السبت، يناير 24، 2026

قضاء مُسيَّس في دولة مُعسكرة بقلم: سالم القطامي أولًا: التاريخ – من قضاء الدولة إلى قضاء الحاكم لم يكن القضاء المصري، عبر تاريخه الحديث، مثاليًا أو معصومًا من التسييس، لكنه عرف — ولو نسبيًا — لحظات استقلال وشجاعة، خاصة قبل انقلاب يوليو 1952. غير أن عسكرة الدولة منذ ذلك التاريخ وضعت القضاء في مسار انحداري متواصل، بلغ ذروته في عهد عبد الفتاح السيسي. فمنذ 2013، لم يعد القضاء شريكًا مختلًّا في السلطة، بل تابعًا مباشرًا لها، تُعاد هندسته بالقوانين والتعيينات والتهديدات، ليؤدي وظيفة واحدة: شرعنة القمع ومنح الاستبداد صكوك البراءة. ثانيًا: الدستور – النص الميت والواقع الفج ينص الدستور المصري، نصًا واضحًا لا لبس فيه، على استقلال السلطة القضائية وعدم جواز التدخل في شؤونها. لكن ما قيمة النص إذا كانت الممارسة نقيضه الكامل؟ فقد حوّل السيسي الدستور إلى وثيقة تجميلية، تُعلّق على الجدران بينما تُداس أحكامها تحت أقدام الأجهزة الأمنية. تعديلات دستورية تُفصَّل على مقاس الحاكم، قوانين تُمرَّر لإحكام السيطرة على الهيئات القضائية، ورؤساء محاكم يُعيَّنون بقرار سيادي لا بمعايير الكفاءة أو الأقدمية. هكذا يُفرَّغ الدستور من روحه، ويُختزل إلى حبر بلا أثر. ثالثًا: القضاة – بين الإقصاء والتدجين في هذا المشهد القاتم، لم يسلم القضاة أنفسهم. فكل من حاول التمسك باستقلاله أو عبّر عن اعتراضه، كان مصيره الإقصاء أو التشويه أو الإحالة للتقاعد القسري. أما من اختاروا الصمت أو التماهي، فقد كوفئوا بالمناصب والامتيازات. وهكذا جرى فرز القضاء لا على أساس النزاهة، بل على أساس الولاء. لم يعد القاضي حَكَمًا بين السلطة والمواطن، بل موظفًا يخشى غضب السلطة أكثر مما يخشى ضميره. رابعًا: الضحايا – حين تصبح العدالة خصمًا الضحية الحقيقية في كل ذلك هو المواطن، وبخاصة المعارض السياسي. آلاف المعتقلين، محاكمات جماعية، أحكام إعدام وسجن تصدر في دقائق، اعتماد على تحريات أمنية بلا أدلة، وحرمان ممنهج من أبسط ضمانات المحاكمة العادلة. في هذا الواقع، لم يعد القضاء ملجأً للمظلوم، بل صار جزءًا من آلة الظلم. وعندما يشعر المواطن أن القاضي خصم لا حكم، تنهار الثقة في الدولة ذاتها. خاتمة: حين تفقد العدالة اسمها إن ما يجري في مصر اليوم ليس مجرد أزمة قضاء، بل انهيار لفكرة العدالة نفسها. وعندما يُسخَّر القضاء لخدمة الديكتاتور، لا يعود الفارق بين قضاء العدالة وقضاء الحاجة سوى فرق لغوي ساخر؛ كلاهما يؤدي وظيفة قسرية بلا كرامة ولا استقلال. إن استعادة مصر تبدأ باستعادة قضاء حر، لأن دولة بلا عدالة ليست دولة، بل سجنًا كبيرًا تُدار أبوابه بأحكام مختومة.

 

قضاء مُسيَّس في دولة مُعسكرة
بقلم: سالم القطامي

أولًا: التاريخ – من قضاء الدولة إلى قضاء الحاكم

لم يكن القضاء المصري، عبر تاريخه الحديث، مثاليًا أو معصومًا من التسييس، لكنه عرف — ولو نسبيًا — لحظات استقلال وشجاعة، خاصة قبل انقلاب يوليو 1952. غير أن عسكرة الدولة منذ ذلك التاريخ وضعت القضاء في مسار انحداري متواصل، بلغ ذروته في عهد عبد الفتاح السيسي. فمنذ 2013، لم يعد القضاء شريكًا مختلًّا في السلطة، بل تابعًا مباشرًا لها، تُعاد هندسته بالقوانين والتعيينات والتهديدات، ليؤدي وظيفة واحدة: شرعنة القمع ومنح الاستبداد صكوك البراءة.

ثانيًا: الدستور – النص الميت والواقع الفج

ينص الدستور المصري، نصًا واضحًا لا لبس فيه، على استقلال السلطة القضائية وعدم جواز التدخل في شؤونها. لكن ما قيمة النص إذا كانت الممارسة نقيضه الكامل؟ فقد حوّل السيسي الدستور إلى وثيقة تجميلية، تُعلّق على الجدران بينما تُداس أحكامها تحت أقدام الأجهزة الأمنية. تعديلات دستورية تُفصَّل على مقاس الحاكم، قوانين تُمرَّر لإحكام السيطرة على الهيئات القضائية، ورؤساء محاكم يُعيَّنون بقرار سيادي لا بمعايير الكفاءة أو الأقدمية. هكذا يُفرَّغ الدستور من روحه، ويُختزل إلى حبر بلا أثر.

ثالثًا: القضاة – بين الإقصاء والتدجين

في هذا المشهد القاتم، لم يسلم القضاة أنفسهم. فكل من حاول التمسك باستقلاله أو عبّر عن اعتراضه، كان مصيره الإقصاء أو التشويه أو الإحالة للتقاعد القسري. أما من اختاروا الصمت أو التماهي، فقد كوفئوا بالمناصب والامتيازات. وهكذا جرى فرز القضاء لا على أساس النزاهة، بل على أساس الولاء. لم يعد القاضي حَكَمًا بين السلطة والمواطن، بل موظفًا يخشى غضب السلطة أكثر مما يخشى ضميره.

رابعًا: الضحايا – حين تصبح العدالة خصمًا

الضحية الحقيقية في كل ذلك هو المواطن، وبخاصة المعارض السياسي. آلاف المعتقلين، محاكمات جماعية، أحكام إعدام وسجن تصدر في دقائق، اعتماد على تحريات أمنية بلا أدلة، وحرمان ممنهج من أبسط ضمانات المحاكمة العادلة. في هذا الواقع، لم يعد القضاء ملجأً للمظلوم، بل صار جزءًا من آلة الظلم. وعندما يشعر المواطن أن القاضي خصم لا حكم، تنهار الثقة في الدولة ذاتها.

خاتمة: حين تفقد العدالة اسمها

إن ما يجري في مصر اليوم ليس مجرد أزمة قضاء، بل انهيار لفكرة العدالة نفسها. وعندما يُسخَّر القضاء لخدمة الديكتاتور، لا يعود الفارق بين قضاء العدالة وقضاء الحاجة سوى فرق لغوي ساخر؛ كلاهما يؤدي وظيفة قسرية بلا كرامة ولا استقلال. إن استعادة مصر تبدأ باستعادة قضاء حر، لأن دولة بلا عدالة ليست دولة، بل سجنًا كبيرًا تُدار أبوابه بأحكام مختومة.

ليست هناك تعليقات:

عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر يبلغ 1.1 مليون لاجئ، يشكّل السودانيون منهم 76٪، يليهم السوريون بنسبة 11٪.

  : حذرت 10 منظمات حقوقية من سياسة الترحيل المقنع للسوريين من مصر، مشيرة إلى حملات تفتيش وكمائن أمنية موسعة في أحياء معروفة بوجود تجمعات سور...