كثيرون من المتفرنسين في لبنان، على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، ما زالوا ينظرون إلى بلدهم بوصفه امتدادًا ثقافيًا وسياسيًا لما وراء البحار الفرنسية، لا دولة مستقلة كاملة السيادة. هذا التصور الاستعماري الموروث ينعكس في خطابٍ يبرّر الوصاية الخارجية ويستدعيها كلما تعثّر الداخل، ويُقصي أي نقدٍ جادّ للسياسات الفرنسية في المنطقة.
حين كتبتُ مقالًا أوجّه فيه اللوم إلى الرئيس الفرنسي بسبب لجوئه المتكرر إلى المادة 49.3 لتمرير القوانين، متجاوزًا الجمعية الوطنية، لم يكن ذلك عداءً لفرنسا ولا لشعبها، بل دفاعًا عن جوهر الديمقراطية البرلمانية نفسها. غير أن هذا النقد أثار حفيظة بعض الأصوات التي ترى في السلطة — أيّ سلطة — حقًا مكتسبًا لا يُساءل، وتتعامل مع الإجراءات الاستثنائية بوصفها فضيلة حين تخدم «الاستقرار».
هذا الانزعاج من النقد يذكّر بعقلية وكلاء الاستبداد في عالمنا العربي، حيث تُستبدل السياسة بالمراسيم، ويُختزل البرلمان في ديكور، وتُشيطن المعارضة باسم الضرورة. المشكلة هنا ليست في مادة دستورية بعينها، بل في تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتطبيع الالتفاف على الإرادة الشعبية، سواء في باريس أو في عواصمنا المنكوبة بالاستبداد.
إن الديمقراطية لا تُقاس بالشعارات، بل باحترام المؤسسات والمساءلة. وكل خطاب يغضب من النقد بدل أن يجيب عنه، إنما يكشف ضيق أفقه، لا قوة حجّته.
سالم القطامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق