لماذا يجب رفض مقترح “التبرع بجلد الأموات”؟
يثير أي حديث عن استخدام أجزاء من أجساد الموتى—وخاصة الجلد—أسئلة أخلاقية وقانونية خطيرة لا يجوز تجاوزها تحت أي ذريعة “طبية” أو “إنسانية”. فالمسألة لا تتعلق بابتكارٍ علمي بريء، بل بحدود كرامة الإنسان، وبمنع تحويل الجسد البشري إلى مادة خام في سوق مفتوحة.
أولًا: انتهاك صريح لكرامة الإنسان
الكرامة الإنسانية لا تزول بالموت. هذا مبدأ راسخ في الأخلاق الطبية وفي الأعراف الدينية والثقافية. التعامل مع جلد الأموات كـ“مورد” قابل للجمع والتداول يختزل الإنسان إلى مكوّنات، ويفتح الباب لتشييء الجسد بدل احترامه. أي سياسة عامة تمسّ الجسد بعد الوفاة يجب أن تُقاس بميزان الكرامة قبل أي منفعة مزعومة.
ثانيًا: إشكاليات قانونية جسيمة
القوانين المقارنة—وكذلك مبادئ القانون الدولي الطبي—تشدد على:
الموافقة المستنيرة المسبقة والواضحة من الشخص قبل وفاته، لا من ورثته ولا بقرارات إدارية لاحقة.
منع الاتجار بالأعضاء والأنسجة بأي صورة مباشرة أو غير مباشرة.
وجود أطر رقابية مستقلة وشفافة تمنع الاستغلال.
أي طرح لا يقدّم ضمانات صارمة بهذه الشروط يُعدّ قفزًا فوق القانون، ويعرّض المجتمع لمخاطر الاتجار والاستغلال.
ثالثًا: خطر الانزلاق إلى سوق سوداء
في سياق اقتصادي ضاغط وارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة أمام السياسات التي قد تُغري بتحويل الفقر إلى “مصدر إمداد”. فتح نقاش عام عن “جلد الأموات” دون بنية تشريعية وأخلاقية محكمة يخلق حوافز منحرفة ويزيد احتمالات السوق السوداء، بدل أن يخدم الطب أو المرضى.
رابعًا: الإلهاء عن الأولويات الحقيقية
الجدل حول مقترحات صادمة أخلاقيًا قد يصرف الانتباه عن حلول واقعية: دعم البحث العلمي الأخلاقي، تحسين أنظمة التبرع المعترف بها دوليًا، الاستثمار في الوقاية والرعاية الصحية، وضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية. هذه هي المعارك التي تمسّ حياة الناس اليومية، لا إثارة أفكار تجرح الوجدان العام.
خامسًا: بدائل مسؤولة
بدل هذا المسار الخطِر، يمكن:
تعزيز التبرع الطوعي وفق معايير دولية صارمة وبموافقة مسبقة.
الاستثمار في البدائل الصناعية والبيولوجية (كالجلود الاصطناعية المتقدمة).
تقوية الرقابة والشفافية في كل ما يتصل بالجسد البشري بعد الوفاة.
خاتمة
رفض مقترح “التبرع بجلد الأموات” ليس رفضًا للعلم ولا للطب، بل دفاعٌ عن حدٍّ أخلاقي وقانوني يحمي المجتمع من الانزلاق إلى تسليع الإنسان. السياسات العامة تُقاس بقدرتها على صون الكرامة ومنع الاستغلال، لا بقدرتها على إثارة الضجيج. #سالم_القطامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق