقتصادية.
الأمن العضوي (المستدام): هو الأمن الناتج عن شعور المواطن بأن كرامته مصونة، وأن ماله وعرضه وحقه في التعبير محميون بالقانون. في دولة العدل، يتحول كل مواطن إلى "رجل أمن" غيور على وطنه، لأنه يشعر أن الدولة تمثله وتحميه، وليست عدواً يتربص به لجبايته وقهر غريزته الحرّة.
3. سيكولوجية المستبد: الخوف الكامن وراء "الكرباج"
المفارقة الكبرى في الأنظمة التي تحكم بالحديد والنار هي أن أقل الناس شعوراً بالأمن هو الحاكم المستبد نفسه. بالرغم من ترسانات السلاح، والأسوار المحصنة، والمواكب المصفحة، يعيش الطاغية في رعب دائم من كلمة، أو مقال، أو مظاهرة، أو حتى من أقرب المقربين إليه. إنه يدفع ثمن غياب العدل خوفاً وجودياً لا يفارقه، مصداقاً للآية الكريمة: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}.#العدل_يجلب_الأمن_فأعدلواتأمنوا
أستاذ سالم، بالنظر إلى هذا الشعار الأصيل؛ كيف يمكن للنخب الفكرية والسياسية اليوم إعادة صياغة مفهوم "العدل" في الوجدان الشعبي العربي، ليتحول من مجرد شعار يُهتف به في المظاهرات، إلى "مشروع وطني متكامل" يربط بوضوح بين الحرية السياسية، والعدالة الاقتصادية، والأمن القومي الشامل، تفادياً للوقوع مجدداً في فخاخ الوعود العسكرية الشعبوية؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق