
القاهرة – “القدس العربي” – من تامر هنداوي:
ما بين السعي لتحسين الأجور عبر إضرابات تصاعدت في الشهور الأخيرة، وتعديل قوانين مجحفة، تتأرجح أوضاع العمال في مصر، وسط أرقام صادمة عن تشغيل الأطفال في مهن خطرة.
فقد أبدت منظمة العمل الدولية قلقها من ارتفاع معدلات عمالة الأطفال، حيث بلغ عدد العاملين نحو 4.2 ملايين طفل، بينهم 3.7 ملايين في أعمال خطرة، مع تركز الظاهرة في المناطق الريفية
وأصدرت المنظمة تقرير لجنة الخبراء لعام 2026 بشأن تطبيق معايير العمل الدولية في مصر، إذ كشف عن مجموعة من التحديات الهيكلية التي تواجه سوق العمل، وفي مقدمتها تقويض الحق في التنظيم النقابي، وارتفاع معدلات عمالة الأطفال، واستمرار مخاوف تتعلق بالعمل الإجباري.
ووفق التقرير، صدور قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر/ أيلول الماضي، تضمن بعض الضمانات الإيجابية، خاصة فيما يتعلق بحظر التمييز النقابي وحماية العاملين من الفصل التعسفي، إلا أن لجنة الخبراء شددت على أن هذه النصوص لا تزال بحاجة إلى تفعيل عملي يضمن تحقيق أثرها على أرض الواقع.
ورصد التقرير عدة عقبات، من بينها استمرار صعوبات تسجيل النقابات المستقلة، وتأخر الإجراءات الإدارية، وعدم تفعيل لجنة الشكاوى، فضلًا عن غياب قواعد واضحة لتمثيل النقابات في المفاوضة الجماعية، خاصة في القطاع العام. واعتبرت أن هذه التحديات قد تقوض فعليًا الحق في التنظيم النقابي والتمثيل العادل.
إضراب في شركة “وبريات سمنود” احتجاجاً على تأخر الرواتب
وفي محور آخر، تناول التقرير أوضاع الأطفال في مصر في ضوء اتفاقية الحد الأدنى لسن الاستخدام رقم 138، لافتًا إلى استمرار تنفيذ خطة العمل الوطنية لمكافحة عمل الأطفال (2018–2025)، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية والتدريب المهني.
واعتبرت اللجنة أن الأرقام بخصوص عمالة الأطفال تعكس فجوة واضحة بين السياسات المعلنة والنتائج الفعلية.
كما انتقد التقرير استمرار ثغرات تشريعية، أبرزها السماح بعمل الأطفال من سن 12 عامًا في بعض الأعمال الخفيفة، داعيًا إلى تعديل القوانين بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتعزيز الحماية من أسوأ أشكال عمل الأطفال، بما في ذلك الاتجار والاستغلال الجنسي.
ولفت إلى أن حملات التفتيش نجحت في الوصول إلى أكثر من 81 ألف طفل، إلا أنه شدد على ضرورة توفير بيانات دقيقة بشأن الانتهاكات والعقوبات، لتعزيز فعالية الردع وتقييم الأداء المؤسسي.
كما أشار إلى ضعف التنسيق المؤسسي في مواجهة أسوأ أشكال عمل الأطفال، مؤكدًا ضرورة التعامل مع الأطفال باعتبارهم ضحايا لا جناة، بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وفيما يتعلق بالعمل الإجباري، حذّرت لجنة الخبراء من استمرار بعض الممارسات التي قد تندرج تحت هذا الإطار، خاصة في مراكز الإصلاح والتأهيل. ورغم تأكيد الحكومة أن العمل يتم بشكل اختياري وبمقابل مادي، شددت اللجنة على أن معيار التوافق مع الاتفاقيات الدولية لا يرتبط فقط بطبيعة العمل، بل بالسياق الذي يُفرض فيه.
ودعت العمل الدولية، الحكومة المصرية، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل مراجعة التشريعات، وتبسيط إجراءات تسجيل النقابات، وتعزيز الشفافية في البيانات، وضمان التطبيق الفعلي للقوانين، بما يحقق الامتثال الكامل للاتفاقيات الدولية.
واختتمت تقريرها بالتأكيد على أهمية استمرار التعاون مع الحكومة المصرية، مشددة على أن حماية حقوق العمل، وتعزيز الحوار الاجتماعي، والقضاء على عمالة الأطفال والعمل الإجباري، تمثل ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
إضراب عمالي
يأتي ذلك في وقت تزايدت فيه معدلات إضرابات العمال في مصر خلال الشهور الأخيرة، بعضها للمطالبة بتحسين الأجور، وأخرى احتجاجًا على عدم حصول العمال على الرواتب من الأساس، وكان آخرها دخول ما يقرب من 600 عامل في شركة “وبريات سمنود” في محافظة الغربية في إضراب عن العمل، بعد قرار الأخيرة صرف 50% فقط من رواتب شهر مارس/ آذار الماضي.
وكانت الشركة، التي تمتلك وزارة التخطيط والتعاون الدولي نحو 52% من أسهمها، قد شهدت إضرابًا في مارس/ آذار الماضي، أنهاه العمال في يوم 18 من الشهر نفسه بعد صرف راتب فبراير/ شباط كاملًا، وتلقّي وعود بانتظام الأجور.
لم تمضِ ثلاثة أسابيع حتى خلفت الإدارة بكل تلك الوعود، ليعود الإضراب تحت شعار واحد: “لا رواتب ولا تأمين”.
امتدت آثار أزمة التأمينات إلى حرمان عدد من العمال من العلاج
وأكد العمال أن القرار يمثل انتقاصًا من حقوقهم الأساسية، مؤكدين تمسكهم بصرف الأجور كاملة دون تجزئة، ورفضهم تحميلهم تبعات الأزمة المالية التي تعاني منها الشركة.
وفي موازاة أزمة الأجور، يواصل العمال التأكيد على مطلبهم الأساسي المتعلق بالتأمينات الاجتماعية والصحية، والذي أصبح، حسب وصفهم، “قضية حياة أو موت”، في ظل استمرار حرمانهم من الخدمات العلاجية رغم خصم الاشتراكات من أجورهم.
ويشير العمال إلى أن أزمة التأمينات لم تعد مجرد خلل إداري، بل امتدت آثارها إلى حرمان عدد من زملائهم من العلاج، خاصة الحالات المرضية الحرجة التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة، وهو ما يزيد من حالة الاحتقان داخل الشركة.
مشروع قانون
إلى ذلك، أحال المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، الأسبوع الماضي، 4 مشاريع قوانين إلى اللجان المختصة بالمجلس لدراستها وإعداد تقرير بشأنها، بينها مشروع القانون المقدم من النائبة نشوى الشريف و60 نائباً، بتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها إلى لجنة مشتركة من لجنتي القوى العاملة والشؤون الدستورية والتشريعية.
وقالت الشريف إن الهدف من التشريع هو حماية كفاءة الجهاز الإداري للدولة، لكن الواقع العملي كشف عن عدد من الإشكاليات التي تتطلب إعادة النظر في بعض بنوده.
وفي تصريحات متلفزة، بينت أن القانون يمثل خطوة مهمة في مواجهة ظاهرة تعاطي المخدرات بين العاملين بالجهاز الإداري، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع أفرز حالات غير عادلة، مشيرة إلى أن بعض الموظفين تعرضوا للفصل نتيجة تعاطي أدوية علاجية أثرت على نتائج التحاليل، دون منحهم فرصة كافية لإثبات موقفهم.
وأضافت أن هناك حاجة ملحة لوضع آليات أكثر دقة تضمن التفرقة بين التعاطي الفعلي للمخدرات واستخدام الأدوية الموصوفة طبيًا، مع التأكيد على أهمية إتاحة إجراءات تظلم عادلة وشفافة قبل اتخاذ قرارات الفصل النهائي.
وأكدت أن تحركها لا يستهدف إلغاء القانون، بل تعديله بما يحقق التوازن بين الحفاظ على انضباط مؤسسات الدولة وضمان حقوق العاملين، مشددة على ضرورة مراجعة آليات التنفيذ بما يمنع وقوع أي ظلم على الموظفين.
حراك برلماني لتعديل قانون الوظائف العامة
ويأتي هذا الطرح في وقت يتزايد فيه الجدل حول آليات تطبيق القانون، بين مطالب بتشديد الرقابة لمكافحة التعاطي، ودعوات لإدخال تعديلات تضمن العدالة في التنفيذ.
فقد لفتت دار “الخدمات النقابية والعمالية” إلى أن إحالة مشروع القانون إلى لجنتي القوى العاملة والشؤون التشريعية، جاءت “بعد تطور إيجابي في التعامل مع هذا القانون، حيث أحيل إلى المحكمة الدستورية مطعونًا في معظم مواده. وصدرت بعض من الأحكام القضائية التي تؤكد الخطأ في إجراءات تطبيقه.
ووفق الدار، أسفر تطبيق القانون عن مآس اجتماعية لا حصر لها، إذ تعالت صرخات ضحاياه طلبًا لإنقاذهم مما حاق بهم من أضرار جسيمة، وكشفت شكاواهم عن مظالم عديدة ترتبت على انعدام الشفافية وشبهات الفساد التي شابت إجراءات تطبيق القانون، ليتردد صدى هذه الصرخات داخل أروقة البرلمان.
وطالبت الدار، اللجنة المشتركة المُحال إليها مشروع القانون، بتنظيم حوار مجتمعي ديمقراطي بمشاركة جميع الأطراف دون استبعاد أو إقصاء، ومناقشة جميع مقترحات تعديل القانون المقدمة منها، وتنظيم جلسات استماع تُتاح فيها الفرصة على الأخص للمُتضررين من تطبيق القانون لعرض مظالمهم ومقترحاتهم.
ودعت، رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، إلى إصدار بإلغاء جميع قرارات إنهاء الخدمة التي صدرت تطبيقًا للقانون رقم 73 لسنة 2021 في كافة الهيئات الحكومية والمؤسسات التي تم تطبيق القانون عليها وفقًا لأحكام المادة الثانية منه، وتشكيل لجنة تختص بتلقي الشكاوى، والتحقيق في وقائع انعدام الشفافية، والخطأ في تطبيق الإجراءات.
وأكدت أن “اشتراط عدم تعاطي العامل مواد مخدرة للعمل أو الاستمرار والترقي فيه ينتهك حقوق العمل، كما ينتهك حرمة الحياة الخاصة، وينتقص من الحقوق اللصيقة بالشخصية التي يكفلها الدستور المصري بنصوص واضحة، ذلك أن ما يمكن محاسبة العامل عليه أو مجازاته بسببه هو ثبوت إخلاله بواجباته الوظيفية كونه تحت تأثير مخدر، وليس التحليل الفجائي له دون وجود أي دلائل على كونه تحت تأثير مخدر”.
مواصفات المادة
وشددت على ضرورة أن “تحدد الجهات المختصة مواصفات المادة المخدرة التي يمثل تعاطيها خطرًا، أو يؤدي إلى تعطيل العقل، والقدرة على إنجاز العمل بالكفاءة المطلوبة، وذلك من حيث نوعها، وخصائصها، وكميتها”.
ودعت، في “حال ثبوت تعاطي العامل للمادة المخدرة التي تؤثر على أدائه للعمل”، إلى “التدرج في العقوبة”، موضحة أنه “لا يجب أن تكون هذه العقوبة إنهاء الخدمة لكيلا تترتب الآثار الاجتماعية الخطيرة التي رأيناها خلال السنوات الماضية منذ صدور القانون”.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق