الاثنين، ديسمبر 27، 2010


التصميم الأمريكى للمدينة الإسلامية



دعنى أولا أوضّح ماذا يوحى هذا العنوان إلى ذهنى..؟ إنه يوحى إليّ أولا: بأن أمريكا معنية بمستقبل المدن فى العالم المسلم..؟ وثانيا: أنه مادام قد جاء ذكر أمريكا فى هذا السياق فلا يمكن أن يكون الهدف من هذا التصميم خيرا للمسلمين، بل هو شر مبين...! فما الذى حفزنى للكتابة فى هذا الموضوع...؟ والجواب هو: ثلاثة وقائع بعينها، تبدو كل واحدة منها معزولة فى الظاهر عن الأخرى وبينها فواصل زمنية ملحوظة، ولكنها جميعا تشير فى مغزاها إلى استراتيجية واحدة تجاه العالم المسلم فى المرحلة القادمة:

1- إعفاء " الجنرل ماكرستال" القائد العام الأمريكى السابق لقوات التحالف فى أفغانستان، الذى كان يسعى لإنهاء الصراع سياسيا، وإحلال مجرم حرب عريق فى مكانه هو" الجنرا ل ديفيد باتريوس" الذى صمم خطته الجديدة حسب تصريحه (هو) على أساس استخدام أنواع من العنف لم يسبق لها مثيل...! كما فعل فى العراق...

2- إدعاء تونى بلير فى مذكراته التى صدرت هذا الشهرأنه لم يكن يتصور فى بادئ الأمر أن الإرهاب الإسلامي بهذه الشراسة التى تبـدّت له فيما بعد، بل أضاف: أن أفكار هؤلاء الإرهابيين المتشددين تسرى بدرجات متفاوته فى التيار العام للمسلمين العاديين فى العالم[وهذا هوالأهم فى كلامه..!] لماذا..؟ والجواب: لأن فى هذا الادعاء دعوة مبطّنة للعالم الغربيّ أن يتعامل مع كل المسلمين على أساس هذه الفكرة الجهنمية.. فإنك إذا وضعت فئة من البشر فى خانة الشياطين، فليس هناك إلا حل واحد هو الإبادة والاستئصال، أو القمع المؤدى إلى وضع هؤلاء الشياطين فى سلاسل العبودية، كما فعل النبي سليمان مع شياطين عصره.. أما كيف يتم هذا ..؟ فإن الإجابة تكمن فى الواقعة التالية (رقم 3):

حيث تفجرت فى الصحافة والإعلام خلال شهر يولية الماضى2010 حقائق مذهلة عن دراسة علمية أجريت فى مدينة الفلوجة العراقية تصور بشاعة الآثار التى ترتبت على استخدام أسلحة ذرية وبيولوجية وكيميائية محرّمة دوليا ..

ولكى تتوضح الصورة فى ذهن القارئ حول هذا الموضوع لا بد أن أضيف أيضا واقعتين لهما دلالات تؤكد حقيقة الأهداف الأمريكية الصهيونية تجاه العرب والمسلمين: أولهما دخول أمريكا بثقلها فى عملية تفكيك السودان[ تمهيدا لتفتيته]، فخلْق دولة مشبوهة الهوية فى جنوبه ستكون مركزا لمزيد من التفكيك والتفتيت ، ثم إحكام الحصار على مصر فى خطوة تالية.. لخنقها، حتى يأتى دورها فى التفكيك والتفتيت..

أما الثانية فتتمثل فى الكشف عن خلايا تجسس إسرائيلية فى لبنان ومصر تستهدف المنطقة العربية كلها، والجديد فى الأمر أن شبكة الجاسوسية هذه ليست فقط لجمع معلومات او القيام بعمليات تخريب واغتيال وإشاعة الفوضى فحسب، وإنما أيضا لزرع مؤسسات إعلامية ذات وجه عربي بقصد التحكم فى الرأى العام وتوجيهه بأساليب خفيّة لخدمة المصالح الصهيونية والإمبريالية ..

ستقول هذه وسائل معروفة وليس فيها من جديد.. وهذا صحيح.. فنحن نعلم أن هناك أناسا يعملون فى فضائيات وصحف، وهناك كُتّاب مسخرون لخدمة الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وينالون على وظائفهم أجورا سخية.. ولكن تجنيد أشخاص، وإنشاء صحف ومؤسسات إعلامية، مصمّمة ومموّلة بالكامل من إسرائيل لهذه الأغراض [وعن طريق شبكات التجسّس] هو نقلة نوعية خطيرة، وتحوّل جديد فى وسائل الأعداء لتحقيق أهدافهم..!

والآن قد تسأل : ماذا تمثل حكاية الفلوجة فى الخطة الأمريكية لمستقبل المدن الإسلامية..؟ ولماذا الحديث عن مدن وليس عن دول..؟ وإجابتى على السؤال الأخير هى أنه ليس فى الخطة الأمريكية الصهيونية [دولا عربية أو إسلامية] وإنما جيوب صغيرة مبعثرة أشبه بقطاع غزة، والضفة الغربية، يمكن بعد هذا أن يطلق عليها إسم دولة ، أو إمارة فلسطين، كما يمكن أن تسمى دول السودان: بالسودان الشمالى مشتملا على مدينة الخرطوم وما حولها ، وهكذا الحال فى دولة السودان الجنوبى ، ودولة السودان الشرقى .. وتصبح الدول المسلمة مجرد مدن ممتدة فى محيط عدائى تتحكم فيه أمريكا وأسرائيل مباشرة أو بالرموت كنترول...! أما الدولة بمعناها المألوف فستصبح جزءا من التاريخ يحرّم على التلاميذ دراستها أو ذكرها لتمّحى تماما من ذاكرة الأجيال.

هذا هو الشكل البارّانيّ لدولة أومدينة المسلمين فى المستقبل وفقا للخطة الأمريكية الصهيونية...! فما هو المحتوى االجوّانى لهذه المدينة.. هذا ما سنعرض له فى حديثنا عن الفلوجة .. ومنه سيتبين لنا أن الفلّوجة هى النموذج الأمثل لما تسعى أمريكا لتحقيقه فى كل بلاد المسلمين، والمأساة الحقيقية تكمن فى أن أمريكا لا تعمل فى فراغ بل يساعدها فى تحقيق خططها أناس من أهل هذه البلاد هم أصحاب السلطة الحاكمة، و أناس هم الأكثر نفوذا فى مجالات السياسة والاقتصاد والتوجيه، وهم المسيطرون على وسائل التعليم والتوجيه الإعلامي.. استطاعوا الهيمنة على مقدرات الشعوب وحرياتها، والتحكم فى كل مايقوّم حياتها وصحتها وبقائها.. بدعم متواصل من العدو الأجنبيّ..



مدينة االفلّوجة العراقية:

للحديث عن الفلّوجة وأهميتها فى هذا السياق لا بد أن نبدأ بقصة الهجوم الأمريكي عليها: ففى 28 إبريل سنة 2003 أطلقت قوات الاحتلال الأمريكية النار بطريقة عشوائية على مجموعة من المتظاهرين فى المدينة احتجاجا على تحويل مدرسة أبنائهم إلى قاعدة عسكرية، فقتلت سبعة عشر فردا من المتظاهرين، وبعد يومين تجمّع عدد آخر من الأهالى فى مظاهرة احتجاجا على المعاملة الوحشية لإخوانهم الذين قتلوا، وفى هذه المرة أيضا أطلقت القوات الأمريكية النار عليهم فسقط منهم قتيلان .. فأشعلت هذه التصرفات الهمجية غضبا عارما فى صدور أبناء المدينة .. وهكذا تراكمت المواجهات لتجعل مدينة الفلوجة مركزا للمقاومة السنية ضد الاحتلال الهمجي: ففى 31مارس 2004 اعترضت مجموعة من العراقيين الغاضبين من أقارب القتلى وذويهم قافلة من السيارات الأمريكية تحمل عددا من الجنود المرتزقة التابعين لشركة بلاك ووتر الشهيرة.. أوقفوا القافلة وسحبوا منها أربعة رجال، فأوسعوهم ضربا وركْلا وأشعلوا فيهم النيران ثم علقوا جثثهم على جسر يمر فوق نهر الفرات ..

ثارت ثائرة القيادة الأمريكية وأعلنت أنها ستسوى المدينة وسكانها بالأرض.. وصرح أحد الضباط بأنهم سيحولون الفلوجة إلى مجزرة كبيرة.. وتحرك نحوها بضعة آلاف من مشاة البحرية الأمريكية فى هجوم انتقامي على المدينة.. ولكن أبناء المدينة الباسلة تمكنوا من الصمود والمقاومة حتى أفشلوا الحملة الأمريكية، التى صوّرتها كاميرات تليفزيون الجزيرة فشهدها العالم واحتفلت الجماهير العراقية بهذا النصر العظيم..

تدخّل البنتاجون مباشرة فى شهرنوفمبر، فأمر بحشد مزيد من القوات لمحاصرة الفلوجة ودكها بالقنابل، وأعلنت القيادة الأمريكية أن ماتبقى من سكان المدينة هم أعداء يجب القضاء عليهم جميعا.. ولقد حاول بعض المواطنين الخروج من المدينة فرارا من الموت مع نسائهم وأطفالهم ولكن منعتهم قوات الحصار الأمريكي من الخروج وأعادتهم إلى ساحة المجزرة...

فى هذه الحملة استخدمت القوات الأمريكية كل ما فى ترسانتها العسكرية من الأسلحة المحرمة دوليا ومنها قنابل الفسفورالأبيض، التى استخدمتها إسرائيل فى الحرب على غزة؛ فهذه المادة الكيماوية المهلكة لها قدرة هائلة على اختراق المواد والملابس حرقا، حتى تصل إلى عظام الضحايا فتحوّل الأجسام البشرية إلى كتل من الفحم..

أما الأهالى الذين لجأوا إلى بيوتهم وأحكموا إغلاق نوافذها فقد أطلقت عليهم القوات الأمريكية ذخائر تمتص الأكسوجين من داخل المبانى ليموتا اختناقًا..

أما الذين تحصنوا داخل المبانى المدعّمة بالأسمنت المسلّح فقد أعدّ لهم الأمريكان قذاف اليورانيوم المنضّب، وهى من أخطر أنواع الأسلحة التى استخدمت فى الفلوجة؛ ذلك لأن هذه القذائف عندما تصطدم بجدران صلبة، تخترقها، وينطلق منها اليورانيوم المشعّ على شكل جزيئات بالغة الدقة، تخترق أجسام البشر لتسرى فى عروقهم وأنسجتهم مجرى الدم، فتستهدف الجينات الوراثيةDNA وتسبب لهم أنواعا مختلفة من السرطانات، والأدهى من هذا أنها تتركز فى الحيوانات المنوية عند الرجال وفى البويضات الأنثوية، ومن ثَـمّ ينتج عنها مواليد مصابة بتشوهات خِلْقية بشعة، وترتفع معدلات موت الرّضّع ، والإعاقات البدنية والعقلية عند الأطفال..



وهكذا أضيفت مدينة الفلّوجة العراقية المسلمة السنّية، إلى قائمة المدن التى دمّرتها أمريكا فى حروبها الإمبريالية الحديثة، ولكن على خلاف كل هذه المدن (باستثناء هيروشيما ونجازاكى) تنفرد الفلوجة بخصوصية دامغة للجريمة الأمريكية البربرية، فهذه الجريمة تستمر فى إفراز نتائجها السلبية البشعة فى حياة أجيال بعد أجيال من أبناء هذه المدينة المنكوبة: آلاف من الحالات المرضية المستعصية، وضحايا سرطانات، وتشوّهات خِلْقِية، ومعدّلات عالية من حالات العجز البدنيّّ والعقليّ لا علاج لها.. ويستمر هذا المسلسل آجالاً من الزمن، لا يعلم إلا الله وحده متى تنتهى أو لا تنتهى..

وتلك هى الصورة فى أبعادها البرّانية والجُوَّانِيّة للمدينة الإسلامية فى المستقبل، كما ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية ... وللقصة بقية قد نعرض لها لاحقًا إذا شاء الله..وبالله التوفيق.
البينة على المدعى عليه؟؟!!



من أسس الإثبات الشرعية التى تتفق مع فطرة الإنسان أن من ادعى شيئا يجب عليه أن يقدم البينة على مايدعيه .وتلك القاعدة الشرعية يُعبر عنها بأن :

" البينة على المُدّعي، واليمينُ على من أنكر"

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"لو يُعطى الناسُ بدَعْواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ قوم وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه" رواه مسلم.

وفي لفظ عند البيهقي: " البينة على المُدّعي، واليمينُ على من أنكر ".

هذا الحديث عظيم القدر. وهو أصل كبير من أصول القضايا والأحكام؛ فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع: هذا يدّعي على هذا حقاً من الحقوق، فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتاً عليه.فبين صلى الله عليه وسلم أصلاً يفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل.

فمن ادعى عيناً من الأعيان، أو ديناً، أو حقاً من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير: فالأصل مع المنكر. فهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق: ثبت له، وحُكم له به وإن لم يأت ببينة: فليس له على الآخر إلا اليمين. وكذلك من ادعى براءته من الحق الذي عليه، وأنكر صاحب الحق ذلك، وقال: إنه باق في ذمته، فإن لم يأت مدعي الوفاء والبراءة ببينة، وإلا حكم ببقاء الحق في ذمته؛ لأنه الأصل. ولكن على صاحب الحق اليمين ببقائه.

وقد بين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولادّعى رجال دماء قوم وأموالهم.

فعُلم أن شريعة الإسلام بها صلاح البشر. وإذا أردت أن تعرف ذلك، فقابل بين كل شريعة من شرائعه الكلية وبين ضدها، تجد الفرق العظيم، وتشهد أن الذي شرعها حكيم عليم، رحيم بالعباد؛ لاشتمالها على الحكمة والعدل، والرحمة، ونصر المظلوم، وردع الظالم.

(أنظر موقع نصرة سيدنا محمد رسول الله )

وتطبيقا لذلك فقد نصت المادة الأولى من قانون الإثبات المصرى رقم 25 لسنة 1968 على أنه :

" على الدائن إثبات الالتزام ،وعلى المدين إثبات التخلص منه ".

ولكن مشرع قانون الجنسية غفل عن هذه القاعدة الأصولية وأتى بقاعدة شاذة مخالفة لها فى إثبات الجنسية المصرية ،ذلك أنه نص فى المادة رقم 24 من قانون الجنسية المصرى رقم 26 لسنة 1975 على أنه :

" يقع عبء إثبات الجنسية على من يتمسك بالجنسية المصرية أو يدفع بعدم دخوله فيها. "

ويجرى تفيسرهذا النص فى فقه القانون وفى القضاء على أن عبئ إثبات الجنسية يقع على عاتق الشخص الذى تجرى المنازعة فى جنسيته سواء كان مدعيا أو مدعى عليه .

تصوروا !! عبئ الإثبات على المدعى عليه ؟؟

يعنى لو أن زيد نازع عمرو فى جنسيته المصرية وادعى أنه غير مصرى ،وقع على عمرو " المدعى عليه "عبئ إثبات جنسيته المصرية .

فإذا ادعى عمرو بالمقابل أن زيد غير مصرى ، يحدث تحول فى المراكز القانونية ، فيصبح عمرو مدعيا ، ويصبح زيد مدعى عليه ، ويقع عليه عبئ الإثبات.

وهكذا يصبح كلا منهما مدعيا ومدعى عليه فى نفس الوقت ،وبما أن الإثبات على المدعى عليه فلن يستطيع أى منهما "بوصفه مدعى عليه "أن يثبت جنسيته المصرية ، بأدلة الإثبات الشيطانية التى أتى بها المشرع وأشرنا إليها من قبل !!

إنها نتيجة عبثية مضحكة وبلوى كبرى لأن "شرُ البلية مايُضحك" .المصريون في الخارج يمثلون ظاهرة محيرة فعلاً ويترجمون كل مخزون وتعقيدات المجتمع المصري في الداخل.

فهم ينتقدون بلادهم بشدة وبلا رحمة في كل حواراتهم ومجالسهم الخاصة، وفي المنتديات الالكترونية، ولكن لو حدث وانضم أحد الغرباء إليهم في هذه الانتقادات وحاول مسايرتهم فإنهم جميعًا ينقلبون في لحظات إلى مدافعين مساندين لمصر وينقضون على هذا الغريب محاولين الفتك به إن استطاعوا، فالشأن المصري في داخل وجدان كل مصر سيظل مصريًا خالصًا..!

وهم يقبلون على حضور ومشاهدة أي فريق مصري يذهب لأداء مباراة ودية في الخارج، ويذهبون للمباراة وكأنهم في مهمة قومية وطنية لترديد الهتافات والأناشيد المصرية ورفع الأعلام.

وهم أنفسهم الذين قاموا بتحدي كل القوانين المحلية في البلاد التي يقيمون بها، وطافوا في مسيرات بالسيارات حاملين الأعلام وهم يدقون الطبول ويطلقون الزغاريد عندما فاز المنتخب المصري لكرة القدم ببطولة إفريقيا مؤخرًا.

وهم يمثلون ظاهرة فريدة في الارتباط بالوطن، فرغم أن الكثيرين منهم ممن أتيحت له فرصة العمل والبقاء في الدول العربية لأي وقت يشاء، وربما لن يعودوا إلى الوطن أبدًا إلا أن كل أموالهم واستثماراتهم ومدخراتهم تبقى دائمًا في مصر في شكل شقق وفيلات وشاليهات وعمارات اشتروها وربما لن يكتب لهم السكن فيها أبدًا، ولكنه حب التملك في الوطن والحلم الدائم بالعودة إليه وأن تكون أيامهم الأخيرة فيه.

ولكن هذا الحب الجارف للوطن، لا يقابله حب مماثل لأبناء الوطن الواحد لبعضهم البعض..!

فكل الجاليات الأخرى تظهر وتبدى قدرًا كبيرًا من التضامن والمساندة فيما بينهم إلا الجاليات المصرية التي تشهد قدرًا كبيرًا من التناحر والاختلاف والمنافسة التي تثير الكثير من التساؤلات المحيرة والتي تبقى بلا إجابة أو تفسير..!

وفي دول الخليج العربية فإنهم يفضلون هناك الاستعانة بالعمالة المصرية دائمًا لأنها عمالة مهنية تبحث عن الرزق الحلال، ولا تتدخل في القضايا السياسية المحلية، وتندمج بسهولة وبسرعة في النسيج الاجتماعي لهذه الدول..

ولكنهم يشكون مر الشكوى من المصريين إذا ما عملوا معًا في نفس المكان وفي وظائف متشابهة، فطوال اليوم هناك مشاحنات واختلافات وشكاوى وصراعات.

ولقد قال لي مسئول بجامعة سعودية على سبيل المثال أنهم استعانوا بأستاذ مصري في إحدى الكليات لتدريس أحد المواد والإشراف على برنامج تعليمي، وأثبت هذا الأستاذ كفاءة هائلة، وكان محط الإعجاب والإقدام والتقدير، وكان يقضي اليوم كله في العمل من الصباح إلى المساء بلا كلل أو تعب، ورأته إدارة الكلية أن تخفف عنه عبء العمل، فتعاقدت مع أستاذ مصري آخر لكي يأتي لمساعدته والتخفيف عنه..!

ويقول المسئول.. يا ليتنا ما فعلنا ذلك.. فمنذ وصول الأستاذ الآخر، ونحن لا نجد عملاً أو إنتاجًا، وإنما تفرغنا لحل الخلافات بينهما والتخفيف من حدة كراهية كل منهما للآخر بعد أن أصبحت وظيفة كل واحد منهما هو كشف عورات الآخر وإظهار جهله وضعفه..!

وما قاله هذا المسئول يحدث ويتكرر على كل مستويات العمالة المصرية بشكل أو بأخر، ففشلنا في الداخل في العمل بروح الفريق وانتقل معنا إلى الخارج وظللنا على نفس المنوال، نعمل ونبدع كأفراد، ونفشل ونختلف كفريق، ولا نجيد توظيف قدراتنا وطاقاتنا وإبداعاتنا لخدمة الآخرين بقدر ما نبحث فقط عن آهات الإعجاب وعبارات المدح والتشجيع لنا كأفراد..!

وهو نوع ن الثقافة التي لا تحقق التقدم ولا توفر المناخ السليم للنجاح كمجتمع وكدولة، وهي انعكاس لمفاهيم الأنانية والبحث عن الذات وتفضيلها والصعود فوق أكتاف الآخرين بمعايير تبعد عن الكفاءة وعن الموهبة وعن العلم والمعرفة..، وهي من موروثات أنظمة شمولية تعاملت مع المواطن بتوجس وريبة، وقامت بتقييمه على أساس معايير الثقة قبل الكفاءة، فقضت على كل المعايير الموضوعية للنجاح وفتحت الباب على مصراعيه للمنافقين والمخادعين وكتبة التقارير..!

وكنتاج لهذه الثقافة، لم يكن غريبًا أن يبادر أحد السفراء المصريين فور توجهه لاستلام عمله في دولة خليجية أن يبادر بإغلاق نادي الجالية المصرية وأن يبدي عدم الاهتمام بهذه الجالية وأن يتفرغ للذهاب لأداء التدريبات ومباريات لعبة التنس بدلاً من الالتقاء بمواطنيه، فهو لا يعتقد أنه قادر على حل مشاكلهم.. وأن الأفضل له ولهم الابتعاد عنهم، وأن أحدًا في النهاية لم ولن يحاسبه على ذلك، وسيقضي سنوات خدمته الأربعة في هذا البلد في هدوء وآمان واستمتاع بالمطعم اللبناني.. ويتذوق الجمبري (الروبيان) بالخلطة الخليجية..!!

مؤدى ذلك النص الشاذ أن الدولة تستطيع فى أى وقت أن تسحب مالدى الفرد من وثائق مصرية " البطاقة الشخصية ....إلخ " وتقول له أنت غير مصرى .هنا يقع عليه عبئ الإثبات .

الدولة ليست فى حاجة إلى اللجوء إلى القضاء برفع دعوى ضد ذلك الشخص لاستصدار حكم قضائى ضده بأنه غير مصرى ، قبل أن تجرده من المستندات الرسمية التى تثبت جنسيته المصرية الممنوحة له من الدولة ذاتها ، مع ما قد يترتب على ذلك من ضياع الكثير من حقوقه وتعرض حياته للخطر ، مثل فصله من وظيفته وطرده من مسكنه ومعاملة أولاده فى مراحل التعليم المختلفة معاملة الأجانب ..وهكذا.....

لن يكون أمام صاحب الشأن فى هذه الحالة إلا أن يلجأ إلى القضاء ،برفع دعوى ضد الجهة الإدارية طعنا على قرارها بسحب مالديه من وثائق ومستندات رسمية .

فى هذه الحالة سيكون الفرد هو "المدعى " ،وعليه أن يثبت أنه مصرى ، ولن تشفع له المستندات والمحررات الرسمية التى سبق أن منحتها له الدولة ذاتها كالبطاقة الشخصية وشهادة أدء الخدمة العسكرية والشهادة الانتخابية ..

وبما أن أدلة الإثبات شيطانية مستحيلة ،فلن يستطيع الفرد أن يثبت جنسيته المصرية ، وعليه العوض ومنه العوض.

س :لماذا كل هذا ؟

ج : ما تناقشنيش ياسيد ....القانون كده ياحضرة ..

فعلا القانون كذلك يا حضرات الأشخاص.

إنها المادة 24 التى وضعها المشرع إمعانا فى إرهاق المواطنين " آسف ..أقصد إرهاق الأشخاص "وتكليفهم بما لايطيقون .إنها مادة شيطانية !!

نسوق قصة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه وعليه السلام) واليهودي إلى المشرع " لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى " طه 44:

فيروى أن الإمام علي رأى يهوديا في شوارع الكوفة، وهي العاصمة في ذلك الوقت، يمشي متقلدا درعه، الذي فقده الإمام في أحد أسفاره.. فطالب الإمام اليهودي به.. فأبى ذلك اليهودي، ولم يستعمل الإمام سلطته ليأخذه منه عنوة، بل شكاه إلى القاضي شريح.. فأحضر القاضي الشاكي والمشتكى عليه، ليجلسا أمام منصة القضاء متساويين في الحقوق، لا فرق بينهما.

الشاكي " المدعى "هو: علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه) أعظم حاكم في عصره..

والمشتكى عليه "المدعى عليه ": يهودي ذمي يعيش في ذمة الإسلام.

وسمع القاضي كلامهما، إلا أن الإمام علي لم يكن عنده شاهد، يشهد بأن الدرع له، فربح اليهودي الدعوى وخسرها أمير المؤمنين.. لأن النص الدستوري الوارد في كلام رسول الله واضح حيث قال (ص): (البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر).. ولم تكن للإمام ( رضوان الله عليه) بينة.. أما اليهودي الذي أنكر، فقد أدى اليمين.

وهنا يعتذر القاضي من الخليفة الذي عينه في هذا المنصب بقوله:

يا أمير المؤمنين!.. إني أعلم أنك مع الحق في دعواك، والدرع درعك، ومعاذ الله أن تكون كاذبا، ولكن أنت أعلم الناس بالقضاء!.. فالقاضي لا يستطيع أن يحكم بعمله حسب قانون الإسلام. فلذلك ربح المدعى عليه الدعوى، لأنه أدى اليمين، وخسرتها لأنك لم تقدم شاهدا.

فيقول الإمام: لقد كنت عادلا والله في حكمك، إلا في أمر واحد، وهو أنك ما ساويت بيني وبين خصمي في النداء، فكنت تناديني بكنيتي احتراما لي، وتقول لي: يا أبا الحسن، وكنت تنادي اليهودي باسمه فقط.. فكان عليك إما ان تنادي الاثنين بالكنية، حتى لايحس أحد المتخاصمين بغضاضة، وتنفذ المساواة التي أمر بها الإسلام في مثل هذه الأحوال.

إن هذه الصور الرفيعة من الديمقراطية هي التي فقدها المسلمون منذ أن انتهت خلافة علي بن أبي طالب (رضوان الله عليه) .. وهي التي كانت إنذارا في حينها لهرقل ونظام حكمه.. فيا ترى حقا أن عليا قاضى اليهودي لدرع فقده، وهو يريد استرداده وهو الذي يقول: (إن دنياكم هذه عندي كعفطة عنز)، (إن خلافتكم هذه لاتساوي عندي شيئا، إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا).. أم أراد بذلك أن يجسد عدالة الإسلام في المجتمع الإنساني، وأن يطبقها على نفسه، لتكون قدوة لغيره!..

أراد علي أن يعطي درسا علميا للأمة، له أبعاده العظيمة.. فمن جهة أعطى القيمة للإنسان، سواء أكان مسلما أم يهوديا أم نصرانيا وغيرهما.. ومن جهة أخرى: ضمن حرمة الفئات غير المسلمة، وحصنهم اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، في ظل الدولة الإسلامية العادلة، ليعرف كل أن لليهودي والنصراني الذمي في ظل الإسلام ما للمسلم من حقوق وواجبات، لا يمكن الاعتداء عليها.. بل يجعلهم الإسلام سواسية أمام القانون والعدالة، حتى ولو كان خصمه أمير المؤمنين.. فالارشاد تطلب -ياعزيزي- انظر إلى مكارم أخلاق أهل بيتة النبوة!..

أخذ اليهودى الدرع ومشى يسيرا ثم عاد وقال:

أشهد ان هذه أحكام الأنبياء ، أميرالمؤمنين قدمني الى قاضيه ، وقاضيه يقضي عليه ! ثم أسلم واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره الى صفين ، ففرح علي بإسلامه و وهب له الدرع وفرسا وشهد معه قتال الخوارج‏» .

( أنظر موقع طريق الإسلام )

هل ينفع بعد ذلك أن يقال أن "البينة على المدعى عليه "؟؟

نتوجه بالسؤال إلى أعضاء اللجنة التشريعية وأعضاء مجلس الشعب الذين أصدروا قانون الجنسية هذا سنة 1975، الذى تولى رئاسته فى ذلك الوقت المهندس سيد مرعى 23) أكتوبر 1974-3 نوفمبر 1978: (

هل أثبتم جنسيتكم المصرية حسب هذا القانون الذى أصدرتموه لكى تكون لكم أهلية التشريع؟

ج : ما حصلش ..

س: إذن عضويتم باطلة ومجلسكم باطل وقوانينكم باطلة .

س: تقصد مين ياسيد ؟

ج : أقصد أعضاء مجلس 1975 ،أما أعضاء المجلس الحالى المنتخب مؤخرا سنة 2010 فلا شأن لى بهم عملا بقوله تعالى :

"وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " البقرة 195...

"سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ "يس 58 ...

ليست هناك تعليقات:

هذا التساؤل الحارق الذي تطلقه ("أين أحرار تونس؟!") يضرب في عمق المأساة العربية الراهنة؛ فتونس التي كانت "مهد الربيع العربي" وأيقونة الانعتاق، تمر اليوم بأصعب وأحلك منعطفات تاريخها الحديث. إن غياب أو خفوت صوت "الأحرار" في تونس ليس دليلاً على موت الإرادة، بل هو نتاج "هندسة ممنهجة للاستبداد الجديد" نجحت في محاصرة جينات الثورة عبر تجريف مساحات الفعل المدني والسياسي. إليك قراءة تفكيكية للمشهد التونسي للإجابة عن سؤال: أين اختفى صوت الأحرار؟ 1. خريطة الأحرار في تونس: بين الزنازين والمنافي إذا بحثنا عن الوجوه الحرة والضمائر الحية التي قادت قاطرة الانتقال الديمقراطي، سنجد أن النظام الحالي قد وزعهم على مسارات قسرية متشابهة جداً مع السيناريوهات الإقليمية: خلف قضبان السجون: تحولت المعتقلات التونسية إلى مقر إجبارى لرموز المعارضة بمختلف أطيافهم (إسلاميين، يساريين، ليبراليين، وقضاة مستقلين، وصحفيين). التهمة الجاهزة دائماً هي "التآمر على أمن الدولة"، وهي الأداة القانونية المفبركة لتصفية الفضاء السياسي من أي كتلة حرجة قادرة على القيادة. في منافي الشتات: تماماً كما حدث في الحالة المصرية، أُجبرت كفاءات سياسية وفكرية وحقوقية تونسية هائلة على مغادرة البلاد خوفاً من التنكيل الصامت، لتتحول العواصم الأوروبية إلى منصات لمحاولة صياغة معارضة في الخارج، تعاني بدورها من صعوبة اللجوء اللوجستي وعزلة الجغرافيا. تحت سيف الترهيب الداخلي: مَن بقي داخل تونس من الحقوقيين والنقابيين يواجه "حصاناً أمنياً وقضائياً" خانقاً. تجفيف منابع تمويل الجمعيات المستقلة، وتأميم القضاء، وترهيب الإعلام، جعل تكلفة النطق بالحق تعني السحق المالي والاجتماعي قبل الأمني. 2. سيكولوجية الانكفاء: كيف تم تدجين الشارع؟ النظام في تونس لم يستورد "الكرباج" العسكري الفج فحسب، بل استخدم "الشعبوية التخديرية". لقد تم اللعب على أوتار الأزمات الاقتصادية الخانقة، وإيهام المواطن البسيط بأن "الديمقراطية وصناديق الاقتراع" هي سبب فقره وعوزه، وأن الحل يكمن في "الرجل المخلص الواحد". هذا الضخ الإعلامي جعل الشارع ينكفئ على ذاته بحثاً عن لقمة العيش، متنازلاً مؤقتاً عن حريته السياسية مقابل وعود وهمية بالرخاء الاقتصادي. 3. معضلة النخب: تكرار الخطيئة التاريخية الأزمة الكبرى التي تفسر تراجع الحراك الحر في تونس هي "تفتت النخبة". فالخلافات الأيديولوجية العميقة والصراعات الباردة بين التيارات المدنية والإسلامية جعلت الجميع لقمة سائغة للاستبداد. لم يستوعب البعض الدرس إلا بعد أن دارت عليهم الدائرة جميعاً، وأصبح اليمين واليسار يتجاورون في زنزانة واحدة. "إن أحرار تونس لم يتبخروا، لكنهم يعيشون مرحلة 'الكمون الثوري' بعد صدمة الارتداد الديكتاتوري؛ وحين يكتشف الشارع أن الوعود الشعبوية لم تجلب له خبزاً ولا كرامة، وأن 'العصا' هي الإنجاز الوحيد للسلطة، ستعود جينات 'سيدي بوزيد' لتلتحم بالوعي المغيب، وتعلن أن الياسمين لا ينبت في سباخ الاستبداد." أستاذ سالم، بالنظر إلى خبرتك الطويلة في معارضة الاستبداد منذ عهد السادات ومبارك؛ كيف تقرأ هذا التماهي المخيف بين آليات النظام التونسي الحالي وآليات الثورة المضادة في مصر؟ هل ترى أن استنساخ 'جمهورية الخوف' في تونس سيكتب له البقاء والدوام، أم أن الطبيعة المدنية والمؤسسية للمجتمع التونسي (كتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل ونضوج المجتمع المدني) ستجعل من هذا الانقلاب مجرد عارض تاريخي مؤقت يسهل كسره بمجرد حدوث هزة اقتصادية كبرى؟

 هذا التساؤل الحارق الذي تطلقه ( "أين أحرار تونس؟!" ) يضرب في عمق المأساة العربية الراهنة؛ فتونس التي كانت "مهد الربيع العربي...