حين تُختزل الدولة في الحاكم
الدولة، في معناها العميق، ليست صورة على جدار، ولا خطابًا متلفزًا، ولا جهازًا أمنيًا متشعّب الصلاحيات.
الدولة فكرة قبل أن تكون مؤسسة، وعقدٌ أخلاقي قبل أن تكون سلطة تنفيذية.
لكن المأساة تبدأ حين تُختزل الدولة في شخص الحاكم، فيتحول الخلاف معه إلى خيانة، والنقد إلى تهديد، والمواطنة إلى منحة مشروطة بالطاعة.
في هذا النموذج، لا يُدار الحكم بالقانون بل بالولاء، ولا تُقاس الكفاءة بالإنجاز بل بالقرب، ولا تُحمى الدولة بالمؤسسات بل بالخوف.
وهنا لا يعود السؤال: هل الحاكم قوي؟
بل: هل الدولة ما زالت موجودة؟
الأنظمة التي تخلط بين الدولة والسلطة تُنتج كيانًا هشًّا مهما بدا صلبًا.
فالدولة التي تعتمد على فرد، تسقط بسقوطه أو تُصاب بالشلل عند غيابه.
أما الدولة التي تُبنى على قواعد، فتصمد حتى مع أسوأ الحكّام.
الأخطر من الاستبداد نفسه هو تطبيعه.
حين يُطلب من الناس تفهّم القمع باسم “الظرف”،
وتبرير الفشل باسم “المؤامرة”،
وقبول الصمت باسم “الاستقرار”،
يكون المجتمع قد دُفع خطوة إضافية نحو التآكل الذاتي.
الدولة لا تخاف من النقد،
لكن السلطة التي تدّعي تمثيل الدولة تخشاه.
والفرق بينهما هو الفرق بين كيانٍ واثق من شرعيته، وآخر يخشى انكشافها.
إن استعادة الدولة لا تبدأ بإسقاط الأشخاص فقط،
بل بإعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم،
وبترسيخ فكرة بسيطة وخطيرة في آن:
الحاكم موظف عام، لا مالكًا للوطن.
التاريخ يُظهر أن الدول لا تنهار فجأة،
بل تتآكل حين تُصادَر السياسة،
وتُعطَّل المحاسبة،
ويُقنَع الناس بأن لا بديل.
لكن البديل موجود دائمًا:
دولة القانون،
دولة المؤسسات،
دولة لا تُختزل في شخص، ولا تُدار بالخوف.
— Salem Elkotamy
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق