الخميس، يناير 22، 2026

العسكرة… حين تتحول التهمة إلى واقع بقلم: المعارض المصري العسكروفوب سالم القطامي اتهموا الرئيس المدني المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي ـ زورًا وبهتانًا ـ بـ«أخونة الدولة». صنعوا من المصطلح فزّاعة، وحرّكوا بها الخوف في الشارع، وكأن مصر كانت على شفا هيمنة تنظيمية شاملة خلال عامٍ واحدٍ من حكم مدنيٍ هشّ، محاصرٍ، مُقيَّد الصلاحيات. لم تكن مؤسسات الدولة يومها بيد الإخوان، ولا كانت مفاصل القوة خاضعة لهم، ولا تبدّلت بنية السلطات الثلاث. ومع ذلك، رُفعت راية الاتهام عاليًا… لا لشيء إلا لتمهيد الطريق. ثم جاء الانقلاب، وجاء معه الواقع الذي لم يجرؤوا على تسميته باسمه: العسكرة. العسكرة هنا ليست وصفًا إنشائيًا، بل حالة بنيوية كاملة. رئيس قادم من المؤسسة العسكرية، سلطة تنفيذية تتغذى على عقلية الأوامر، برلمان صُنع في ظل الإشراف الأمني، وقضاء جرى تسييسه وتطويعه عبر القوانين الاستثنائية والتدخلات المباشرة. لم يعد الفصل بين السلطات مبدأً دستوريًا بقدر ما صار شعارًا بلا مضمون. أما الاقتصاد، فقد صار ساحة مفتوحة لتمدد العسكر: من الغذاء إلى الإسمنت، من الطرق إلى الإعلام، من الدواء إلى التعليم. لم يعد الجيش مؤسسة دفاع وطني، بل تحوّل إلى لاعب اقتصادي مهيمن، ينافس بلا رقابة، ويُحاسَب بلا مساءلة. هكذا تُختنق السوق، ويُقصى المدني، وتُدفن الشفافية. المفارقة الفاضحة أن من خوّف الناس من «أخونة» لم تقع، فرض عليهم عسكرةً وقعت وتكرّست. ومن ادّعى حماية الدولة، صادر السياسة، وجرّد المجتمع من حقه في الاختيار، وحوّل الوطن إلى إدارة مغلقة تُدار بعقلية الطوارئ الدائمة. العسكرة مسخرة… لأنها تُقدَّم كحل، وهي أصل الأزمة. مسخرة لأنها تزعم الاستقرار، ولا تنتج إلا الخوف. مسخرة لأنها ترفع شعار الوطنية، وتُفرغ الدولة من روحها المدنية. ومسخرة لأنها تحاكم المدنيين بمنطق الثكنة، ثم تستغرب الغضب واليأس. ليست المعركة بين «دين» و«دولة»، كما أرادوا تبسيطها، بل بين المدنية والعسكرة. بين دولة يحكمها القانون والمؤسسات المنتخبة، ودولة تُدار بالأوامر وتُسكت بالقبضة. ومن يخاف على مصر حقًا، لا يخاف من السياسة، بل يخاف من تحويلها إلى جريمة. التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تموت. قد تطول لحظة القمع، لكن الحقيقة أبقى: اتهموا المدني بالأخونة، فأسسوا هم دولة العسكرة. وهذه هي المفارقة التي لن تنفع معها كل أبواق التبرير.

 العسكرة… حين تتحول التهمة إلى واقع

بقلم: المعارض المصري العسكروفوب سالم القطامي

اتهموا الرئيس المدني المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي ـ زورًا وبهتانًا ـ بـ«أخونة الدولة». صنعوا من المصطلح فزّاعة، وحرّكوا بها الخوف في الشارع، وكأن مصر كانت على شفا هيمنة تنظيمية شاملة خلال عامٍ واحدٍ من حكم مدنيٍ هشّ، محاصرٍ، مُقيَّد الصلاحيات. لم تكن مؤسسات الدولة يومها بيد الإخوان، ولا كانت مفاصل القوة خاضعة لهم، ولا تبدّلت بنية السلطات الثلاث. ومع ذلك، رُفعت راية الاتهام عاليًا… لا لشيء إلا لتمهيد الطريق.

ثم جاء الانقلاب، وجاء معه الواقع الذي لم يجرؤوا على تسميته باسمه: العسكرة.

العسكرة هنا ليست وصفًا إنشائيًا، بل حالة بنيوية كاملة. رئيس قادم من المؤسسة العسكرية، سلطة تنفيذية تتغذى على عقلية الأوامر، برلمان صُنع في ظل الإشراف الأمني، وقضاء جرى تسييسه وتطويعه عبر القوانين الاستثنائية والتدخلات المباشرة. لم يعد الفصل بين السلطات مبدأً دستوريًا بقدر ما صار شعارًا بلا مضمون.

أما الاقتصاد، فقد صار ساحة مفتوحة لتمدد العسكر: من الغذاء إلى الإسمنت، من الطرق إلى الإعلام، من الدواء إلى التعليم. لم يعد الجيش مؤسسة دفاع وطني، بل تحوّل إلى لاعب اقتصادي مهيمن، ينافس بلا رقابة، ويُحاسَب بلا مساءلة. هكذا تُختنق السوق، ويُقصى المدني، وتُدفن الشفافية.

المفارقة الفاضحة أن من خوّف الناس من «أخونة» لم تقع، فرض عليهم عسكرةً وقعت وتكرّست. ومن ادّعى حماية الدولة، صادر السياسة، وجرّد المجتمع من حقه في الاختيار، وحوّل الوطن إلى إدارة مغلقة تُدار بعقلية الطوارئ الدائمة.

العسكرة مسخرة… لأنها تُقدَّم كحل، وهي أصل الأزمة. مسخرة لأنها تزعم الاستقرار، ولا تنتج إلا الخوف. مسخرة لأنها ترفع شعار الوطنية، وتُفرغ الدولة من روحها المدنية. ومسخرة لأنها تحاكم المدنيين بمنطق الثكنة، ثم تستغرب الغضب واليأس.

ليست المعركة بين «دين» و«دولة»، كما أرادوا تبسيطها، بل بين المدنية والعسكرة. بين دولة يحكمها القانون والمؤسسات المنتخبة، ودولة تُدار بالأوامر وتُسكت بالقبضة. ومن يخاف على مصر حقًا، لا يخاف من السياسة، بل يخاف من تحويلها إلى جريمة.

التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تموت. قد تطول لحظة القمع، لكن الحقيقة أبقى: اتهموا المدني بالأخونة، فأسسوا هم دولة العسكرة. وهذه هي المفارقة التي لن تنفع معها كل أبواق التبرير.

ليست هناك تعليقات:

سيكولوجية الشعب المصري تحت حكم السيسي بين الخوف المُمنهج، والإنهاك النفسي، وتآكل المجال العام لم يعد ممكنًا فهم سلوك الشعب المصري اليوم بمعزل عن السياق النفسي العنيف الذي فُرض عليه منذ انقلاب 2013. فالحكم في مصر لم يعد مجرد سلطة سياسية استبدادية، بل تحوّل إلى منظومة شاملة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، قائمة على الخوف، الإذلال، إنهاك الأعصاب، وكسر الإرادة. أولًا: الخوف كأداة حكم الخوف لم يعد حالة طارئة، بل صار وضعًا نفسيًا دائمًا. المواطن المصري اليوم لا يخشى فقط الاعتقال أو القمع المباشر، بل يخاف من: الكلام النكتة الرأي حتى الصمت أحيانًا هذا الخوف المتراكم خلق ما يسميه علماء النفس بـ “الشلل السلوكي”؛ حيث يفضّل الفرد الانسحاب الكامل من الشأن العام حفاظًا على الحد الأدنى من الأمان. ثانيًا: التطبيع مع القهر أخطر ما أنتجه حكم السيسي ليس القمع ذاته، بل تطبيع المجتمع معه. أصبحت عبارات مثل: «خلّيك في حالك» «هو إحنا ناقصين؟» «السياسة ملهاش لازمة» آليات دفاع نفسية جماعية، لا تعكس قناعة، بل عجزًا مكتسبًا (Learned Helplessness)، حيث يقتنع الفرد أن أي مقاومة بلا جدوى، فيستسلم قبل المحاولة. ثالثًا: انقسام الوعي الجمعي الشعب المصري اليوم منقسم نفسيًا إلى ثلاث فئات رئيسية: الخائف الصامت: الأغلبية الساحقة، يعيش يومه بيومه، منهك، فاقد للأمل. المبرّر القهري: يدافع عن السلطة لا حبًا فيها، بل هربًا من الاعتراف بالهزيمة النفسية. الرافض المعزول: معارض لكنه محاصر اجتماعيًا، مُشيطن إعلاميًا، ومُستنزف نفسيًا. هذا الانقسام ليس طبيعيًا، بل نتيجة سياسة ممنهجة لضرب التضامن المجتمعي. رابعًا: الإعلام كأداة تشويه نفسي الإعلام الرسمي لم يعد ناقلًا للخبر، بل أداة لإعادة هندسة المشاعر: تضخيم الخطر الخارجي شيطنة أي معارضة تحويل الفشل إلى «مؤامرة» إقناع المواطن بأن الفقر قدر، والقمع ضرورة النتيجة: مواطن مشوش، غاضب بلا اتجاه، ساخر بلا أمل. خامسًا: الإنهاك الاقتصادي وأثره النفسي الضغط الاقتصادي المستمر (غلاء، ديون، ضرائب، فقدان الأمان الوظيفي) ليس مجرد فشل إدارة، بل وسيلة إخضاع نفسي. فالشخص المنهك اقتصاديًا: لا يملك طاقة للاحتجاج ولا وقتًا للتفكير ولا قدرة على التنظيم وهكذا يُستبدل المواطن بـ كائن يسعى للبقاء فقط. خاتمة: شعب لم يمت… بل أُنهك رغم كل ذلك، فإن الشعب المصري لم يفقد وعيه، بل أُجبر على كتمه. ما نراه من صمت ليس رضا، بل انتظار. وما نراه من سلبية ليس جُبنًا، بل إرهاقًا نفسيًا عميقًا. التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تُقهر طويلًا لا تنسى، بل تؤجل الحساب. والقهر الذي يُبنى على الخوف، ينهار دائمًا عندما يسقط الخوف

  سيكولوجية الشعب المصري تحت حكم السيسي بين الخوف المُمنهج، والإنهاك النفسي، وتآكل المجال العام لم يعد ممكنًا فهم سلوك الشعب المصري اليوم بم...