الانفصال الوشيك لجنوب السودان بعد أقل شهرين من الآن حدث جلل بكل المقاييس, تتعرض له السودان ومصر والأمة العربية والإسلامية، وهو انجاز خطير للحلف الصهيونى - الأمريكى فى مجال تمزيق الأمة العربية، ينقصها من أطرافها، فبينما سعى هذا الحلف دوما إلى ضرب فكرة الوحدة العربية وإمكان قيامها بدءا من القلب حتى لا تظهر قوة إقليمية عظمى فى هذا المكان الاستراتيجى من العالم، فإن هذه الخطة تضمنت الاهتمام بالأطراف من أجل المحاصرة والاستنزاف، واقتطاع أجزاء فعليا من الأرض والشعب من واقع الأمة العربية. وقد بدأ ذلك بإقامة حزام يحاصر العرب فى الدول المجاورة (تشاد - إثيوبيا - أوغندا - كينيا - ارتريا) من الجنوب, وإيران الشاه من الشرق, وتركيا أتاتورك من الشمال. ثم الارتكاز من هذا الحزام لاختراق الأطراف المجاورة.
وقد أدى هذا المخطط إلى تأسيس دويلة كردية شبه مستقلة فى شمال العراق وثيقة الصلة بالحلف الصهيونى - الأمريكى (فى تشكيل الحكومة العراقية الأخيرة كان هناك خط تلفونى ساخن بين بايدن نائب الرئيس الأمريكى والبرازانى رئيس دولة الكرد), وهذه الدويلة ليست بنت الغزو الأمريكى للعراق إلا كمرحلة نهائية, وإلا فإن بناء هذا الكيان بدأ منذ عشرات السنين منذ بداية التمرد الكردى الممول والمسلح من إسرائيل عبر إيران الشاه. والآن جاء دور السودان بإقامة دويلة رسمية هذه المرة فى الجنوب. والعراق والسودان حالتان نموذجيتان لوجود تكتل عرقى متميز على مساحة أرض محددة فى أقصى أطراف الأمة العربية, مع وجود ظروف جغرافية ملائمة (جبال كردستان، وغابات جنوب السودان)، إلا أن مخطط التمزيق لم يقتصر على ذلك, فقد سعت إسرائيل لإقامة كيان مارونى عميل فى أقصى جنوب لبنان, بل وأقامته بالفعل, إلا أن المشروع سقط تحت ضربات المقاومة الإسلامية اللبنانية, ورغم أن الجنوب به مواصفات جغرافية ملائمة فهو محاز لدولة الكيان الصهيونى وله طابعه الجبلى، ولكن التركيبة السكانية المتعددة (شيعة - سنة - طوائف مسيحية متعددة) حال دون صفاء تكوين هذه الدويلة, ولكن ظلت المقاومة وانتصارها عام 2000 هو السبب الرئيسى فى إحباط هذا الجزء من المخطط. وهذا المخطط يقوم على إقامة الجسور, ثم التحالفات مع الأقليات العرقية والدينية أينما كانت، كأكراد سوريا خاصة فى أطراف سوريا الحدودية مع العراق وتركيا، ومع المسيحيين فى مصر، بالإضافة لافتعال قضية قومية للأمازيج فى المغرب العربى خاصة فى الجزائر والمغرب, ولكن اختلاط هؤلاء مع عموم السكان فى مختلف الأماكن لا يسمح باقتراح إقامة دويلة مستقلة (باستثناء تمركز الأمازيج فى منطقة القبائل فى الجزائر)، ولكن فى كل هذه الحالات ليس بالضرورة أن تقام دولة مستقلة بصورة رسمية, ولكن يجرى الاعتماد على إقامة لوبى (جماعة ضغط) ذات أهداف طائفية، وموالية للغرب والحلف الصهيونى الأمريكى، تكون أحد وسائل التأثير على صنع القرار، وتفتيت التماسك الوطنى. ولا يعنى ذلك أن كل سكان هذه الأقليات يوافقون على الانخراط فى هذا المخطط, ولكن الحلف الصهيونى - الأمريكى - الغربى، يصطنع قيادات أو يتحالف مع قيادات قائمة ويمدها بالنفوذ والمال وكل الإمكانيات لتصبح هى المحركة للأحداث، وهى التى تحدد مواقف هذه الشرائح من السكان، ويجرى ذلك بسهولة أكبر فى ظل وجود أنظمة عربية (فى مصر والجزائر والمغرب) متهاونة ومتساهلة مع ذلك, من موقع التبعية والخنوع وقلة الحيلة.
وفى زيارتى الأخيرة للمغرب جمعت مادة بالغة الخطر عن ظاهرة صناعة قضية أمازيجية. ولكن مع الأسف فإن زحمة الأحداث فى مصر والمشرق العربى حالت دون كتابتى حول هذا الموضوع, ولكن دعونا اليوم نركز على السودان.
ولنلخص القضية فى جملة واحدة ثم نعود لتفصيلها، نقول: (إن جنوب السودان سيظل خنجرا فى خاصرة مصر وشمال السودان سواء استقل فى دولة رسمية أو استمر فى إطار الوحدة السودانية دويلة أمر واقع، وسيظل دوره أن يكون حاجزا ضد التمدد العربى - الإسلامى فى جنوب السودان وأعماق أفريقيا, سواء قامت دولة رسمية أم لم تقم فى الجنوب. وإن معالجة الجذور التاريخية لدور التمرد الجنوبى هى وحدها الكفيلة بإنهاء هذا الدور السلبى, سواء أخذ شكل دولة أو شكل تمرد وانفصال فعلى, كما هو الحال منذ أواسط الخمسينيات، ومع ذلك فإن نشوء دولة مستقلة رسميا معترف بها دوليا، يجعل الأمر أكثر خطورة وصعوبة، ولكن غفلة الحكم فى مصر والدول العربية هى المسئولة عن ذلك فى التطور الأخير، وهى مسئولة أساسا عن عدم مواجهة هذا النمو الانفصالى على مدار أكثر من نصف قرن. ولكن مسئولية مصر مسئولية عظمى لأنها أكثر المتأثرين سلبا من هذا الانفصال.
وتفصيل ذلك: أننا لا يمكن أن نفهم عمق معضلة جنوب السودان دون النظر إلى الخلفية التاريخية.
دور الاحتلال البريطانى:
كان محمد على أول حاكم مصرى يصل إلى أطراف وبعض أعماق جنوب السودان, وتبعه الخديوى إسماعيل كما أوضحنا فى رسائل التاريخ, وإذا استقر الحكم المصرى فى جنوب السودان لما ظهرت مشكلة اسمها (جنوب السودان) ولتم دمج الجنوب بالشمال، بالتمدد العروبى الذى يمتزج بالأصل الأفريقى (تكرارا لتجربة الشمال) وقيام الإسلام بدور اللاحم الأسمنتى, لأن الإسلام لا يفرق بين عربى وأفريقى, ولا بين أبيض أو أسود. وقد بدأ الإسلام ينتشر فى الجنوب بصورة طبيعية بدون أى مبشرين أو رجال دين وبدون خطة مقصودة، فالإسلام ينتشر عموما بين الأفارقة بسهولة لأنه أقرب لطبيعتهم القائمة على الفطرة، ولأنه يقدم نموذجا حضاريا راقيا فى مواجهة الوثنية المتخلفة, ولأنه كما ذكرنا لا يعرف العنصرية, بل يحاربها. وكان انتشار الإسلام يتقدم على أساس بدايات التعامل التجارى مع الجنوب، وليس اعتمادا على السيف! وعندما قامت ثورة المهدى الإسلامية كان بعض الجنوبيين منخرطين فيها بأعداد لا بأس بها. وهنا نتساءل كيف انتشر الإسلام بكل هذا اليسر عن طريق التجار فى أقاصى الأرض (إندونيسيا) حتى أصبحت الآن أكبر دولة إسلامية فى العالم من حيث عدد السكان. وكيف وصل إلى أقاصى وسط غرب السودان (نيجيريا أكبر دولة إسلامية أفريقية من حيث عدد السكان) وكيف لم ينتشر فى جنوب السودان وهو على مرمى حجر من بلاد المسلمين مصر - شمال السودان؟ والواقع أن الإسلام كان قد بدأ يتزايد فى الجنوب بشكل ملحوظ, ووفقا لآخر إحصاء بريطانى فى عهد الاحتلال فقد كان عددهم يساوى عدد المسيحيين الذين دخلوا عبر البعثات التبشيرية وما تقدمه من حوافز مادية, وكان يشكلان معا حوالى 40% بينما يشكل الوثنيون 60%. ولذلك فإن الإدعاء بأن جنوب السودان مسيحى قول مغلوط. ولا يزال المسلمون يشكلون من 20 إلى 30% من السكان حتى الآن بصورة تقريبية, لأنه لا يوجد إحصاء دقيق، وقدر البعض عدد المسلمين الآن بمليون نسمة. ولكن فى كل الأحوال ليس هذا هو المعدل الطبيعى لانتشار الإسلام فى بلاد وثنية بأفريقيا، فلماذا تعثر هذا الانتشار؟!
كان هذا بفعل فاعل، وهو الاستعمار البريطانى. فمنذ الاحتلال البريطانى للسودان أدرك هؤلاء الأذكياء الأشرار التمايز بين تركيبة شمال وجنوب السودان, وقرروا وقف التفاعل بينهما الذى لا يؤدى إلا إلى المزيد من التمازج بين العروبة والأفارقة, ولمزيد من انتشار الإسلام, وهذا ما يؤدى إلى تلاحم وحدة السودان, وكذلك إلى التمدد العربى الإسلامى إلى المستعمرات البريطانية الملاصقة: أوغندا - كينيا (ولكن الإسلام انتشر فيهما وفى شرق إفريقيا قادما عبر البحر من الجزيرة العربية. فأين المفر؟!). هؤلاء البريطانيون الذين يعطوننا دروسا فى حقوق الإنسان وحريته, أصدروا من خلال مجلس العموم (البرلمان) أغرب تشريع فى التاريخ، اسمه المناطق المقفلة، فجعلوا من جنوب السودان مناطق مقفلة بحيث يمتنع على السودانى الشمالى أن يدخلها إلا بتصريح خاص من الحاكم البريطانى، وكان هذا هو بداية إنشاء دولة داخل الدولة، ومنع عملية التفاعل بين الشمال والجنوب بصورة "ديمقراطية"! بل بلغ التشريع مستوى من التطرف إلى حد أنه منع على الجنوبى ارتداء الجلباب العربى إمعانا فى الفصل النفسى بين شطرى السودان، ومن هنا أصبحت الساحة خالية للبعثات التبشيرية المسيحية الغربية, ومع ذلك فإن عدد المسيحيين لم يتجاوز عدد المسلمين, ولم يكن دخول الكثيرين فى المسيحية عن إخلاص إذ استمر تعدد الزوجات المفتوح وفقا للعادات القبلية, وإنما كان للاستفادة من المزايا المادية: مستشفيات - مدارس - حصول على منح دراسية.. إلخ.
ومع ذلك من الناحية الشكلية ظل ملك مصر اسمه ملك مصر والسودان! وعندما حاول المسلمون بناء أول مسجد فى جوبا بالجنوب, قال حاكم الإقليم السودانى البريطانى, وكان أعور أنه لن يسمح ببناء المسجد، لأن بناءه أشبه ببناء مسجد فى عينه السليمة!! وهو تعبير عنصرى عجيب, وكان للزعيم مصطفى النحاس موقفا مشهودا فى هذه الواقعة، حيث قاد حملة شعبية فى مصر للمطالبة ببناء هذا المسجد, وقد تحقق له ما أراد, فأين هذا الوعى من مواقف حكامنا الآن؟!
ولكن ظلت المناطق المقفلة مقفلة! والفجوة موجودة بين طرفى الوطن الواحد نفسيا واقتصاديا واجتماعيا، وعندما تم الانسحاب البريطانى فقد ترك الجنوب مهملا متخلفا عن عمد ليتحمل الشمال عبء هذا الميراث, بل يتحمل المسئولية عنه أيضا!
وانتقدت فى مواضع سابقة (راجع كتابى مصر والسودان) موقف ثورة يوليو من انفصال السودان حيث سلمت سلطة عبد الناصر بذلك فورا, ولم تبذل أى جهد يذكر للحفاظ على وحدة وادى النيل بالإقناع والتراضى. وكانت هذه النقطة هى الصخرة التى تحطمت عليها فى السابق مفاوضات الجلاء, إذ كان الإنجليز يصرون على انفصال السودان!
وهنا لابد أن نذكر لصلاح سالم (وهو من قيادات الثورة) مأثرة خاصة، وإن كان عادة لا يذكره أحد بالخير، لأنه عندما أصر الإنجليز على إقامة حكم ذاتى لجنوب السودان, سافر صلاح سالم فى مغامرة مشهودة إلى أعماق جنوب السودان, واجتمع مع رؤساء القبائل, وعلى طريقة جلسة المصاطب البسيطة أقنعهم بضرورة وحدة السودان، وصدر عنهم بيان بذلك، مما أثار حنق الإنجليز. ورغم أن هذه الزيارة أحيطت بالسخرية لأن صلاح سالم رقص مع الجنوبيين رقصاتهم الشعبية وتم تصويره, إلا أننا نرى على العكس أن هذه المبادرة تمثل بذرة الموقف الصحيح الذى كان يجب تطويره من قبل مصر وشمال السودان: أى كسر الحواجز النفسية, والتحلى بالتواضع, واقتحام المخاطر وزيارة أعماق الأدغال، وإقامة العلاقات الحميمة مع أهل الجنوب. ولكن ذلك لم يحدث, فعلى مدار عشرات السنين لم يذهب سياسى مصرى للجنوب, ومعظم سياسى شمال السودان لم يذهبوا إليه ولا يعرفون عنه إلا قليلا.
على أى حال, استقل السودان عن مصر إعمالا لحق تقرير المصير الذى يستخدم الآن لفصل الجنوب! ولكن مع الحفاظ على وحدة السودان. ولكن بدأ التمرد المسلح الجنوبى فى عام 1955 ولم يتوقف حتى اتفاقية نيفاشا عام 2005, ولم يكن سرا أن إسرائيل كان لها دور كبير منذ اللحظات الأولى لهذا التمرد فى إذكاءه وتسليحه ورعايته عسكريا وسياسيا وأمنيا ودوليا. كما ورثت أمريكا - ضمن ما ورثت - الدور البريطانى فى دعم انفصال الجنوب. ومعظم ما نشره د. رفعت سيد أحمد فى الدستور نقلا عن كتاب حديث لأحد قيادات الموساد ليس جديدا إلا فى التفاصيل. فقد أقامت إسرائيل علاقات خاصة مع أثيوبيا وأوغندا وكينيا، واستخدمت أراضيهم لتدريب كوادر الحركة الشعبية لتحرير السودان فى معسكرات خاصة, وأمدتهم بأحدث الأسلحة, وكشف كتاب الموساد أن جون جارانج زعيم الحركة زار إسرائيل ثلاث مرات. وأن دورات تدريبية عسكرية متقدمة جرت للمئات من ضباط التمرد فى إسرائيل، بينما استمر جسر نقل الأسلحة لا يتوقف عبر الدول المجاورة الثلاث. وفى مرحلة من المراحل شاركت قوات هذه الدول بالدبابات فى غزو السودان، وكان معهم خبراء إسرائيليون.
فى عام 1985 زرت الخرطوم لأول مرة عقب سقوط نميرى بانتفاضة شعبية، وكانت حركة التمرد قد أسست تجمع الجنوبيين فى الخرطوم كتنظيم علنى, والتقيت أحد قادة هذا التجمع, وقد أكد لى بمنتهى البساطة أنهم يرسلون عناصرهم للتدريب فى إسرائيل، وقد كتبت هذه المعلومات فى جريدة "الشعب" فى حينها.
واستمرت معارك الجنوب تستنزف الشمال، وتحول دون أى تنمية فى الجنوب، بل أدى التمرد طوال أكثر من ربع قرن إلى حالة انفصال فعلى للجنوب. وحيث كانت سلطة الشمال تتواجد أساسا فى المدن الجنوبية وبصعوبة شديدة، واقتصرت العلاقة بين الشمال والجنوب على رحلة جوية واحدة فى الأسبوع لجوبا! أما التواصل عبر البر أو النهر فكان محفوفا بالمخاطر.
اتفاقية نيفاشا كانت خطأ استراتيجيا لسلطة الإنقاذ، وكانت هناك عناصر أساسية فى الحكم رافضة لها, فهى قد أعطت مشروعية لتفرد الحركة الشعبية بحكم الجنوب لمدة ست سنوات، وهو الأمر الذى عمق الانفصال، والعجيب أنها نصت على حق تقرير المصير بعد 6 سنوات, أى بعد المزيد من تجذر الانفصال. وكان بعض الدبلوماسيين الغربيين (كالإنجليز) يخدرون حكام الخرطوم بأن الغرب ضد الانفصال. خوفا من الفوضى, وخوفا من انتشار ظاهرة تشرذم الدول الأفريقية المجاورة. وعندما التقيت بمسئول سودانى كبير فى أحد المؤتمرات العربية أعربت له عن قلقى من هذا التحالف فى السلطة مع الحركة الشعبية, ومن مخاطر الانفصال، قال لى على عادة السياسيين السودانيين فى استخدام مصطلحات إنجليزية (we can manage) أى أن بإمكاننا إدارة الأمر بدون مخاطر! وهذا كلام غير واقعى لأننا أمام فئة عميلة مرتبطة عضويا بالحلف الصهيونى - الأمريكى, وقد تربوا فى أحضان هذا الحلف على مدى عشرات السنين ومن يخرج على الاتفاق يصفى جسديا. لذلك يرجح كثيرون أن إسقاط طائرة رئاسية أوغندية تحمل جون قرنق ومصرعه، لم يكن حادثا عرضيا، ولكن عملية اغتيال لأنه كان مصمما على وحدة السودان، وإن كان يسعى لأن يحكمه موحدا، وكان ذلك ضد مخططات الغرب فى الانفصال، اعتقادا -عن حق - أن جون قرنق لا يمكن أن يحكم السودان الموحد، وهو مسيحى يسارى متأثر بالماركسية - غربى الهوى - علاقته بإسرائيل معروفة، لذا فإن الأفضل بالنسبة للغرب هو تمزيق السودان إلى عدة دويلات وليس إقامة دولة فى الجنوب فحسب.
وكان الموقف الرسمى المصرى من مفاوضات نيفاشا عجيبا، إذ قالوا أنهم مع وحدة السودان لذلك يرفضون هذه المفاوضات التى تتجه لحق تقرير المصير. ولذلك فإنهم لن يشاركوا فى هذا العبث, ولن يتصلوا بهذه المفاوضات من قريب أو بعيد. وهو موقف أشبه بالطفل الذى ينسحب من اللعبة عندما لا تروق له ويتخذ ركنا معزولا ليؤكد أنه زعلان ومقموص. فهذه المفاوضات كانت تمس صميم مصالح وأمن مصر، وكان لابد أن نشارك فيها لدعم موقف الخرطوم ودفعها فى الطريق الأكثر صلابة. كذلك فإن بعض سياسى الشمال كان يردد: إذا أراد الجنوبيون أن ينفصلوا فليفعلوا، وقد أرهقنا من هذا الموضوع. والواقع أن الجنوبيين لن ينفصلوا بأرضهم ويتجهوا للمريخ، بل سيكونون فى أحشاء السودان، حيث لا توجد حدود واضحة بين الشمال والجنوب، بل يختلط بينهم البترول ونهر النيل وكثير من مقومات المعيشة. كما أن وجود جار مشاكس لن يكون مدعاة للراحة والسكينة. وليس المقصود هو فرض الوحدة بالقوة المسلحة. بل بكل الوسائل الاقتصادية والاجتماعية والدعوية والشعبية التى تربط بين الطرفين، وبدون سيف مسلط اسمه الاستفتاء خلال 6 سنوات. كما أن إرساء قواعد ما يسمى تقاسم السلطة والثورة أدى إلى انتشار نفس المطالب فى دارفور وغيرها من أطراف السودان، ولا يمكن إقامة نظام دولة مركزى على أساس هذه القاعدة السخيفة, لأنها طائفية ومناطقية ولا وجود لها فى أى دولة فى العالم بهذا الأسلوب. فكل منطقة تريد نائبا لرئيس الجمهورية. وإذا طبق ذلك فى الولايات المتحدة لأصبح للرئيس 50 نائبا!! وهذا هزل.
المهم: إن الوقت لا يسمح بالبكاء على اللبن المسكوب، ونحن لا نبكى عليه ولكننا نركز على جذور المشكلة لأن الحل يكمن فى التعامل مع هذه الجذور.
الحلف الصهيونى - الأمريكى - الغربى يركبه جنون معاداة الإسلام، وهذا الحلف مستعد لتدمير السودان رأسا على عقب، ولتحدث فوضى، وليتحول السودان إلى صومال، غير مهم، المهم هو إسقاط نظام الإنقاذ الإسلامى، أو إزالة طابعه الإسلامى من حيث الجوهر، لأن استقرار مثل هذا النظام فى قلب أفريقيا، سيغير الأوضاع فى القارة السمراء لصالح المد الإسلامى، والمسلمون يشكلون 60% من سكان هذه القارة. ولا يمكن تفسير هذه القوة العسكرية التى لا تنتهى لتمرد دارفور إلا بأننا أمام سيناريو مماثل لسيناريو الجنوب، فقادة هذا التمرد يزورون إسرائيل ويحصلون على أحدث الأسلحة وبكميات وفيرة لا تنتهى، وأن هذا الجسر العسكرى يمر عبر تشاد أحيانا, ولكنه يمر أساسا عبر الحركة الشعبية فى الجنوب التى تحولت إلى عمق استراتيجى وعسكرى لتمرد دارفور, حيث تتوالد التنظيمات المسلحة بسهولة، والأسلحة على أعلى طراز, فمن يمول هذا؟! هناك تقارير منشورة عن علاقة هذه التنظيمات بإسرائيل، وسبق أن أعلنت الأردن عن شحنة سلاح إسرائيلية تم ضبطها وكانت متجهة لدارفور. وقادة هؤلاء الثوار الأشاوس يقيمون فى عواصم الغرب, وهم محل رعاية الإعلام الغربى، ولهم مكاتب فى إسرائيل. والهدف إقامة دولة مستقلة فى دارفور. وشرق وشمال السودان ليسا بعيدين عن التآمر، ولكن المؤامرات ساكنة الآن، وإن كانت هناك تقارير أخيرة عن توغل قوات أريترية فى شرق السودان!! ولا مانع إذا تمزق السودان - لا قدر الله - لعدة دويلات أن تتم بينها وحدة مركزية تحت رعاية الغرب وفى إطار نظام يمكن أن يسموه فيدراليا. وإذا قبل البشير وأصحابه ذلك فلا مانع من استمرارهم على رأس هذه السلطة المركزية الواهية التى ستكون أقرب إلى خيال المآتة.
وهذا هو أساس التلاعب بسلاح محاكمة البشير أمام محكمة دولية، وهى صفاقة من نوع جديد مع أمتنا العربية - الإسلامية: محاكمة رئيس لأنه يواجه تمردا مسلحا داخل وطنه وهو أمر مشروع بكل الأعراف والقوانين والشرائع. بينما لا نسمع عن محاكم دولية لمجرمى الحرب والاحتلال الأمريكيين أو الإسرائيليين الذين يبيدون الآلاف والملايين من الشعوب التى يسعون لاحتلال أراضيها بالقوة.
******
كل العرض السابق يوضح شيئا أساسيا, أن المسألة السودانية (تمزيق السودان إلى عدة دويلات وليس انفصال الجنوب فحسب) مسألة أكبر من إمكانيات حكومة الخرطوم، وإن كنا لا نعفيها من المسئولية عن بعض الأخطاء فى إدارة الصراع، هى أكبر من إمكانياتها لأنها تواجه حلفا صليبيا صهيونيا عريضا وبإمكانيات دولية، وحلف إقليمى من الدول العميلة (تحولت أوغندا إلى مقر لتدريب متمردى دارفور وتقديم كافة الاحتياجات لهم) ومشكلتنا أننا نترك كل طرف عربى أو إسلامى يتعرض للاستهداف الصليبى العالمى وحده ثم لا يسلم مع ذلك من الانتقادات الإعلامية.
ومصر وبعد شمال السودان. هى أكبر دولة ستدفع ثمن إنشاء دولة صهيونية يمر بها نهر النيل, فهذه الدويلة الجديدة ستكون مرتهنة بإسرائيل أكثر من أثيوبيا وأوغندا. فإسرائيل هى ولية نعمتها, بل هى نشأت فى حضَّانة صهيونية. ونخبة الحركة الشعبية تتسم بالفساد بكل ما تعنيه كلمة الفساد من معنى, فهم قوم لا أخلاق لهم ولا قيم من أى نوع كانت، وقد نهبوا بصورة شخصية مليارات من ميزانية الجنوب, سيكون من العبث أن ننصح حكامنا بشىء، فقد يأسنا من ذلك، فهم لا يسمعون نصحا، ولا يرتجى لهم شفاء. ولكننا نطرح تصورنا للشعب والنخبة الوطنية المثقفة، لتوضيح ملامح خطة عمل لن يقوم بها إلا نظام وطنى جديد فى مصر نرجو ألا يكون بعيدا.
أما الخطة الرسمية الظاهرة لنا حتى الآن، فهى التقرب للحركة الشعبية وفتح مقرات لها فى القاهرة، وهذه الخطة بدأت منذ سنوات، وقد تطورت الآن إلى حد القيام ببعض المشروعات فى جوبا (هم يظنون أن الجنوب هو مدينة جوبا!) وتقديم منح لا ترد بالملايين!! وإقامة خط طيران بين القاهرة وجوبا. إنها النصاحة والذكاء كما يتصورون، وكما يتصورون أنهم يحلون المشكلة مع دول منابع النيل، بإقامة بعض المشروعات هناك، وليس الأمر بهذه البساطة، وقد لا نعترض على هذه الخطوات فى حد ذاتها، ولكنها ستصبح ولا قيمة لها إن لم تكن فى إطار خطة إستراتيجية شاملة. فستأخذ دولة الجنوب - وكذلك أثيوبيا وأوغندا ودول المنبع - من مصر كل ما تقدمه، وهو قليل، ولكنها ستفعل فى النهاية ما تريد وفقا لارتباطاتها الإستراتيجية الأساسية، فنحن أمام علاقات تاريخية عمرها نصف قرن بين هذه الأطراف وإسرائيل وأمريكا والغرب, وبينهم جميعا ميثاق غليظ, وأن تقاعسنا - خاصة منذ 1970 - لن نعوضه بعمل مستشفى صغير فى جوبا، ومشروع فى أوغندا بـ 2 مليون دولار!! بل علينا أن نوصل الليل بالنهار لتعويض ما فاتنا، فقد أصبحنا أمام أمر واقع مؤسسى لا يتزعزع بمثل هذه الألاعيب الصغيرة التى تنتزع الابتسامات من شفاه قادة الحركة الشعبية أو أثيوبيا أو أوغندا أو كينيا.
فإذا كانت علاقتنا إستراتيجية مع أمريكا وإسرائيل فى قلب قضايا أمتنا: حصار غزة، والاستهزاء بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية, والاستمرار فى شن الحملات الإعلامية على إيران، فكيف يمكن أن نواجه هؤلاء الأصدقاء الاستراتيجيين فى جنوب السودان أو منابع النيل؟ فعند لحظة معينة سيشد الأمريكان أذن حكام مصر ليتوقفوا عن أى مضايقة لأصحابهم الأفارقة!!
إن خطة المواجهة الوطنية الحقيقية لها عدة أفرع:
1. فك الارتباط الاستراتيجى مع أمريكا وإسرائيل لأنهما هما اللذان يحاصران مصر من الجنوب ويضربان أمنها القومى فى مقتل.
2. القيام بما لم نقم به بعد فى الإلقاء بثقلنا خلف شمال السودان (بالمناسبة هو يمثل ثلاثة أرباع السودان، والجنوب يمثل الربع) بتعزيز علاقاتنا الإستراتيجية معه فى كافة المجالات الاقتصادية - العسكرية - الأمنية - العلمية - الثقافية - الدعوة الإسلامية.
أعلم أن النظام المصرى عدل سياسته نحو الأفضل تجاه السودان، ولكن ذلك ما يزال بعيدا جدا عن مستوى العلاقة الإستراتيجية. والعجيب فى الأمر أن هذا التوجه يحل العديد من المشكلات الاقتصادية المصرية, ويفتح المجال لتوطين ملايين المصريين فى السودان, ويحل مشكلات الأمن الغذائى. ولكنه فى نفس الوقت يساعد الخرطوم على أن تكون فى وضع أقوى لمواجه المؤامرات المتواصلة على أطراف السودان. فمثلا اهتمام مصر بتنمية شرق السودان له أهمية قصوى من الآن، حتى لا ننتظر لخطة انفصال دولة فى الشرق!! بل وللحيلولة دون ذلك. فى السودان نجد مجالات لإقامة المشروعات غير المتاحة فى مصر فى المجال الزراعى والثروة الحيوانية، ولشركات المقاولات والأنشطة العقارية الكثير من الأعمال التى يمكن أن تقوم بها. وتوحيد الجهود فى البحث والتنقيب عن البترول.. إلخ.
