| |
صباح أمس تابعت وسائل إعلامية، جهود وزير الصحة واشرافه بنفسه على متابعة علاج العشرات من الشباب أُصيبوا جراء التدافع في حفل أقيم في جامعة خاصة وأحياها مغني ـ هو في واقع الحال ـ وليد حالة التجفيف المتعمد لكل منابع الإبداع في مصر.
الخبر كان مثيرا للاستغراب، إذ يسقط يوميا كثير من الضحايا في طوابير الخبز وأنابيب الغاز ولا يهتم بهم أحد! فيما ترفع وزارة الصحة حالة الطوارئ لتقديم الخدمات العلاجية السريعة والفاخرة لضحايا مطرب تدافعوا عليه للاستمتاع بملامسة يديه الحانيتين!
ثم ذهب عنا العجب، عندما علمت أن الحفل الذي أقيم تحت شعار غربي بعنوان "Welcome Party" كان برعاية مباشرة من السيدة سوزان مبارك لصالح مرضى السرطان كما أعلن يوم أمس!
المسألة هنا ـ إذن ـ ليست احتراما لآدمية الإنسان المصري، أيا كان وضعه حال أصابه مكروه.. وإنما ارضاءً لمن بيدهم قرارات الشلح والترسيم!
اللافت هنا.. أن هذه الجامعة تكاد تكون هي الوحيدة التي تعتمد على "الشو الاعلامي" وعلى ترضية الصحفيين الذين يترأسون تحرير صحف جرى تسمينها في محاضن السلطة وحضانات التوريث.. إذ لا يمر شهر إلا وتسمع عن احتفاليات صاخبة لها رغم أنها الأحدث في سلسلة الجامعات الخاصة!
منذ عامين تقريبا كنت في زيارة لها رفقة صديق لي، واكتشفت من الوهلة الأولى ومن شكلها "الفندقي" الفاره، أنها تعتمد على منطق الحداثة الذي يسوق "الإبهار" ـ الشكل ـ وبيعه بأغلى من قيمة المضمون الحقيقية أضعافا مضاعفة، وصودف أني سمعت ـ في ذات اليوم ـ قيادة علمية كبيرة بها وهو يتحدث لضيوفه، واكتشفت عدم اجادته للإنجليزية.. رغم أنه كما علمت أستاذ كبير في تخصص لا يمكن أن يبدع فيه أحد إلا إذا كان ملما بلغة أجنبية هي الأشهر على مستوى التحصيل العلمي.
كانت الجامعات في "الماضي الجميل" تدعوا كبار رجال الفكر والثقافة والأدب والفن والصحافة للالتقاء بالطلاب، وملء أوقات فراغهم بكل ما هو تنويري وجاد والارتقاء بالذوق العام، وقد نشعر بالمرارة حال تذكرنا أوضاع جامعاتنا في بداية القرن الماضي "العشرين" وقارناها بوضعنا البائس والمخزي والمهين اليوم. ولعلي هنا أحيل القارئ الكريم إلى كتاب "المتنبي" للعلامة الراحل محمود شاكر "أبو فهر" ـ رحمه الله تعالى ـ ليعرف كيف اكتشف "شاكر" وهو ولا يزال طالبا في السنة الأولى بكلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، هو وزميله محمود محمد الخضيري، "سطو" طه حسين لمقالة "مرجليوث" وعدم فهمه لنظرية "ديكارت".. ولتكون بداية صدام علمي كبير ومدوي بين التلميذ "محمود شاكر" ولم يكن يبلغ من العمر ـ آنذاك ـ أكثر من 17 عاما وبين أستاذه العلامة "طه حسين".. وهي قصة بالغة الدلالة على رقي التعليم الجامعي المصري في ذلك الوقت ومضاهاته لأكبر المؤسسات العلمية على مستوى العالم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق