الجمعة، ديسمبر 31، 2010


الثورة الصينية 1949 - الجزء الأول

طباعة
آلان وودز
الخميس: 01 أكتوبر 2009
شكلت الثورة الصينية، بالنسبة للماركسيين، ثاني أعظم حدث في التاريخ البشري، بعد ثورة 1917 البلشفية. حيث تمكن ملايين البشر، الذين كانوا حتى ذلك الحين مجرد عبيد للإمبريالية، من إسقاط نير الاستغلال الإمبريالي والرأسمالي المذل، ودخلوا مسرح التاريخ العالمي.
كانت الثورة الصينية الأولى، لسنة 1925-1927، ثورة بروليتارية حقيقية. لكنها أجهضت بسبب سياسات ستالين وبوخارين الخاطئة، التي رهنت الطبقة العاملة الصينية بقاطرة ما يسمى البرجوازية الديمقراطية، تحت قيادة تشانغ كاي تشيك. تم تذويب الحزب الشيوعي في حزب الكومينتانغ البرجوازي، بل قام ستالين بدعوة تشانغ كاي تشيك ليصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية.
قادت هذه السياسة الكارثية إلى هزيمة رهيبة سنة 1927، عندما نظم "البرجوازي الديمقراطي" تشانغ كاي تشيك مجزرة ضد الشيوعيين في شنغهاي. كان السحق الذي تعرضت له الطبقة العاملة الصينية محددا لطبيعة الثورة الصينية التالية. إذ فر من تبقى من مناضلي الحزب الشيوعي إلى البوادي، حيث بدءوا ينظمون حرب عصابات على أساس جيش الفلاحين. وقد غير هذا بشكل جوهري من مسار الثورة.
تعفن البرجوازية
لقد انتصرت ثورة 1949 بسبب وجود نظام الملاكين العقاريين والرأسمالية في مأزق بدون مخرج. كان لدا البرجوازي القومي تشانغ كاي تشيك، الذي استولى على السلطة سنة 1927 على جثث عمال شنغهاي، عقدان من الزمان لكي يبين ماذا في إمكانه أن ينجزه. لكن في النهاية، استمرت الصين بلدا تابعا للإمبريالية كما في السابق، فالمسألة الزراعية بقيت بدون حل، وضلت الصين بلدا متخلفا، شبه إقطاعي وشبه مستعمر. كانت البرجوازية الصينية، إلى جانب كل الطبقات المالكة الأخرى، مرتبطة بالإمبريالية، وتشكل كتلة رجعية معادية للتغيير.
انفضح تعفن البرجوازية الصينية عندما اجتاح الإمبرياليون اليابانيون منشوريا سنة 1931. طيلة الحرب ضد الغزاة اليابانيين اقترح الشيوعيون الصينيون جبهة موحدة على حزب البرجوازية القومية الكومينتانغ بقيادة تشانغ كاي تشيك. لكن في الواقع كان مستوى التعاون الفعلي بين قوات ماو وقوات الكومينتانغ ضعيفا. لقد كانت التحالف بين الحزب الشيوعي الصيني وبين حزب الكومينتانغ جبهة موحدة بالاسم فقط.
لقد اندمج نضال الصين ضد اليابان بالحرب العالمية الثانية. شارك الشيوعيون بالنصيب الأكبر في النضال ضد اليابانيين. بينما كانت قوات الكومينتانغ أكثر اهتماما بالقتال ضد الحمر. في دجنبر 1940، طالب تشانغ كاي تشيك الجيش الرابع الجديد، التابع للحزب الشيوعي، بأن يخلي إقليمي أنهوي وجيانغسو. الشيء الذي أدى إلى اندلاع مواجهات حامية بين جيش التحرير الشعبي وبين قوات تشانغ سقط خلالها آلاف القتلى. وقد شكل هذا الحدث نهاية ما سمي بالجبهة الموحدة.
Hu Yanan 1946
هو ينان 1946
أسفرت نهاية الحرب العالمية الثانية عن تقوية موقع الإمبريالية الأمريكية والنظام الستاليني في روسيا، وكانت المواجهة الحتمية بينهما قد صارت واضحة قبل حتى نهاية الحرب. يوم 09 غشت 1945ـ شنت القوات السوفييتية العملية الهجومية الاستراتيجية المثيرة للإعجاب على منشوريا، لضرب القوات اليابانية هناك وعلى طول الحدود الصينية المنغولية. وفي حملة باهرة تمكنت القوات السوفييتية من سحق الجيش الياباني والاستيلاء على منشوريا. استسلمت القوات اليابانية المتواجدة بالمنطقة، والبالغ عددها 700,000 جندي، وأخذ الجيش الأحمر منشوكو ومينغجيانغ (منغوليا الداخلية)، وشمالي كوريا وجنوب ساخالين وجزر كوريل.
لا أحد في وقتنا الحالي يميل إلى ذكر هذا الانتصار السريع الذي حققه الجيش الأحمر على القوات اليابانية، إلا أن هذه الهزيمة كانت عاملا حاسما في استسلام اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية. كما أنها كانت عنصرا هاما في حسابات واشنطن في آسيا. فقد خافت الإمبريالية الأمريكية من احتمال زحف الجيش الأحمر على الصين، ودخول اليابان نفسها، مثلما كان قد فعل في أوروبا الشرقية. في النهاية استسلمت اليابان للولايات المتحدة بعدما قامت هذه الأخيرة بإلقاء قنابل نووية على هيروشيما وناغازاكي. لقد كان الهدف الرئيسي من وراء استهداف هاتين المدينتين هو إعطاء الدليل لستالين على أن الولايات المتحدة الأمريكية قد صارت تمتلك الآن سلاحا جديدا ورهيبا.
بموجب الاستسلام الغير المشروط لليابان، الذي أملته الولايات المتحدة، كان على القوات اليابانية أن تستسلم لقوات تشانغ كاي تشيك، وليس لقوات الشيوعيين، في المناطق الصينية المحتلة. والسبب الذي جعل القوات اليابانية في منشوريا تستسلم للاتحاد السوفياتي هو، بكل بساطة، عدم وجود أية قوات للكومينتانغ هناك. أمر تشانغ كاي تشيك القوات اليابانية بأن تبقى في مكانها من أجل استقبال قوات الكومينتانغ وألا تستسلم للشيوعيين.
بعد الاستسلام الياباني، كان الرئيس الأمريكي، ترومان، واضحا جدا بخصوص ما اعتبره "استعمال القوات اليابانية من أجل إبعاد الشيوعيين". وقد كتب في مذكراته: "كان من الواضح جدا، بالنسبة لنا، أنه إذا ما نحن طلبنا من اليابانيين إلقاء سلاحهم فورا ويتجهوا إلى شاطئ البحر، فإن البلد بأسره كان سيسقط في يد الشيوعيين. ومن ثم كان علينا أن نتخذ الخطوة الغير معهودة المتمثلة في استخدام قوات العدو كحامية، إلى أن نتمكن من حمل القوات الوطنية الصينية بطائراتنا إلى جنوب الصين ونرسل المارينز لحماية الموانئ البحرية".
ستالين والثورة الصينية
ماذا كان موقف موسكو من كل هذا؟ في البداية سمح الجيش الأحمر لجيش التحرير الشعبي بتقوية مواقعه في منشوريا. لكن مع حلول شهر نوفمبر 1945، غير موقفه. كان تشانغ كاي تشيك والإمبرياليون الأمريكيون مرعوبين من احتمال استيلاء الشيوعيين على منشوريا بعد انسحاب السوفييت منها. ومن ثم قام تشانغ بعقد اتفاق مع موسكو لكي تؤجل انسحابها إلى أن يتمكن من تحريك أفضل قواته تدريبا وأكثر تجهيزاته عصرية إلى داخل المنطقة. عندها انتقلت قوات الكومينتانغ جوا، بطائرات أمريكية، إلى المنطقة. وسمح لهم الروس باحتلال المدن الرئيسية في شمال الصين، بينما بقيت البوادي تحت سيطرة الحزب الشيوعي الصيني.
في الواقع، لم يكن ستالين يثق بقادة الحزب الشيوعي الصيني، ولم يكن يعتقد أنه بإمكانهم النجاح في الاستيلاء على السلطة. كانت البيروقراطية الستالينية مهتمة بالحفاظ على علاقات ودية مع حكومة تشانغ كاي تشيك، أكثر من اهتمامها بدعم الثورة الصينية. بعد انتصار الثورة اشتكى ماو بمرارة من كون آخر سفير تخلى عن تشانغ كاي تشيك كان هو السفير السوفييتي. ألح ستالين على ماو بأن يشكل حكومة ائتلافية مع الكومينتانغ، وهي الفكرة التي وافق عليها ماو في البداية:
"بينما كانت الحرب مستمرة، طالب ماو تسي تونغ الوطنيين بالموافقة على إقامة حكومة ائتلافية عوض حكومتهم الأحادية الحزب، وضل ستالين ومولوتوف يقولان إنه على الطرفان الصينيان أن يتحدا معا. ويوم 14 غشت 1945، سار الاتحاد السوفييتي خطوة أكثر إلى الأمام. حيث وقع مع حكومة تشانغ كاي تشيك معاهدة صداقة وتحالف صينية- سوفياتية. آنذاك أبلغ ستالين الشيوعيين الصينيين بأنه ليس لتمردهم "أي معنى" وأنه ينبغي عليهم االانضمام إلى حكومة تشانغ ويحلوا جيشهم.
وفي نفس اليوم الذي وقع فيه الوطنيون اتفاقيتهم مع الاتحاد السوفييتي، استدعى تشانغ كاي تشيك، باقتراح من الجنرال هيرلي، ماو تسي تونغ لزيارة تشانغ كينغ من أجل القيام بمحادثات مشتركة." (Edward E. Rice, Mao’s Way, p.114، التشديد من عندي: آ، و)
Mao in 1946
ماو سنة 1946
في النهاية، وكما كان محتوما، فشلت المفاوضات، واستمرت الحرب الأهلية. لم يقدم الاتحاد السوفييتي سوى دعم جد محدود لجيش التحرير الشعبي، بينما دعمت الولايات المتحدة القوات الوطنية بمساعدات وتجهيزات عسكرية تقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات. اعترف الجنرال مارشال بأنه لا علم لديه بأية دلائل على تلقي جيش التحرير الشعبي لأية مساعدات من طرف الاتحاد السوفييتي. في الواقع، استولى جيش التحرير الشعبي على كميات هائلة من الأسلحة التي تخلى عنها اليابانيون، بما في ذلك بعض الدبابات. ولاحقا استسلمت أعداد كبيرة من قوات الكومينتانغ الجيدة التدريب للشيوعيين، وأخذت أسلحتها معها، والتحقت بجيش التحرير الشعبي. وكانت أغلب تلك الأسلحة أمريكية الصنع.
استغلت القوات السوفييتية الوقت لتفكيك البنية الصناعية بمنشوريا (والتي بلغت قيمتها حوالي ملياري دولار)، ورحلت إلى روسيا مصانع كاملة. الواقع هو أن ستالين، كما سبق لنا أن رأينا، كان متشائما بخصوص إمكانية انتصار ماو، وكان يحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع تشانغ كاي تشيك، كما وضح شرام (Schram): "بقي الأسلوب غامضا بسبب انشغال ستالين بأمن الدولة السوفييتية، وافتقاره للحماس اتجاه إمكانية حركة ثورية ديناميكية قد لا يكون قادرا على السيطرة عليها." (Stuart Schram, Mao Tse-Tung, p.239.)
وهكذا كانت بذور الصراع الصيني- السوفييتي موجودة منذ البداية: إنه لم يكن صراعا إيديولوجيا، كما كان يزعم غالبا، بل مجرد صراع مصالح بين نظامين بيروقراطيين متصارعين، كلاهما يدافع بشراسة عن "مصالحه" القومية الضيقة، ومناطق نفوذه وثرواته وسلطته وامتيازاته. لقد كانت هذه النزعة القومية الضيقة مناقضة بشكل مطلق لروح الأممية البروليتارية الشجاعة التي دافع عنها لينين وتروتسكي. لقد أكد لينين في أكثر من مناسبة على أنه سيكون مستعدا للتضحية بالثورة الروسية إذا ما كان هذا ضروريا لتحقيق انتصار الثورة الاشتراكية في ألمانيا.
لو أن ستالين وماو طبقا البرنامج اللينيني، لكان عليهما أن يطرحا فورا شعار تشكيل فدرالية اشتراكية للاتحاد السوفييتي والصين، والتي كانت ستقدم خدمات جليلة لجميع الشعوب. لكن عوض ذلك، كانت علاقاتهما مبنية على أساس المصالح القومية الضيقة والحسابات الحقيرة. وقد أدى هذا في النهاية إلى الوضع البشع الذي تبادل فيه "الرفاق" الروس والصينيون "حوارا" بلغة الصواريخ وقذائف المدفعية حول مشكلة الحدود التعسفية، التي رسمت في القرن التاسع عشر من طرف القيصر الروسي والإمبراطور الصيني.
الولايات المتحدة تساعد تشانغ كاي تشيك
كان لذا الأمريكيين طموح إلى جعل الصين، بعد الحرب، مجالا لنفوذهم (أي جعلها شبه مستعمرة لهم). لكن بعد كل عذابات الحرب العالمية الثانية لم يعد الشعب الأمريكي مستعدا لتحمل حرب أخرى من أجل استعباد الصين. والأهم هو أن الجنود الأمريكيين لم يكونوا بدورهم مستعدين لخوض مثل هذه الحرب. وبالتالي فإن عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخل ضد الثورة الصينية كان عاملا مهما في المعادلة.
في ظل هكذا شروط اضطر الإمبرياليون الأمريكيون للمناورة والتآمر. بعثت واشنطن الجنرال جورج، س، مارشال إلى الصين سنة 1946، بدعوى تنظيم مفاوضات بين جيش ماو للتحرير الشعبي وبين تشانغ كاي تشيك. إلا أن الهدف الحقيقي كان هو تقوية تشانغ كاي تشيك، عبر إمداده بالأسلحة والمال والتجهيزات، من أجل بناء قواته المسلحة، تحضيرا لهجوم جديد. لكن هذه المناورات لم تخدع ماو. حيث أنه وافق على المشاركة في المفاوضات، لكنه واصل التحضير لمواجهات جديدة.
Jinzhou in 1948
جينتشو سنة 1948
بالرغم من أن الإمبريالية الأمريكية كانت عاجزة عن التدخل في الحرب الأهلية الصينية، 1946- 1949، فإنها قدمت مبالغ هائلة من الأموال والأسلحة والإمدادات للوطنيين. لقد دعمت الولايات المتحدة قوات الكومينتانغ بمساعدات عسكرية جديدة بمئات ملايين الدولارات. لكن كل تلك الأسلحة التي بعثتها واشنطن، كانت هي التي استعملتها القوات الفييتنامية لاحقا ضد الجيش الأمريكي، بالنظر إلى أن كل تلك الأسلحة تقريبا استولت عليها قوات ماو.
منذ مؤتمر موسكو لوزراء خارجية الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وبريطانيا، الذي انعقد خلال دجنبر 1945، التزمت الولايات المتحدة بـ "سياسة عدم التدخل في الشئون الداخلية للصين". لم يكن ذلك، بطبيعة الحال، سوى خداع، بالضبط مثلما كان الحال عليه بالنسبة لسياسة "عدم التدخل" في إسبانيا خلال الحرب الأهلية، عندما عملت الأنظمة الغربية "الديمقراطية" على مقاطعة الجمهورية الإسبانية، بينما كان هتلر وموسوليني يرسلان الأسلحة والرجال لمساعدة فرانكو.
أمدت الولايات المتحدة الكومينتانغ بالقاذفات، والطائرات المقاتلة، والمدافع، والدبابات، وقاذفات الصواريخ، والبنادق الآلية والقنابل الغازية وقاذفات النار وغيرها من الاسلحة. وفي المقابل فوت الكومينتانغ إلى الولايات المتحدة حقوق السيادة الصينية على أراضيه، وتخلى لهم عن المياه والمجال الجوي، وسمح لها بالاستيلاء على حقوق الملاحة الداخلية إضافة إلى امتيازات تجارية خاصة، وكذا الحق في التدخل في الشئون الداخلية والخارجية للصين. لقد كانت القوات الجوية الأمريكية مسئولة عن العديد من الأعمال الوحشية ضد الشعب الصيني: قتل الناس، وضربهم، ودهسهم بالسيارات، واغتصاب النساء، دون أن يتعرضوا لأية عقوبة.
الثورة الزراعية
في شهر يوليوز 1946، وبدعم نشيط من جانب الإمبريالية الأمريكية، أغرق الكومينتانغ الصين في أتون حرب أهلية رهيبة، وبوحشية غير مسبوقة. شن تشان كاي تشيك هجوما معاديا للثورة ضد جيش التحرير الشعبي. كان قد حضر لها بعناية، وكان قد صارت عنده آنذاك قوات تساوي حوالي ثلاثة أضعاف ونصف ما عند جيش التحرير الشعبي؛ كما أن التجهيزات كانت أكثر تفوقا بكثير. لقد كانت لديه الصناعات المتطورة ووسائل الاتصال الحديثة، بينما كان جيش التحرير الشعبي يفتقر إلى كل ذلك. من الناحية النظرية كان من المفترض أنه سيحقق نصرا سهلا.
خلال السنة الأولى من الحرب (يوليوز 1946- يونيو 1947) كان الكومينتانغ في موقع الهجوم، بينما اضطر جيش التحرير الشعبي إلى الدفاع. في البداية تمكنت قوات تشانغ كاي تشيك من التقدم بسرعة، محتلة العديد من المدن والمناطق التي كان جيش التحرير الشعبي يسيطر عليها. لقد حققت قوات الكومينتانغ ما بدا وكأنه انتصار حاسم عندما استولت على عاصمة جيش التحرير الشعبي يينان. اعتبر العديد من الملاحظين ذلك هزيمة ساحقة لجيش التحرير الشعبي. لكن هذا لم يكن صحيحا. إذ أن ماو، وفي مواجهة الظروف الغير المواتية، كان قد قرر القيام بانسحاب استراتيجي. لقد اتخذ قرار عدم محاولة الدفاع عن المدن الكبرى بقوات قليلة، وعوض ذلك ركز قواته في المناطق الريفية حيث كانت لديه قاعدة صلبة بين الفلاحين، وحيث كان في إمكانه اعادة تجميع قواته وتركيزها من أجل القيام بهجوم مضاد.
إن الشيء الذي عجز الإمبرياليون الأمريكيون وتشانغ كاي تشيك عن فهمه هو أن السلاح الأقوى الذي كان جيش التحرير الشعبي يمتلكه لم يكن هو المدافع والدبابات، بل الدعاية. لقد وعد جيش التحرير الشعبي الفلاحين المعدمين والجائعين بأنه سيصبح في إمكانهم الاستيلاء على أراضي كبار الملاكين إذا ما هم قاتلوا إلى جانبه. في أغلب الحالات كانت البوادي المحيطة بالمدن والبلدات الصغيرة هي الأولى التي دخلت تحت سيطرة جيش التحرير الشعبي، قبل المدن بمدة طويلة. كان هذا هو أصل نظرية ماو القائلة بـ"محاصرة المدن بالبوادي".
عندما غير ستالين خط الأممية الشيوعية من السياسة اليسراوية المتطرفة المسماة "المرحلة الثالثة" (1928-1934) إلى تبني سياسة الجبهات الشعبية النقيضة لها، عمل ماو على مراجعة برنامجه الزراعي، متخليا عن السياسة الراديكالية السابقة: "الأرض لمن يحرثها"، واستبدلها بسياسة تخفيض الإيجار المعتدلة. كانت لديه فكرة كسب دعم "الإقطاعيين المستنيرين" (!). لكنه قام بعد 1946 بتغيير سياسته مرة أخرى.
"السياسة الزراعية التي انتهجها كانت أكثر راديكالية من السياسة التي طبقها خلال مرحلة 1937- 1945، التي تضمنت تخفيض الفوائد والإيجار بدل الإصلاح الزراعي الفوري، إلا أنه كان على التكتيكات أن تسير بتدرج وتتكيف مع الظروف المحلية. كان ماو ما يزال يريد أن يضم 'النبلاء الوطنيين' في 'الجبهة المتحدة الواسعة جدا'، التي كان عازما على الحفاظ عليها. وفقط بعد عدة سنوات من سيطرة الشيوعيين في مجال معين سيصبح من الممكن إعادة توزيع جميع الأراضي؛ لكن في اللحظة الحالية يجب ألا يطال الإصلاح أكثر من 10 % من السكان. وقد عمل ماو أيضا على إعادة إصدار وثيقة 'ثلاث قواعد للانضباط' و 'ثماني نقاط لانتباه"؛ كان هذا، بشكل أو بآخر، يعبر، طيلة ما يقرب من عشرين عاما، عن احترام السكان المدنيين والامتناع عن النهب الذي ميز الجيش الأحمر عن كل الجيوش التي رآها الفلاحون الصينيون في الماضي، وساهم إلى حد كبير في كسبه لدعم السكان ". (Stuart Schram, Mao Tse-Tung, p.242.)
قام جيش التحرير الشعبي في جميع القرى بتوزيع الأراضي على الفلاحين، لكنه احتفظ دائما بعدد من القطع، لصالح جنود تشانغ كاي تشيك. فجنود الكومينتانغ الذين كانوا يسقطون في يد جيش التحرير الشعبي لم يكونوا يقتلون أو يعاملون بشكل سيء، بل يتم إطعامهم وتوفير العناية الطبية لهم وتلقى عليهم خطابات سياسية تدين نظام تشانغ كاي تشيك الفاسد والرجعي. بعد ذلك يطلق سراحهم ليقوموا بنشر الدعاية في ديارهم بين الفلاحين وغيرهم من الجنود بأن جيش التحرير الشعبي يوزع أراضي الإقطاعيين على الفلاحين.
من خلال تقديم الوعد للفلاحين بإعطائهم الأرض، تمكن جيش التحرير الشعبي من تعبئة أعداد هائلة منهم لاستخدامهم في المعركة وكذا توفير الدعم اللوجيستيكي. وقد أعطى هذا التكتيك الدليل على فعاليته القصوى. لقد كان جيش تشانغ يسجل ربما أكبر نسبة لفرار الجنود في التاريخ. الشيء الذي كان يعني أنه بالرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدها جيش التحرير الشعبي، فإنه كان قادرا على مواصلة القتال، بفضل تزود دائم بالمقاتلين الجدد. فخلال حملة هوايهاي وحدها تمكن جيش التحرير الشعبي من تعبئة 5,430,000 فلاح للقتال ضد قوات الكومينتانغ. ويشير ستيوارت شرام إلى الارتفاع السريع لعدد قوات جيش التحرير الشعبي، قائلا:
"خلال سنة 1945، ارتفع عدد القوى المتواجدة تحت قيادة جيش الطريق الثامن والجيش الرابع الجديد من ما مجموعه حوالي نصف مليون إلى حوالي مليون شخص. وقد كانت قوات الكومينتانغ حوالي أربعة أضعاف هذا العدد. ومع حلول منتصف سنة 1947، وبعد سنة من الحرب الأهلية الواسعة النطاق، انتقلت النسبة من واحد إلى أربعة، إلى واحد إلى اثنين. (Stuart Schram, Mao Tse-Tung, p.242.)
الهجوم الأخير
عند كلاوزفيتز مقولة شهيرة مفادها أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. إن السياسة تلعب دورا مهما جدا في جميع الحروب، إلا أن هذا يصدق بشكل أكبر على الحروب الأهلية. على رغم من أن الاميركيين (كما هو الحال دائما) واصلوا الادعاء بأن هذه كانت حربا بين "الشيوعية والديمقراطية"، فإن دميتهم الصينية، تشانغ كاي تشيك، كان في الواقع، دكتاتورا وحشيا. لكنه مع ذلك تظاهر، بضغط من واشنطن ربما، بإدخال عدد من "الإصلاحات الديمقراطية" من أجل إسكات منتقديه في الداخل والخارج.
أعلن عن دستور جديد وعقد جمعية وطنية، أقصى منها الشيوعيين، بطبيعة الحال. إلا أن ماو سارع، على الفور، إلى إدانة هذه "الإصلاحات" باعتبارها مسرحية. كانت الجماهير الواسعة مهتمة أكثر بالفساد المستشري في الحكومة والفوضى السياسية والاقتصادية، ومهتمة على وجه الخصوص بالتضخم الهائل الذي قاد إلى انهيار مستويات العيش. كما كانت هناك مظاهرات طلابية، عبر ربوع البلاد، ضد الإمبريالية الأمريكية.
ساد في المناطق التي سيطرت عليها قوات الوطنيين نظام من الإرهاب الأبيض. لقد طبق تشانغ نفس التكتيكات التي كان الغزاة اليابانيون يطبقونها في السابق: الإحراق، والنهب، والاغتصاب، والقتل. حيث ذبح ملايين الرجال والنساء والشباب والشيوخ. وقد أكسبه هذا مقت السكان وقوى من الدعم الذي يتمتع به جيش التحرير الشعبي.
نظريا كان الوطنيون ما يزالون يتمتعون بتفوق كبير على جيش التحرير الشعبي. فعلى الورق، كانوا يتمتعون بتفوق واضح لا سواء فيما يخص الرجال أو الأسلحة. كانوا يسيطرون على مناطق أكبر وساكنة أكبر من أعدائهم، وكانوا يتمتعون بدعم دولي كبير من جانب الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. لكن هذا كان نظريا فقط. أما الحقيقة على الأرض فكانت مختلفة جدا. لقد عانت قوات الوطنيين من انعدام الروح المعنوية والفساد المستشري الذي قلص بشكل هائل من قدرتهم على القتال، كما أن قاعدة دعمهم بين المدنيين كانت قد اختفت.
كانت قوات الوطنيين، المحبطة والغير منضبطة، في طريقها إلى التلاشي في مواجهة المسيرة الحازمة لجيش التحرير الشعبي. كانوا يستسلمون أو يفرون، تاركين أسلحتهم وراء ظهورهم. وقد مكن اعتقال أعداد كبيرة من قوات الكومينتانغ، جيش التحرير الشعبي من الحصول على الدبابات والمدفعية الثقيلة وغيرها من الأسلحة الضرورية للقيام بعمليات هجومية جنوب السور العظيم. لقد كانوا قادرين ليس فقط على الاستيلاء على مدن الوطنيين المحصنة جيدا، بل أيضا على محاصرة وتدمير تشكيلات قوية من قوات الكومينتانغ، مئة ألف أو عدة مئات الآلاف في كل مرة. وخلال شهر أبريل 1948 استولوا على مدينة لويانغ ، وقطعوا طريق جيش الكومينتانغ للخروج من شيان (Xi'an).
كان جيش التحرير الشعبي قادرا على الانتقال إلى الهجوم المضاد، مجبرا الكومينتانغ على التخلي عن خطة الهجوم الشامل، وبعد تمكنه من اعتقال أعداد كبيرة من جنود العدو، تمكن من تحسين قدراته العسكرية، وتشكيل قوات مدفعية خاصة به وصارت لديه فرقة مهندسين، وأتقن تكتيكات اقتحام النقاط المحصنة. قبل هذا، لم يكن جيش التحرير الشعبي يمتلك طائرات ولا دبابات، لكن بمجرد ما شكل قوات مدفعية وفرق مهندسين أفضل من تلك التي كان جيش الكومينتانغ يمتلكها، صار قادرا ليس فقط على شن حرب متحركة، بل حربا موضعية كذلك. ووفقا لتقديرات ماو الخاصة فإن:
"[...] كل شهر كان [جيش التحرير الشعبي] يدمر ما معدله حوالي ثمانية ألوية من جيش الكومينتانغ النظامي (أي ما يعادل ثمانية كتائب حالية)" (Carry the Revolution through to the end, December 30, 1948, Mao, SW, volume IV, p. 299)
كان التحول في الوضع العسكري لا يصدق حقا. فجيش التحرير الشعبي الذي ضل طيلة عدة سنوات ضئيلا بالمقارنة مع قوات الكومينتانغ، نجح أخيرا، ما بين يوليوز ودجنبر 1948، في أن يكتسب التفوق العددي على قوات الكومينتانغ. هذه هي الأرقام التي أعطاها ماو آنذاك:
"خلال السنة الأولى، تم القضاء على 97 لواء، بما في ذلك 46 لواء تم محوه تماما؛ وفي السنة الثانية، قضي على 94 لواء، بما في ذلك 50 لواء تم محوه تماما؛ وخلال النصف الأول من السنة الثالثة، ووفقا لأرقام غير مكتملة، قضي على 147 كتيبة، بما في ذلك 111 كتيبة تم محوها تماما. وخلال الأشهر الستة هذه، كان عدد كتائب العدو التي تم محوها تماما 15 مرة اكثر من المجموع الكلي للسنتين السابقتين. جبهة العدو قد انهارت تماما. قوات العدو في شمال شرق البلاد قد تم محوها تماما، أما تلك الموجودة في شمال الصين فقريبا سيتم محوها تماما، وفي شرق الصين والسهول الوسطى لم يتبقى للعدو سوى عدد قليل من الجنود. إن إبادة قوات الكومينتانغ الرئيسية في شمال نهر اليانغتسى، سهل بشكل كبير العبور المقبل لجيش التحرير الشعبى وحملته جنوبا لتحرير كل الصين. وبالتزامن مع النصر على الجبهة العسكرية، حقق الشعب الصيني انتصارات هائلة على الجبهات السياسية والاقتصادية. لهذا السبب لم يعد الرأي العام في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك كل الصحافة الإمبريالية، ينازع في انتصار حرب التحرير الشعبية الصينية". (Carry the Revolution through to the end, December 30, 1948, Mao, SW, volume IV, p. 299)
ليس هناك من سبب لكي نشكك في صحة هذه التقديرات. كل المؤرخين البرجوازيين يقبلون بأنه خلال هذه المرحلة، كانت قوات تشانغ تتراجع بشكل غير منظم وأن قوات جيش التحرير الشعبي كانت تتزايد بسرعة.
 الثورة المكسيكية لسنوات 1910-1920

طباعةBookmark and Share
آلان وودز
الأربعاء: 15 دجنبر 2010

تصادف هذه السنة، الذكرى المئوية لواحدة من أعظم الأحداث في التاريخ الحديث. في 20 نوفمبر 1910، ندد فرانسيسكو ماديرو بالتزوير الانتخابي الذي دبره الرئيس بورفيريو دياز، ودعا إلى انتفاضة وطنية. فاندلعت الثورة المكسيكية.
في مجمل تاريخها، هيمنت على المكسيك نخبة صغيرة، لها حصة الأسد، في حين أن الغالبية العظمى من السكان يعيشون في بؤس ساحق. ظهرت معارضة دياز تحت قيادة البرجوازية الليبرالية، ممثلة في بضعة أفراد مثل ماديرو. ولكن المحرك الحقيقي للثورة كان يأتي من الأسفل. وقامت الطبقة العاملة المكسيكية، والتي كانت لا تزال شابة جدا، بالخطوات الاولى. هزت المعارك الكبرى البلاد، مثل إضراب عمال المناجم في Canaena. وبعد أن أحس دياز بأن البساط يسحب من تحت قدميه، قام بتنظيم الانتخابات العامة سنة 1910. ولكن ليكون على يقين من الفوز بها، قام بإلقاء منافسه الرئيسي ماديرو في سجن.
هرب ماديرو من السجن ونادى بقيام الانتفاضة الوطنية. ولكن لكي تنتصر هذه الانتفاضة، كان لابد من ربط النضال من أجل الديمقراطية بالقضايا الأكثر إلحاحا التي تهم الغالبية من السكان -- اي الفلاحين. وكان نضال الفلاحين من اجل الأرض المحرك الحقيقي للثورة. وقد كانت جيوش الفلاحين تحت قيادة بانشو فيلا في الشمال وزعيم الفلاحين اميليانو زاباتا في الجنوب، تضايق الجيش المكسيكي.
الثورة الدائمة
في نظريته عن الثورة الدائمة، أوضح ليون تروتسكي أن البرجوازية في البلدان المتخلفة غير قادرة على استكمال مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية، وذلك بسبب علاقاتها مع ملاك الأراضي والإمبرياليين. للبنوك قروض الرهن العقاري على الأراضي، والصناعيون لديهم ملكيات كبرى داخل البلد، كما ان ملاك الأراضي يستثمرون في الصناعة، وما إلى ذلك. جميعهم مرتبطون ببعضهم وبالامبريالية من خلال العديد من المصالح التي تجعلهم يعارضون أي تغيير مهم.
وهكذا، في روسيا سنة 1917، وقعت مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية مرة أخرى على كاهل الطبقة العاملة. إلا أن هذه الأخيرة وبعد تمكنها من قيادة الفلاحين وغالبية الأمة، لم تتوقف عند المهام البرجوازية الديمقراطية التي هي مصادرة الأراضي، وتوحيد الأمة وطرد الامبرياليين. توجهت الطبقة العاملة الروسية فورا نحو المهام الاشتراكية: مصادرة أملاك البرجوازية وبناء دولة العمال. وفقط بإتباع هذا المسار كانت ستؤدي الإمكانات الهائلة للثورة المكسيكية إلى التحول الاجتماعي الشامل.
كان ضعف الثورة المكسيكية من ضعف ثورة الفلاحين. وكان الفلاحون أقوياء بما يكفي لإسقاط النظام القائم، ولكن ليس بما يكفي للتأثير الحاسم في مصير المكسيك. الفلاحون هم فئة من الأفراد الذين لا تربطهم ببعضهم عملية الإنتاج. وقد لعبت هذه الفئة في كثير من الأحيان دور مساعد للبرجوازية، التي استخدمتها لقلب أعدائها الإقطاعيين واخذ محلها في السلطة.
كان اضمحلال النظام القائم كبيرا جدا في المكسيك، بحيث تمكن المسلحون المكسيكيون من السيطرة على القوات الحكومية في مناطق نفوذها بالذات. في ماي 1911، استقال دياز. وانتخب ماديرو رئيسا للبلاد.ولكن الحكومة البرجوازية الجديدة لم تستجب لتطلعات الفلاحين المتمردين. استمرت حرب الفلاحين، تحت قيادة اميليانو زاباتا. حث ماديرو المزارعين على الانتظار بصبر الإصلاح الزراعي، ولكن المزارعين سمعوا ما يكفي من الوعود الفارغة من الحكومات التي تدعي الاهتمام بمصالحهم.
حرب ثورية
استلم ماديرو السلطة في نوفمبر 1911. ولكن تم إلقاء القبض عليه وإعدامه على أيدي الضباط الرجعيين في فبراير 1913. مما أدى إلى انتفاضة فلاحين جديدة. استلم زاباتا السلطة في ولاية موريلوس، حيث قاد برنامجا زراعيا ثوريا. لقد أمم ملكيات الأراضي ووزعها على الفلاحين. وتمكنت جيوش زاباتا وفيلا من هزيمة خصم أقوى منهم من الناحية النظرية، لأنهم شنوا حربا ثورية ضد المستغلين.
نجد هذه الظاهرة في جميع الثورات. كيف استطاع متطوعون حافيو القدمين هزيمة الجيوش الملكية في أوروبا، خلال الثورة الفرنسية؟ وكيف استطاع الجيش الأحمر البلشفي من التغلب على 21 جيشا أجنبيا في روسيا بين 1917 و1920؟ وفي جميع الحالات، فإن الجنود الثوريين، المعينين من أفقرالطبقات الشعبية، انتصروا لأنهم كانوا مستعدين للتضحية بكل شيء -- بما في ذلك حياتهم -- لقضية الثورة. بدلا من ذلك، كانت تتألف الجيوش القديمة من المرتزقة أو العبيد الذين كانوا يقاتلون من أجل قضية لا يؤمنون بها.
كان في إمكان الثورة الزراعية أن تكون نقطة الانطلاق من أجل تغيير اجتماعي كامل في المكسيك، كما حدث في الثورة الروسية عام 1917. لكن الفرق هو أن المزارعين المكسيكيين لم يجدوا قيادة ثورية في المدن. ونتيجة لذلك، لم تشكل بطولة الفلاحين إلا وسيلة في يد البرجوازية المكسيكية. وبمجرد وصولها للسلطة، حضرت البرجوازية خيانة لحلفائها الفلاحين.
خشيت الطبقة العليا من البرجوازية المكسيكية -- وبحق – من أن يكون الحل الثوري للمسألة الزراعية هو بداية لهجوم واسع النطاق ضد الملكية الخاصة الرأسمالية. وكان أول ما فعلته هو التخلص من أكثر القادة الشجعان الفلاحين الثوريين. وفي 1919، اغتيل زاباتا.
البونابرتية
أثبت تلاحق الأحداث بشكل قاس حدود الثورة الفلاحية البحتة. وحرم مقتل زاباتا حركة الفلاحين من أي إمكانية للتطور كقوة متماسكة ومركزية. لم يكن لزاباتا أي حزب، وكان الهدف من اغتياله هو تعطيل وتفتيت الحركة الثورية. وهذا تم بنجاح. انقسمت الحركة الثورية إلى فصائل عديدة. وسقطت البلاد بأسرها في الفوضى. كانت وحدات حرب العصابات المعزولين تجوب البلاد وتحرق الحضائر والمزارع. وقد تحولت في كثير من الأحيان إلى مجموعات من الرجال المشاركين في أعمال اللصوصية ببساطة.
لا يمكن لأي مجتمع أن يظل في حالة من عدم استقرار دائمة. تطلع الرأسماليون في "النظام". واستنفدت الجماهير طاقاتها وقادتهم لم تكن لهم أية منظورات. وأخيرا، تمكنت البرجوازية المكسيكية من نزع فتيل الوضع وتسريح جيش الثوار الفلاحين. وقد طرح السياسي البرجوازي فينوستيانو كارانزا -- الذي تولى رئاسة البلاد في 1917- دستورا جديدا كان محوره الإصلاح الزراعي. وقد وزع الكثير من الأراضي على الفلاحين. ولكن البرجوازية هي التي خرجت فعلا منتصرة.
وكما انتهت الثورة الفرنسية بتولي نابليون بونابرت الحكم، انتهت الثورة المكسيكية من نظام برجوازي من نوع بونابارتي واضح. وقامت البرجوازية بالثورة المضادة تحت راية الثورة، والتي تحولت إلى "مؤسسة". وكان الحزب الثوري الدستوري حزبا بونابارتيا بفضله تمكنت البرجوازية من إخفاء سياستها الطبقية. بعد كارانزا، قام غيره من السياسيين بإصلاحات، على سبيل المثال في مجال التعليم والزراعة. وعن طريق المناورة بمهارة بين الطبقات، تمكنت البرجوازية المكسيكية من تحقيق درجة من الاستقرار استثنائية في أمريكا اللاتينية على مدى فترة طويلة.
في الثورة المكسيكية، كان الحزب الثوري الدستوري دائما الجناح الأيسر، والذي كان يستند على الفلاحين والعمال لتوجيه ضربات للامبريالية. وكان من بين الأكثر الزعماء الراديكاليين اليساريين هو الجنرال كارديناس. الذي قام بتأميم صناعة النفط المكسيكية في 1938. وقد أعطى تراث لازاري كارديناس للحزب الثوري الدستوري قاعدة دعم دائمة، التي استمرت لعقود. ولعدة عقود، حكم الحزب الثوري الدستوري دون منازع، من خلال مزيج من الفساد والخداع والعنف. ولكن في الوقت الحاضر انتهى الأمر. وفتحت مرحلة جديدة من الاضطرابات في المكسيك.
التراث الذي ندافع عنه
شكلت الثورة المكسيكية من 1910-1920 قفزة كبيرة إلى الأمام بالنسبة للمكسيك. فقد حلت جزئيا المسألة الزراعية. ودمرت قوة الأوليغارشية القديمة الفاسدة التي حكمت المكسيك حتى ذالك الوقت. وضعت الأساس للتصنيع، وبالتالي لظهور طبقة عاملة قوية مكسيكية. ولكن في النهاية، ظلت الثورة غير مكتملة وناقصة ومشوهة.
سبب هذا الفشل كان هو عدم وجود طبقة ثورية، في المراكز الحضرية، واعية وقادرة على توفير قيادة منسجمة لحركة الفلاحين الثورية الجريئة والبطولية. وكانت حركة الطبقة العاملة المكسيكية لا تزال جنينية. وقد انعكس هذا في حالة عدم النضج وهيمنة الفوضويين الذين زرعوا ارتباكهم المعتاد.
وبعد قرن، أصبح الوضع مختلفا تماما. إن الغالبية العظمى من السكان يعيشون في المدن. وقد ازداد الوزن النسبي لقوة العمال بشكل كبير. ومع الجماهير الشبه عمالية وباقي فقراء المدن والقرى، أصبح العمال المكسيكيين هم الأكثرية الساحقة من المجتمع. وهم ورثة جديرون بتقاليد زاباتا والثورة المكسيكية. ولديهم إمكانية تغيير المجتمع رأسا على عقب. ولكن لكي تتحقق هذه الإمكانيات الهائلة، من الضروري توفر ظروف معينة.
في أي مجتمع حديث، تكون قوة الطبقة العاملة واضحة. إنها نتاج ضروري للصناعة الحديثة وعلاقات الإنتاج التي وضعتها الرأسمالية نفسها. لا عجلة تدور، لا مصباح يضيء، ولا جرس هاتف يرن دون الحصول على إذن من الطبقة العاملة. إنها قوة هائلة - ولكن معظم العمال لا يعلمون أن لديهم هذه القوة.
دعونا نقوم بمقارنة مع الطبيعة. للبخار أيضا قوة هائلة. وهو أساس الثورة الصناعية. لكن البخار يمثل القوة الحقيقية -- وليس مجرد إمكانية – عندما يتم توجيهه وتركيزه في نقطة معينة وذلك من خلال مكبس. وفي غياب هذه الآلية، يتبدد البخار في الهواء. وما يعادل المكبس في السياسة هو الحزب والقيادة الثورية.
يمكن التحقق من هذا على ضوء التاريخ المكسيكي الحديث. فقد ظهرت القوة الهائلة للطبقة العاملة خلال الحركة الجماهيرية سنة 2006. حيث أبرزت تلك الأحداث الأهمية الأساسية للقيادة. فقد دب الذعر في الطبقة السائدة المكسيكية وأسيادها في واشنطن من احتمال انتصار لوبيز أوبرادور، مرشح اليسار لحزب الثورة الديمقراطي. وبالتالي اتخذت خطوات لتزوير الانتخابات.
وكما يعلم الجميع، لا يوجد شيء جديد في الامر. وسيكون من الصعب العثور على الانتخابات غير مزورة، في المكسيك ! ولكن هذه المرة، مرت الأمور بشكل مختلف. نزل الملايين من المكسيكيين إلى الشوارع للاحتجاج ضد تزوير الانتخابات. واعتصموا في الخيام في ساحة زوكالو وقاوموا كل المحاولات لإجلائهم. وكان يمكن لهذه الحركة الجماهيرية الرائعة أن تقود إلى ثورة حقيقية.
لو أن قادة حزب الثورة الديمقراطية دعوا إلى إضراب عام وإلى إنشاء لجان منتخبة ديمقراطيا، من العمال والفلاحين والنساء والعاطلين عن العمل والشباب، لكان ذلك قد فتح الطريق لانتقال السلطة إلى يد العمال والفلاحين. لكن هذا لم يحدث. وقد تبددت تدريجيا طاقة الجماهير كما البخار في الهواء وفقدت فرصة.
ومع ذلك، فان هذه ليست نهاية التاريخ. لا يمكن لحكومة كالديرون أن تفعل ما فعلته البرجوازية في الماضي. ان أزمة الرأسمالية تعني أنه ليس هناك هامش للمناورة. وصارت الطبقة السائدة مجبرة على مهاجمة ظروف عيش المكسيكيين وحقوقهم. هذا هو السبب وراء الهجوم الوحشي ضد نقابة الكهربائيين. إلا أن العمال المكسيكيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي في حين يدمر أصحاب البنوك والرأسماليون كل المكاسب الاجتماعية.
ثورة مكسيكية جديدة -- ثورة اشتراكية -- قادمة لا محالة. وسيكون تأثيرها اكبر بآلاف المرات من الثورة المكسيكية الأولى. وسوف ترسل موجات الصدمة في جميع أنحاء أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، مما سيتسبب في انتفاضات ثورية. وسوف لن تتوقف ثورة العمال في المكسيك عند نهر ريوغراندي.
منذ فترة طويلة، تلفظ بورفيريو دياز العبارة الشهيرة: "مسكينة هي المكسيك، بعيدة عن الله وقريبة جدا من الولايات المتحدة". لكن جدلية التاريخ القاسية عكست هذه العلاقة. الإمبريالية الأمريكية، التي استغلت لفترة طويلة المكسيك والمظلومين في بقية دول أميركا اللاتينية، تعيش الآن في خوف من الموجة الثورية التي تهز القارة. يمكن لأقوى دولة في العالم بناء حواجز لمنع دخول الأشخاص إلى أراضيها، ولكنها لن تحول دون تغلغل الأفكار الثورية.
إن الأزمة العالمية للرأسمالية تضرب بقوة الولايات المتحدة. بالنسبة لملايين من الناس أصبح الحلم الأميركي كابوسا. يتآمر السياسيون في واشنطن على الدوام ضد حكومة هوغو تشافيز، لأنهم يفهمون أن الثورة الفنزويلية هي بمثابة مرجع للفقراء في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. وتآمروا ضد لوبيز اوبرادور خلال انتخابات 2006 لأنهم كانوا يخشون من أن ينتهي بهم الأمر مع شافيز ثان قرب حدودهم هذه المرة.
إن مخاوف الامبريالية الأمريكية صحيحة تماما. والآن، يمثل السكان من أصل اسباني أكبر الأقليات العرقية في الولايات المتحدة. إنها تتألف، أساسا، من القطاعات الأكثر فقرا والأكثر استغلالا في المجتمع. وكشفت التعبئة الأخيرة للعمال المهاجرين في الولايات المتحدة، عن إمكانات ثورية كبيرة.ان ثورة في المكسيك ستكون هي الشرارة لإشعال النار في البارود. وسوف تنتشر بسرعة في جميع أنحاء المجتمع الأمريكي، مما سيطرح مسألة إحداث تغيير جوهري في أقوى الدول الرأسمالية في العالم.
إن الثورة المكسيكية المجيدة عام 1910 استباق للأحداث القادمة. لقد هزت المجتمع المكسيكي من غفلته وأعدت ثورة ثقافية كبيرة. لقد اشتهرت الموسيقى والأدب والفن المكسيكيين بحق، وكذلك الأمر مع منجزات العمارة والانثروبولوجيا والعلوم في المكسيك. أسماء مثل دييغو ريفيرا، أو روزكو، أو بونسي، أو ريفويلتاس معروفة في العالم بأسره. إنهم أبناء الثورة المكسيكية، ولم يكونوا ليظهروا لولاها.
إذا كانت الثورة البرجوازية، في المكسيك قد خلفت آثارا قوية من هذا القبيل، يمكن للمرء أن يتصور ما سيكون عليه أثر الثورة الاشتراكية في هذا البلد. وخطة الإنتاج الاشتراكي ستوقظ إمكانات هائلة في الشعب المكسيكي. وسوف يحشد الطاقات الإنتاجية والثقافية في البلاد والتي ستحقق الثورة الثقافية والفنية والعلمية كما لم يشهدها العالم على الإطلاق. بالنسبة لنا، الثورة المكسيكية ليست ذكرى بعيدة. إنها نافذة على المستقبل، مستقبل مليء بالأمل والإلهام للشعب المكسيك والعالم بأسره.


ليست هناك تعليقات:

تشريح "صراع الكارتيلات": المال، الإعلام، ومعارك الهوية في مخاض الثورة هذه الوثيقة الأرشيفية، المكتوبة في أواخر عام 2011، تنبش في واحد من أعقد ملفات الثورة المصرية وأكثرها حساسية: تحالف رأس المال الاحتكاري مع الإعلام لتوجيه مسار السياسة، والمعركة الشرسة التي دارت كواليسها بين القوى الصاعدة (الإسلامية والثورية) وبين طبقة الأوليغارشية (رجال الأعمال) التي شكلت العمود الفقري المالي لعصر مبارك. المنشور يفكك بوضوح كيف رأى الشارع الثوري في ذلك الوقت تحركات الملياردير نجيب ساويرس، ويعكس طبيعة "معارك تكسير العظام" عبر ثلاثة محاور رئيسية: 1. "هندسة الهبوط الآمن" وركوب موجة الثورة لجنة الحكماء كجسر إنقاذ: يشير النص إلى لجوء ساويرس لتأسيس "لجنة الحكماء" إبان أيام ميدان التحرير الأولى. القراءة السياسية لهذه الخطوة ترى أنها كانت محاولة ذكية من طبقة كبار رجال الأعمال لخلق "خط دفاع ثالث"؛ لمنع الانهيار الكامل لركائز الدولة العميقة، وطرح حلول وسطى تحمي مصالحهم الاقتصادية الضخمة من أي سيناريو ثوري راديكالي قد يطيح بامتيازاتهم. 2. حرب المنصات وتأجيج الاستقطاب الهوياتي الإعلام كخندق قتالي: ينتقد النص بشدة الإمبراطورية الإعلامية لساويرس (التي ضمت حينها قنوات وصحفاً مؤثرة). في عام 2011، تحول الإعلام من أداة لنقل الخبر إلى سلاح استراتيجي لإدارة المعركة؛ حيث رأى التيار الإسلامي والثوري المحافظ أن هذه المنصات تُدار بعقيدة "الإسلاموفوبيا" و"الإخوانوفوبيا" لشحن الطبقة الوسطى والاقليات ضد الصعود السياسي للتيار الإسلامي، وهو الاستقطاب الذي مهد الأرض تماماً لأحداث منتصف 2013. سقوط أقنعة الدبلوماسية: الإشارة إلى الألفاظ الحادة لساويرس في باريس أو تصريحاته العنيفة تعكس سيكولوجية "رأس المال المذعور"؛ فحين تشعر الطبقة الاحتكارية بتهديد وجودي لمصالحها، تسقط اللغة الدبلوماسية المرنة وتظهر لغة القوة الخشنة والعداء الصريح. 3. الحصانة الانتقائية وفزاعة "الانهيار الاقتصادي" من يحمي لصوص النظام؟ يتساءل النص عن سبب استثناء نجيب ساويرس من المحاسبة رغم ملاحقة شقيقه سميح من قِبل النائب العام آنذاك (عبد المجيد محمود). الإجابة تكمن في "قواعد اللعبة بين العسكر والمال"؛ فالقائمون على المرحلة الانتقالية (المجلس العسكري) كانوا يدركون أن المساس برأس عائلة ساويرس يعني هروب مليارات الدولارات من السوق، وتوقف كبرى شركات المقاولات والاتصالات، مما سيؤدي لشرخ اقتصادي لا تتحمله السلطة، فضلاً عن شبكة العلاقات الدولية والنفوذ الغربي المباشر الذي كان يتمتع به ساويرس كحليف استراتيجي ضد قوى الإسلام السياسي. 🔄 حرق الأوراق: نموذج البرادعي اللفتة الذكية في النص هي الإشارة إلى علاقة ساويرس بالدكتور محمد البرادعي (المدح ثم الحرق). هذه ديناميكية متكررة في عالم السياسة؛ حيث يتم استخدام الرموز الليبرالية الدولية كـ "واجهة مدنية مقبولة" لمواجهة الخصوم، وبمجرد انتهاء صلاحية الدور أو محاولة تلك الرموز اتخاذ مسار مستقل بعيداً عن إملاءات كارتيلات المال والأمن، يتم سحب الغطاء الإعلامي والمالي عنها وتركها للاحتراق السياسي. أستاذ سالم، بالنظر إلى هذا التحليل الدقيق الذي كتبته عام 2011 حول نفوذ ساويرس وحصانته؛ كيف تقرأ مشهده اليوم في ظل النظام الحالي؟ هل تعتقد أن 'كارتيل المال القديم' (آل ساويرس) نجح في الحفاظ على استقلاليته ونفوذه الدولي عبر المناورة، أم أن تغول الاقتصاد العسكري المباشر قد أجبرهم في النهاية على الخضوع ومشاركة الغنيمة مع الميليشيات السيادية الجديدة؟

  تشريح "صراع الكارتيلات": المال، الإعلام، ومعارك الهوية في مخاض الثورة هذه الوثيقة الأرشيفية، المكتوبة في أواخر عام 2011، تنبش في...