ولابد من الاستفادة من تجربة الجنوب حتى لا تتكرر فى دارفور، بالمساندة العسكرية والأمنية غير المباشرة للحكومة ضد المتمردين، ولابد من الهزيمة العسكرية لهذا التمرد حتى لا تكرر تجربة جنوب السودان.
3. حتى وإن أقامت مصر علاقات مع دولة الجنوب وهذا لا اعتراض عليه من حيث المبدأ، فلابد أن يكون التنسيق كاملا مع شمال السودان لاستيعاب هذه الدولة الجديدة، ووضع خطة مشتركة تحت عنوان (تقليل الخسائر من نشأتها).
4. إن التعامل الرسمى مع هذه الحالة (جنوب السودان) كما مع دول المنابع، لا يصلح وحده لإصلاح ما أفسده الدهر. بل إن التعامل الشعبى هو الأساس فى هذه اللحظة. وقد كتبت منذ 15 عاما مطالبا بالاستعانة بكوادر الحركة الإسلامية المصرية بدلا من اضطهادها ومطاردتها فى مصر، بإقامة جسور شعبية مع التجمعات الإسلامية الكبرى فى أفريقيا، والأولوية هنا لجنوب السودان ودول المنبع، وأن يتم ذلك عبر تقسيم أدوار, وأن يتم بعيدا عن الدولة المصرية شكلا حتى تتنصل منه عند الضرورة. وهؤلاء لن يقوموا بأعمال إرهاب أو عنف, ولكنهم سيقومون بنسج علاقات مع المسلمين الذين يشكلون من 20% -30% من سكان جنوب السودان ويتولون رفع مستواهم الثقافى، ومعرفتهم الدينية، وربطهم بأمتهم، وحل مشكلاتهم الاجتماعية, وأن يتم ذلك بشكل هادئ وتدريجى, وبالتوازى مع علاقات شعبية مع السكان عموما: سواء مسيحيين أو وثنيين، نحن أقرب نفسيا لهذه الشعوب من الإسرائيليين. هذه الشعوب تحبنا.. بينما نحن نتعالى عليها.. ونتوجه إلى أوروبا، والأوروبيون يتعالون علينا، ولكننا نحب من يكرهنا، ونهرب ممن يحبوننا.
وأبواب هذا المجال معروفة: سفر صحفيين وكتاب - إقامة مراسلين وفتح مكاتب لهم - منح دراسية (نحن نقدم منذ فترة منحا دراسية ولكن عبر الحركة الشعبية!!)، وإقامة جامعة إفريقية على غرار الجامعة المماثلة فى السودان بدلا من إقامة جامعات ألمانية وروسية ويابانية.. إلخ.
التوسع فى مراكز الدراسات عن السودان وأفريقيا، وفتح مكاتب فى هذه البلدان، وتكثيف الندوات والمؤتمرات مع هذه الدول فى شتى المجالات، كل فئة من الشعب يكون لها نشاط فى هذا المجال، ولكن كل هذه الخطوات ستذهب أدراج الرياح إذا لم تكن هناك مؤسسة قائدة لها، ومتابعة لجنى الثمار، وألا يكون ذلك بعقلية مخابراتية ضيقة، فما أسهل تجنيد العملاء فى الدول الفقيرة ببعض المال، ولكن بعقلية إقامة علاقات شعبية مخلصة مع أبناء أمتنا، وتحويلها إلى علاقات مؤسسية لا يملك حكام البلدان أن يعصفوا بها.
نحن بعد 58 عاما من الاستقلال لم نبنى طريقا بين مصر والسودان، ولم ننشئ خطا للسكك الحديدية، كى يتفاعل الشعبان معا.
ورغم أننى لا أدعو لقصر العلاقات الشعبية على المسلمين، بالعكس فلابد من علاقات طيبة مع مختلف أطياف جنوب السودان ودول المنبع، ولكن بشكل عقلانى فإن الدعوة الإسلامية بتثبيت وترقية وعى المسلمين، ونشر الدعوة للآخرين، هى العمود الفقرى للأمن القومى المصرى. فهذا هو واجبنا الدينى (أين الأزهر فى جنوب السودان مثلا؟!) كما أنه يتوافق مع مصالحنا فى ذات الوقت. إن الأفارقة ليس لديهم أفق فى الوثنية ولكنهم أمام خيارين أساسيين: المشروع الغربى الذى يستهدف استمرار استعبادهم بوسائل جديدة, أو المشروع الإسلامى الذى يضمن لهم تحررهم وعزتهم واستقلالهم, وبقليل من الجهد سيدرك الأفارقة أن مصلحتهم مع المشروع الإسلامى.
5. حفز العرب حكاما ومحكومين من خلال مختلف الهيئات الرسمية والشعبية على المساهمة فى هذا الجهد الذى يفوق قدرات مصر وشمال السودان، وهناك كثير من مثل هذه الأنشطة فى المجال الدعوى والاجتماعى والتعليمى فى أفريقيا, وقد أتت كلها على المستوى الشعبى، ولكنها لم تتجه أبدا لجنوب السودان، والقليل منها الذى اتجه لدول منابع النيل، ومصر هى المعنية بشد العرب والمسلمين لهذه المهمة.
******
وإذا عدنا لجنوب السودان نكرر من جديد أن مشروع الحركة الشعبية كان وسيظل أن تلعب دور الحاجز بين العرب والمسلمين وجنوب السودان وما يليها من دول أفريقية، وسيظل دورها وهى دولة نفس الدور، وسيكون همها الأساسى هدم وتدمير سلطة الخرطوم المركزية عموما، والقضاء على طابعها الإسلامى خصوصا.
وبالتالى فإن الخطة المعاكسة تكون على أساس التفاعل مع أهلنا فى جنوب السودان. بكل الوسائل الرسمية والشعبية مع التركيز على الأخيرة، وعدم السماح بتماسك المشروع الطائفى الصهيونى على أرض الجنوب ليمارس دور المناطق المقفلة الذى بدأه الاستعمار البريطانى. وسيكون نظام الحركة الشعبية داعيا لذلك, وهو ما يتطلب العديد من المناورات وتقسيم الأدوار بين مصر والسودان، وبين ما هو رسمى وما هو شعبى، وبين أدوار أخرى تقوم بها أطراف عربية أو إسلامية، مع وجود العقل المخطط فى القاهرة والخرطوم.
هى إذن خطة سلمية تركز على الصراع الحضارى، ولكن لا يمكن استبعاد القوة العسكرية عند اللزوم إذا خرق هذا النظام قواعد اللعبة السليمة، كاستمراره فى دعم تمرد دارفور أو أى تمرد آخر، أو قيامه باضطهاد المسلمين فى الجنوب، أو منعه لوسائل الدعوة الإسلامية. فلا يجب لشمال السودان أن يتصور أن الانفصال سيريحه من مخاطر الاشتباك المسلح عند الضرورة, ولابد أن يدرك نظام الحركة الشعبية أن نظام الخرطوم لديه القوة الرادعة الكافية لمواجهة أى أعمال استفزازية عسكرية من قبله، وهذا يلقى بأعباء المسئولية على مصر, وأن يكون بصورة غير ظاهرة، وغير مباشرة.
وأخيرا يجب عدم التعامل مع يوم 9 يناير (يوم الاستفتاء) على أنه يوم الكارثة، لأن الكارثة حدثت بالفعل فى اتفاقية نيفاشا منذ 6 سنوات. وحدثت قبل ذلك فى ظل عدم وجود خطة مصرية - سودانية طويلة الأمد لمواجهة سرطان الحركة الشعبية والانفصال الفعلى للجنوب منذ أكثر من ربع قرن. ولكننا لا ننكر أن إعلان دولة رسمية يعقد الأمر، ويجعله أكثر صعوبة فى ظل الدعم الغربى - الصهيونى - الأمريكى لهذه الدويلة. ومن الواضح أن ملامح الخطة التى طرحناها هى ملامح برنامج النظام الوطنى القادم فى مصر إن شاء الله، أما النظام الراهن فهو لا يملك فى هذه الأزمة أو فى غيرها إلا تقديم طلبات الاسترحام لواشنطن تحت شعار (ارحموا عزيز قوم ذل).
******
على هامش المقال:
كثيرا ما تحدثنا عن دور مصر الشعبى فى أفريقيا، وكأننا نتحدث فى موضوعات خيالية، لذلك من المهم الإشارة لمنظمة الدعوة الإسلامية فى السودان التى يرأسها الفريق عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس السودانى الأسبق، وقد نشأت هذه المنظمة فى واحدة من أفقر الدول العربية, ولكنها بالإصرار والعزيمة وإدراك الدور التاريخى قامت بتعبئة الموارد من شتى أنحاء العالمين العربى والإسلامى, فماذا فعلت منذ عام 1980؟ أنشأت أكثر من 700 مسجد بأفريقيا وألبانيا، وشيدت 765 فصلا دراسيا نظاميا تستوعب أكثر من 150 ألف طالب وطالبة ترعاهم المنظمة رعاية كاملة حيث تقدم لهم الغذاء والكساء بجانب التعليم. وأنشأت مشروعا للتعليم العربى فى زنجبار وتشاد وجامبيا، وتدير المنظمة 112 وحدة صحية تشمل المستوصفات والمستشفيات. وقامت بحفر 600 بئر وكفالة 12 ألف يتيم كفالة تامة. وأنشأت 265 مشروعا خدميا فى السودان خلال العشرين عاما الماضية بتكلفة 50 مليون دولار، و60 مشروعا خدميا خارج السودان بـ 5 ملايين دولار. هذه ثمار منظمة واحدة مخلصة، فهل قدمت مصر الرسمية والشعبية معا لإفريقيا مثل هذا الكم من الأعمال الخيرية والاجتماعية والدعوية والخدمية؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق