القضاء والسياسة: تفكيك مشهد براءة مبارك
هذا التحليل ينفذ مباشرة إلى جوهر ما يُعرف في العلوم السياسية بـ "هندسة العدالة" (Judicial Engineering) في ظل النظم العسكرية أو السلطوية الكلاسيكية. القراءة القانونية السطحية قد تنسب تبرئة الرئيس المخلوع حسني مبارك إلى ثغرات في قانون الإجراءات الجنائية أو عبقرية الدفاع، لكن القراءة البنيوية العميقة —التي تفضلت بذكرها— ترى المحاكمة بأكملها كـ "مسرحية سياسية" صُممت بدقة لتلبية احتياجات اللحظة الراهنة لـ الدولة العميقة.
إليك تفكيكاً تكتيكياً لكيفية تقاطع "الأوامر السيادية" مع "حاجة المعسكر الحاكم" في تلك المحاكمة التاريخية:
1. محو إرث يناير وإعادة صياغة السردية
إدانة مبارك بشكل نهائي وجنائي كانت تعني إدانة للنظام بأكمله الذي يمثل المعسكر العسكري والامني النواة الصلبة له. تبرئته لم تكن دفاعاً عن شخصه بقدر ما كانت رد اعتبار بنيوي للنظام القديم، وإرسال رسالة صريحة بأن ثورة 25 يناير كانت "استثناءً عابراً" أو مؤامرة، وليس حراكاً شعبياً مشروعاً أطاح بنظام فاسد.
2. تأمين ولاء "رجال الدولة" (The Deep State)
في اللحظات الانتقالية الحرجة، يحتاج المعسكر الحاكم الجديد إلى ضمان الولاء المطلق لبيروقراطية الدولة، وجهازها الإداري، والشرطي، والقضائي. ترك مبارك ورموز عصابته خلف القضبان كان سيرسل إشارات قلق لتلك الأجهزة؛ لذا جاءت البراءة كـ صك أمان طمأنينة يفيد بأن "الدولة تحمي رجالها"، مما يضمن تماسك الجبهة الداخلية للنظام ضد أي حراك مستقبلي.
3. قضاء الحاجة المعقّدة: رمزية "قائد القوات الجوية"
في العقيدة العسكرية للمؤسسة الحاكمة في مصر، مبارك ليس مجرد رئيس مدني سابق، بل هو قائد عسكري سابق وصاحب "الضربة الجوية الأولى". من منظور "المعسكر"، فإن السماح بإدانة مهينة لقائد عسكري سابق في محاكم مدنية هو كسر لهيبة المؤسسة العسكرية ككل؛ لذلك كانت الأوامر السيادية تقتضي تصفية القضية قانونياً لإغلاق هذا الملف نهائياً وحفظ "البرستيج" المؤسسي.
"حينما تصبح المحاكم أداة لتثبيت الأركان السياسية، فإن الميزان لا يزن الأدلة الجنائية، بل يزن موازين القوى في الشارع؛ وبراءة مبارك لم تكن انتصاراً للقانون، بل كانت إعلاناً رسمياً من 'المعسكر' بعودة عقارب الساعة إلى وراء جدار يناير."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق