العسكرة… حين تتحول التهمة إلى واقع
بقلم: المعارض المصري العسكروفوب سالم القطامي
لم تعد “العسكرة” في السياق المصري مجرد توصيفٍ سياسيٍّ يتبادله الخصوم، ولا تهمةً تُرفع في وجه السلطة في لحظات الاحتقان، بل غدت – في نظر كثيرين – واقعًا يوميًّا تتجلى ملامحه في تفاصيل الاقتصاد والإدارة والمجال العام. بين من يراها ضرورة لحماية الدولة، ومن يعدّها انحرافًا عن المسار المدني، يتسع الجدل وتتشابك الأسئلة.
لقد ارتبط مفهوم العسكرة تاريخيًا بصعود المؤسسة العسكرية إلى قلب المجال السياسي والاقتصادي. وفي التجربة المصرية، يعود هذا الحضور إلى ما بعد ثورة يوليو 1952، حين تَشكَّل النظام السياسي بقيادة ضباط الجيش. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الدور العسكري يتراوح بين الانكفاء والتمدّد، تبعًا للظروف الداخلية والإقليمية.
غير أن ما يميز اللحظة الراهنة – كما يرى معارضون – هو اتساع نطاق هذا الحضور ليشمل قطاعات اقتصادية وخدمية كانت تقليديًا من اختصاص القطاع المدني. فالمؤسسة العسكرية لم تعد فقط فاعلًا أمنيًا، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في مشاريع البنية التحتية، والإسكان، والمواد الغذائية، بل وحتى في إدارة بعض المرافق العامة.
أنصار هذا التوجه يجادلون بأن الجيش، بما يمتلكه من انضباط وقدرة تنظيمية، هو الأقدر على إنجاز المشروعات الكبرى بسرعة وكفاءة، خصوصًا في ظل بيروقراطية مدنية مترهلة. ويشيرون إلى أن تدخل المؤسسة العسكرية كان – في نظرهم – صمام أمان في أوقات الأزمات.
أما المعارضون، ومنهم الكاتب المذكور، فيعتبرون أن توسيع الدور العسكري يهدد التوازن بين السلطات، ويقوّض فرص التنافس العادل في السوق، ويُضعف الحياة السياسية المدنية. وهم يرون أن تحويل “التهمة” إلى “واقع” يعكس خللًا بنيويًا في طبيعة الحكم، لا مجرد خيار إداري عابر.
تبقى المسألة في جوهرها سؤالًا عن شكل الدولة: هل هي دولة مدنية ذات مؤسسة عسكرية قوية تحميها، أم دولة تتكئ في إدارتها اليومية على المؤسسة العسكرية؟
الإجابة، كما يبدو، ليست تقنية بقدر ما هي سياسية، وتتعلق برؤية المجتمع لمستقبله وحدود أدوار مؤسساته.
وفي ظل هذا الجدل، يظل النقاش حول العسكرة مفتوحًا، بين ضرورات الأمن ومتطلبات الديمقراطية، وبين سرعة الإنجاز وأولوية المساءلة، في معادلة لم تُحسم بعد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق