في السابعة والثمانين، لا يكتب أنتوني هوبكنز سيرة نجاح،
بل رسالة مصالحة. يعود إلى الطفل المرتبك الذي كان عليه يوماً، ذلك الصبي الخائف في بلدات جنوب ويلز، ليهمس له: لقد نجونا. بين الإدمان والندم، بين العزلة والمجد، تتكشف حكاية فنان لم يهزم العالم بقدر ما هزم نفسه.
يبدأ هوبكنز رحلته بالنظر إلى صورة قديمة له مع والده وهو في الثالثة من عمره، ويقول: «لقد فعلنا جيداً يا صغيري». يختار هوبكنز هذه العبارة عنواناً لمذكراته، محولاً إياها إلى رسالة حب طويلة موجهة إلى ذلك الطفل الذي كان يسكنه ذات يوم.
يبدأ هوبكنز رحلته من بلدة «بورت تالبوت» الويلزية الصغيرة، حيث ولد نهاية 1937 وسط الكساد الكبير والحرب. هناك يكشف عن طفولة قاسية مع أب كان يعمل في المناجم، ثم خبازاً وبعدها امتلك باراً، وكان يساري الهوى متذمراً من كل شيء، لا يؤمن بإظهار المشاعر لكنه كان يحمل نزعة رومانسية باكية. طفل كان زملاؤه يسخرون منه ويلقبونه بـ»رأس الفيل»، ما جعله كما يعترف يغلق المشاعر، لا دموع، لا حزن، لا شيء، الكثير من العذاب. يتوقف هوبكنز عند شهادة أحد مدرسيه القدامى التي ترسم صورة طفل غامض: كان لا يلعب الكريكت ولا كرة القدم، لا يتكلم مع أحد. كان هادئا جداً، جيدا في الجغرافيا والموسيقى، ويعزف على البيانو. بعد عشر سنوات من ترك المدرسة، تفاجأ مدرسوه، حين رأوه على المسرح يمثل أمام لورنس أوليفييه، أعظم ممثلي بريطانيا في القرن العشرين، في مسرحيات شكسبير مثل، «هاملت» و»الملك لير» وغيرهما من الأعمال الخالدة.
قبل انطلاقته، قضى هوبكنز سنتين في الجيش، ثم التحق بالأكاديمية الملكية للفنون الدرامية حيث تخرج عام 1963. هناك تعلم كيفية تشكيل أدواته الفنية، والأهم كيفية ضبط انفعالاته المفرطة التي كانت تهدد مسيرته وحياته الشخصية.
ما يميز هذه المذكرات هو الصدق المذهل في سرد المعارك الداخلية. هوبكنز لا يخفي شيئاً عن إدمانه للكحول الذي كاد يقتله. يتذكر فيلماً «فظيعاً» من أوائل السبعينيات لا يتذكر مشاركته فيه لأن الجميع كانوا في حالة سكر تام. وصل إلى الحضيض بعدما حطم سيارته وهو مخمور في بيفرلي هيلز.
هذا العام يمر نصف قرن على إقلاعه عن الخمر.. في 29 ديسمبر/كانون الأول 1975، كان في السابعة والثلاثين حين قرر تغيير حياته
. يتذكر تحذير طبيبه بأن معظم الفنانين المدمنين يموتون في الخمسينيات. لحظة الاستيقاظ الحقيقية جاءت بعد حادث السيارة: عندما استعاد وعيه، نظر إلى أشجار الكينا وشكر الله لأنه لم يمت أحد، ثم سمع صوتاً يسأله: هل تريد أن تعيش أم تموت؟ فأجاب: أريد أن أعيش، فقال الصوت: انتهى كل شيء الآن، ومن تلك اللحظة اختفت رغبته في الشرب. لكن أكثر ما يحزن هو اعترافه بابنته الوحيدة «أبيغيل» من زواجه الأول. يروي كيف ترك أسرته تحت تأثير الكحول وابنته في عامها الأول. يصف هذا الندم بأنه الأعمق في حياته، متمنياً أن تعلم ابنته أن بابه سيبقى مفتوحاً. تزوج هوبكنز مرة ثانية من جينيفر لينتون لثلاثة عقود، وفي 2003 تزوج للمرة الثالثة من ستيلا أروياف، رفيقة دربه حتى اليوم. يطل شبح الموت كخيط ناظم في المذكرات، يربط الأجيال. هوبكنز يعترف بأن هاجس الموت يطارده، موروث من جده الذي يقول إنه صافح تروتسكي، ومن أبيه الساخر اللاديني. يتحدث عن «كابوس الموت» الذي يسكنه، وفي الصفحات الأخيرة يكتب: في الـ87 من عمره، أدرك كم أن الحياة قوة عظيمة، وأدرك أيضاً عظمة الفناء.
كان موسيقياً وملحناً، وولد له لحن «And the Waltz Goes On» في 1964، لكنه أهمله لخمسين عاماً حتى سجّله الموسيقار أندريه ريو عام 2011، ليكتمل حلم نصف قرن. كان أبي يقول لي: «فقط استمر في المضي قدماً. قف منتصباً ولا تتذمر. كانت رحلة جميلة. الحياة قاسية، فماذا في ذلك؟ لا تستسلم أبداً. (قاسية بعض الشيء، لكنها أنقذتني)». هذه الكلمات الأبوية القاسية، التي تحمل في طياتها حكمة الرجال الذين عاشوا فلم يجدوا وقتاً للشكوى، كانت بمثابة البوصلة التي وجهت هوبكنز في رحلته المضطربة إلى جانب عزلته المفرطة. ويضيف هوبكنز في آخر مذكراته: «كل يوم أصحو وأقول: صباح الخير يا عالم، ها أنا ذا مجدداً، أصغر مما سأكون عليه يوماً. دعنا نضحك قليلاً اليوم». هذه العبارة اليومية البسيطة تحمل نظرة كاملة: الوعي بالزمن، والامتنان للحظة الراهنة، وقرار واعٍ بمواجهة العبث بالضحك. إنها امتداد لوصايا الأب القاسية في آن واحد.
يشرح هوبكنز تفضيله للسينما على المسرح وعلاقاته مع زملائه، فيظهر أسماء لامعة. يحكي عن فيلم «نيكسون» (Nixon) عندما أخبره بول سورفينو بأنه «يفسد الدور»، فاهتزت ثقته وطلب من المخرج أوليفر ستون إقالته، لكن ستون رفض ووصف سورفينو بالأحمق السمين. أما حكاية فيلمه الأيقوني «صمت الحملان» (The Silence of the Lambs)، فتكشف مفارقة مذهلة: جودي فوستر كانت مرعوبة منه لدرجة أنها تجنبت النظر إليه طوال التصوير، حتى اليوم الأخير! وعندما التقيا اعترف لها بأنه هو الآخر كان يخاف منها! عن هذا الدور حصل على أوسكاره الأولى عام 1992، وفوستر حصلت على جائزتها الثانية. في عام 2021، حصل هوبكنز على أوسكاره الثانية عن فيلم «الأب» (The Father). كان عمره 83 عاماً، ما جعله أكبر ممثل في التاريخ يفوز بجائزة الأوسكار. هذا التكريم يليق بمسيرة أسطوري لا يشيخ.
تتميز المذكرات بأنها لا تظهر هوبكنز كبطل خارق. على عكس مذكرات النجوم المعتادة، التي تحاول تلميع الصورة، يظهر هوبكنز هنا كإنسان بسيط، يعترف بعيوبه وإخفاقاته: الإدمان، الخيانة الزوجية، نوبات الغضب، الانعزال والوحدة. يقول: إذا كنت ستعيش، فعليك أن تعيش حقاً. ارتكب أخطاء، أسقط عن الحصان، ثم عد إلى السرج وواصل الركوب.
هوبكنز ممثل، مخرج، منتج، ملحن، رسام، وقارئ نهم، وعاشق للأدب. فالكتاب مليء بأشعار عمر الخيام وغيره من المشاهير، ويخصص جزءاً للأشعار في آخر الكتاب التي كان يرددها على والده، ليعود بتلك اللحظة المؤثرة على سرير الموت عندما سأله والده بدهشة: كيف تعلمت كل هذه الكلمات؟
الكتاب، الذي تجاوز 353 صفحة، صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ويأخذنا في جولة عبر أعمال لا تُحصى. كانت أعماله نحو 100 فيلم إلى جانب عشرات المسرحيات، تركت أثراً عميقاً في السينما والمسرح على حد سواء، مثل Remains of the Day, The Edge وغيرها. هذا الكتاب عبارة عن اعترافات رجل في السابعة والثمانين، ينظر إلى ذلك الطفل التائه في شوارع جنوب ويلز، ويقول له: انظر، لقد فعلناها. العبارة نفسها التي أطلقها على ابنته في فيلم «الأب»، يهديها الآن لذاته الصغيرة. في هذا الكتاب، يثبت هوبكنز أن أعظم أدواره كان الأخير: دور الإنسان الذي يواجه ماضيه بشجاعة، ويصنع من جروحه فنّاً خالداً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق