العسكرة… حين تتحول التهمة إلى واقع
بقلم: المعارض المصري العسكروفوب سالم القطامي
اتهموا الرئيس المدني المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي ـ زورًا وبهتانًا ـ بـ«أخونة الدولة». صنعوا من المصطلح فزّاعة، وحرّكوا بها الخوف في الشارع، وكأن مصر كانت على شفا هيمنة تنظيمية شاملة خلال عامٍ واحدٍ من حكم مدنيٍ هشّ، محاصرٍ، مُقيَّد الصلاحيات. لم تكن مؤسسات الدولة يومها بيد الإخوان، ولا كانت مفاصل القوة خاضعة لهم، ولا تبدّلت بنية السلطات الثلاث. ومع ذلك، رُفعت راية الاتهام عاليًا… لا لشيء إلا لتمهيد الطريق.
ثم جاء الانقلاب، وجاء معه الواقع الذي لم يجرؤوا على تسميته باسمه: العسكرة.
العسكرة هنا ليست وصفًا إنشائيًا، بل حالة بنيوية كاملة. رئيس قادم من المؤسسة العسكرية، سلطة تنفيذية تتغذى على عقلية الأوامر، برلمان صُنع في ظل الإشراف الأمني، وقضاء جرى تسييسه وتطويعه عبر القوانين الاستثنائية والتدخلات المباشرة. لم يعد الفصل بين السلطات مبدأً دستوريًا بقدر ما صار شعارًا بلا مضمون.
أما الاقتصاد، فقد صار ساحة مفتوحة لتمدد العسكر: من الغذاء إلى الإسمنت، من الطرق إلى الإعلام، من الدواء إلى التعليم. لم يعد الجيش مؤسسة دفاع وطني، بل تحوّل إلى لاعب اقتصادي مهيمن، ينافس بلا رقابة، ويُحاسَب بلا مساءلة. هكذا تُختنق السوق، ويُقصى المدني، وتُدفن الشفافية.
المفارقة الفاضحة أن من خوّف الناس من «أخونة» لم تقع، فرض عليهم عسكرةً وقعت وتكرّست. ومن ادّعى حماية الدولة، صادر السياسة، وجرّد المجتمع من حقه في الاختيار، وحوّل الوطن إلى إدارة مغلقة تُدار بعقلية الطوارئ الدائمة.
العسكرة مسخرة… لأنها تُقدَّم كحل، وهي أصل الأزمة. مسخرة لأنها تزعم الاستقرار، ولا تنتج إلا الخوف. مسخرة لأنها ترفع شعار الوطنية، وتُفرغ الدولة من روحها المدنية. ومسخرة لأنها تحاكم المدنيين بمنطق الثكنة، ثم تستغرب الغضب واليأس.
ليست المعركة بين «دين» و«دولة»، كما أرادوا تبسيطها، بل بين المدنية والعسكرة. بين دولة يحكمها القانون والمؤسسات المنتخبة، ودولة تُدار بالأوامر وتُسكت بالقبضة. ومن يخاف على مصر حقًا، لا يخاف من السياسة، بل يخاف من تحويلها إلى جريمة.
التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تموت. قد تطول لحظة القمع، لكن الحقيقة أبقى: اتهموا المدني بالأخونة، فأسسوا هم دولة العسكرة. وهذه هي المفارقة التي لن تنفع معها كل أبواق التبرير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق