بعد مرور يومين على عملية السطو المدوية في متحف اللوفر، يتواصل التحقيق بوتيرة مكثفة. فيما تواصل الشرطة الفرنسية البحث عن 4 مشتبه بهم. وبينما تتابع وسائل الإعلام العالمية هذه القضية عن كثب، تحاول فرنسا فهم الثغرات الأمنية التي سمحت بوقوع هذا الحادث في المتحف الأكثر زيارة في العالم. وقدرت إدارة المتحف قيمة أضرار سرقته بـ88 مليون يورو، وفق المدعية العامة لباريس لور بيكو.
عملية سطو لم تستغرق أكثر من ثماني دقائق
وقع الحادث الأحد 19 أكتوبر/ تشرين الأول في الساعة التاسعة والنصف صباحا. أي بعد نصف ساعة من افتتاح المتحف،. استخدم شخصان رافعة للوصول إلى نوافذ اللوفر المطلة على رصيف فرانسوا ميتران في باريس. ارتدى أحدهما سترة صفراء والآخر سترة برتقالية. ثم صعدا وكَسَرا نافذة في الطابق الأول باستخدام مناشير كهربائية قبل أن يدخلا إلى قاعة أبولون.
هدد اللصّان الحراس وحطما واجهتين زجاجيتين تحتويان على مجوهرات ملكية وتيجان فرنسية. وبوجهيهما المغطيين، سرقا تسع قطع تعود جميعها إلى القرن التاسع عشر.
عند الساعة 9:38، وبعد انطلاق جرس الإنذار، نزلا مجددا عبر نفس الرافعة، ثم فرا على دراجتين ناريتين قويتين كان يقودهما شخصان آخران في انتظارهما.
مسروقات لا تُقدّر بثمن
تمكّن الجناة من سرقة 8 قطع رئيسية. من بينها:
- عقد مرصع بالياقوت والألماس من مجموعة الملكة ماري أميلي والملكة هورتنس.
- تاج الإمبراطورة أوجيني زوجة نابوليون الثالث، المرصع بـ2000 ماسة.
- تاج آخر من مجموعة الملكتين ماري أميلي وهورتنس، مع قرط واحد من نفس المجموعة،
- عقد من الزمرد، وزوج من الأقراط الزمردية من مجموعة ماري لويز.
- بروش "تذكاري" يحتوي على 94 ماسة.
- وشريط صدر كبير يخص الإمبراطورة أوجيني.
بلغت حصيلة المسروقات 8708 ماسات، و34 ياقوتة، و38 زمردة، و212 لؤلؤة.
اقرأ أيضامتحف اللوفر: سُرقت المجوهرات وبقيت التساؤلات؟
وفي أثناء فرارهم، تَرك اللصوص قطعة تاسعة هي تاج الإمبراطورة أوجيني، الذي يحتوي على 1354 ماسة و56 زمردة، وُجد تالفا بالقرب من المتحف.
قال ألكسندر جيكيلو، رئيس دار المزادات "دروو"، لوكالة رويترز: هذا التاج وحده يساوي عشرات الملايين من اليوروهات، وليس هو أهم قطعة مسروقة في نظري."
مسروقات لا يمكن تصريفها وبيعها
أكد رئيس دار "دروو" على قناة LCI أن "الجزء الأصعب في هذه العملية ليس السرقة، بل تصريف المسروقات"، مشيرا إلى أن "بيع هذه القطع في حالتها الأصلية مستحيل".
وأوضح المؤرخ المتخصص في المجوهرات فانسان ميلان لوكالة الأنباء الفرنسية أن "بيع مجوهرات مسجلة ومُوثقة بهذا الشكل أمر غير ممكن". وحذر الخبراء من احتمال تفكيك القطع التاريخية، عبر نزع الأحجار واللآلئ منها لإعادة تركيبها في مجوهرات جديدة. وقال ميلان: "إن لم تُستعد هذه القطع بسرعة، فستختفي دون شك".
وأكد المؤرخ بيار براندا، مدير الأبحاث في مؤسسة نابوليون، أن "الخطر لا يكمن فقط في السرقة، بل في ضياع جزء من تاريخ فرنسا نفسه".
من جهته، صرّح الرئيس إيمانويل ماكرون قائلا: "السرقة التي ارتُكبت في اللوفر اعتداء على تراثنا الوطني. سنعمل على استعادة القطع المسروقة ومحاسبة الجناة أمام العدالة."
تحقيق مكثّف وآثار متعددة
عثرت السلطات في موقع الجريمة على مناشير كهربائية، ومشعل لحام، ووقود، وبطانية، وقفازات، وجهاز اتصال لاسلكي. وهي أدلة ستُستخدم في عملية المطاردة. كما وُجدت سترة صفراء بالقرب من جسر سولي في قلب باريس، على بعد 3 كيلومترات من مكان السرقة.
جُنّد نحو 60 محققا من فرقة مكافحة الجريمة المنظمة والشرطة القضائية الباريسية، إضافة إلى المكتب المركزي لمكافحة تهريب الممتلكات الثقافية.
اقرأ أيضافيديو: ما هي أبرز عمليات السطو التي هزت أروقة متحف اللوفر العريق بباريس؟
قال المسؤول السابق في الشرطة القضائية بباريس كريستيان فليش: "هذه الفرق تمتلك خبرة عالية ونسبة نجاح مرتفعة، وهي الأنسب لمعالجة مثل هذه القضية." وأشار إلى أن تحقيقا إداريا موازيا بدأ لتقييم الإجراءات الأمنية ومعرفة مواقع تواجد الكاميرات وزواياها وأجهزة الاستشعار وإرشادات الحراس وطريقة التنسيق بينها.
وفي الوقت نفسه، نفت إدارة متحف اللوفر مزاعم شركة الاستخبارات الإسرائيلية CGI Group بأنها طُلب منها المشاركة في التحقيق.
أمن المتاحف تحت المجهر
كشف تقرير غير منشور بعد، صادر عن ديوان المحاسبة الفرنسي، أن متحف اللوفر "يتأخر بشكل مقلق" في تحديث أنظمة الحماية الخاصة به رغم استقباله نحو تسعة ملايين زائر عام 2024.
وأشار التقرير إلى أن "60% من قاعات جناح سولي و75% من جناح ريشيليو لا تخضع للمراقبة بالكاميرات".
كانت رئيسة المتحف لورنس دي كار قد حذّرت في يناير / كانون الثاني الماضي وزيرة الثقافة رشيدة داتي من "تدهور الأنظمة التقنية وتكرار الأعطال"، مطالبة ببدء أعمال صيانة عاجلة.
وأوضح فليش أن "المتحف لم يُبنَ أصلا لمواجهة التحديات الأمنية الحديثة"، مشيراً إلى تعدد الحركات داخل المبنى من زوار وموظفين وعمال وفنانين، إضافة إلى أعمال الترميم الجارية في باريس التي تمنح العديد من الأشخاص وصولا مؤقتا إلى الموقع.
وأضاف: "قد يفسر ذلك كيف تمكن أشخاص يرتدون سترات عاكسة من استخدام رافعة قرب المتحف دون إثارة الشبهات فورا." وشدد على ضرورة إجراء تقييم شامل لأمن المتاحف الفرنسية، في ضوء حوادث السطو الأخيرة على متاحف وطنية أخرى.
من جهته، أعلن النائب ألكسندر بورتييه، رئيس لجنة الشؤون الثقافية في الجمعية الوطنية، أنه سيقترح إنشاء لجنة تحقيق برلمانية حول "تأمين المتاحف وحماية التراث".
اقرأ أيضا"لقد فشلنا"... وزير العدل يصرح بأن واقعة السرقة بمتحف اللوفر أضرت بصورة فرنسا
وقال: "إن قدرتنا على نقل التراث الذي ورثناه عبر القرون إلى الأجيال القادمة على المحك. هذا التراث مهدد اليوم بالسرقة والتخريب والنوايا الخبيثة."
أما إليز مولر، المسؤولة في نقابة SUD-Culture والعاملة في اللوفر، فعبّرت عن أسفها قائلة في تصريح إلى "فرانس 24":موظفو المتحف حذروا مرارا، خصوصا في الأشهر الأخيرة، من الثغرات الأمنية التي نلاحظها يوميا خلال عملنا."
فرنسا تحت مجهر العالم
" لقد فشلنا "، هكذا اعترف وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان الإثنين، في حديثه لإذاعة فرانس إنتر، موضحا أن المجرمين تمكنوا من "وضع رافعة في مكان عام، ورفع أشخاص في غضون دقائق قليلة لسرقة مجوهرات لا تُقدّر بثمن، مما أعطى صورة سيئة للغاية عن فرنسا ".
في الخارج، تصدّرت صورة الرافعة المتوقفة تحت نوافذ متحف اللوفر الصفحات الأولى في معظم وسائل الإعلام الدولية الإثنين، حيث تساءلت هي الأخرى عن الثغرات الأمنية التي سمحت بوقوع مثل هذه السرقة.
وكتبت صحيفة الغارديان البريطانية أن التساؤلات حول الثغرات المحتملة في نظام الأمن "تضع الحكومة الفرنسية تحت ضغط متزايد ".
وفي إيطاليا، تحدثت صحيفة كوريري ديلا سيرا عن حادثة " تأتي في سياق صعب تمر به فرنسا، التي تعاني من أزمة مالية عامة وفوضى سياسية ".
أما صحيفة إلباييس الإسبانية، فانتقدت بشدة قائلة إن " فرنسا فشلت فشلا ذريعا في إدارة تراثها الثقافي ".
من جانبها، رأت هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن ما حدث " يثير تساؤلات خطيرة حول مستوى أمن الأعمال الفنية الفرنسية، في وقت أصبحت فيه هذه الأعمال هدفا متزايدا للعصابات الإجرامية".
تمت مهاجمة أكبر متحف في العالم بواسطة مناشير كهربائية، في مشهد بدا وكأنه مقتبس من أحد الأفلام السينمائية. ما أثار دهشة الرأي العام الفرنسي واهتمام الإعلام الدولي.
في المخيلة الجماعية، كان اللوفر حصنا منيعا. لكن عملية السرقة التي استهدفت إحدى قاعاته، حيث تمكن اللصوص من سرقة مجموعة من المجوهرات الفاخرة، دفعت الجميع إلى التساؤل وإعادة النظر في منظومة الأمن بالمتحف.
وقالت المدعية العامة للعاصمة الفرنسية لور بيكو الثلاثاء لإذاعة "إر تي إل" إن "أمينة متحف اللوفر قدّرت الأضرار بـ 88 مليون يورو"، وهو مبلغ "ضخم للغاية"، لكنه "لا يُذكّر ولا يُقارن بالضرر التاريخي"، مُشيرة إلى أن اللصوص "لن يجنوا هذه القيمة (...) لو أقدموا على فكرة سيئة جدا تتمثل في صهر هذه الجواهر".
وبعد ما وصفه البعض "بسرقة القرن"، أين وصل التحقيق؟ فرانس24 تستعرض أحدث المستجدات.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق