واجه آن-كلير لوجاندر، الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي بباريس، تحديات عدة بعد توليها المنصب إثر استقالة جاك لانغ على خلفية قضية إبستين. فبين استعادة ثقة الجمهور بعد الأزمات السابقة وضمان الشفافية الإدارية والمالية والحفاظ على استقرار المؤسسة في ظل تراجع التمويل، تعول لوجندر كثيرا على دور الدول العربية وفي مقدمتها السعودية وقطر. ففي حوار مطول مع يومية "لوفيغارو"، استعرضت الرئيسة الجديدة خططها لمواجهة هذه العقبات، وتعزيز دور المعهد كمنصّة ثقافية ودبلوماسية تربط فرنسا بالعالم العربي، مع التأكيد على أهمية الحوار والشراكات المتكافئة.

في حوار مطول مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، أكدت آن-كلير لوجاندر، الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي بباريس، أن مهامها الجديدة امتداد لمسار شخصي بدأ قبل أكثر من 20 عاما، وأن اهتمامها بالمعهد نشأ منذ عقود عندما زارته لأول مرة لشغفها بالعالم العربي، الذي درست أدبه، وثقافته. وأوضحت بذلك لوجاندر أن توليها اليوم رئاسة المؤسسة يمثل محطة حتمية.
وتندرج بحسب الرئيسة الجديدة مهمتها في "سياق دولي أوسع"، في وقت تحاول فيه "بعض القوى الرجعية والسلطوية فرض سردية تقوم على القطيعة بين الشمال والجنوب"، وفق تعبيرها.

كما اعتبرت أن فرنسا لديها علاقة خاصة مع "الجنوب"، وأن المعهد يمكن أن يلعب "دور منصة لتعزيز شراكات متكافئة تُبرز الإبداع والحداثة في العالم العربي، إلى جانب توفير فضاء لحوار هادئ حول قضايا الشرق الأدنى والشرق الأوسط".
إصلاحات داخلية وتحديات مالية
وتجدر الإشارة إلى أن عُهدة لوجاندر ستمتد حتى شهر ديسمبر/كانون الأول 2026، لكنها أكدت أنها ستسعى للبقاء على مدى طويل. وتأتي هذه المرحلة بعد أزمة شهدها المعهد إثر الكشف عن علاقة رئيسه السابق جاك لانغ بإبستين.
وأعلنت آن-كلير لوجاندر أن وزارة الخارجية ستباشر تفتيشا عاما لضمان الشفافية والحفاظ على نزاهة المؤسسة، مشددة على ضرورة توضيح كل الجوانب الإدارية والمالية لطمأنة الجمهور ودافعي الضرائب، فضلا عن تمكين الموظفين من العمل في أجواء مستقرة.
اقرأ أيضاآن-كلير لوجاندر أول امرأة تعين على رأس معهد العالم العربي في باريس
وأضافت لوجاندرأن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يسعى إلى تحديد سقف لا يتجاوز ولايتين لرئيس معهد العالم العربي، وألا يتعدى عمره 64 عاما عند تعيينه.غير أن التحدي الأكبر يبقى ماليا، وفق آن-كلير لوجاندر، التي أوضحت لصحيفة "لوفيغارو" أن الاتفاق الأصلي لتمويل المعهد (60% من جانب فرنسا و40% من الدول العربية) لم يُطبق بانتظام منذ عام 2013.
لذا شددت الرئيسة الجديدة على "ضرورة فتح حوار مع الشركاء العرب لضمان ديمومة المؤسسة وتحديد الدور الذي يرغبون في أدائه داخلها"، خاصة مع مطالبة بعضهم بدور أكبر في صنع القرار. كما طرحت الرئيسة الجديدة للمعهد خطة لتنويع الموارد عبر استقطاب رعاة من القطاع الخاص، وزيادة تأجير المساحات، إضافة إلى تطوير نشاط تعليم اللغة العربية.
"البعد العربي" في المجتمع الفرنسي والثقافة كأداة شراكة
وترى لوجاندر أن الفن يلعب دورا محوريا في بناء السرديات الجماعية، مشيرة إلى أن العالم العربي يشهد ديناميكية لافتة في بناء المتاحف والمؤسسات الثقافية. وأكدت أيضا أن المعهد يمكن أن يعزز تعاونه مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية وقطر والإمارات من خلال تنظيم مشترك للمعارض، مشيرة إلى أن باريس مكان مميز لتوفير مساحة من الحرية لفنانين قد لا تتاح لهم الظروف نفسها لتقديم أعمالهم في بلدانهم.

وشددت آن-كلير لوجاندر على أن نحو 10 ملايين فرنسي تربطهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالعالم العربي، معتبرة أن هذا الإرث لا يمكن تجاهله
فهو يؤثر في الثقافة والذائقة والنظرة للعالم. وتعهدت بأن يشكل المعهد قاعدة لحوارمن بين خطوطه التعريف بإسهام هذا البعد في إثراء المجتمع الفرنسي، مذكّرة بأن تعليم العربية في فرنسا يعود إلى قرون، منذ أن أدخل الملك فرانسوا الأول هذه اللغة ضمن برامج كوليج دو فرانس العريق. كما شددت لوجاندر أيضا على أن الهوية العربية متعددة الأبعاد وتشمل المسيحيين واليهود والمسلمين.
"جسر ثقافي ودبلوماسي"
وأضافت لوجاندر أن دور المعهد يتمثل في تقديم معرفة علمية دقيقة ومحايدة حول قضايا العالم العربي، بما في ذلك النزاعات المعاصرة. وشددت على أن المعارض التي خُصصت لقطاع غزة في عامي 2024 و2025، استقطبت جمهورا واسعا من الشباب الذي يسعى إلى اكتشاف الثقافة والفن العربي والاطلاع على معلومات موثوقة.
وقالت: "إن معهد العالم العربي يمكن أن يكون فضاء لدراسة العلاقة مع تاريخ الشرق الأوسط وإبراز أصوات المثقفين العرب التي لا تحظى بحضور كاف في فرنسا".
اقرأ أيضاقضية إبستين: مداهمة مقر معهد العالم العربي بباريس في إطار تحقيق يستهدف رئيسه المستقيل جاك لانغ
وصرحت آن-كلير لوجاندر بأنها تواصلت مع سلفها جاك لانغ عدة مرات، مشيرة إلى أن عمله يبقى مهما، إذ ساهم بحيويته وإبداعه في ترسيخ مكانة المؤسسة التي تستقبل نحو 750 ألف زائر سنويا.
وأنهت: "نريد توجيه المعهد نحو مرحلة جديدة تجمع بين الإصلاح المؤسساتي والاستقرار المالي وتعزيز دوره كجسر ثقافي ودبلوماسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق