الاثنين، سبتمبر 08، 2025

شعور الشباب بانعدام الجدوى داخل وطنهم،

 لم تتوقف حادثة وصول سبعة مراهقين جزائريين إلى إسبانيا على متن قارب مسروق، عن إثارة الجدل في الشارع والرأي العام، حيث تحولت الواقعة إلى مادة للنقاش حول ظاهرة “الحرقة” (الهجرة غير النظامية) في كل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وأمام استفحال الظاهرة وتداعياتها خاصة على الشباب والمراهقين، برزت أصوات سياسية وحقوقية طالبت بالدعوة إلى جلسة برلمانية عامة للتشريح العلني لهذه القضية التي باتت تمس مباشرة صورة الجزائر ومستقبل شبابها.

ويتصدر هذا المسعى النائب أحمد صادوق، الرئيس الأسبق للكتلة النيابية لحركة مجتمع السلم، الذي عبّر عن ألمه العميق وهو يتابع صور شباب يافعين يركبون قوارب الموت نحو الضفة الشمالية للمتوسط. وذكر في تدوينة له، أن المشهد لا يمكن أن يُفهم إلا كصورة صارخة لفشل جماعي تتحمل مسؤوليته كل المنظومات الرسمية والمجتمعية، بدءاً من الأسرة التي تخلت عن أدوارها التربوية، مروراً بالمدرسة التي عجزت عن بناء مواطن متشبث بالوطن، وصولاً إلى الإعلام الذي لم ينجح في صناعة قدوات إيجابية، والمؤسسات الدينية التي اكتفت بأدوار هامشية، فضلاً عن الأحزاب والجمعيات التي قصّرت في تأطير الشباب.

ويؤكد صادوق أن هذه الفجوات المتراكمة عمّقت الإحباط واليأس لدى فئات واسعة من الشباب، وهو ما جعل الهجرة غير النظامية خياراً مأساوياً لديهم. ومن منطلق الواجب والمسؤولية، دعا صادوق إلى عقد جلسة نقاش عامة على مستوى البرلمان بغرفتيه، استناداً إلى المادة 116 من الدستور، تخصص لمناقشة ظاهرة “الحرڤة” ووضع خطة متكاملة لمعالجتها بتوصيات ملزمة للحكومة. كما اقترح تنظيم دورات استثنائية للمجالس الشعبية الولائية، خصوصاً في الولايات الساحلية، للقيام بحملات تحسيسية واتخاذ إجراءات جوارية ميدانية.

ويمتد مقترح صادوق إلى استغلال الدخول المدرسي الحالي للتحسيس بخطورة الظاهرة، من خلال معارض وندوات ودروس افتتاحية تركز على مخاطر الهجرة السرية. ويرى أن المرحلة الإعدادية (المتوسطات) تمثل لحظة حرجة في مسار التلاميذ، ما يستوجب عناية خاصة من وزارة التربية في هذه الفترة بالذات. كما دعا إلى إشراك الإعلام والجمعيات والأئمة والمؤثرين والنماذج الشبابية الناجحة في حملة وطنية تستعيد ثقة الجيل الجديد في بلدهم، مؤكداً أن الجزائر قادرة على النهوض بطاقات شبابها إذا توفرت الإرادة والرؤية والاحتضان الحقيقي.

وتعززت دعوة صادوق بدعم من النائب عن نفس الحزب عبد الوهاب يعقوبي الذي عبر عن مساندته الكاملة للمقترح، داعياً جميع النواب إلى الانخراط في نقاش معمّق حول هذه القضية الحساسة. ورأى يعقوبي أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تتم بالتجاهل أو الترقيع، بل تتطلب إرادة سياسية جماعية ورؤية استراتيجية تبني جسور الثقة مع الشباب وتعيد لهم الأمل.

ومن زاوية أكثر نقدية، حمّل عثمان معزوز، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، السلطة مسؤولية مباشرة عن هذه المأساة، معتبراً أن فرار ثمانية مراهقين في قارب مسروق يعكس إفلاساً ممنهجاً للنظام. وأكد أن الأمر لا يتعلق بانحرافات فردية، بل هو نتيجة سياسات متواصلة كرست التهميش واللامبالاة. وأوضح السياسي المعارض أن البحر الأبيض المتوسط لم يكن عامل جذب بقدر ما كانت الجزائر الرسمية عامل دفع، مبرزاً أن كل قارب يبحر في الخفاء هو بمثابة تصويت ضد النظام، وأن كل غريق يمثل إدانة لسياساته. ودعا معزوز إلى إعادة تأسيس الجمهورية على أسس العدالة والحقيقة وفتح آفاق فعلية للأجيال الصاعدة.

وفي قراءة مختلفة، كتب المؤرخ حسني قيطوني أن ما حدث مأساة لا تخص فقط المراهقين السبعة وعائلاتهم، بل هي مأساة وطنية تكشف أزمة اجتماعية وثقافية عميقة. وأكد أن البحث عن متهم بعينه لا جدوى منه، فالمسؤولية جماعية نتيجة عقود من الإهمال والعمى السياسي. وأشار إلى أن جوهر الأزمة يكمن في غياب مشروع مجتمعي قادر على إلهام الشباب ومنحهم أفقاً، مشيراً إلى أن علامات التفكك بادية في تفاصيل يومية مثل الفوضى وانعدام النظافة. واعتبر أن هؤلاء المراهقين لم يهربوا فقط من الفقر، بل من عجز الكبار عن أن يمنحوهم مستقبلاً كريماً، لافتاً إلى أن أوروبا التي يقصدونها ليست بالضرورة الجنة الموعودة، بل قد يواجهون فيها بؤساً من نوع آخر.

ومن جانبه، قدّم المحامي والناشط هشام ساسي قراءة تجمع بين البعدين الفردي والمجتمعي، متسائلاً عن أسباب إقدام مراهقين لم يخوضوا بعد تجارب حياة حقيقية على ركوب هذا الخيار الانتحاري. ورأى أن الأمر قد يكون مرتبطاً بتأثرهم بخطابات اليأس السائدة في المجتمع أو بحب المغامرة والرغبة في إثبات الذات في عصر تحكمه منصات التواصل و”اللايكات”.

وأكد ساسي أن ظاهرة الهجرة غير النظامية تجد جذورها في شعور الشباب بانعدام الجدوى داخل وطنهم، لافتاً إلى أن تراجعها خلال فترة الحراك الشعبي كان مرتبطاً بارتفاع منسوب الأمل. وشدد على أن إعادة الأمل تتطلب قدوة ومسؤولية واتصالاً فعالاً من النخب الحاكمة وغير الحاكمة.

وتكشف مختلف هذه المواقف أن حادثة المراهقين السبعة لم تعد حادثة معزولة، بل تحولت إلى رمز لأزمة ثقة عميقة بين الشباب ومحيطهم الاجتماعي والسياسي. وبين من يرى في الظاهرة دليلا على فشل السلطة، ومن يحمّل المجتمع بأسره المسؤولية، ومن يدعو إلى حلول تربوية وإعلامية، يلتقي الجميع على ضرورة فتح نقاش جاد ومسؤول يضع هذه القضية في صلب الأولويات الوطنية.

ليست هناك تعليقات:

سالم القطامي هو فنان تشكيلي ومعارض مصري يعيش في المهجر، وتتميز أعماله بمحاولة إيجاد صلة وصل دائمة بين واقعه الحالي وجذوره التاريخية. تُعد اللوحة الظاهرة في الصورة image_da7a5b.jpg نموذجاً بارزاً لأسلوبه الفني، ويمكن تلخيص ملامح فنه من خلالها كما يلي: 1. التماهي مع الهوية المصرية قام الفنان برسم "أوتوبورتريه" لنفسه، متبنياً هيئة "الكاتب المصري" الشهيرة التي تعود للدولة القديمة. يعكس هذا العمل رغبته في التماهي مع الجذور المصرية الأصيلة، حيث يظهر في وضعية الجلوس المتربع التقليدية. يحمل الفنان في اللوحة لفافة من البردي، وهو رمز يربط بين شخصيته كفنان معاصر وبين الحكمة والمعرفة التي كان يمثلها الكاتب في التاريخ القديم. 2. الأسلوب والتقنية استخدم القطامي تقنية تشبه الحفر أو الرسم على الخشب، مما يضفي طابعاً تراثياً ويدوياً على العمل. تعتمد اللوحة على الخطوط السوداء القوية لتحديد ملامح الوجه والجسد، مع استغلال تباين ألوان الخشب الطبيعية لإعطاء عمق بصري. تظهر العينان مرسومتين بأسلوب يحاكي العيون "المكحلة" في الفن الفرعوني، مما يعزز من قوة التعبير البصري في اللوحة. 3. الدلالة الرمزية يمثل هذا النوع من الفن صرخة للهوية من قلب المهجر، حيث يحاول الفنان الحفاظ على أصالته عبر استحضار الرموز التاريخية الكبرى. اختيار خامة الخشب والبراوز البسيط يشير إلى نزعة نحو البساطة والارتباط بالأرض

 سالم القطامي هو فنان تشكيلي ومعارض مصري يعيش في المهجر، وتتميز أعماله بمحاولة إيجاد صلة وصل دائمة بين واقعه الحالي وجذوره التاريخية. تُعد ا...