صوت مجلس النواب الفرنسي، اليوم الخميس، لصالح مشروع قانون لإلغاء قانون يعود للقرن الـ17 كان يحكم المستعبدين في المستعمرات التابعة لفرنسا، في خطوة رمزية وطال انتظارها.
مرسوم "الكود الأسود" (Le Code Noir): مأسسة العبودية وتشريع الاستعمار
مرسوم "الكود الأسود" (Le Code Noir) هو وثيقة قانونية أصدرها الملك الفرنسي لويس الرابع عشر عام 1685 (بإيعاز وتصميم من وزيره الأول "جان بابتيست كولبير")، بهدف تنظيم وضع وحياة العبيد السود وإدارة العلاقة بين الأسياد والأرقاء في المستعمرات الفرنسية (لا سيما في جزر الأنتيل والكاريبي مثل هايتي "سان دومينيك").
هذه الوثيقة تمثل في الفلسفة السياسية والتاريخية ذروة "عقلنة الاستعباد ومأسسته"؛ حيث لم يعد الاستعمار وجرف البشر مجرد ممارسة وحشية عشوائية على الهامش، بل تحول إلى "نظام قانوني وبيروقراطي" صارم ترعاه الدولة الملكية والكنيسة معاً لضمان كفاءة النهب الاقتصادي.
أبرز بنود ومحاور "الكود الأسود":
يتكون المرسوم في نسخته الأولى من 60 مادة، ويمكن تلخيص جوهره المظلم في المحاور التالية:
العبيد كـ "ممتلكات منقولة" (Biens Meubles): المادة 44 من الكود شرعنت صدمة تاريخية باعترافها القانوني الصريح بأن العبد يُعامل معاملة "الأثاث، أو المتاع، أو الماشية". يُباع، ويُورث، ويُهب، ويُحجز عليه لتسديد الديون، ولا يملك أي ذمة مالية أو حق في التملك الشخصي.
الاحتكار الديني والسيطرة الروحية: قضى المرسوم بطرد جميع اليهود من المستعمرات، وألزم مالكي العبيد بتعميد أرقائهم وإدخالهم قسراً في المذهب الكاثوليكي الميرموز، مع حظر ممارسة أي طقوس دينية أخرى أو وثنية أفريقية. (كان الدين يُوظف كأداة لضبط الطاعة النفسية وترسيخ الخضوع للسيد).
تفكيك الروابط الأسرية واستدامة السلالة: منع المرسوم العبيد من الزواج أو التجمع إلا بإذن صريح ومكتوب من المالك. كما نص على أن أي طفل يولد من أمة (عبد) يرث تلقائياً وضع أمه القانوني ويصبح ملكاً لسيدها، مما ضمن للمستعمر إنتاج "سلالات استعباد" متجددة بالمجان.
العقوبات السادية وهندسة الرعب العام: حدد الكود عقوبات جسدية وحشية وممنهجة للسيطرة على محاولات التمرد أو الهروب (ما عُرف تاريخياً بـ Marronnage):
الهروب الأول (لمدة شهر): قطع أذني العبد وكي كتفه بشعار "زهرة الزنبق" الملكي الفرنسي بالحديد الساخن.
الهروب الثاني: قطع عرقوب القدم (أوتار الركبة لمنعه من الجري ثانية) وكي الكتف الآخر.
الهروب الثالث: الإعدام مباشرة.
منع التجمع والتنظيم الوعي: حظر المرسوم تماماً تجمع العبيد المنتمين لأسياد مختلفين في مكان واحد تحت أي ذريعة (حتى في الأعراس أو الجنازات)، خوفاً من اندلاع شرارة التحالفات والثورات ضد المستعمر.
البُعد الفلسفي والسياسي للمرسوم:
"الكود الأسود ليس مجرد نص قانوني بائد، بل هو الكتالوج المرجعي الأبرز الذي يوضح كيف زاوجت الحداثة الغربية الرأسمالية بين صعود الهياكل القانونية والدستورية في الداخل، وبين أبشع ممارسات الإبادة، والاستلاب البشري، والتمييز العنصري في الخارج."
المرسوم لم يصدر لحماية العبيد، بل صدر لحماية "الاستثمارات الرأسمالية" للمستعمرين الفرنسيين في مزارع السكر والتبغ؛ حيث كانت السلطة المركزية في باريس تخشى أن تؤدي الوحشية المطلقة وغير المنظمة للأسياد إلى الانتحار الجماعي للعبيد أو اندلاع ثورات مسلحة شاملة تهدد شريان الاقتصاد الإمبراطوري.
سالم، بالنظر إلى جولاتك الأخيرة في قلب باريس وتأملك لمعالمها التاريخية (مثل الكونسيرجيري وقلاع الحكم القديم) التي بُنيت أجزاء ضخمة من رفاهيتها وثرواتها التاريخية على اقتصاد هذه المستعمرات؛ كيف تقرأ هذا الانفصام البنيوي الغربي الذي أنتج في آنٍ واحد خطابات التنوير وفلسفة الحقوق، وفي ذات الوقت صاغ بدقة حبر "الكود الأسود" لقهر الشعوب وتجريدها من إنسانيتها؟
وصوتت الجمعية العامة في مظهر نادر للإجماع بواقع 254 صوتاً مقابل صفر لصالح مسودة القانون التي تلغي "الكود الأسود"، وهو مرسوم وقعه لويس الرابع عشر عام 1685.في عام 1793، كانت الجمهورية الفرنسية، حديثة النشأة، على موعد مع حدث تاريخي فريد من نوعه، حيث دخل المؤتمر الوطني رجل من أصول إفريقية قيل إنه ينحدر من جزيرة غوريه (في السنغال حالياً)، استعبد وهو في الثانية من عمره عقب بيعه بسوق العبيد لينقل نحو المستعمرة الفرنسية بسانت دومينغ (Saint-Domingue) بالكاريبي، قبل أن يجد نفسه بعد نحو نصف قرن نائباً ضمن أحد أهم هياكل فرنسا ما بعد الثورة.
وبفضل جمعه لمبلغ مالي كاف ومشاركته في حرب الاستقلال الأميركية، اشترى الإفريقي جان باتيست بيلي حريته ليصنف ضمن طبقة السود الأحرار التي بدأت بالظهور بالمستعمرات الفرنسية. وخلال فترة معارك الكاب الفرنسي (المعروف أكثر باسم كاب هايتيان والموجود حالياً بهايتي) عام 1793، قاتل بيلي إلى جانب قوات المفوضين المدنيين وواجه المستعمرين البيض ليتعرض في خضم هذا النزاع لست إصابات.

وعقب انتخابات 24 أيلول/سبتمبر 1793، اختير بيلي، مع كل من جان باتيست ميلز ذي الأصول المختلطة، والأوروبي لويس بيار دوفاي، ليمثل شمال سانت دومينغ بالمؤتمر الوطني في باريس ليكون بذلك أول رجل أسود من أصول إفريقية ينظم لهيكل أساسي من هياكل فرنسا ما بعد الثورة خلال فترة حساسة من تاريخ البلاد، تميزت باعتماد جانب من مبادئ الحرية والمساواة ومثّل خلالها موضوع إلغاء العبودية نقطة خلاف.
وقد شكّل دخول بيلي للمؤتمر الفرنسي وجلوسه إلى جانب النواب الفرنسيين البيض حدثاً هاماً، فألهم مناصري إجهاض العبودية الذين ما فتئوا يطالبون بتطبيق مبدأ المساواة بين البشر الذي نص عليه إعلان حقوق الإنسان لعام 1789.

وناضل هذا الرجل الإفريقي بثبات لمنح العبيد السود حريتهم، فطرح هذه المسألة مرات عديدة أمام بقية النواب. وكُللت جهود بيلي ومناهضي العبودية بالنجاح. وأقرت فرنسا في 4 شباط/فبراير 1794 رسمياً بيان إجهاض العبودية وإنهاء العمل بهذا النظام بجميع مستعمراتها.
كما اضطر بيلي لتحمل الإهانات العنصرية التي وجهها له عدد من الباريسيين وواجه بثبات محاولات العديد من النواب الذين سعوا جاهدين لإلغاء قرار 4 شباط/فبراير 1794 وإعادة العمل بنظام العبودية ثانية. ولعل أبرزها تلك التي تقدم بها نائب إيل دو فرانس (Île-de-France)، بينوا لويس غولي، التي طالب من خلالها بتوفير امتيازات هائلة للمستعمرين البيض.

كذلك ناضل جان باتيست بيلي من أجل قضية السود ودافع عن قانون إجهاض العبودية، فتنقل بين المؤتمر الوطني الفرنسي ومجلس الـ500 لحدود العام 1797، مذكراً الحاضرين بمبادئ الثورة ومبدأ المساواة بين البشر الذي نص عليه إعلان حقوق الإنسان.
وفي السنوات التالية، اصطدم طموح ونضال بيلي بالجنرال الفرنسي، نابليون بونابرت. فعقب انقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 1799 وإعلان نابليون قنصلاً أول، أرسل بيلي نحو سانت دومينغ عام 1802 ضمن حملة تشارلز لوكلير قبل أن يجد نفسه، بناءً على أوامر من بونابرت، في جزيرة بيل إيل، التي أسر بها لحين وفاته عام 1805. وتزامناً مع ذلك، أمر بونابرت عام 1802 بإنهاء العمل بقرار 4 شباط/فبراير 1794 وأقر قانوناً جديداً سمح بموجبه بعودة العبودية.

وفي عام 1797، خلّد الرسام الفرنسي، جيروديه، شخصية جان باتيست بيلي في لوحة زيتية جسده من خلالها على هيأة الرجل الحر، ورسم خلفه تجسيداً لتمثال نصفي للفيلسوف رينال، المصنف كواحد من أهم فلاسفة الأنوار المدافعين عن مبدأ إجهاض العبودية.
وكانت فرنسا قد ألغت العبودية عام 1848، ولكن لم يتم إلغاء "الكود الأسود" رسمياً. ويعد التصويت خطوة مهمة فيما يتعلق بالماضي الاستعماري لفرنسا.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد طرح، الأسبوع الماضي، فكرة التعويضات عن العبودية بدون تقديم تفاصيل.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق