والمناضل السياسي الذي ترك مدينة فور دو فرانس في جزيرة مارتينيك ليعيش في الجزائر ويدفن فيها. فإذا كان معروفا في هذا البلد وفي بعض الدول الأفريقية التي ناضلت من أجل حريتها وإنهاء الاستعمار،
هل قاطعت قاعات السينما الفرنسية الفيلم الذي صدر في 2 أبريل/نيسان والذي يروي قصة حياة فرانتز فانون، الطبيب النفسي الذي يتحدر من جزيرة مارتينيك والذي عمل في مستشفى الأمراض النفسية بمدينة البليدة قرب الجزائر العاصمة قبل أن ينخرط في حزب جبهة التحرير، ويساند الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي؟
هذا هو السؤال الذي طرحته جريدة "ليبراسيون" الفرنسية التي كتبت أن الفيلم لم يتم عرضه إلا في 70 قاعة سينمائية بفرنسا بينما الأفلام الأخرى تعرض في عدد أكبر بكثير من القاعات.
من جهته، تساءل نيكولا تران ترونغ، مسؤول الإنتاج الفني لهذا الفيلم عن "سبب هذه المقاطعة"، مضيفا "كل فيلم قمنا بعرضه للمرة الأولى كانت القاعة ممتلئة. لذا نعلم بأن هناك جمهورا".
اقرأ أيضاالرئيس الفرنسي يكرم ضحايا مظاهرات 17 أكتوبر 1961 ويعتبر أنها "وقائع لا تُغتفر بالنسبة للجمهورية"
لكن بعيدا عن الجدل، يبدو أن محتوى الفيلم هو الأهم كونه يروي حياة واحد من بين الأجانب الكثيرين الذين ساندوا الثورة الجزائرية، وكتبوا عنها وقدموا لها الدعم. فمن هو هذا الشاب الذي ترك بلده بجزيرة مارتينيك في أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، وقطع أكثر من 6000 كيلومتر، ليستقر في الجزائر ويدفن فيها وعمره لم يتجاوز 36 عاما؟
النشأة والتكوين
وُلد فرانتز فانون في 20 يوليو/تموز 1925 في مدينة فورت دو فرانس، عاصمة جزيرة مارتينيك. من أب كان مفتشا في الجمارك وأم صاحبة محل تجاري. فيما ينتمي كلاهما إلى الطبقة البرجوازية الصغيرة من أصول مختلطة.
أنجبا ثمانية أبناء، نجا منهم ستة، وتابعوا تعليمهم الثانوي. التحق فانون بمدرسة "شولشر" الثانوية، حيث كان الشاعر والمفكر إيمي سيزير من بين المدرسين البارزين.
وفي عام 1943، التحق فرانتز فانون بجيش "فرنسا الحرة" بقيادة الجنرال ديغول. وخاض تجربة معقدة في صفوفه.
وعلى الرغم من أنه انضم إلى الجيش الفرنسي بحماس ووطنية، إلا أنه تعرض إلى العنصرية بسبب بشرته السوداء، كما اتهم أيضا بنقص في الانضباط. وبالرغم من ذلك، دافع عن فرنسا بشجاعة وقاتل في معارك عدة من أجل تحريرها من النازية. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد فرانتز فانون إلى مسقط رأسه المارتينيك وحصل على شهادة الثانوية العامة عام 1946.
الكاتب والمناضل
استفاد من منحة دراسية وسافر إلى مدينة ليون حيث درس الطب وتخصص في الطب النفسي. كان يحب أيضا الكتابة والقراءة، ما جعله يتابع دروسا في الأدب والفلسفة.
في عام 1952، نشر كتابه الأول "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، المستند إلى أطروحته في الطب النفسي. تناول فيه قضايا الهوية والاندماج والعنصرية ضد السود، انطلاقا من تجربته كأفريقي كاريبي من المارتينيك يعيش في فرنسا.
في 1953، تولى فانون منصب رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى مدينة البليدة التي تبعد عن الجزائر العاصمة بـ40 كيلومتر غربا.
اقرأ أيضاماكرون يعترف بـ "مسؤولية الدولة الفرنسية" في مقتل المناضل موريس أودان
في مدينة "الورود" كما يطلق عليها، واجه فر فرانتز فانون الاستعمار الفرنسي بكل قسوته وعايش آثار القمع النفسي على الجزائريين.
اخترع أساليب جديدة لمعالجة الأعراض النفسية الناتجة عن الاستعمار، مثل فقدان الهوية وتجريد الإنسان من إنسانيته. مع بداية حرب التحرير الجزائرية، عالج فانون الجنود الفرنسيين في النهار وجرحى جبهة التحرير الوطني ليلا.
مستشفيات وشوارع باسم فانون
في عام 1956، استقال من منصبه الطبي وانضم إلى صفوف جبهة التحرير. لكن بعد أسابيع قليلة، طردته السلطات الفرنسية من الجزائر إلى تونس. ثم أصبح يمثل الثورة الجزائرية في العديد من الدول الأفريقية.
كتب نصوصا مناهضة للفكر الاستعماري، أبرزها "العام الخامس للثورة الجزائرية" (1959) و"معذبو الأرض" (1961) الذي دون الفيلسوف جان بول سارت مقدمته.
ولم يكتب لفرانتز فانون أن يعيش سنوات الاستقلال، بل توفي بواشنطن في شهر ديسمبر/تشرين الثاني 1961 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم (اللوكيميا). عمره لم يتعدَّ 36 عاما. دفن في الجزائر وفق وصيته قرب مدينة عنابة في شرق البلاد.
في الجزائر، العديد من المستشفيات والعيادات الطبية والشوارع تحمل اسمه ويحظى باحترام كبير من قبل مواطنيها، عكس فرنسا حيث ظل اسمه مجهولا. فهل سيعيد فيلم فرانتز فانون الاعتبار لمسيرته؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق