الجمعة، أبريل 24، 2026

المصريون يحصدون (ثمار) الديكتاتورية

  جولة خليجية (سريعة جداً) ومتأخرة، قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى أربع دول خليجية (قطر- الإمارات- البحرين- السعودية) ظن المراقبون في البداية أنها تهدف إلى دعم هذه الدول في الحرب الدائرة حالياً، بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلا أن مصادر خليجية متعددة، سارعت إلى تسريب معلومات، عن أنها كانت تستجدي هذه الدول في الحصول على مساعدات مالية، على خلفية الخسائر التي طالت مصر جراء الحرب، نتيجة تراجع عبور السفن بقناة السويس، وارتفاع أسعار الغاز، التي تعتمد عليه محطات الكهرباء في مصر بشكل أساسي، وغير ذلك.

ما أكد هذه التسريبات، هو ما أعقب الجولة مباشرة، من اتصالات رسمية مصرية، مع الولايات المتحدة الأمريكية، تطلب مساعدات مالية، استناداً إلى الأسباب نفسها، ثم اتصالات أخرى مع عواصم أوروبية وصناديق دولية، ما يشير إلى أن الحالة متردية إلى حد كبير، خصوصاً مع إجراءات داخلية تتعلق بترشيد استهلاك الكهرباء بشكل خاص، تضمنت التبكير بإغلاق المحلات التجارية، والمكاتب الإدارية، وإظلام الشوارع الداخلية والطرق السريعة، وغيرها من أمور لم يستسغها المواطن، على اعتبار أن مصر ليست طرفاً مباشرا فيما يجري بالمنطقة، فما بالنا عندما تكون طرفاً رئيسياً في الحرب، أو العقوبات.
الغريب أن رئيس الوزراء، حينما أعلن عن هذه الإجراءات، قال إنها البداية، وإن هناك إجراءات تقشفية أخرى، سيتم الإعلان عنها في حينه، مع إطالة أمد الحرب، ما فتح باب النقاش واسعاً حول الموقف الاقتصادي للدولة ككل، خصوصاً بوجود تصريحات سابقة لرئيس الدولة ورئيس الحكومة معاً، تبشر بالرخاء، وتؤكد استقرار الأوضاع المالية والاقتصادية، وأن البلاد بدأت تجني ثمار ما يطلق عليه الإصلاحات، وتحمل ارتفاع الأسعار، ورفع الدعم عن الوقود والسلع، على مدى 12 عاماً مضت، هي عمر السيسي في الحكم، وغيرها من تطمينات ووعود.

المؤشرات تؤكد أن الأوضاع الاقتصادية وحتى السياسية، ما بعد الحرب، لن تكون أبداً كما قبلها، في ضوء علاقات أصبحت مرتبكة مع العالم الخارجي، وبشكل خاص دول الخليج

الغريب في الأمر، أن كل ذلك تبدد، بمرور أسبوع واحد من الحرب، رغم أن البلاد تدار حتى الآن بمخزونات من النفط والغاز، تم شراؤها في السابق بأسعار ما قبل الحرب، ناهيك من أن الإنتاج المحلي من النفط والغاز، المفترض أنه يغطي جزءاً كبيراً من احتياجات البلاد، إلا أنه لا يتم الإفصاح ولا الاعتراف بذلك أبداً، مع تصدير جزء كبير منه للخارج، خصوصاً الغاز والكهرباء، وسط غموض كبير فيما يتعلق بمداخيل الدولة بشكل عام، في وجود ما تسمى بالصناديق الخاصة، التي تخفي بداخلها أرقاماً خيالية، لا يجوز حتى لمجلس النواب، أو الأجهزة الرقابية الاطلاع عليها، كما هو الحال فيما يتعلق باقتصاد الجيش.
الجديد في الأمر، هو أن دول الخليج لم تعد تخجل من المصارحة، أصبحت تطالب بالإفصاح عن مصير الأموال والمساعدات التي قدمتها لمصر خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، بما يصل إلى مئة مليار دولار، بل تتعمد تسريب معلومات عن وجود جزء كبير من هذه الأموال في حسابات خاصة بمصارف خارجية، إلى غير ذلك من اتهامات، لم تثر حفيظة النظام كي ينتفض ويدافع عن نفسه، بتوضيح ينهي الجدل في هذا الشأن، إلا أن المؤكد هو أن هذا الجانب من المساعدات قد توقف الآن إلى أجل غير مسمى، وربما توقف إلى غير رجعة، نتيجة مستجدات الحرب الدائرة، التي يتصدرها الموقف المصري من الأطراف المتحاربة، ذلك أن دول الخليج ترى، أنه لا يرقى إلى المستوى المأمول، على المستويين الرسمي والشعبي في آن واحد. قد تكون آمال وتطلعات هذه الدول نحو مصر منطقية وواقعية إلى حد كبير، إذا وضعنا في الاعتبار مصر التاريخ والجغرافيا والريادة… إلا أن هذه النظرة تتجاهل، من وجهة نظر واسعة، الدعم المالي لمصر خلال السنوات السابق ذكرها، لم يكن يهدف إلى دعم الدولة المصرية، أو الشعب، بقدر ما كان يدعم شخصاً بعينه، هو الرئيس السيسي، أو نظاماً بعينه، هو نظام السيسي، في إطار دعم عملية انقلاب واضحة المعالم، على إرادة شعبية، كانت ترنو إلى حكم ديمقراطي رشيد، بعد عقود طويلة من الديكتاتورية والقهر، في ظل الحكم العسكري.
الأمر الآخر، هناك في مصر الآن تطابق رسمي وشعبي في المواقف إلى حد كبير، نحو رفض هزيمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحرب الدائرة الآن، مادام الطرف الآخر، هو الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، ذلك أن الكيان يمثل حالة خاصة عدائية، نتيجة حروب سابقة مع مصر مباشرة، ونتيجة احتلال حالي لفلسطين والمسجد الأقصى بشكل خاص، كما أن الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة لذلك الكيان، يجعل منها هي الأخرى، حالة عدائية مع الشعب المصري، حتى إن اختلف الأمر هنا تحديداً مع الموقف الرسمي، المغلوب على أمره في التعامل مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، كما هو حال كل أنظمة المنطقة، لأسباب معلومة، تتعلق بهشاشة هذه الأنظمة، نتيجة عدم خروجها من رحم الشارع. على أي حال، لو أن الرئيس السيسي، اقتنع منذ اليوم الأول لاعتلائه سدة الحكم، عام 2104، بأهمية دراسات الجدوى، ما كان الحال هو الحال، لو أنه اهتم بالرجوع إلى مستشارين في التخصصات المختلفة قبل اتخاذ القرارات المهمة، لما كانت النتائج في شكلها الحالي، لو أنه آمن بأن هناك متخصصين ولا يوجد على وجه الأرض من يجيد كل التخصصات مجتمعة، لما وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه، لو أنه سمح للصحافة بممارسة دورها في النقد والتوجيه، لأصبحت مصر في مصاف الدول المتحضرة، لو أنه أدرك أهمية الأولويات في بناء الدولة، لما كان كل هذا الضنك والفقر والاستدانة، لو أنه استعاض عن إنشاء السجون، بتقليص العجز في عدد المدارس والمستشفيات، لما كانت البلاد في عداد الأكثر تخلفاً وتدهوراً.
للأسف قال السيسي موجهاً كلامه لشعبه: (أنا لا أؤمن بدراسات الجدوى، فهي تعوق العمل!)، فكان ما كان من إنشاء عاصمة جديدة، رغم حاجة الدولة إلى المصانع والإنتاج، قال السيسي: (أنا ربنا خلقني طبيب وفيلسوف، أفهم في كل شيء ولديّ الحلول لكل شيء!)، بالتالي لم يكن يسمع للنصيحة، اختلت الأولويات لديه بمعزل عن التنمية قائلاً: (أنا بابني قصور رئاسية، وهابني قصور رئاسية)، رغم تصنيف ثلثي الشعب تحت خط الفقر، أيضاً ومنذ بداية ممارسته لمهام منصبه خاطب وسائل الإعلام قائلاً: (جمال عبدالناصر كان محظوظاً، أنا أريد إعلام عبدالناصر)، في إشارة إلى إعلام الصوت الواحد، والرأي الواحد، والتعبير عن وجهة النظر الرسمية فقط لا غير!
الآن فقط اكتشفت مصر، أنها تعيش على صفيح ساخن، نتيجة الاعتماد على اقتصاد هش، يرتكز في مصادر العملات الأجنبية على ثلاثة محاور هي، السياحة، والعمالة المصرية بالخارج، وقناة السويس، في الوقت الذي يمكن فيه ضرب المصادر الثلاثة بحجر واحد هو، التوتر أو القلق بالمنطقة، ما بالنا بحرب لا هوادة فيها، لا أحد يعلم متى تنتهي، ولا كيف يمكن أن تتوقف، وهو ما جعل الدولة تنتفض وترتجف مع أي توتر أو قلق ليس في المنطقة فقط، بل في أي مكان بالعالم، كما هو الحال مع الحرب الروسية في أوكرانيا، حيث ارتفعت أسعار السلع بنسبة كبيرة، وقبل ذلك مع انتشار وباء «كورونا»، في غياب اقتصاد حقيقي يعتمد على الإنتاج والتصدير. بالتأكيد ستكشف إطالة أمد الحرب عن نقاط ضعف كبيرة في الأداء الاقتصادي والسياسي المصري، يمكن أن تسفر عن أزمات غير محمودة، خصوصاً ما يتعلق منها بالصدام مع الشارع، وهو ما جعل السيسي يناشد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بضرورة التدخل لوقف الحرب قائلاً: من فضلك، أنت الوحيد القادر على ذلك، موضحاً أن هناك أزمتين في قطاع الطاقة، هما نقص المعروض وارتفاع الأسعار.
رغم ذلك، فالمؤشرات تؤكد أن الأوضاع الاقتصادية وحتى السياسية، ما بعد الحرب، لن تكون أبداً كما كانت قبلها، في ضوء علاقات أصبحت مرتبكة مع العالم الخارجي، وبشكل خاص دول الخليج، الأمر الذي قد يجبر النظام على تخفيف القبضة الحديدية، بالرهان على الديمقراطية، والإفراج عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، بعد أن يكتشف أن كل هذه الأوضاع المتردية، إنما هي نتاج طبيعي للديكتاتورية، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل مازال هناك متسع من الوقت لذلك الرهان، أم فات الأوان؟

المصريون يحصدون (ثمار) الديكتاتورية

ليست هناك تعليقات:

نقل الجثمان إلى القاهرة

  حالة من الغموض تحيط بوفاة طبيب مصري في الإمارات، يدعى ضياء العوضي واشتهر برفض العلاج بالأدوية. وقالت وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، إنها...