الثلاثاء، يوليو 03، 2012

دانيال ديفو "روبنسون كروزو" ت. كامل كيلاني

نموذج من الأثر الإسلامي في الأدب الغربي أثر حي بن يقظان لابن طفيل في روبنسون كروزو لدانييل دبفوAbu Bakr Muhammad ibn Tufail (également connu sous le nom latin d'Abubacer Aben Tofail, 1105–1185 apr. J.-C.) fut un polymathe musulman andalou né près de Grenade, en Espagne, et qui mourut au Maroc. Outre des fragments de poésie,Hayy ibn Yaqzan (Vivant, fils d'un vigilant), également intitulé Philosophus Autodidactus (Le philosophe autodidacte), est son seul ouvrage survivant à ce jour. Considéré comme le premier roman philosophique, il est également perçu comme une version antérieure arabe de l'œuvre de Daniel Defoe Robinson Crusoé. Le livre eut une grande influence en Occident. L'histoire se déroule sur une île isolée et inhabitée, où l'orphelin Hayy est allaité par une gazelle et parvient à l'âge adulte, à la raison et à une connaissance de la science et de la vérité religieuse

ازدهرت الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، في زمن كانت فيه أوروبا تغرق في الظلام، وقد شكلت إسبانية التي دعاها المسلمون بـ(الأندلس) مركز إشعاع حضاري في تلك الفترة، إذ يلجأ إليها العلماء وطلاب المعرفة من سائر أوروبا، وكما تقول الدكتورة (لوثي لوبيث بارالت) من الظلم البين ألا نقبل القول بأن إسبانيا الإسلامية كانت تشكل بالفعل معجزة ثقافية حقيقية في إطار القارة الأوروبية في القرون الوسطى. وبفضل العرب المسلمين، لم تبلغ أية أمة أوروبية أخرى ما بلغته شبه الجزيرة الأيبيرية من تقدم العلوم والفنون في تلك العصور التي كانت وسيطة أو مظلمة بالنسبة لقارة أوروبا لكنها لم تكن على الإطلاق بالنسبة إلى الأندلس.(1)‏ 

لذلك بإمكاننا أن نقول إن معظم المبدعين الذين أسسوا لتجاوز عصر الظلام في أوروبا كانوا على صلة ما بإسبانية، إما عن طريق السفر والعيش فيها مدة من الزمن، أو عن طريق الاطلاع على الكتب التي نشرت فيها مترجمة من العربية إلى اللاتينية، ثم انتشرت في سائر أوروبا، لكن من الملاحظ أن معظم الغربيين ينكرون هذه الحقيقة، فها هي ذي زيغريد هونكة تقول "تعودنا أن نقيس بمقياسين، سواء في العلم أو في الفن، فنحن الغربيين حين نقيّم الحضارة الغربية ننظر بعين الاعتبار إلى منهجها وليس إلى مصدرها، وحين نذكر الحضارة الغربية نقتصر على ما ينبع من الحضارتين الإغريقية والرومانية وتهمل ما عدا ذلك من المصادر الأخرى"(2)‏ 

رغم الأثر الذي خلفته الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا والذي شمل جميع المجالات الأدبية والعلمية، فقد كانت إحدى أكبر مراكز الإشعاع في أوروبا.‏ 

وخير دليل على هذا القول: أن الإنكليزي دانييل ديفو (1661_ 1731) الذي ألف روبنسون كروزو قد عاش في إسبانيا مدة عامين، فقد كان عصره عصر اضطرابات وثورات شارك في بعضها، فتعرض للمخاطر التي من بينها السجن، لذلك هرب إلى إسبانية .‏ 

صحيح أن نشأته متواضعة، فقد كان ابنا لقصاب يعمل في لندن، حيث تعلم فيها ديفو، علوما متعددة شملت معارف عصره من الرياضيات والفلك والتاريخ، بل زاد عليها إتقانه خمس لغات.‏ 

لم تظهر موهبته الفكرية والأدبية إلا بعد عودته منها، فقد أصدر صحيفة باسمه، كتب فيها اقتراحاته الاقتصادية المثمرة، التي أخذت بها بلاده .‏ 

تعود شهرته الأدبية إلى قصيدة نظمها في الدفاع عن (وليم أورنج) ملك إنكلترا ردا على قصيدة نظمها أحد الشعراء في التهكم عليه، فأكسبته عطف الملك وحب الحكومة والشعب.‏ 

ألف كثيرا من الأبحاث والمقالات والرسائل في الدين والسياسة والوطن، وقد أدرك بفطرته تعلق الجمهور بالقصص ، وشدة تأثره بها وتهافته عليها، خاصة إذا كانت صادقة الوصف والتحليل ، تهتم بتصوير الحياة بدقة، لذلك نالت قصصه نجاحا كبيرا، لأنها كانت تخلق سحرا خلابا يزينه الصدق والدقة، وقد نشر القسم الأول من قصته "روبنسون كروزو" عام 1719، فلاقت شهرة واسعة جدا، مما شجعه على تتمة القصة، وأكسبه من المال ما جعله يعيش بقية عمره مستريح البال ، إلى أن أنهكه مرض النقرس وعقوق ولده، فعجّل بموته عام (1731).‏ 

أما ابن طفيل فقد ولد نحو 500 للهجرة (1106م ) في غرناطة بالأندلس، قرأ أقسام الحكمة على علماء غرناطة، كان واسع العلم في الفلك والرياضيات والطب والشعر، وقد عمل في مستهل حياته بالطب ثم تولى الوزارة في غرناطة، ثم اتصل ببلاط الموحدين في المغرب، ولم يلبث أن عين في عام(549هـ 1154 م)كاتما لسر الأمير أبي سعيد بن عبد المؤمن حاكم سبتة وطنجة، ثم عاد إلى ممارسة الطب، إذ أصبح الطبيب الخاص لأبي يعقوب يوسف سلطان الموحدين في عام (558 هـ1163 م ) ويبدو أنه ظل يحتفظ بمنصبه بالبلاط مدة عشرين عاما قضاها في التأمل والدراسة إلى جانب ممارسة الطب، وحين توفي أبو يعقوب في حرب الفرنجة بقي في خدمة ابنه أبي يوسف يعقوب، ثم اعتزل العمل ربما لكبر سنه (عام 578هـ في البلاط، فخلفه تلميذه ابن رشد الفيلسوف ، توفي ابن طفيل (عام 578 هـ1185 م) في مدينة مراكش، ودفن فيها، وقد ترك عددا من المؤلفات التي فقد معظمها، ولم يبق منها سوى رواية "حي بن يقظان" وبعض الأشعار المتفرقة.(3)‏ 

حي بن يقظان:‏ 

يروي لنا ابن طفيل روايتين لنشأة حي بن يقظان: الأولى: نشأة طبيعية، فقد كان هناك ملك عظيم منع أخته من الزواج، لأنه لم يجد من الرجال من هو كفؤ لها، لذلك تزوجت سرا من رجل يدعى "يقظان" فأنجبت طفلا أسمته (حي) ووضعته في تابوت، وقذفته في اليم قائلة: "اللهم إنك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئا مذكورا، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى تم واستوى، وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفا من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد. فكن له، ولا تسلوه، يا أرحم الراحمين!"(4)‏ 

نجد في هذه الرواية لنشأة حي ملامح واقعية، فخوف الأم على وليدها من الموت قد يدفعها إلى قذفه في البحر، فتسلمه إلى مصير مجهول خوفا عليه من موت محقق.‏ 

أما الرواية الثانية فتحكي عن نشأة غير طبيعية "إذ إن الذين زعموا أنه ولد من الأرض فإنهم قالوا: إن بطنا من أرض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينة على مرّ السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى، وكانت هذه الطينة كبيرة جدا، وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال المزاج، والتهيؤ لتكون الأمشاج، وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند ذلك "الروح" الذي هو من أمر الله تعالى وتتشبث به تشبثا يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل، إذ قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل، وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم"(5)‏ 

ثمة قوى خارقة أدخلت الروح إلى ذلك الجسم الطيني، المهم أن (حي) في كلا الروايتين نشأ في تلك الجزيرة المنعزلة، وقد رعته ظبية فقدت ابنها، أرضعته من لبنها، وحمته من الوحوش، كما حمته من عوامل الطبيعة من برد وحر، فيكبر وهو لا يعرف أما له سوى الظبية ، لكن الله منحه العقل الذي أتاح له التفكر والمقارنة بين حاله وحال سائر الحيوان، فقد نظر إليها فوجدها مكسوة الجلد بالصوف أو بالريش، فحاول أن يغطي جسده بأوراق الشجر، لكنه سرعان ما جفّ وتساقط، لهذا نجده يلجأ إلى ريش نسر ميت يستر به جسده، وبذلك يعيش عيشة الوحوش في الغابة في طعامه ولباسه وعلاقاته.‏ 

يبدأ نضجه الفكري حين تموت أمه الظبية، يصدمه هذا الحدث فيقرر فهمه، لذلك نجده يبحث عن سر الموت في جسدها أولا، لذلك يشرّحه باحثا عما حصل له بفعل الموت، هل نقص عضو من أعضائه؟‏ 

يفاجأ أن جسدها مازال على حاله، لم ينقص منه عضو، لكن ينقصه شيء مهم هو الذي يحرك الجسد ويملؤه بالعواطف، لم يستطع أن يهتدي إلى السر في ذلك، فدفن أمه بعد أن لاحظ أن رائحة نتنة بدأت تنبعث من جسدها مما زاد في نفرته منه، وود أن لا يراه، ثم إنه "سنح لنظره غرابان يقتتلان حتى صرع أحدهما الآخر ميتا، ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب، فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه، وإن كان قد أساء في قتله إياه! وأنا كنت أحق إلى هذا الفعل بأمي فحفر حفرة وألقى فيها جسد أمه، وحثا عليها التراب"(6)‏ 

وبذلك انتهى من مشكلة الجسد ليصل إلى مشكلة الروح، فبدا لنا إنسانا أشبه بالفيلسوف، باحثا عن سر الحياة ليس في جسد أمه فقط، وإنما في هذا الكون المتنوع والشاسع، وبدأ يراقبه فلاحظ أن موجوداته (الأجسام والأشياء) إما تعلو (كالهواء والدخان) وإما تهبط (كالحجر) وبذلك تعرف على بعض خصائص العالم المادي عن طريق النظر والتجربة، لكن المعرفة المادية لم تكفه، فقد أراد أن يعرف ما يؤرقه من عالم ما وراء المادة.‏ 

لاحظ أن الأشياء لا تتغير طبيعتها إلا بفعل مسبب، كتحول الماء إلى بخار لا يكون إلا بالتسخين، والتالي فإن تحول الأشياء لا بد لها من محول، لهذا فإن حدوث العالم وخروجه من العدم لا بد له من فاعل يخرجه إلى الوجود.‏ 

كذلك نظر إلى الكون وإلى نظامه الدقيق، أدهشه هذا النظام، فرأى أنه لا بد من أن يكون وراءه منظم قادر تجتمع فيه صفات الكمال وتنأى عنه النقائض، وهكذا قاده مبدأ السببية إلى الإيمان بالله تعالى، والتعمق في العالم الروحي.‏ 

لهذا أراد أن يقيم صلته بهذا الموجود، المنظم لكل شيء، وصار يتأمل في عالم الحيوان عله يتعلم منه، فرأى أنه لا يهتم إلا بالأكل والشرب وكل ملذات الجسد، فانطوى على ذاته يبحث في أعماقها عن سبل الاتصال بالله، فلم يجد سوى الاتصال الروحي والاستغراق في التوحد بالذات الإلهية، لهذا سكن في كوخه الذي بناه وانقطع عن العالم الخارجي ولم يعد يخرج إليه إلا مرة في الأسبوع تلمسا للغذاء الذي بات يعتمد على أبسط الأشياء، مما يتيح له القدرة على الاتصال بالله بشكل أفضل.‏ 

يأتي الجزيرة (آسال) وهو رجل دين متصوف، هاربا من شيوع الفساد في مدينته، بعد أن يئس من إصلاح أهلها، يلتقي بـ(حي) فينفر منه للوهلة الأولى خائفا من منظره (إنسان بدائي، شعر رأسه يغطي جسده إلى جانب ريش النسر الذي يكسوه، لكن تصرفات (حي) تهدئ من روعه، فيبدأ تعليمه اللغة ، وحين يتقنها، يشرع في تلقينه تعاليم الدين، فيكتشف أن ابن يقظان قد توصل إلى الإيمان بإله واحد، وتعرّف صفاته، والتواصل معه عن طريق القلب، وعبادته بل بات يتفرغ لهذه العبادة.‏ 

وحين حدّثه آسال عن معاناته مع أبناء مدينته يطلب منه (حي) اصطحابه إليهم كي يحدثهم بتجربته الإيمانية، لعلهم يعودون إلى جادة الصواب، وحين يلتقي بهم، يوضح لهم تجربته العقلية في الإيمان، كما يحدثهم عن تجربته الصوفية في التواصل مع الله تعالى، لكنهم كانوا مشغولين بحب الدنيا وملذاتها، لذلك تركهم حي بعد أن نصحهم بالتزام أوامر دينهم وفق الشريعة، وعاد إلى الجزيرة بصحبة صديقه آسال، ليتفرغا للعبادة.‏ 

ملاحظات فنية حول رواية "حي بن يقظان":‏ 

تعد قصة "حي بن يقظان من أهم القصص التي ظهرت في العصور الوسطى، في نظر كثير من النقاد، فهي رائدة في فن القص، إلى جانب ألف ليلة وليلة، لهذا لا يحق لنا أن نحاكمها بمقاييس عصرنا، وما توصلنا إليه من إنجازات في النظرية السردية، فإذا حاولنا الحديث عن هذه القصة، بمقاييس عصرنا اليوم فليست الغاية تقويمية، كما قد يظن البعض، وإنما من أجل إبراز إنجازاتها الفنية المدهشة، وإبراز سقطاتها الفنية التي مازلنا نلاحظها لدى كتابنا اليوم، لذلك لا يضير مكانة ابن طفيل وريادته الحديث عنها.‏ 

ثمة وعي لدى المؤلف أنه يقدم قصة، لذلك وجدناه يستخدم هذا المصطلح في التمهيد "فأنا واصف لك قصة "حي بن يقظان" وقد استخدم مصطلح "واصف" بدل مصطلح "سارد" أو "أقص" كذلك أبرز في التمهيد أسباب كتابة هذه القصة، إنها أسباب تعليمية فقد كتبها بناء على سؤال صديقه عن الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، لذلك ينصحه بلهجة تعميمية قائلا: "فاعلم: أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه، فعليه بطلبه والجد في اقتنائه" وهذا ما فعله بطل قصته (حي) حين بذل غاية جهده ليصل إلى الحقيقة.‏ 

لم يذكر، هنا، اسم صديقه، وإنما وصفه بـ"الأخ الكريم، الصفي الحميم، لذلك نرجح أن يكون متلقيا عاما، يتخيله المؤلف كي يستطيع محاورته ومن ثم يحاول هدايته إلى ضرورة استخدام العقل والحدس في قضية الإيمان بالله تعالى، لذلك وجدناه في خاتمة القصة يقول له: "أردت تقريب الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق. وأسأل الله التجاوز والعفو، وأن يوردنا من المعرفة به الصفو، إنه منعم كريم، والسلام عليك أيها الأخ المفترض إسعافه ورحمة الله وبركاته"‏ 

وبذلك اتضح لنا أن المؤلف يخاطب متلقيا مضمرا، موجوداً بالقوة، متوجها إليه بالخطاب، عله يفتح أمامه سبلا مجهولة للإيمان، لعله يستطيع هدايته وإنقاذه من الجهل والكفر.‏ 

لو أردنا تحديد جمالية هذه القصة لوجدناها تكاد تنحصر في الجزء الأول (قصة ولادته ونشأته وفي الجزء الأخير حين التقى بآسال) ويبدو لنا مشهد اللقاء مشهدا سرديا جميلا بكل المقاييس الفنية، إذ احتفظ بقدرته على التشويق، كما شاعت به حيوية، بفضل تنوع الحركات التي لمسناها لدى كل من (حي) و(آسال) من ركض واختباء وتلاحم في الأيدي ثم لمسات اليد الحانية، بالإضافة إلى تنوع البيئة، إذ تم اللقاء بين البيئة الحضرية بكل ما تعنيه من إنجازات (في الملابس والطعام والتصرفات...) والبيئة البدائية بكل ما تعنيه من حياة فطرية أشبه بحياة الحيوانات، هذا على صعيد الجسد، لكن هذا التناقض سرعان ما يختفي على صعيد الروح، إذ يتبين آسال أن (حي) لا يقل عنه إيمانا ومعرفة بالله، لهذا يوافق على اصطحابه إلى مدينته العاصية لهداية أهلها.‏ 

ثمة عناية في رسم هذا المشهد، ظهرت في طريقة تقديم المؤلف للشخصيتين الرئيستين في القصة، فلجأ إلى رسمهما من الخارج وخاصة شخصية (حي) فبرز لنا في شكله البدائي (شعر رأسه يغطي جسده، ريش النسر الذي يكسوه) كما وصف لنا الأعماق، فاستطاع أن يبرز لنا حالة الرعب التي أحس بها كل واحد منهما حين التقى بالآخر، وخاصة رعب المدني من البدائي، وبذلك اجتمع في هذا المشهد عناصر سردية تجعل هذه القصة ذات سمات فنية ممتعة إلى حد ما.‏ 

صحيح أن بداية القصة وخاتمتها تمتعت بقدرات جمالية في السرد، لكن صلب القصة التي تتحدث عن معاناة (حي) الروحية إثر وفاة أمه، بدت أشبه برحلة فلسفية صوفية علمية، فقد أسقط ابن طفيل أفكاره على الشخصية (حي) وجعله يتحدث بلغته الفلسفية الصوفية، فبدت لنا هذه الشخصية البدائية أشبه بفيلسوف مسلم، يتحدث لغة القرآن الكريم، دون أن يتعرف على الإسلام بعد!‏ 

إذا رغم حياة العزلة التي عاشها (حي) فقد وجدناه عالما في الفلك، حين تأمل الكون ونشأة الأرض، كما وجدناه طبيبا، حين بدأ بتفحص جثة أمه الظبية، ويشرحها باحثا عن مصدر الحياة وسبب الموت، لنتأمل هذا القول، الذي يرصد لنا أعماق الشخصية وأفكارها "وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد العاطل، وأن هذا الجسد بجملته، إنما هو كالآلة وبمنزلة العصي التي اتخذها لقتال الوحوش، فانتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له شوق إلا إليه."(ص_ 45)‏ 

إن شخصية (حي) هي ابن طفيل العالم الفلكي والطبيب والفيلسوف، وبذلك توحد المؤلف مع الشخصية، في أغلب أحوالها وصفاتها وأفكارها ولغتها، فكانت الغاية، من هذه القصة، إيصال أفكاره إلى القراء عن طريق شخصية يتماهى بها تستطيع أن تقدم أفكاره التي قد لا يستطيع التعبير عنها صراحة.‏ 

لعل إغراق الشخصية في التأمل الفلسفي والصوفي، أساء إلى البنية السردية للقصة، إذ إن فن القصة من أكثر الفنون التصاقا بالمجتمع، لذلك قد تؤدي العزلة الاجتماعية إلى الإساءة إليه، فتفقده حيويته وجاذبيته.‏ 

إن هذه الدراسة للقصة وفق معطيات عصرنا، قد تكون مفيدة في إبراز إنجازاتها الفنية، لكن أن نتحدث عن مزالقها وسلبياتها فهذا إجحاف في حقها، لأننا نغفل عن الفارق الزمني بيننا وبينها، فنحاكمها وفق معطيات عصرنا، فلو حاكمناها وفق معطيات عصرها لوجدناها عملا فنيا رائدا، قدّم لنا قصة فيها الكثير من المقومات الفنية (الشخصية، المكان، السرد، الحوار، الصراع...)المؤثرات الإسلامية:‏ 

يعترف ابن طفيل في التمهيد لروايته "حي بن يقظان" باستفادته من ابن سينا الفيلسوف الطبيب، خاصة في مجال اختيار الأسماء (حي بن يقظان، آسال....) لكن ابن سينا اتبع طريقة المتصوفة في الرمز، فـ(حي) يقصد به العقل الفعال،و(ابن يقظان) كناية عن صدوره عن القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهي رحلة ترمز إلى طلب الإنسان المعارف الخالصة بصحبة الحواس والعقل، وإن كان يحذر من رفقة الحواس.‏ 

وبذلك يمكننا القول إن "حي بن يقظان" عند ابن سينا كتاب في الفلسفة والتصوف استفاد منه ابن طفيل ليضيف عليه البنية السردية، ليأتي الفكر الفلسفي بطريقة أكثر جاذبية وربما أكثر إقناعا، لذلك نلاحظ شخصياته تميزت بالحيوية، إذ لم تعد الشخصية مجرد اسم يحمل فكرة، وإنما بدأنا نجد أمامنا كائنا بشريا له أحلامه التي تتعدى عالم المحسوس بكل ماديته، باحثة عما وراء الطبيعة عن حقيقة هذا الكون الذي نعيش فيه.‏ 

صحيح أن ابن طفيل إنسان بدائي، اهتدى إلى الإيمان عبر معاناة ذاتية لكن لغة الراوي كانت متقدمة على بدائية الشخصية، فبدت تحمل ملامح إسلامية واضحة، خاصة في شيوع التناص القرآني في لغتها السردية، مما يؤسس بنيتها الفكرية وجماليتها اللغوية، لنتأمل هذا المقطع "وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون قد اتخذوا إلههم هواهم ومعبودهم وشهواتهم، وتهالكوا في جمع حطام الدنيا، ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر لا تنجح فيها المواعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة"(7)‏ 

نلاحظ في هذا المقطع سطوع لغة القرآن الكريم، حتى إنها تكاد تشكل صلب هذا المقطع، فنلاحظ أن ابن طفيل ينقل ألفاظ الآية القرآنية كما هي، وإن كان قد حذف الجزء الأول منها "فتقطّعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون"(سورة المؤمنون آية 53)‏ 

هنا اقتصر على إضافة فعل (رأى) للسياق السردي، وقد نجده يحور الآية تحويرا بسيطا فتتحول صيغة الغائب المفرد في الآية "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا" (سورة الفرقان آية 43) إلى صيغة جماعة الغائبين بعد أن حذف الجزء الأخير من الآية، أما الآية الأخيرة فقد تحولت من صيغة جماعة المخاطبين (سورة التكاثر آية 1_2) إلى جماعة الغائبين، وبذلك يتم التحوير وفق مقتضيات سردية تتناسب مع سيرورة القصة.‏ 

كما نلاحظ تأثر ابن طفيل بالحدث القرآني، حين حدّثنا عن خوف أم (حي)، في الرواية الواقعية لنشأته، من أخيها الملك فتقذف به في اليم، بعد أن تضعه في تابوت، وهذا ما نجده في (سورة القصص) "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين" (آية 7) لكن تفاصيل حياة الرضيع ستختلف كليا، لدى ابن طفيل عنها في القرآن الكريم.‏ 

ثمة تأثر بالروح الإسلامية والمبادئ التي تحض المؤمن على الإسهام في إصلاح مجتمعه، لذلك وجدناه ، حين شكل تصرفات شخصيته (حي) صاغها وفق هذه الروح، إذ وجدناه يدعو آسال لاصطحابه إلى مدينته العاصية عله يستطيع هدايتها، وهنا نلاحظ ابن طفيل متأثرا بالحديث الشريف "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"‏ 

فلسفة ابن طفيل:‏ 

يعد ابن طفيل من فلاسفة المسلمين، وقد حاول أن ينقل في (حي بن يقظان) هذه الفلسفة عن طريق السرد الروائي الذي بفضله لمحنا فلسفته العقلية، التي تؤكد أن بوسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول، وأن يصل بقواه الطبيعية إلى معرفة الإله والإيمان به، ومن ثم فهم العالم من حوله، وقد قسّم هذه المعرفة قسمين: المعرفة العقلية، والمعرفة الحدسية التي ينكشف فيها الأمر للنفس بوضوح ليس عن طريق المصطلح الفلسفي، وإنما عن طريق "الحال" (8) الذي يستوطن القلب، ويستدل به عن طريق الحدس.‏ 

ويرى ابن طفيل اختلاف الفيلسوف عن العامة بقدرته على إدراك الحقائق الإلهية بعقله وحدسه، أما العامة فهي بحاجة إلى من يرتقي بها إلى هذه المبادئ العالية عن طريق الحس والخيال، لهذا فشلت مهمة (حي) في مدينة آسال العاصية، في إقناع العامة بالإيمان عن طريق العقل والحدس.‏ 

وبما أن قصة (حي بن يقظان) قصة رائدة في العصور الوسطى لذلك من البديهي أن تؤثر بتلك القصص اللاحقة التي ظهرت في أوروبا، كما أثرت قصص ألف ليلة وليلة.‏ 

سنتناول في هذه الدراسة إحدى نماذج التأثر : قصة "روبنسون كروزو" لدانييل ديفو (9) فنبحث عن نقاط اللقاء ونقاط الاختلاف.‏ 

"روبنسون كروزو":‏ 

يبدو لنا روبنسون كروزو شابا في العشرين من عمره، أحلامه أحلام الشباب في السفر والمغامرة، يستأذن والديه في السفر عبر البحار، ليحقق أحلامه، لكن والديه يرفضان الموافقة على هذه الفكرة حرصا على حياته، فيعصي أوامرهما، ليحقق رغبته في المغامرة والسفر، لذلك نجد والده غاضبا عليه يدعو الله أن يضع في طريق ابنه المتاعب.‏ 

فعلا حين يسافر روبنسون يصادف أهوالا كثيرة، كان آخرها تحطم السفينة، وغرق جميع ركابها، ماعدا روبنسون، وبعد أن يجتاز أهوالا كثيرة يجد نفسه في جزيرة نائية، لا يوجد فيها سوى الحيوانات المتوحشة فتكبد مشقة البحث عن حياة آمنة مستقرة فيها، لذلك يصنع من أشلاء السفينة المحطمة سكنا بسيطا، أما طعامه فكان مما تيسر له من ثمار الجزيرة، لكن المصادفة تساعده في تأمين غذائه من الحنطة، حين نفض كيسا (يريد استخدامه لبعض شؤونه) كان فيه بقايا حنطة، فهطلت الأمطار ونبتت البذور، فصار يعتني بها، إلى مرحلة الحصاد.‏ 

نلاحظ أن كروزو لا يبدأ من الصفر، وإنما يساعده في الاستمرار على قيد الحياة مؤن وأدوات حصل عليها من بقايا السفينة المحطمة، كما ساعدته الطبيعة بأن مدّته بالمواد الأولية (الخشب) ليستمر في العيش.‏ 

بعد فترة من الزمن يلتقي روبنسون بإنسان أسير، استطاع أن يهرب من أكلة لحوم البشر، فيسميه (جمعة) ويتخذه مساعدا له في عمله.‏ 

عاش روبنسون في الجزيرة مدة ثمان وعشرين سنة، إلى أن أتت مصادفة سفينة، يرحل على متنها إلى بلده، بعد أن يخوض صراعا مع رجال ثائرين على ربانها، وهكذا لاحقته المتاعب حتى آخر مراحل سفره!!‏ 

اللقاء بين "حي بن يقظان" و "روبنسون كروزو"‏ 

لو وقفنا عند السنة التي توفي فيها مؤلف " روبنسون كروزو" دانييل ديفو (1731م) وسنة وفاة ابن طفيل (1185م) للاحظنا أن مؤلف "حي بن يقظان" قد عاش قبل ديفو بحوالي خمس مئة سنة، وأن كلا الكاتبين قد عاش في إسبانيا فترة من حياته، لذلك كان تأثر ديفو بابن طفيل أمرا طبيعيا.‏ 

لو تأملنا الفضاء المكاني لكلا الروايتين للاحظنا تشابها كبيرا، فنحن أمام فضاء واحد تقريبا (جزيرة نائية) كذلك نجد فيها إنسانا وحيدا، يحاول أن يفهم ويستكشف كل ما يحيط به، وبذلك نجد لقاء في تركيز القصتين على شخصية رئيسية واحدة، تعيش ظروفا متشابهة (العزلة، البدائية...)‏ 

كذلك تبدو الشخصية الثانوية، في كلا القصتين، شخصية طارئة (آسال، جمعة) تأتي إلى الجزيرة بعد استقرار الشخصية الرئيسية، إذ تم اللقاء بها بعد مرور فترة طويلة من العزلة في الجزيرة، وقد لاحظنا أنها أضفت الحيوية على فضاء القصتين، وأسهمت في تجديد إيقاعهما.‏ 

نلمح في كلا القصتين الغاية التعليمية، فابن طفيل، كما لحظناه منذ المقدمة، يريد أن يدلل على وجود الله باستخدام العقل والحدس، دون استخدام الشريعة، لذلك جعل من (حي) إنسانا بدائيا يصل إلى الإيمان عن طريق استخدام العقل أولا ثم الحدس، كأنه يطلب من الناس أن يمعنوا النظر في هذا الكون ليتوصلوا إلى الإيمان بعقولهم وقلوبهم، لا أن يكون إيمانهم إيمانا تقليديا، يحول التواصل مع الله تعالى إلى مجموعة من الطقوس لا علاقة لها بالقلب أو العقل.‏ 

أما دانييل ديفو فقد كانت غايته تربوية، إنه يتوجه إلى الشباب، الذي يعشق المغامرة والسفر، بالنصيحة، طالبا إليهم النظر إلى ما آل إليه حال روبنسون حين لم يستمع إلى رغبة والديه في عدم السفر، ونفّذ ما يدور في رأسه من أفكار، فعانى متاعب جمة استمرت حتى لحظات سفره الأخيرة.‏ 

انعكست في كلا القصتين ملامح من السيرة الذاتية للمؤلف، ففي قصة "حي بن يقظان" نجد أهم القضايا التي أرّقت ابن طفيل (هل تستطيع الفلسفة أن تؤدي إلى الإيمان بالله تعالى، على نقيض القول الشائع " من تمنطق فقد تزندق"؟ ثم هل يكفي استخدام العقل ليصل بنا إلى الإيمان العميق أم نحن بحاجة إلى القلب والقوى الداخلية الحدسية إلى جانبه؟ هل تستطيع العامة الإيمان بهذه الطريقة؟ أم لا بد لها من الطريقة النقلية في الإيمان؟ هل الطريقة العقلية الحدسية وقف على الخاصة دون العامة؟)‏ 

إذا نلمح في هذه القصة بعض المعاناة الروحية والفكرية لابن طفيل، كما نلمح بعض ملامحه الشخصية التي أسقطها على (حي) فجعله فيلسوفا وطبيبا، وعالم فلك مثله.‏ 

أما قصة "روبنسون كروزو" فقد لمحنا فيها معاناة دانييل ديفو من عقوق ابنه، لذلك جعل روبنسون ابنا عاقا لوالديه، وأسقط عليه غضبه، مما جعله يعاني متاعب جمة في سفره، وعاقبه بأن عاش معظم حياته وحيدا يجتر آلامه.‏ 

الاختلاف بين "حي بن يقظان وروبنسون كروزو"‏ 

يدخل روبنسون الجزيرة النائية شابا، قد تكوّن فكره وتأصلت عاداته، أي بدا لنا إنسانا مدنيا أجبر على الحياة البدائية، أما (حي) فقد بدأ حياته فيها رضيعا (حسب الرواية الأولى) أو تخلق من تربتها (حسب الرواية الثانية) لذلك كان إنسانا بدائيا لصيقا بالطبيعة، وقد قويت صلته بها مع الأيام، إذ لم يعرف عالما غيرها، فكان عالم الحيوان في الجزيرة دليله للحياة، تعلم منه طرائق العيش البدائية.‏ 

إذا بدأ (حي) حياته في الجزيرة من الصفر، في حين وجدنا روبنسون يستعين بمخلفات السفينة المحطمة، فاستطاع أن يوفر لنفسه عيشة متحضرة بفضل المؤن والأدوات التي عثر عليها مع بقايا السفينة.‏ 

نظرا لعلاقة (حي) الحميمة بالطبيعة نجده إنسانا تغلب عليه الروحانيات والأفكار، همه الأساسي البحث عن قضايا تؤرق الإنسان (الإيمان بالله، الموت، هداية الآخرين) لذلك لم تؤرقه قضايا الحياة المادية، خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته، فقد رأى أن الاستغراق في التواصل مع الذات الإلهية يفسدها الانشغال بالماديات، لذلك كان طعامه بسيطا، يخصص له وقتا زهيدا ليصرف وقته في التأمل والعبادة، في حين وجدنا روبنسون مشغولا بالعالم المادي، همه الأساسي تأمين الطعام ليس لمعيشته اليومية فقط وإنما يفكر بمعيشته المستقبلية فيحاول تأمين مؤنة الشتاء والعيش في مسكن على نسق عرفه في حياته السابقة، لذلك نستطيع أن نقول إن روبنسون نقل الحياة المدنية بكل ماديتها إلى الجزيرة، وربما لهذا السبب ابتعد عن القضايا الروحية، في حين جسّد (حي) الحياة الروحية بتأثير الطبيعة التي التصق بها، وكما يقول جان جاك روسو إن الإنسان الذي يعيش قريبا من الطبيعة أشد تدينا واقترابا من الله من ذلك الإنسان الذي يعيش في المدينة، ربما لأنه يزداد رهافة وإحساسا بمعجزات الكون وجماله، لشدة معايشته للطبيعة، ورؤيته لتبدلاتها المعجزة، لا أدري إن كان يحق لنا القول: إن قصة "حي بن يقظان" تجسد لنا علاقة الشرقي بالكون، والتي رأيناها تعتمد على التركيز على الروحانيات وعدم الاهتمام بالماديات، في حين تجسد لنا قصة "روبنسون كروزو" علاقة الغربي المادية بالكون، وإن كنا لا نستطيع أن نقبل هذا الحكم بشكل مطلق!!‏ 

إن شخصية (حي) هي شخصية فيلسوف يتأمل الكون ليفهم أسراره، يثير أسئلة جوهرية تتعلق بالوجود الإنساني وكيفية تواصله مع الله، لذلك اجتمعت لديه شخصية الفيلسوف إلى جانب المتصوف! وهو يفكر في إصلاح غيره، لذلك برزت لديه شخصية المصلح، في حين وجدنا (روبنسون) إنسانا عاديا أقصى طموحاته تلبية حاجاته المادية.‏ 

وقد كان اللقاء بالشخصية الثانوية (جمعة) معززا للجانب المادي لروبنسون إذ يقوم بمساعدته في أمور حياته المادية، في حين كان لقاء (حي) بـ(آسال) معززا للجانب الروحي، علمه اللغة، إحدى أهم مفاتيح الأعماق والأفكار، ثم أخذه إلى مدينته العاصية ليسهم في إصلاحها.‏ 

لو تأملنا علاقة (حي) بـ(آسال) لوجدناها علاقة ندية، إذ يتم تبادل المعرفة بينهما، ويحاولان التعاون في سبيل إصلاح البشر وهدايتهم.‏ 

أما علاقة روبنسون بـ(جمعة) فقد كانت علاقة السيد بالمسود على نقيض علاقة (حي) بـ(آسال) وبذلك تتجسد لنا علاقة الغربي بالآخر، فهو السيد والآخر عبد له.‏ 

نلاحظ أن القصة لدى ابن طفيل مازالت بدائية، رغم الإنجازات السردية التي لحظناها، إذ لا نجد، غالبا، سردا متصلا بحدث معين، أو بشخصية معينة، خاصة إذا تجاوزنا المقدمة والخاتمة، التي أشرت إلى جماليتهما سابقا، فقد امتلأت القصة بالاستطرادات الفلسفية، فأصبحت أشبه ما تكون بمقال فلسفي، في أغلب الأحيان، في حين بدا السرد القصصي، في "روبنسون كروزو" متقنا، يكاد يخلو من الترهل والاستطراد، فالحدث مشوق، يتطور عبر حبكة متماسكة، وقد ابتعدت الشخصية عن التجريد، فلم تبد' مجموعة أفكار، كشخصيات ابن طفيل، بل رأيناها قريبة من الواقع، هنا لا بد أن نذكر مرة أخرى بالفارق الزمني بين القصتين (حوالي خمس مئة سنة)‏ 

يلاحظ وجود مؤثر إسلامي آخر في قصة "روبنسون كروزو" وهو ألف ليلة وليلة، إذ لا بد أن ديفو قد اطلع على ترجمة (غالان) لألف ليلة وليلة التي ظهرت في اثني عشر مجلدا بين عامي (1714_ 1717) فقد توفي ديفو (1731)‏ 

يلاحظ المرء أن معاناة روبنسون تشبه معاناة السندباد البحري، خاصة في بداية الرحلة البحرية، حيث تحطمت السفينة وبقي حيا دون سائر الركاب، فعاش في جزيرة نائية وحيدا.‏ 

وبذلك لم يكتف دانييل ديفو بالتأثر بقصة "حي بن يقظان" وإنما تعددت مجالات تأثره، ليتجاوز ذلك التأثر إلى الإبداع، الذي ينطلق من خصوصيته التي تنبع من معاناته الذاتية وخصائص أمته.‏ 

Biographie
Il s'agit d’Abu Bakr Mohamed Ben Abdelmalek Ben Mohamed Ibn Tofaïl al-Qaïsi al-Andalousi, par référence à la tribu arabe des Beni Qaïs. Né près de Grenade, en Andalousie, et quoique sa date de naissance soit inconnue, il est probablement né au début du XIIe siècle. De plus, on ignore tout de sa famille et de son éducation,1 à l'exception du fait qu'il a étudié auprès de savants et érudits de son époque. Il possédait des connaissances exhaustives dans tous les domaines scientifiques, en particulier en médecine, philosophie et astronomie.
Ibn Tofaïl a occupé plusieurs fonctions, travaillant au début comme clerc à la cour du Wali (gouverneur) de Grenade, puis à la cour de l'Emir Abu Saïd Ben Abdel-Moumen, gouverneur de Tanger, avant de devenir le vizir et le médecin du Calife Almohade Abu Yacoub Youssef. Ibn Tofaïl aurait eu, semble-t-il, une grande influence sur le Calife, ce dont il profita pour faire venir les savants à la cour, en particulier le philosophe et médecin Ibn Roshd.2 Ayant atteint un âge avancé, il présenta ce dernier au Calife afin de lui expliquer les livres d'Aristote et lui succéder en tant que médecin. Ibn Tofaïl demeura à la cour du Calife jusqu'à sa mort en 581 H/1185, à Marrakech.
Contributions scientifiques
Contributions dans le domaine de la médecine : D'après Lissan al-Din Ibn al-Khatib, Ibn Tufaïl aurait écrit, en médecine, un ouvrage en deux volumes. Ibn Abu Usayba-a rappelle qu’Ibn Tofaïl et Ibn Roshd avaient conduit conjointement des recherches portant sur la définition des médicaments «Rasm al-Dawaa», qu'Ibn Roshd a compilé dans son livre «al-Kulliyyate». Ibn Tofaïl avait également une arjouza» (livre versifié) en médecine composée de 7700 vers.3
Contributions en astronomie : L'on prétend qu'Ibn Tofaïl faisait montre d'idées novatrices en astronomie ainsi que des théories sur la composition des corps célestes et leur mouvement.
Dans son ouvrage sur Ibn Tofaïl, Léon Gauthier affirme qu'en dépit du fait qu'il n'a rien laissé d'écrit sur l'astronomie, hormis quelques courts passages dans le livre «Hayy Ibn Yaqdhan» (Le vivant fils du vigilent), l'on sait qu'Ibn Tofaïl était insatisfait du système astronomique élaboré par Ptolémée et, partant, pensait à un nouveau système. Pour étayer cette thèse, l'auteur apporte le témoignage d'Ibn Roshd et d’Al Bitruji. En effet, dans son explication de «Al-Athar al-Alaouiya» (Métaphysique) d'Aristote, Ibn Roshd a critiqué à son tour les hypothèses de Ptolémée sur la constitution des planètes et leurs mouvements, soulignant qu'Ibn Tofaïl disposait, dans ce domaine, de théories remarquables dont on peut tirer un énorme profit. Al Bitruji a noté, d'autre part, dans l'introduction de son célèbre ouvrage sur l'astronomie, qu'Ibn Tofaïl a mis au point un système astronomique mû par des principes autres que ceux de Ptolémée. Le chercheur français s'interroge donc sur la probabilité que les hypothèses avancées par Ibn Tofaïl comportent certains des éléments de base nécessaires à la grande révision astronomique réalisée par Copernic et Galilée quatre siècles plus tard.4
En philosophie , l'oeuvre majeur d'Ibn Tufayl (1110, 1185) est , bien sûr , le livre de fiction intitulé "Hay Ibn Yaqdan" qui est hautement révélateur du formidable talent de son auteur . 
Le titre et seulement le titre de cette oeuvre majeure est une reprise d'un travail d'Ibn Sina , son prédécesseur. "Le vivant fils du vigilant", mettant en scène un enfant prodige, Hayy ibn Yaqdhan, ou "le philosophe autodidacte" , né par génération spontanée et vivant sur une île isolée près de l'Inde. Cet enfant qui n'a ni père ni mère est élevé par une gazelle et s'éveille seul à la philosophie et à la connaissance de Dieu. 
Rubinson Crusoe de Defoe , écrit quelques siècles plus tard est une pâle réplique du roman d'Ibn Tufayl . La critique est pérsuadée que l'auteur anglais s'est inspiré du livre du philosophe arabe . Du vivant de Defoe ,circulait déjà une traduction du "philosophe autodidacte ". Alors que Crusoé s'est ensauvagé après son naufrage et ses pérégrinations sur une ile deserte ,Hay Ibn Yaqdan , ignorant pourtant la notion de civilisation s'est , au contraire , assagi par la reflexion individuelle , l'introspection et la méditation .Le roman philosophique est en fait un récit allégorique qui relate l’histoire d’un homme vivant seul sur une île et qui, n’ayant aucun contact avec d’autres êtres humains, découvre la vérité grâce à sa pensée rationnelle et à sa reflexion. De retour dans la société, il se confronte durement au dogmatisme existant et aux divers maux qui rongent la société dépravée . C'est avec un grand talent de narrateur habile et clairvoyant que l'on suit avec intêret les péripéties de ce roman . La pensée d'Ibn Tufayl éclate au grand jour des pronfondeurs de ce roman duquel on peut tirer deux principes : le premier est que l'homme n'est pas mauvais de nature et les efforts de reflexion , d'introspection finissent par laisser tranparaitre à travers toute personne sensée une vérité logique et humaine , celle de l'existence d'un créateur.Le deuxiéme est que la vérité peut être approchée sans que l'on fasse appel à l'apprentissage et à la culture . C'est un hymne grandiose aux facultés grandioses de l'intelligence humaine

ليست هناك تعليقات:

أرماند باربيس

  أرماند باربيس أرماند باربيس أرماند باربيس محتجز في  حصن فينسين  عام 1849.  طباعة حجرية  من تصميم نيكولا هنري جانين،  متحف كارنافاليه  . وظ...