| |
الكلام عن حمل السلاح في نقابة الصحفيين "كارثة".. وكانت الكارثة أكبر عندما سكتت عليه دولة ما بعد الثورة، وبلعتها كما نبتلع حبات "الأسبرين"
التغيير بالعنف هو عقيدة مستقرة في الضمير اليساري العام، وفي أحداث 17و18 يناير عام 1977، ضبطت قيادات يسارية مصرية، وهي تحمل "جراكن" البنزين في وسط البلد، ومسجلة بالأسماء والوقائع في أضابير النيابة العامة، وبعضهم تولى مناصب رفيعة في إدارة صحف فاروق حسني.
كلنا يحلم بـ"دولة القانون".. واليساريون يريدونها "دولة الشبيحة"!: إما نتائح مفصلة على مقاس "المزاج اليساري" وإما اطلاق "الشبيحة" لتقطيع المواطنين بالسلاح!
ما حدث في نقابة الصحفيين كانت فتوى يسارية بـ"إهدار دم" الخصوم السياسيين، والدعوة إلى انقلاب دموي على أية انتخابات نزيهة تأتي بما لا تشتهيه نفوسهم المريضة.
اليساري الذي هدد باطلاق يد "الشبيحة" المسلحة، لتمزيق جسد كل ما هو إسلامي، لو كان ـ هذا اليساري ـ سلفيا أو إخوانيا، أو محض مواطن ملتح لقامت الدنيا وما قعدت، ولتحولت سهرات "السواريه" على فضائيات أموال البنوك المنهوبة، إلى سرادقات لتلقي العزاء في الدولة التي اغتالها الملتحون قساة القلب حاملو السيوف والجنازير.. ولأصبح كل من هو إسلامي "مطلوبا" و"متهما" ومطاردا من جميلات فضائيات "الميكب".. وعروض ملوك جمال برامج "التوك شو".
لا أدري كيف لم يستدع هذا اليساري للتحقيق معه أمام السلطات القضائية المدنية أو العسكرية بتهمة التحريض على البلطجة والخروج المسلح على الدولة؟!.. فاليساري "الهائج" هدد وسط مؤتمر عام وفي نقابة هي الأشهر في مصر، وعلانية بأنه مستعد لحمل السلاح ضد مواطنين مصريين يتهمهم بأنهم يعكرون مزاج وشهوات "الرفيق" المسلح.. ولو صدر مثل هذا الكلام من أي ناشط سياسي في أية دولة ديمقراطية ومدنية تحتكم إلى القانون لجرى القبض عليه وعرض فورا على المحكمة، فالتساهل معه يغري الآخرين بإثارة الفزع والفوضى والاضطرابات الأمنية بدون أن يردعه أحد طالما كان حاملا لبطاقة "الحصانة العلمانية"! عاتبني أحد القراء قائلا "ما دمت تكتب عن أهمية الحوار الفكري الهادئ بين الإسلاميين والعلمانيين وتضرب أمثلة عن تجارب ناجحة وأخرى فاشلة من تاريخنا القديم والحديث، فلماذا لا تضرب مثالا من واقعنا الحالي ؟ ها هو علاء الأسواني يكتب عن التاريخ الإسلامي ويقدم صورة شديدة السواد لهذا التاريخ، لماذا لا تناقشه ؟؟". رأيت عتاب القارئ منطقيا فلم أتردد وقلت له "لبيك".
قرأت المقال الذي أشار إليه القارئ فازدادت قناعتي بضرورة مناقشته. كتب الأستاذ الأديب الدكتور علاء الأسواني مقالا بعنوان (هل نحارب طواحين الهواء..؟!) ونشره في جريدة المصري اليوم في 31 مايو 2011 وملخص مقاله ثلاثة أمور:
1. الإسلام قدم فعلاً حضارة عظيمة للعالم، فعلى مدى قرون نبغ المسلمون وتفوقوا في المجالات الإنسانية كلها بدءا من الفن والفلسفة وحتى الكيمياء والجبر والهندسة.
2. تاريخ الحكم الإسلامي على امتداد 1400 سنة لا وجود فيه لمبادئ أو مُثُل نبيلة، وإنما هو صراع دموي على السلطة يستباح فيه كل شىء، اللهم إلا في فترة زمنية محدودة جدا مدتها 31 سنة هي زمن الخلافة الراشدة وحتى هذه لم تخل من مظالم.
3. الذين ينادون أو يحلمون بعودة الخلافة الإسلامية نوعان من الناس: بعض المسلمين الذين لم يقرأوا التاريخ الإسلامي من أساسه، أو أنهم قرأوه وتهربوا من رؤية الحقيقة، لأن عواطفهم الدينية قد غلبت عليهم فأصبحوا بالإضافة إلى تقديس الإسلام يقدسون التاريخ الإسلامي نفسه، ويحاولون إعادة تخيله بما ليس فيه. أما الفريق الآخر من المنادين بالخلافة فهم أعضاء جماعات الإسلام السياسي الذين يلعبون على عواطف البسطاء الدينية من أجل أن يصلوا إلى السلطة بأي طريقة.
وبالإضافة لذلك فقد لطخ الأستاذ الأسواني قلمه بالخوض في اثنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هما عثمان ومعاوية رضي الله عنهما، ولكني أؤخر الكلام عن هذا وأبدأ أولا بمناقشة المقال في نقاط محدودة معدودة حتى لا يتشعب الكلام:
1. أول ملاحظة تعجبت منها هي إلقاء الأحكام المطلقة بصورة ساذجة على حقبة تاريخية مدتها 1400 سنة، يختزلها الأستاذ الأسواني ببساطة شديدة ويصفها بأن (نظام الحكم فيها لم يكن متفقا قط مع مبادئ الدين)، 1400 سنة من الحكم الإسلامي خالفت فيها أنظمة الحكم مبادئ الدين التي يصفها الأسواني بأنها (مبادئ الإسلام الحقيقية: الحرية والعدل والمساواة). هل يتصور أحد 1400 سنة من حكم بلا حرية ولا عدل ولا مساواة ؟!. إننا نطالب حتى في عصور الانحطاط والاستبداد والقهر الحديثة أن ندقق في أحكامنا، فمثلا نقول عن فترة حكم عبد الناصر إنها لم تكن شرا كلها ولا خيرا كلها، وكذا عهد السادات وحتى عهد مبارك الذي دمر البلاد ربما لا يخلو عهده من حسنات، فكيف بألف وأربعمائة عام من الحكم الإسلامي بجرة قلم يصمها الأسواني بأنها لم تتفق أبدا مع مبادئ دين الإسلام.
2. أول أمرين ذكرهما الأسواني ضدان متناقضان ولا يمكن أن يجتمعا. وكنا نتصور في الأستاذ الأسواني الأديب الذي يعرف النفس البشرية وحركة المجتمعات أنه لا يمكن لمجتمعات سادتها الصراعات الدموية التي تستبيح كل شيء وتخلو من الحرية والعدل والمساواة، لا يمكن أن تنتج حضارة عظيمة في العلوم والفنون والآداب. العكس هو الصحيح أن إنتاج تلك الحضارة العظيمة الراقية التي افتخر بها الأسواني عندما كان يدرس الأدب في إسبانيا لا يمكن أن تخرج من بلاد قد أطبق عليها الظلم والقهر والاستبداد وتستباح فيها كل الحرمات، هذا هو المستحيل بعينه. وليدلنا الأسواني على أمة من الأمم حكمت بدون الحرية والعدل والمساواة وظل حكمها مستمرا قرونا متطاولة، وأكثر من ذلك أنتجت حضارة عظيمة غيرت وجه البشرية. إن هذا ليس من طبيعة الأشياء وضد حركة التاريخ وقبل ذلك ضد سنن الله في خلقه (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).
3. ولو تفكر الأستاذ الأسواني في عبارة أستاذه الإسباني عندما قال له (يجب أن تفخروا بما أنجزه أجدادكم من حضارة في الأندلس..) وتذكر أن سبعة قرون من الحكم الإسلامي في إسبانيا أبقت على الدين المسيحي فيها وعلى من تمسكوا به، بينما قضى الأوروبيون على كل مسلم في تلك البلاد خلال سنوات قليلة من استردادهم لحكم الأندلس ولم يبقوا على مسلم واحد في أشهر محاكم تفتيش عرفتها البشرية. الحكم الإسلامي هو نفسه الذي عامل بالسماحة وبالحرية والعدل والمساواة نصارى الأندلس فاحتفظوا بدينهم لسبعة قرون.
4. وهنا لا يمكن بطبيعة الحال أن نستعرض كل التاريخ الإسلامي، ولكن سأناقشه فقط في الفترة التي ضرب منها الأمثلة البشعة وهي فترة الحكم الأموي لتكون دليلا أقوى على غيرها من أزمنة الحكم الإسلامي.
5. بداية فإن الأمثلة التي ذكرها الأستاذ الأسواني عن الدولة الأموية أكثرها صحيح وبشع ولا يجوز لمسلم عاقل أن يدافع عنها، ولكنها جزء مقتطع من الصورة الكاملة للحكم الأموي، واقتطاعها على هذا النحو يعطي صورة مغلوطة تماما ويكون أشبه بفعل الشيعة عندما يأخذون هذه الأمثلة الصارخة ويعممونها على أهل السنة. وفي الحقيقة فإن التصور الذي يعطيه الأستاذ الأسواني لانقلاب الحال مع بداية حكم معاوية رضي الله عنه تصور عجيب ومضحك ولا يتفق أبدا مع الطبيعة البشرية. إنه يصور حال الأمة الإسلامية وقد أشرقت عليها أنوار الحرية والعدل والمساواة ثم فجأة انطفأت هذه الأنوار وأغرقت الأمة في ظلم وظلمات لمدة 1400 سنة، وهو تصور لا يستقيم أبدا. إنه يتصور أن سنة (41هـ) التي قامت فيها الدولة الأموية، وكأنها السنة التي انتهى فيها جيل الصحابة؛ الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انقرض التابعون؛ الذين تتلمذوا على يد التلامذة الأول للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. إن بعض الصحابة قد عاشوا إلى ما بعد العقد التاسع (90 هـ)، أي بعد عام الجماعة بأكثر من نصف قرن كامل. أما التابعون فقد عاش بعضهم إلى ما بعد سقوط الدولة الأموية سنة (132هـ). إن ما حدث بالضبط هو أن أسلوب انتقال الحكم قد تغير من شورى مطلقة إلى استبداد بالرأي أو إلى شورى مقيدة؛... أما نهر الحضارة الإسلامية فقد ظل يشق مجراه ... وظلت الأمة هي الأمة والمبادئ هي المبادئ. ولذلك نشر الأمويون الإسلام في أقطار الأرض ، في المغرب الأقصى والأوسط والأدنى وطرابلس وبرقة وإسبانيا والصين والهند وبلاد آسيا الوسطى وأفغانستان وغيرها، وفي عهدهم وقعت عملية التعريب ، وتم تنظيم الدواوين ، وسك العملة، وبدأت العلوم العربية والإسلامية تكتمل صورها وتنحت معارف جديدة للبشرية.
6. استشهد هنا بمؤرخ غربي من كبار الدارسين للتاريخ الإنساني كله لعل شهادته تكون أكثر قبولا لدى المدرسة العلمانية التي تتعسف مع تاريخنا. يقول المؤرخ الأمريكي الأشهر ويل ديورانت (1885-1981م) في موسوعته الشهيرة (قصة الحضارة)، في المجلد الخامس:
(يجب علينا ألا نظلم معاوية. لقد استحوذ على السلطة في بادئ الأمر حين عينه الخليفة الفاضل النزيه "عمر بن الخطاب" والياً على الشام، ثم بتزعمه الثورة التي أوقد نارها مقتل عثمان، ثم بما دبره من الدسائس البارعة التي أغنته عن الالتجاء إلى القوة إلا في ظروف جد نادرة، ومن أقواله في هذا المعنى "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت" قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال: "إذا مدوها خليتها وإن خلوها مددته". ولقد كان طريقه إلى السلطة أقل تخضباً بالدماء من طرق معظم من أسسوا أسراً حاكمة جديدة. وكان يجلس للناس خمس مرات في اليوم، وقد استؤنفت الفتوحات الإسلامية في عهده بعد توقف، وكان يسمع المدح في منافسه في مجلسه؛ بل ويسمع بفضله عليه ولا يعاقب على ذلك (وهي صورة من أعلى مظاهر حرية الرأي والتعبير)...
وجاء بعد ابنه يزيد فحكم لثلاث سنوات امتلأت بالفتن والاقتتال الداخلي وأعقب موت يزيد سنتان سادت فيهما الفوضى وتولى الخلافة فيها ثلاثة من الخلفاء جاء بعدهم عبد الملك بن مروان ابن عم معاوية فقضى على هذا الاضطراب وأخمد الفتنة بشجاعة وقسوة، فلما استتب له الأمر حكم البلاد بكثير من الرأفة، والحكمة والعدالة (وكانت مدة حكمه 20 سنة). وسار عبد الملك بن مروان على خطى معاوية، وحاول أن يطبق سياسته الداخلية في الجلوس للناس، وكان من فقهاء المدينة المعروفين، وقد احتج مالك في الموطأ بعمل عبد الملك، وكان من فاتحي إفريقية قبل الخلافة، وقد استقرت قواعد الدولة في عهده، وظهر طابعها العربي واستقلالها الحضاري.
أما ابنه الوليد الأول ففي عهده واصل العرب فتوحاتهم فاستولوا على بلخ في عام (86هـ ـ 705م) ، أما الوليد نفسه فكان مثلاً طيباً للحكام، يعني بشئون الإدارة أكثر من عنايته بالحرب، ويشجع الصناعة والتجارة؛ بفتح الأسواق الجديدة ، وإصلاح الطرق، وينشئ المدارس والمستشفيات ـ ومنها أول مستشفى معروف للأمراض المعدية ـ وملاجئ للشيوخ، والعجزة، والمكفوفين، ويوسع مساجد مكة والمدينة وبيت القدس، ويجملها، وينشئ في دمشق مسجداً أعظم من هذه المساجد وأفخم، ولا يزال باقياً فيها حتى اليوم.
وتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة لأقل من ثلاث سنوات (99 /101هـ ـ717 / 719م) أعاد سيرة الراشدين، .. وجعل حياته كلها وقفاً على إحياء شعائر الدين ونشره فتقشف في لباسه، وارتدى الثياب المرقعة حتى لم يكن أحد يظن أنه هو خليفة المسلمين، وأمر زوجته بأن ترد إلى بيت المال ما أهداه إليها والدها من الحلي النفيسة فُصدعت بالأمر، وقرب إليه أتقى العلماء في الدولة وأتخذهم له أعواناً ومستشارين. وعقد الصلح مع الدول الأجنبية، وأمر برفع الحصار عن القسطنطينية وعودة الجيش الذي كان يحاصرها، واستدعى الحاميات التي كانت قائمة في المدن الإسلامية المعادية لحكم الأمويين. وبينما كان أسلافه من خلفاء الأمويين لا يشجعون غير المسلمين في بلاد الدولة على اعتناق الإسلام، حتى لا تقل الضرائب المفروضة عليهم، فإن عمر قد شجع المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين على اعتناقه، ولما شكا إليه عماله القائمون على شؤون المال من هذه السياسة ستفقر بيت المال أجابهم بقولهِ "والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا".
وحكم هشام بن عبد الملك الدولة تسعة عشر عاماً (106 – 125 هـ ، 724-743 م) حكماً عادلاً ساد فيه السلم، وأصلح خلاله الشئون الإدارية، وخفض الضرائب، وترك ـ بعد وفاته ـ بيت المال مليئاً بالأموال.
لقد استمرت الدولة الأموية مائة عام، وهؤلاء ـ كما نرى ـ (معاوية ، وعبد الملك ، والوليد، وعمر ، وهشام) خمسة من خلفاء بني أمية، حكموا بنحو ثلاثة أرباع عمر الدولة، وقدموا خدمات كثيرة للحضارة الإسلامية، باعتراف مؤرخ غربي كبير، يحاول أن يقترب من الإنصاف، وذلك ضمن رصد شامل للحضارة الإنسانية.
7. هذا فقط عن فترة الدولة الأموية التي اقتطع منها الأسواني أمثلة صارخة على الظلم وتعمد التغافل عن الصورة بكاملها، وهذا اقتطاع غير أمين وفيه تلبيس على قرائه. إننا لو تصورنا تاريخ الحكم الإسلامي حضاريا من 1400 صفحة، سنجد منها 1300 صفحة بيضاء ناصعة وحوالي 100 صفحة سوداء مظلمة، فإذا بالأسواني يمعن النظر في هذه الصفحات السوداء ويركز عليها ويتغافل عن باقي الكتاب، ثم لا يكتفي بهذا فيزعم أن الكتاب كله أسود مخالف لمبادئ الدين إلا نحو ثلاثين صفحة فقط، وحتى هذه الورقات القليلة لم تسلم من الظلم، وكلام الأسواني هو عين الظلم.
8. وكنت أريد أن أكتفي بهذا، ولكن أزعجني أيضا أنه قفز على فترة الحكم العباسي واقتبس مقولة عن الخليفة أبي جعفر المنصور أنه قال (أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة (حماة) نحكمكم بحق الله الذي أولانا وسلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه وحارسه على ماله..). لو ثبت أن المنصور قائل هذه العبارة فقد أخطأ وقد منع جمهور الفقهاء أن يقال "خليفة الله" ونسبوا قائل ذلك إلى الفجور لأن الاستخلاف لا يكون إلا في حالة الموت أو الغيبة والله تعالى منزه عن ذلك. وبالمناسبة فإن حديث (السلطان ظل الله في أرضه، من نصحه هدي ، ومن غشه ضل) لا يصح وحديث موضوع، حكم بوضعه الشوكاني والألباني وغيرهما.
ولقد اجتهدت أن أجد أصل العبارة المنسوبة للمنصور دون جدوى، ولكن وجدت عبارة قريبة منها نقلها ابن كثير في البداية والنهاية عن إسماعيل الفهري قال (سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة يقول: أيها الناس ، إنما أنا سلطان الله في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه ورشده ، وخازنه على ماله ، أقسمه بإرادته ، وأعطيه بإذنه ، وقد جعلني الله عليه قفلا ، إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم فتحني ، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني ، فارغبوا إلى الله أيها الناس ، وسلوه - في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه ، إذ يقول : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا. أن يوفقني للصواب ، ويسددني للرشاد ، ويلهمني الرأفة بكم ، والإحسان إليكم ، ويفتحني لإعطائكم ، وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم ، فإنه سميع مجيب) . وهذه الألفاظ أقرب في شرح مقصوده، وقد قال الإمام الغزالي في الإحياء (فالدِّين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم المُلك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه).
9. وهنا أحيل مرة أخرى إلى نفس المصدر الغربي الذي بطبيعة الحال لا يجامل المسلمين، لنرى كيف يصفون أبا جعفر المنصور. يقول ويل ديورانت في ترجمة المنصور –المجلد الخامس ص 4518 – ما نصه (... وكان الخليفة الجديد في سن الأربعين، طويل القامة، نحيف الجسم، ملتحياً، أسمر البشرة، شديداً في معاملاته. ولم يكن أسيرا لجمال النساء أو مدمنا للخمر أو مولعاً بالغناء. ولكنه كان يناصر الآداب، والعلوم، والفنون، ويمتاز بعظيم قدرته، وحزمه، وشدة بطشه، وبفضل هذه الصفات ثبت دعائم أسرة حاكمة لولاه لماتت بموت السفاح. وقد وجه جهوده لتنظيم الأداة الحكومية، وبنى مدينة فخمة هي مدينة بغداد واتخذها عاصمة للدولة، وأعاد تنظيم الحكومة والجيش في صورتيهما اللتين احتفظا بهما إلى آخر أيام الدولة. وكان يشرف بنفسه على كل إدارة في دولاب الحكومة، وعلى جميع أعمال هذه الإدارات، وأرغم الموظفين المرتشين الفاسدين - ومنهم أخوه نفسه - على أن يردوا إلى بيت المال ما ابتزوه من أموال الدولة. وكان يراعي جانب الاقتصاد بل قل الحرص الشديد في إنفاق الأموال العامة، حتى نفر منه الأصدقاء، وأطلق عليه لشحه لقب "أبي الدوانق". وقد أنشأ في بداية حكمه نظام الوزارة الذي أخذه عن الفرس، وكان له شأن عظيم في تاريخ العباسيين. وكان أول من شغل منصب الوزير في عهده خالد ابن برمك. وقد اضطلع بواجب خطير في حكم الدولة، وكان له شأن فيما وقع في أيام الدولة العباسية من أحداث جسام. وعمل المنصور وخالد على إيجاد النظام والرخاء اللذين جنى ثمارهما هارون الرشيد.
ومات المنصور بعد أن حكم البلاد حكماً صالحاً دام اثنتين وعشرين سنة وكان موته وهو في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج. ولم يكن في وسع ابنه المهدي (775-785) إلا أن يسلك في حكمه سبيل الخير. وقد شمل عفوه جميع المذنبين إلا أشدهم خطراً على الدولة.) اهـ.
قارن هذه السيرة بقلم مؤرخ غربي لخليفة حكم الأمة لاثنتي وعشرين سنة بذلك الاقتباس الذي أورده الأسواني لترى تعمد التشويه والتضليل.
10. الأمر الثالث الذي تعرض له الأستاذ الأسواني في مقاله كان سخريته واستخفافه بالذين ينادون أو يحلمون بعودة الخلافة الإسلامية وجعلهم نوعين من الناس: إما جاهل غافل أو سياسي مراوغ يريد الوصول إلى السلطة بأي طريقة. يصعب مناقشة رأي يساق بهذا الاستخفاف، وعلى أي حال فالخلافة الإسلامية حقيقة ظلت قائمة لأربعة عشر قرنا تقريبا وانتابتها فترات قوة وضعف لكنها ظلت دائما رمزا لوحدة المسلمين مع بقاء معظم أقطار المسلمين في غالب الأحيان بأنظمة حكم وإدارة تناسب ظروفها وبيئاتها. وهل يرفض أحد فكرة وحدة الأقطار الإسلامية حتى لو كانت حلما في ظروفنا الراهنة ؟. إننا نشهد الخطوات المتلاحقة في بنية الاتحاد الأوروبي المثير للإعجاب ونرى أحد قادته وهو الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي يرفض رفضا باتا انضمام تركيا لهذا "النادي المسيحي" ويقول بصراحة وصرامة (إنني لا أستطيع اعتبار دولة غالبية سكانها مسلمون دولةً أوروبية حتى وإن كانت تتبنى النظام العلماني الديمقراطي).
11. بقي كلام الأسواني وتعريضه باثنين من الصحابة الكرام هما عثمان ومعاوية رضي الله عنهما، وهو أمر مؤسف للغاية، وواضح أن الرجل ليس لديه أدنى دراية عما ينبغي مراعاته عند تناول أخطاء الصحابة. وبداية ننبه على أن الصحابة ليسوا معصومين من الأخطاء بل وقع منهم أشياء وهنات ولكنهم أفضل البشر بعد الأنبياء وتزكيتهم من عند الله تعالى مباشرة فقد رضي عنهم ورضوا عنه. ولذلك فإن أكثر الراسخين من أهل العلم أمسكوا عن الخوض في أخطاء الصحابة تقديرا لمقامهم وقدرهم، وتكلم فيها البعض من باب التعليم والاحتراز من تقليدهم في تلك الأخطاء منهم الحسن البصري وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي ، وكانوا إذا أرادوا ذكر شيء من ذلك قدموا له بالتنبيه على مكانة الصحب الكرام وأن سيئاتهم القليلة تتلاشى مع بحار حسناتهم وجهدهم وتضحياتهم من أجل دين الله. هذا كله فيما يخص كبار أهل العلم، أما من دونهم علما وفقها فلا يجوز لهم التعرض لهذا الباب أصلا، ولو فعلوا فمثلهم كمثل تلميذ صغير في الروضة يريد أن يناقش أخطاء علماء في الفيزياء مثلا حاصلين على جائزة نوبل، هل يُقبل هذا من التلميذ الصغير ؟ وهل يقبل أن يقال من باب حرية الرأي أن نسمع للتلميذ الصغير رأيه في أخطاء هؤلاء الكبار ؟ هذا هو عين العبث. إن المسافة بين كاتبنا الأسواني وأصحاب رسول الله أكبر وأعمق وأبعد من تلك التي بين ذلك التلميذ الصغير والحاصلين على نوبل.
12. إن التعريض بسلفنا الصالح ليس مجرد مسألة تاريخية وإنما هدفه أبعد من ذلك، إنه يُسقط مكانة ذلك الجيل الرفيع الذي اختاره الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وليكون جسرا ينتقل عليه الإسلام لمشارق الأرض ومغاربها، وإن معرفة مقامهم ومكانتهم يظل حافزا للمسلمين دوما للنهضة والتقدم. يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه "كيف نكتب التاريخ الإسلامي - ص 88" (.. وهذه الأمة ـ أو قل بالتحديد قرونها المفضلة الأولى ـ قامت بتطبيق مثالي لهذا الدين في عالم الواقع ، فارتفعت إلى عالم المثال ـ مع بشريتها الكاملة ـ وأثبتت في الوقت ذاته واقعية هذا الدين ، وقابليته للتطبيق في عالم الواقع . وتلك هي القيمة الحقيقة لهذه الفترة من التاريخ .
إن هذه الأجيال الأولى ـ وخاصة الجيل الأول الفريد ـ قد لا يتكرر مرة أخرى في واقع الأرض . ولكنها تبقى مع ذلك رصيدا واقعيا لهذه الأمة في جميع أجيالها ، يحفزها على محاولة العودة إلى تطبيق الإسلام . وهذه المحاولة ذاتها عمل إيجابي مثمر ، ولو لم يصل إلى كل النتيجة المطلوبة .
تصور إنسانا عند سفح جبل ، يعلم يقينا إن هناك من صعد هذا الجبل إلى قمته ، فهو يحاول أن يصعد مثله ، وقد يصل إلى منتصفه وقد يصل إلى ربعه ، وقد يفلس جهده بعد أن يرقى بضع درجات ...
وتصور إنسانا آخر وقف على سفح جبل يتطلع إلى قمته وهو يقول في نفسه : إن هذا مستحيل مستحيل أن يفكر إنسان في صعود هذا الجبل الشاهق ، فلنكف عن التطلع ، ولنرض بالبقاء في السفح أيهما أنفع للبشرية ؟ وأيهما أفضل في ذات نفسه؟.
ثم .. أي دور يؤده ذلك الذي صعد إلى القمة أول مرة ، في حياة كل الذين يجيئون بعده ، ويحاولون أن يصعدوا مثله ، ولو وصلوا إلى المنتصف ، ولو إلى ربع الطريق .. ولو أفلس جهدهم بعد رقي بعض الدرجات ؟
إنه دور ضخم في عالم الواقع ..
ولهذا نحتفي حفاوة بالغة بذلك الجيل الفريد ، وبتلك القرون المفضلة ،لأنها المدد الحي الذي يدفع الأجيال كلها إلى محاولة الصعود ، بدلا من أن تتنتكس إلى أسفل ، وتخلد إلى الأرض عند السفح وربما كان هذا هو السبب الذي يجعل المستشرقين يجهدون أنفسهم لمحاولة تشويه تلك الفترة بالذات ، لعلهم يطفئون بريقها ، ويحجبون نورها عن الأجيال المتأخرة لكي لا تفكر أبدا في معاودة الصعود من جديد). اهـ.
لقد قرأت مقالا آخر لكاتب علماني مشهور أيضا هو الأستاذ جهاد الخازن في جريدة الحياة قبل مقال الأسوانيجهاد الخازن يسحب مقالاً من صحيفة الحياة هدد مستقبل الامير خالد بن سلطان
2011-05-28 21:07:33
اعتذر الكاتب الفلسطيني الأصل جهاد الخازن في مقال نشرته صحيفة "الحياة" الأسبوع الماضي عن مقال هدد المستقبل السياسي لمالك الجريدة مساعد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلطان.
وقال الكاتب الخازن، في مقال له نشرته صحيفة "الحياة" التي وزعت في الرياض، "هذه أول مرة في حياتي أسحب مقالاً، بل إنني قبل مقال الإثنين (الماضي) لم أسحب سطراً واحداً في مقال أو أعتذر عنه، فأنا حذر جداً، إلا أن الحذِر يؤتى من مكمنه، والمقال كُتب الأحد، وهو يوم إجازة في لندن، وليس عندي الباحثين الذين اعتمد عليهم عادة في مراجعة المادة والتحقق من صحة النقل".
وأوضح الخازن في مقالة الذي نشر السبت "إن الموضوع (عن الخلفاء الراشدين) كان واسعاً، وبحجم تاريخ من 1432 سنة، وما كان يجب أن أختصر الفكرة في عجالة صحافية لتصبح سطور المقال من نوع عناوين بأقل قدر من الشرح، أو من دون شرح".
وأضاف "لعل خطأي الآخر إنني نسيت أن كل مقال كيانٌ قائم بذاته، وأنا ربطت مقال الإثنين بألف مقال سابق لي، إلا أن القارئ ليس في رأسي ليجمع بين مقال الإثنين وما كتبتُ قبل أسبوع أو شهر أو سنة أو عشر".
وقال الخازن "لست دخيلاً على الموضوع، فمعرفتي أكاديمية وجهدي عملي، وقد تعرضت لمحاولات ليكودية لتحويلي إلى المحكمة بتهمة اللاسامية فشلت، لأنني أعرف حدود القانون في بريطانيا".
وقال الخازن "أرجو من الجميع ألاّ يروّجوا للمقال (المسيء) بتبادله ونشره، وقد أسقطته من ملفي الخاص، وأرجو أن تمضي أربعون سنة أخرى قبل أن أحذف مقالاً أو سطراً في مقال".
وكانت مصادر قالت الخميس الماضي أن بعض المشتركين في الجريدة اقدموا على إيقاف اشتراكاتهم بعد أن تعرض الكاتب للصحابة وانتقد تاريخهم واعتبر أن التاريخ الإسلامي يقف بجلاله وحكمته عند أبي بكر الصديق فقط منتقدا عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن طالب.
وكان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز اصدرا نظاما جديدا للمطبوعات ينص على المنع من للتعرض للعلماء وصحابة النبي. ومن المعروف أن صحيفة "الحياة" مملوكة لمساعد وزير الدفاع الأمير خالد بن سلطان وتتمتع بوضع مختلف حيث أن تسجيلها بريطاني على الرغم من أن لديها رخصة للطباعة في السعودية.
إلا أن بعض الشخصيات الليبرالية السعودية تدافع عن حق الكاتب جهاد الخازن في التعبير عن رأيه. واستغلت جماعات ضغط سعودية الإعلام الحديث ووسائله مثل الفيسبوك وتويتر لتنظيم حملات موجهة ضد الكاتب والصحيفة بل أن بعضها طال الأمير خالد بن سلطان نفسه مما يهدد تطلعاته المستقبلية للوصول إلى مقعد وزير الدفاع في حال استمرار هذه الحملات واستفادة اجنحة أخرى داخل العائلة المالكة لها.
وتتعدى هذه الحملات، التي نشرت على مواقع الإنترنت، حق التعبير والاختلاف في الرأي لتشير إلى انه تبعا للقانون السعودي لا بد من عقاب الجريدة ومالكيها وليس الكاتب فقط.
ومن المعروف أن مقالات جهاد الخازن لا تمس من قبل إدارة التحرير بأمر من الأمير خالد بن سلطان نفسه.
والأمير خالد بن سلطان، هو الابن الأكبر للأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد السعودي وزير الدفاع.
ولد الأمير خالد بن سلطان سنة 1947 ويشغل منصب مساعد وزير الدفاع والطيران للشؤون العسكرية وهو أحد خريجي أكاديمية ساند هيرست العسكرية البريطانية وهو الرئيس الفخري لنادي الشباب السعودي.
وتتعرض جريدة الحياة السعودية الى هجمات قوية من اطراف عديدة داخل الرأي العام السعودي بتهمة خرق نظام المطبوعات السعودي الذي اقره الملك عبد الله مؤخرا.
وتشير مصادر سعودية ان الامير خالد بن سلطان يتعرض لحملة شديدة من قبل تيارات اسلامية للتدخل "لنصرة اصحاب الرسول" بينما تدافع شخصيات ليبرالية سعودية عن حق الكاتب الخازن في التعبير عن رأيه.
لكن جماعات ضغط سعودية استغلت الاعلام الحديث ووسائله مثل الفيسبوك وتويتر لتنظيم حملات موجهة ضد الكاتب والصحيفة بل ان بعضها طال الامير خالد بن سلطان نفسه مما يهدد تطلعاته المستقبلية للوصول الى مقعد وزير الدفاع والطيران في حال استمرار هذه الحملات واستفادة اجنحة اخرى داخل العائلة المالكة لها.
وتتعدى هذه الحملات حق التعبير والاختلاف في الرأي لتشير الى انه تبعا للقانون السعودي لا بد من عقاب الجريدة ومالكيها وليس الكاتب فقط بينما توضح مصادر خاصة في وزارة الاعلام السعودي ان جريدة الحياة لن تتعرض للمثول لرد دعاوى وقضايا في وزارة الاعلام بسبب هذه الحملات لأن وزير الاعلام لن يجرؤ على تحدي الامير خالد بن سلطان ونفوذه الذي يمكنه من استبعاد الوزير نفسه.
هذه أول مرة في حياتي أسحب مقالاً، بل إنني قبل مقال الاثنين لم أسحب سطراً واحداً في مقال أو أعتذر عنه، فأنا حذر جداً، إلا أن الحذِر يؤتى من مكمنه، والمقال كُتب الأحد، وهو يوم إجازة في لندن، وليس عندي الباحثون الذين أعتمد عليهم عادة في مراجعة المادة والتحقق من صحة النقل).
هل قرأ الأسواني مقال الخازن وقرأ تراجعه فأراد أن يكون أكثر جرأة منه على تشويه تاريخنا والعبث به؟ أم تراه كتب ما كتب بسوء فهم أو قلة علم أو بكليهما؟. لقد لمست في بعض عباراته عاطفة إسلامية أرجو ألا تسلمه إلا إلى خير وأن تدفعه للتراجع عن مقاله الذي لا يعلم إلا الله وحده كم صد شبابا عن دين الإسلام وكم أثار في أذهانهم الغضة من شبه باطلة.
إن أزمة الأسواني الفكرية أنه وقف أمام صفحات سوداء من تاريخنا وجعلها حصريا مصدر تفكيره منها يبدأ وإليها«لقد عاش المسلمون أزهى عصورهم وحكموا العالم وأبدعوا حضارتهم العظيمة عندما كانوا يعيشون فى ظل الخلافة الإسلامية التى تحكم بشريعة الله.. فى العصر الحديث نجح الاستعمار فى إسقاط الخلافة وتلويث عقول المسلمين بالأفكار الغربية، عندئذ تدهورت أحوالهم وتعرضوا إلى الضعف والتخلف.. الحل الوحيد لنهضة المسلمين هو استعادة الخلافة الإسلامية..».
كثيرا ما استمعت إلى هذه الجملة من بعض خطباء المساجد وأعضاء الجماعات الإسلامية، ولا شك أن كثيرين فى مصر والعالم العربى يؤمنون بصحة هذه المقولة مما يجعل من الواجب مناقشتها.. الحقيقة أن الإسلام قدم فعلاً حضارة عظيمة للعالم، فعلى مدى قرون نبغ المسلمون وتفوقوا فى المجالات الإنسانية كلها بدءا من الفن والفلسفة وحتى الكيمياء والجبر والهندسة.. أذكر أننى كنت أدرس الأدب الإسبانى فى مدريد، وكان الأستاذ يدرسنا تاريخ الأندلس، وفى بداية المحاضرة عرف أن هناك ثلاثة طلبة عرب فى الفصل فابتسم وقال لنا:
- يجب أن تفخروا بما أنجزه أجدادكم من حضارة فى الأندلس..».
الجزء الأول من الجملة عن عظمة الحضارة الإسلامية صحيح تماما.. المشكلة فى الجزء الثانى.. هل كانت الدول الإسلامية المتعاقبة تطبق مبادئ الإسلام سواء فى طريقة توليها الحكم أو تداولها السلطة أو معاملتها للرعية..؟!..
إن قراءة التاريخ الإسلامى تحمل لنا إجابة مختلفة.. فبعد وفاة الرسول «صلى الله عليه وسلم» لم يعرف العالم الإسلامى الحكم الرشيد العادل الا لمدة 31 عاما، هى مجموع فترات حكم الخلفاء الراشدين الأربعة: أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب.. الذين حكموا جميعا لمدة 29 عاما ( 11هـ- 40هـ). ثم الخليفة الأموى عمر بن عبدالعزيز الذى حكم لفترة عامين (99هـ- 101هـ).. 31 عاما فقط من 14 قرنا من الزمان، كان الحكم خلالها عادلاً رشيداً نقيا متوافقا مع مبادئ الإسلام الحقيقية. أما بقية التاريخ الإسلامى فإن نظام الحكم فيه لم يكن متفقا قط مع مبادئ الدين.. حتى خلال الـ31 عاما الأفضل حدثت مخالفات من الخليفة عثمان بن عفان، الذى لم يعدل بين المسلمين وآثر أقاربه بالمناصب والعطايا، فثار عليه الناس وقتلوه، ولم يكتفوا بذلك بل هاجموا جنازته وأخرجوا جثته واعتدوا عليها حتى تهشم أحد أضلاعه وهو ميت..
ثم جاءت الفتنة الكبرى التى قسمت المسلمين إلى ثلاث فرق (أهل سنة وشيعة وخوارج)، وانتهت بمقتل على بن أبى طالب، وهو من أعظم المسلمين وأفقههم وأقربهم للرسول (صلى الله عليه وسلم) على يد أحد الخوارج وهو عبدالرحمن بن ملجم. ثم أقام معاوية بن سفيان حكما استبداديا دمويا أخذ فيه البيعة من الناس كرهاً لابنه يزيد من بعده ليقضى إلى الأبد على حق المسلمين فى اختيار من يحكمهم ويحيل الحكم من وظيفة لإقامة العدل إلى ملك عضوض (يعض عليه بالنواجذ)، والقارئ لتاريخ الدولة الأموية ستفاجئه حقيقة أن الأمويين لم يتورعوا عن ارتكاب أبشع الجرائم من أجل المحافظة على الحكم.. فقد هاجم الأمويون المدينة المنورة وقتلوا كثيرا من أهلها لإخضاعهم فى موقعة الحرة. بل إن الخليفة عبدالملك بن مروان أرسل جيشا بقيادة الحجاج بن يوسف لإخضاع عبدالله بن الزبير الذى تمرد على الحكم الأموى، واعتصم فى المسجد الحرام..
ولقد حاصر الحجاج مكة بجيشه وضرب الكعبة بالمنجنيق حتى تهدمت بعض أركانها، ثم اقتحم المسجد الحرام وقتل عبدالله بن الزبير داخله.. كل شىء إذن مباح من أجل المحافظة على السلطة حتى الاعتداء على الكعبة، أقدس مكان فى الإسلام، وإذا انتقلنا إلى الدولة العباسية ستطالعنا صفحة جديدة من المجازر التى استولى بها العباسيون على السلطة وحافظوا عليها، فقد تعقب العباسيون الأمويين وقتلوهم جميعا بلا ذنب ولا محاكمة ونبشوا قبور الخلفاء الأمويين وعبثوا بجثثهم، انتقاما منهم.. الخليفة العباسى الثانى أبوجعفر المنصور قتل عمه عبدالله خوفا من أن ينازعه فى الحكم ثم انقلب على أبى مسلم الخرسانى. الذى كان سببا فى إقامة الدولة العباسية فقتله، أما أول الخلفاء العباسيين فهو أبوالعباس السفاح الذى سمى بالسفاح لكثرة من قتلهم من الناس، وله قصة شهيرة جمع فيها من تبقى من الأمراء الأمويين وأمر بذبحهم أمام عينيه ثم غطى جثثهم ببساط ودعا بطعام وأخذ يأكل ويشرب بينما لا يزالون يتحركون فى النزع الأخير ثم قال:
«والله ما أكلت أشهى من هذه الأكلة قط».
أما من ناحية الالتزام الدينى، باستثناء بضعة ملوك اشتهروا بالورع فقد كان معظم الملوك الأمويين والعباسيين يشربون الخمر مع ندمائهم على الملأ كل ليلة.. فلسفة الحكم إذن لم يكن لها علاقة بالدين من قريب أو بعيد، بل هى صراع شرس دموى على السلطة والنفوذ والمال لا يتورعون فيه عن شىء حتى لو كان الاعتداء على الكعبة وهدم أركانها.. فلا يحدثنا أحد عن الدولة الإسلامية الرشيدة، التى أخذت بالشريعة لأن ذلك ببساطة لم يحدث على مدى 14 قرناً، إلا لفترة 31 عاما فقط.. السؤال هنا: ما الفرق بين الحكم الإسلامى الرشيد، الذى استمر لسنوات قليلة، وبين ذلك التاريخ الطويل من الاستبداد باسم الإسلام؟..
إنه الفرق بين العدل والظلم، بين الديمقراطية والاستبداد.. إن الإسلام الحقيقى قد طبق الديمقراطية الحديثة قبل أن يطبقها الغرب بقرون طويلة.. فقد امتنع الرسول «صلى الله عليه وسلم» عن اختيار من يخلفه فى حكم المسلمين، واكتفى بأن ينتدب أبا بكر لكى يصلى بالمسلمين بدلاً منه وكأنه (صلى الله عليه وسلم) يريد أن يرسل الإشارة أنه يفضل أبا بكر لخلافته دون أن يحرم المسلمين من حقهم فى اختيار الحاكم.. وعندما توفى الرسول (صلى الله عليه وسلم) اجتمع زعماء المسلمين فى سقيفة بنى ساعدة ليختاروا الخليفة. هذا الاجتماع بلغتنا الحديثة اجتماع برلمانى بامتياز تداول فيه نواب المسلمين الأمر ثم انتخبوا أبا بكر ليتولى الحكم.. وقد ألقى أبوبكر على المسلمين خطبة قال فيها: «يا أيها الناس لقد وُلّيت عليكم ولست بخيركم.. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله فإن عصيتهما فلا طاعة لى عليكم..».
هذه الخطبة بمثابة دستور حقيقى يحدد العلاقة بين الحاكم والمواطنين كأفضل دستور ديمقراطى.. نلاحظ هنا أن أبا بكر لم يقل إنه خليفة الله، ولم يتحدث عن حق إلهى فى الحكم، بل أكد أنه مجرد واحد من الناس وليس أفضلهم.. هذا المفهوم الديمقراطى الذى هو جوهر الإسلام سيستمر سنوات قليلة ثم يتحول إلى مفهوم آخر مناقض يعتبر الحاكم ظل الله على الأرض. فيقول معاوية بن أبى سفيان:
«الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت فلى وما تركته للناس بفضل منى».
ويقول أبوجعفر المنصور العباسى:
«أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة (حماة) نحكمكم بحق الله الذى أولانا وسلطانه الذى أعطانا، وأنا خليفة الله فى أرضه وحارسه على ماله..».
ويقول عبدالملك بن مروان وهو يخطب على منبر النبى: «والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه».
انقلب المفهوم الديمقراطى الذى يمثل جوهر الإسلام إلى حكم بالحق الإلهى يعتبر المعترضين عليه كفاراً مرتدين عن الدين يجب قتلهم. يقتضينا الإنصاف هنا أن نذكر حقيقتين: أولاً أن الخلفاء الذين تولوا الحكم عن طريق القتل والمؤامرت كانوا فى أحيان كثيرة حكاما أكفاء، أحسنوا إدارة الدولة الإسلامية حتى أصبحت إمبراطورية ممتدة الأطراف. لكن طريقتهم فى تولى السلطة والحفاظ عليها لا يمكن بأى حال اعتبارها نموذجا يتفق مع مبادئ الإسلام.. ثانياً: إن الصراع الدموى على السلطة لم يقتصر على حكام المسلمين فى ذلك العصر، وإنما كان يحدث بين ملوك أوروبا بنفس الطريقة من أجل انتزاع العروش والمحافظة عليها.
الفرق أن الغربيين الآن يعتبرون هذه الصراعات الدموية مرحلة كان لابد من اجتيازها من أجل الوصول إلى الديمقراطية، بينما مازال بيننا نحن العرب والمسلمين من يدعو إلى استعادة نظام الخلافة الإسلامية، ويزعم أنها كانت عادلة تتبع شريعة الله. إن التاريخ الرهيب للصراع السياسى فى الدولة الإسلامية منشور ومعروف وهو أبعد ما يكون عن شريعة الإسلام الحقيقية، وقد احترت فى هذه الدعوة الغريبة إلى استعادة الخلافة الإسلامية فوجدت من يتحمسون لها نوعين من الناس: بعض المسلمين الذين لم يقرأوا التاريخ الإسلامى من أساسه، أو أنهم قرأوه وتهربوا من رؤية الحقيقة، لأن عواطفهم الدينية قد غلبت عليهم فأصبحوا بالإضافة إلى تقديس الإسلام يقدسون التاريخ الإسلامى نفسه، ويحاولون إعادة تخيله بما ليس فيه. أما الفريق الآخر من المنادين بالخلافة فهم أعضاء جماعات الإسلام السياسى الذين يلعبون على عواطف البسطاء الدينية من أجل أن يصلوا إلى السلطة بأى طريقة..
وهم يخيرونك عادة بين طريقين: إما أن توافق على صورتهم الخيالية عن الخلافة، وإما أن يتهموك بأنك علمانى عدو الإسلام.. إما أن تساعدهم على الوصول إلى الحكم عن طريق نشر أكاذيب وضلالات عن التاريخ، وإلا فإن سيف التكفير فى أيديهم سيهوون به على عنقك فى أى لحظة.
جوهر الإسلام العدل والحرية والمساواة.. وهذا الجوهر تحقق لفترة قصيرة عندما تم الأخذ بمبادئ الديمقراطية..
جوهر الإسلام العدل والحرية والمساواة.. وهذا الجوهر تحقق لفترة قصيرة عندما تم الأخذ بمبادئ الديمقراطية..
أما بقية تاريخ الحكم الإسلامى فلا وجود فيه لمبادئ أو مُثُل نبيلة، وإنما هو صراع دموى على السلطة يستباح فيه كل شىء، حتى ولو ضربت الكعبة وتهدمت أركانها.. هذه الحقيقة شئنا أم أبينا. أما السعى لإنتاج تاريخ خيالى للخلافة الإسلامية الرشيدة فلن يخرج عن كونه محاولة لتأليف صور ذهنية قد تكون جميلة لكنها للأسف غير حقيقية.. كتلك التى وصفها الكاتب الإسبانى الكبير ميجيل دى سرفانتس، فى قصته الشهيرة «دون كيخوته»، حيث يعيش البطل العجوز فى الماضى، مستغرقا فى قراءة الكتب القديمة، حتى تستبد به الرغبة فى أن يكون فارساً بعد أن انقضى زمن الفرسان فيرتدى الدرع، ويمتشق السيف ثم يتخيل أن طواحين الهواء جيوش الأعداء، فيهجم عليهم ليهزمهم.
الطريق الوحيد للنهضة هو تطبيق مبادئ الإسلام الحقيقية: الحرية والعدل والمساواة.. وهذه لن تتحقق إلا بإقامة الدولة المدنية التى يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام القانون، بغض النظر عن الدين والجنس واللون. ينتهي، ولو جعل تلك الصفحات موضع تفكيره (وليس مصدر تفكيره) لزال الغبش عن فكره والغشاوة عن بصره.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق