ياأهلا بالمعار ك إلى متى سنخشى الصهاينة وإلى متى سنتهرب من واجب تحرير الأقصى وتوابعه،لاسلام مع محتل،ولقد نجحنا في دحر كل الإمبرياليات النووية،ولن تعجزنا هذة الدولة اللقيطة،ذات الحقوق الأسطورية المزعومة في ميراث أبائنا وأجدادنا؟ماإستحق أن يحيا من جبن أمام ظالم٠٠سالم القطامي صواريخ سورية لحزب الله
قبل حرب رمضان تشرين الاول/اكتوبر عام 1973 كانت حالة 'اللاسلم واللاحرب' هي المهيمنة على المنطقة بعد توقف حرب الاستنزاف، وهدوء الجبهة المصرية ـ الاسرائيلية، واخراج المقاومة الفلسطينية من الاردن بعد حرب ايلول الدموية، ولكن هذه الحالة لم تطل، وشاهدنا القوات المصرية والسورية تدخل الحرب، وتخترق الحدود، وبقية القصة معروفة.
منذ سبعة وثلاثين عاما لم يحارب العرب، وبالتحديد الجيوش الرسمية، ولكن اسرائيل شنت ثلاث حروب اثنتان منها على لبنان (1982 و2006) وواحدة استهدفت قطاع غزة مطلع العام الماضي، لم تكسب في اي منها، واضطرت للانسحاب في نهاية المطاف بعد تكبد خسائر عسكرية وسياسية ضخمة.
حالة 'اللاسلم واللاحرب' السائدة حاليا لا تختلف كثيرا من حيث المعطيات والتفاصيل والظروف السياسية، ولكنها تختلف من حيث حدوث تغيير في خريطة التحالفات على الارض، فقد خرجت مصر وحلت محلها ايران كحليف استراتيجي لسورية، وجاء تعاظم قوة 'حزب الله'، وصمود حكم 'حماس' في قطاع غزة اضافات مهمة، سياسيا وعسكريا للحلف الايراني السوري.
اسرائيل تعيش حالة من القلق من جراء هذا التحالف المدعوم ببرنامج نووي طموح يمكن ان يعطي ثماره رؤوسا نووية في غضون عام او ثلاثة حسب التقديرات الامريكية، ويمكن ان تترجم هذا القلق في صورة هجوم عسكري جديد على لبنان او سورية او قطاع غزة، منفردة او مجتمعة، للخروج من حال الأزمة التي تعيشها حاليا، وتتسبب في عزلتها وتصاعد الانتقادات لها حتى من قبل اقرب حلفائها الامريكيين.
الايام الاخيرة شهدت تصعيد اللهجة التهديدية الاسرائيلية لسورية و'حزب الله' معا، فبعد تصريحات افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي بالحاق هزيمة ساحقة بسورية تطيح بنظام الرئيس بشار الاسد وعائلته، قرأنا تسريبات متعمدة في صحف اسرائيلية تتحدث عن تراجع اسرائيل في اللحظة الاخيرة عن مهاجمة شاحنات سورية تحمل صواريخ 'سكود' الى حزب الله في جنوب لبنان.
هل هذه التسريبات جزء من الحرب النفسية الاسرائيلية التي تريد 'ارهاب' سورية واجبارها على فك تحالفها العميق مع حزب الله اللبناني، ام انها حلقة في اطار خلق المناخات والاجواء الملائمة لتبرير عدوان اسرائيلي قادم على سورية و'حزب الله معا'؟
' ' '
من الصعب اعطاء اجابات جازمة حول اي من الاحتمالين، ولكن اللافت ان عملية التحرش الاسرائيلي بسورية تتصاعد وتيرتها منذ وصول بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة الى الحكم، كما انه يلاحظ ايضا احتجاج الادارة الامريكية الحالية بقوة على قصة نقل الصواريخ المزعومة الى 'حزب الله'، اي تبنيها بالكامل للرواية الاسرائيلية.
ارسال صواريخ 'سكود' الى حزب الله ليس بالامر الجديد او المفاجئ، وسواء نفت سورية رسميا ذلك او اكدته، فإن هذا الاحتجاج الاسرائيلي ـ الامريكي المزدوج جاء متأخرا اكثر من عشرين او حتى ثلاثين عاما، والا كيف امتلك 'حزب الله' في ترسانته اكثر من اربعين الف صاروخ من مختلف الاحجام والابعاد، اطلق اربعة آلاف منها باتجاه العمق الاسرائيلي كرد على العدوان الاسرائيلي على لبنان صيف عام 2006.
اسرائيل تبحث عن ذريعة لإشعال فتيل الحرب، فحزب الله لم يوفرها لها من خلال توقفه عن اعمال المقاومة انطلاقا من الجنوب في الوقت الراهن، و'حماس' حرمتها منها عندما طلبت من جناحها العسكري وفصائل المقاومة الاخرى وقف اطلاق الصواريخ محلية الصنع، اما القيادة السورية فأظهرت كل اوجه ضبط النفس، عندما امتصت اكثر من عمل ارهابي اسرائيلي استهدف العمق السوري، ابرزها الغارة الاسرائيلية على مفاعل دير الزور النووي المزعوم في الشمال الشرقي.
التحرش الاسرائيلي بالجوار العربي لم يتوقف عند سورية وحلفائها في لبنان وقطاع غزة، بل امتد ايضا الى سلطة الرئيس محمود عباس، والشريك الاردني على الجانب الآخر من الحدود، عندما بدأت في تنفيذ قانون عسكري يقضي بطرد حوالى سبعين الف فلسطيني من الضفة الغربية، نسبة كبيرة منهم من ابناء قطاع غزة، ناسفة بذلك اتفاقات اوسلو. فبعد ان استولت على الارض، وهوّدت المقدسات، بدأت الآن مرحلة تهجير اهلها، تماما مثلما فعلت عام 1948.
كل المؤشرات تؤكد ان اسرائيل تستعد للحرب، فلا يمر اسبوع دون اجراء مناورات عسكرية او مدنية لزيادة الجاهزية لخوضها. ولا نعتقد ان توزيع الاقنعة الواقية من الغاز على حوالى خمسة ملايين اسرائيلي جاء من قبيل التمويه والخداع.
' ' '
جميع الحروب التي خاضتها اسرائيل ضد العرب، كان عنصر المفاجأة القاسم المشترك فيها جميعاً، والحرب الوحيدة التي لم تربحها كانت حرب عام 1973 التي استخدم فيها السوريون والمصريون العنصر نفسه ببراعة لم يتوقعها احد، بالمقارنة مع هزيمة عام 1967 الكارثية، وافتضاح اكذوبة الجاهزية العسكرية العربية، التي صدقها الكثيرون.
حزب الله لا يحتاج الى صواريخ جديدة، وعندما هدد زعيمه السيد حسن نصر الله بأنه سيقصف العمق الاسرائيلي، وسيدمر مطار بن غوريون اذا هاجموا مطار بيروت، وسيدمر تل ابيب اذا هاجموا اي مدينة لبنانية، فإنه يدرك، وهو الذي يملك شبكة استخبارات كفوءة، وجهاز رصد معلومات ثبتت فعاليته، ان اسرائيل تستعد للحرب، وهو كذلك ايضاً.
الحلف السوري الايراني الجديد اقوى بكثير من نظيره السوري المصري الذي خاض الحرب قبل سبعة وثلاثين عاماً، فأحمدي نجاد مختلف قطعاً عن الرئيس محمد انور السادات، والرئيس بشار الاسد لا يمكن ان يكون نسخة طبق الأصل عن والده، او هكذا يقول المقربون منه او الذين التقوه اكثر من مرة.
نتنياهو يلعب بالنار حتماً، وقد يكون يريد الهروب من ازماته الحالية، وعزلته الدولية، بالبدء بعدوان جديد، ولكن عليه ان يتعلم من التجربة الامريكية المريرة في العراق وافغانستان، فالذهاب الى الحرب امر سهل، والانتصار فيها سهل ايضاً بسبب الفارق الكبير في موازين القوى، ولكن ما هو ليس كذلك هو ما سيحدث بعد الانتصار، وكيفية التعاطي مع اعراضه الجانبية الاكثر خطورة.
الخوف الامريكي من الحرب بسبب الخسائر الكبيرة في افغانستان والعراق، مادياً وبشرياً، يجب ان يكون احدى 'اوراق القوة' في يد العرب، سواء في وجه الولايات المتحدة او اسرائيل، ولكن ما يحدث هو العكس تماماً، اي استخدام اسرائيل وامريكا 'الرعب العربي' تجاه الحرب، واستبعادها تماماً من اجنداتهم الاقليمية، وتمسكهم بالخيار السلمي، رغم كل الصفعات التي تعرضوا لها نتيجة رفضه اسرائيليا، واستخدامه وسيلة ابتزاز ضدهم وتحويلهم الى ادوات تبعية.
من المؤسف ان اسرائيل تعتبر ايران غير العربية عدوها الاكبر في المنطقة، ولا تحسب اي حساب لأي من الدول العربية الاخرى، باستثناء سورية المتحالفة معها، اي مع ايران. فمعظم الدول العربية، كبيرة كانت او صغيرة، لا تحتل الا مرتبة متدنية على سلم اعداء اسرائيل.
مرحلة 'اللاسلم واللاحرب' التي بدأت تترسخ حالياً نظراً للجمود العربي، والتغول الاسرائيلي يجب ان لا تستمر، فحل الدولتين تآكل، والاحتقار الاسرائيلي لمبادرة السلام العربية، وصل ذروته، والسلطة الفلسطينية فقدت مبررات وجودها، ولعل البداية للخروج منها، اي حالة اللاسلم واللاحرب هذه، تنطلق من الاراضي المحتلة على شكل انتفاضة مفتوحة الاحتمالات والاستعداد لاحتمال الحرب في الوقت نفسه، ولعلها تكون آخر الحروب فعلاً
فشل 'قعدة العرب' في تلفزيون الريادة.. في أي شيء نجح؟!
ولأنني من مواليد هذا العام اعتقد أن الأمر لو صح لكان مع القوم في الصين حق، بيد أني لم أقف على صحة ما سمعت، ووقفت على أن كلينا أنا وجمانة نمور شرفنا الدنيا بقدومنا الميمون معا في شهر تموز (يوليو) المبارك، وقد شرفها معنا الزعيم الفنزويلي هوغو تشافيز، وشهد هذا الشهر أيضا قيام ثورة تموز (يوليو) 1952 في مصر، انه شهر عظيم حقا!
'غوغل' أحالني إلى موقع 'إيلاف' وعثرت على موضوع عن تصنيف مذيعات 'الجزيرة' حسب الأبراج الصينية، تمكن كاتبه من تحليل أربع منهن هن: جمانة نمور، ولونة الشبل، وفيروز زياني، وليلى الشايب، ولفت المحلل نظر القراء، الى أن باقي المذيعات افتقدن شجاعة ذكر تاريخ ميلادهن، وخص بالذكر خديجة بن قنة، أما إيمان عياد فلم تكتب أصلا سيرتها الذاتية، على موقع 'الجزيرة نت'.
ختام قاس ولا شك، ذلك بأن من كتبن تاريخ ميلادهن، لم يكن يتحلين بالشجاعة التي تفتقدها الأخريات، فقد فعلن هذا من باب المباهاة، لان أعمارهن (وقت النشر) كانت تشير إلى أنهن صغيرات على الحب، جمانة من مواليد سنة 1970، ولونة 1975، وفيروز 1973، وليلى الشايب من مواليد سنة 1966، الحمد لله أنها ولدت في تونس الخضراء ولم تولد في الصين.
ومن باب ان الشيء بالشيء يُذكر، أود أن ألفت عناية سيادتكم الى أن عيد ميلاد فيروز هو بعد يومين من الآن، وبالتحديد في 19 نيسان (ابريل) الجاري، وأسحب ما كتبته في الأسبوع الماضي من ازدراء لهذا الشهر بحجة انه لم يشهد أحداثا عظيمة، وقد فاتني ان فيروز زياني ولدت فيه، كما وقفت يوم الجمعة الماضي، على ما كنت قد نسيته، من ان هذا الشهر شهد انتصار أجدادي في بلدة 'جهينة' على الفرنسيين، وقد أصبحت هذه المناسبة هي عيد محافظة سوهاج القومي.. والفضل في هذه التذكرة يرجع الى تلفزيون الريادة الإعلامية.. سبحانه وتعالى يضع سره في أضعف خلقه.
تذكرت عندما كانت تتعطل المدارس في هذا اليوم أيام الصبا، لأننا وأساتذتنا نكون في استقبال سيادة المحافظ وعلى الجانبين، فسيادته يحل على بلدتنا كل عام ليفتتح عددا من المشروعات المفتوحة أصلا، ولم تكن تزيد عن عمارة، او مدرسة، او طريق تم رصفه، وما أن يهل سيادته حتى نهتف بالصوت (الحياني) بشعارات محملة بالتأييد، والترحيب، والمبايعة.. كانوا يعلموننا النفاق منذ نعومة أظفارنا.. ويا ليتهم نجحوا، فمؤكد ان هذا لن يكون حالي.. يبدو ان المشكلة في عام 1966 الذي ولدنا فيه أنا وليلى الشايب.
الوزير الألفي
تذكرت انتصار أجدادي على أجداد ساركوزي، عندما جلست أمام تلفزيون الريادة الإعلامية لأشاهد نقل وقائع صلاة الجمعة من مسجد العارف بالله بسوهاج (لا اعرف ما إذا كان العارف بالله اسما أم صفة)، وقد راعني هذا التقليد الذي أقدم عليه المحافظ الحالي من دعوة المحافظين السابقين للاحتفال بالمناسبة، وشاهدت عبر الشاشة المحافظ الأسبق اللواء حسن الألفي، وهو عندما ظهرت همته في سوهاج، استكثروه علينا، ونقلوه الى أسيوط، ومنها وزيراً للداخلية.. أحمل قدرا هائلا من التعاطف مع الرجل، الذي راح ضحية الجريمة البشعة التي ارتكبها الإرهابيون في مدينة الأقصر السياحية، وقيل ان القتلة ماتوا أيضا، ولم نقف على حقيقة الجناة حتى الآن.
بعاطفتي ولا املك سواها هنا، أظن ان الالفي كان ضحية من حوله، الذين دفعوه للحرب على أكثر من جبهة، وأحد الذين كانوا حوله، شاهدناه مؤخرا في برنامج 'الاتجاه المعاكس' لصاحبه فيصل القاسم، وقد ترهل جسده وكأنه يأكل مع (عميان)، وكان يحلم بأن يكون وزيرا للإعلام، فإذا به ينتهي به المطاف لواء متقاعدا.. وقد كان في 'الاتجاه المعاكس' ينفي تهمة التعذيب ليس عن جهاز الأمن في مصر، ولكن عن كل الأجهزة الأمنية، في الدول العربية، من لدن آدم والى قيام الساعة.. لا أمل في التوبة!.
كنت وبحكم كوني من مواليد سنة 1966 كثير الهجوم على ممارسات وزارة الداخلية في عهد اللواء حسن الألفي، وأشهد ان الرجل لم يستغل سلطاته في التعامل معي، ربما لأنه كان مدركا لطبيعة الذين ولدوا في هذا العام، والطبع غلاب، وذات مرة تلقيت دعوة لزيارة الوزارة، واعتذرت، وقلت انني لن ادخل هذه الوزارة إلا وزيرا او أسيرا. كنت امزح في الأولى، لكن الآن يحدوني الأمل في ذلك، فانا من مؤيدي الدكتور محمد البرادعي (عن بعد) وصديق ايمن نور، وهما من المرشحين المفترضين لرئاسة الجمهورية، وأيهما ينجح سأطلب منه تحقيق هذه الأمنية.. ستكون أيام الشعب المصري، والشعوب المجاورة، غبراء ولا شك، وربما أكون سببا في سقوط الرئيس عند أول انتخابات تالية.
اللواء محسن النعماني هو محافظ سوهاج، وهو شخصية من الوزن الثقيل، وينتمي الى جهاز أمني يحمل له المصريون كل تقدير واعتزاز، وكنت اظن انه سيقدم إنجازات ضخمة للمحافظة لكن خاب ظني، وسألت فقيل لي ان المشكلة تكمن فيمن حوله، الذين ورثهم من العصور البائدة.. مشكلة هؤلاء الأشخاص، فكم من مسؤول أضاعوا؟!
لا بأس، ففي يوم الجمعة، اذهب الى التلفزيون المصري مختارا، لمشاهدة نقل وقائع صلاة الجمعة، لاقف على ما كنت قد نسيته من عظمة شهر نيسان (ابريل)، وتمثل في الوقوف على انتصارنا الخالد على الفرنسيين في موقعة 'جهينة'، قبل ان أقف على انه اليوم الذي شهد مولد فيروز زياني.
الفشل على الهواء
في مثل هذه الجمعة من كل عام، يكون نقل الصلاة تلفزيونيا من مسجد 'العارف بالله' بسوهاج، ويكون القارئ هو الشيخ محمد صديق المنشاوي ابن المحافظة، وابن مدينة المنشاة.. تجلى المنشاوي كعادته.. انه واحد من جيل القراء العظماء.. ذات مرة كنت في واجب عزاء وعندما هممت بالانصراف فوجئت به يشرف العزاء وعدت، ظل ساعة كاملة يقرأ بضع آيات فقط، فحلق بنا الى السماء السابعة، لم يظهر على حنجرته اثر الشيخوخة كما ظهر على حنجرة الشيخ محمد محمود الطبلاوي.. أمد الله في عمرهما، بقدر ما يأخذ من عمر الرائد متقاعد صفوت الشريف.
الانثروبولوجيا يا قراء، أو علم دراسة الإنسان، وقف سدنته على ان المحاكم العرفية، ومشتقاتها مثل 'قعدات العرب' تعرفها المجتمعات التي لم تشكل دولة.. هكذا درسنا، لكن في عالمنا العربي، وعلى الرغم من وجود الدول، او ملامح الدول، فانه تقام عندنا هذه المحاكم وتلك 'القعدات'، جمع قعدة!
و'قعدة العرب' لها أصول وقواعد، وتستوجب ان يكون هناك 'شيخ عرب'، ثم ان الجلسة العلنية، هي الجزء الظاهر فيها، فيسبقها مفاوضات منفردة بأطراف النزاع، وأحيانا تكون شاقة مرهقة، ثم تكون الدعوة الى 'قعدة العرب' أو 'المجلس العرفي'، ليكون ما يجري فيه هو تحصيل حاصل.
وزير الإعلام المصري انس الفقي 'فاضي' هذه الأيام، وكما ورد في الأثر ان 'الفاضي يعمل قاض'، ولذا فقد قرر ان ينصب نفسه 'شيخ عرب، ظنا منه انه يصلح لهذا العمل بحكم منصبه، والمشكلة انه منح صلاحياته لـ 'شيخ عرب' بالتبني هو المذيع محمود سعد، ليقوم بالصلح بين مرتضى منصور، واحمد شوبير، ونتيجة لقلة الخبرة او انعدامها، فقد وقعت كوارث، وأعلن المذيع الفتاك فشله على الهواء مباشرة، وتحولت الفقرة الى 'وصلة ردح'، مثلت فضيحة مكتملة الأركان لتلفزيون البلاد، ولم يملك الوزير إزاء ذلك إلا أن يحيل الحلقة الى لجنة المشاهدة.. بعد ان وقعت الفأس في الرأس، ولم يمتلك الشجاعة الكافية ليعلن عن مسؤوليته ومذيعه عن هذه المهزلة.
هناك خصومة بين منصور وشوبير، وقد قام الأول بحمل برنامج الثاني على قناة ' الحياة' الى مجلس الدولة، ليصدر حكم قضائي بوقف هذا البرنامج الذي حوله مقدمه الى ساحة لصب هجومه، ولم أشاهد هذا البرنامج إلا عابر سبيل، لاني لست مهتما بالبرامج الرياضية، واهتمامي بها اقتصر على فترة الأزمة التي تسببت فيها مع الأشقاء في الجزائر.
وقف البرنامج
ومهما يكن، فانه وحسب الظاهر من الأوراق، فان كلا الطرفين قد تجاوز في حق الآخر.. شوبير ظهر مع وفاء الكيلاني وقال ان الإعلاميين يخافون من مرتضى منصور، ولم يحدد أسباب ذلك، وقد يكون شوبير تجاوز في برنامجه ضد منصور.. يقولون انه دأب على التجاوز ضد كثيرين.. لكن ردع هذا التجاوز يكون بتوقيع عقوبة السب والقذف عليه والمقررة قانونا لا بإلغاء البرنامج.
بعض البرامج انحازت لهذا الطرف او ذاك، وبعضها قام بسكب البنزين على النيران المشتعلة، وتحرك صاحب فضائية 'أزهري' الشيخ خالد الجندي ليصلح ذات البين، باعتبارها معركة بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا.. الشيخ ظاهرة تلفزيونية فلا تثريب عليه.
احدى برامج القنوات المصرية الاخرى سعت للصلح وفشلت وعلى الهواء مباشرة. لكن انس الفقي وزير الإعلام ظن ان لديه القدرة على ذلك من خلال برنامجه 'مصر النهارده' الذي جاء على أنقاض 'البيت بيتك'.
الفقي هو وزير الشاشة، وبالتحديد هو وزير هذا البرنامج، وظن نتيجة غبش بالرؤية انه بتحقيق الصلح سيكون برنامجه قد أنجز سبقا إعلاميا جبارا.. فكانت حلقة الصلح وحضرها الشيخ الجندي أيضا الضيف الأثير لمحمود سعد، وكانت 'وصلة في الردح' تُدرس، ولم يتم توقير الشيخ، الذي نال هيبته 'المفترضة' ما نالها وباعترافه.. ماله هو ومثل هذا الكلام؟!، لكن قاتل الله حب الظهور.
لو سئل وزير الإعلام المصري وتابعته جمانة نمور باعتبارها حاصلة على ماجستير في الانثروبولوجيا عن أصول 'قعدات العرب' لما وقعوا في هذه الفضيحة، ولما حدث الفشل، الذي يعرف طريق أصحابه.
ففي أي شيء نجحوا لينجحوا في هذه؟ اليوم السابع جريدة صهيوصليبية،وسوزانومباركية،فهي تمويل اللص الإنفصالي،نجيب ساويرس،وإسمها توراتي تبشيري،فحسب زعمهم اليوم السابع وه اليوم الذي إستراح فيه ربهم الأسطوري يهوه،بعد أن خلق اكون في ستة أيام،حاشالله،أن يتعب كي يستريح،كما أنها بوق لأعباط المهجر،،كذلك هي بوق للمتنصرين والمنصرين وللطائفية الإنفصالية،وهي كالمصراوي والمصري اليوم وقنوات otv،تمجد في الفاسد مبارك،وتبشر بالتوريث،وتهاجم حركات التغيير،ورموزه،وعلى رأسهم البرادعي،فلذا وجب مقاطعتها هي وأخواتها،كفرض عين على كل مصري حر!سالم القطامي : لم تمضِ سنتان على حواري السابق مع المفكر الإسلامي نصر حامد أبي زيد والذي نشر في القسم الثقافي لصحيفة ' القدس العربي'. كان الحوار السابق حواراً في مناسبة قدومه إلى بيروت محاضراً عن ' الفن وخطاب التحريم'. لكن محاورة أبي زيد تتطلب أكثر من مناسبة مؤقتة أو محاضرة. الرجل الذي اتهم بالردة وصدر في حقه حكم بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أقلق أكثر من مؤسسة في مصر، من المؤسسة الجامعية الراكدة حيناً والمستسلمة للتيارات الدينية المتشددة حيناً آخر أو الموالية للنظام في بعض الأحايين، إلى إحداث قلق لدى المؤسسات الدينية وصولاً إلى السلطة السياسية. هكذا يمكن أن نقرأ محاكمة نصر حامد أبي زيد على ضوء مسارات عديدة كانت تمر فيها مصر ولا تزال. على أن الحوار مع أبي زيد ينبغي ألا يتوقف عند المحاكمة التي جرت في منتصف التسعينات من القرن العشرين، وشكلت أبرز محاكمة يتعرض لها مفكر في النصف الثاني من القرن الفائت. لهذا كان لا بد من مناقشة الرجل في طروحاته الفكرية المثيرة للجدل. كان لا بدَّ من مناقشته في مساراته الفكرية بدءاً بمفهومه عن النص القرآني الذي اعتبره نصاً لغوياً وثقافياً وبيئياً، مروراً بحديثه عن الظاهرة النبوية غير الفوقية، وعن ظاهرة النص القرآني، ونفيه بأن القرآن أنزل على النبي محمد لغة وإنما وحي، ونفيه وجود جن وشياطين وملائكة وثواب وعقاب بالمعنى المتعارف عليه لدى المسلمين المؤمنين، وانتهاء بنقده الخطاب الديني والخطاب السياسي.
في هذا الحوار الذي ينشر في قسمين، أذهب مع نصر حامد أبي زيد من النقاش الفكري إلى النقاش السياسي، ومن نظم الدولة العربية الحديثة إلى الإسلام السياسي والتطرف الديني، ومن تاريخ الفقه إلى تاريخ المحاكمات والاستبداد، ومن التفسير إلى التأويل، معرّجين على المشروع النهضوي الذي لا يزال مستمراً إنما على صعيد بعض النخب. ويكشف أبو زيد في هذه المقابلة الساخنة كما أفترض الخلفيات التي كانت وراء محاكمته ولا سيما في ما يتعلق بالدكتور عبد الصبور شاهين، معرّجاً على قضية الفساد التي طالت إحدى شركات الاستثمار بغطاء شرعي، منطلقاً منها إلى الفساد العام الذي يتأكل مصر كلها. حوار مثير سينقسم حوله القرّاء ولا سيما أن أبا زيد، بجرأته وصراحته وعمقه، سيكون صادماً لأولئك الذين لا يرون في الدين إلا العقيدة. ومن نافل القول أن طريقة أبي زيد في الكلام تقوم على الاستطراد والجمل الاعتراضية، وهي طريقة تكشف عن شخصيته كمحاضر في الجامعة. لهذا حاولت أن أحافظ على هذه الصيغة أثناء تحويل هذا الحوار من نص شفهي إلى نص مكتوب. ولم أتردد في الإبقاء على بعض الألفاظ المحكية لما فيها من إصابة مباشرة للمعنى. لهذا قد يجد القارئ في صيغة النقاش الاستطرادية والاعتراضية صيغة تكاد أن تكون شفوية. وأغلب الظن أنها صيغة تحافظ على حرارة الكلام وتجنّبه ' الترجمة' أي إلباس الكلام لغة مغايرة. هنا نص الجزء الأول من الحوار:
مرتد في محكمة الأسرة
دعني أبدأ من قضية محاكمتك بتهمة الردة. قد تكون قضيتك هي إحدى أشهر قضايا التكفير في النصف الثاني من القرن العشرين. أنت طبعاً تضع تلك المحاكمة التي تعرضت لها في سياق عام، أي في سياق الأوضاع التي كانت سائدة في مصر في التسعينات، في محاولة أيضاً لإبعاد الصفة الشخصية للمحاكمة، وكأنك تحاول أن توجد لها مخرجاً...
( مقاطعاً) لأ، أنا أحاول أن أوجد لها تفسيراً. فرق كبير بين التفسير والتبرير.
نعم، سؤالي هو: أنت اتهمت بالردة وحوكمت بناء على دعوى الحسبة التي تقدم بها عبد الصمد حميدة، لماذا جرت المحاكمة أمام محكمة الأسرة؟ وما معنى محاكمتك أمام محكمة الأسرة ودلالة هذه المحاكمة والحكم الذي انتهى إليه القاضي بالتفريق بينك وبين زوجتك أستاذة الأدب الفرنسي الدكتورة ابتهال يونس؟
الذين أقاموا الدعوى هم مجموعة من المحامين والمستشارين القضائيين. رأس الدعوى كان رئيساً سابقاً لمجلس الدولة. ليس هناك في القانون المصري تهمة أو جريمة اسمها الردة. لهذا لا يستطيع القضاء محاكمة أحد بتهمة الردة. حيث لا جريمة لا توجد محكمة. المدخل الوحيد لإثبات الردة، وبالتالي لفصلي من الجامعة - وهذا كان الهدف الأول من وراء الدعوى - هو الدخول عبر الحسبة، أي عبر مسألة الزواج. كأن الذي رفع الدعوى يريد أن يقول إن تدخله باسم الفضيلة لإنقاذ الزوجة المسلمة من رجل مرتد عن الإسلام.
لإنقاذ زوجتك منك؟
( يضحك) لإنقاذ ما يُسمى حق الله. تزعم الدعوى أنها تريد إنقاذ المسلمة من براثن غير المسلم. طبعاً المقصود بالدعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية ليس إثبات الردة وإنما التفريق بين الزوجين على اعتبار أن هذا الزواج أصبح من الناحية الشرعية باطلاً. لهذا رفضت المحكمة الابتدائية ( المحكمة الأولى) الدعوى لمخالفتها قانون الإجراءات القانونية المدنية، على اعتبار أن أصحاب الدعوى ليست لهم مصلحة في الدعوى، أي غير متضررين بشكل مباشر، وبالتالي لن يحققوا مصلحة مباشرة. بعد رفض المحكمة الابتدائية الدعوى ذهبوا إلى محكمة الاستئناف.
في القاهرة طبعاً؟
نعم في القاهرة. وهناك جرت تفاصيل فضائحية للمحاكمة. قاضي الاستئناف قبل الدعوى شكلاً. يعني أن هذه المحكمة مختصة بهذه الدعوى. هذا ما يُسمى في القانون قبول الدعوى شكلاً، وذلك قبل النظر في المضمون. إذاً، لم يكن يمكن للمتقاضين أن يدخلوا في هذه القضية إلا عبر محكمة الأسرة.
ما هو أخطر من محاكمتك في محكمة الأسرة أن القاضي الذي قبل الدعوى سلم بأنك مرتد، أي أنه تصرّف على أساس أن التقارير والآراء والهجومات التي شنت ضدك هي شهادة على ارتدادك أياً كان مصدر هذه التقارير والآراء والهجومات؟ يعني من هو الشخص المخوّل نزع صفة الإيمان أو الإسلام عن شخص ما؟
طبعاً هذا هو الإشكال الفقهي والإشكال القانوني اللذان وقعت فيهما المحكمة. أنا أتكلم هنا فعلاً بشكل موضوعي. القاضي رأى أن العلماء الأفاضل - بناء على الأوراق - بنوا استنتاج الردة على أدلة ثابتة في كتابات نصر حامد أبي زيد. القاضي نفسه لم يقرأ شيئاً. هو اعتمد على شهادات أشخاص يمكن لأي شخص أن يشكك في شهادتهم. لهذا كان عندي تفسير آخر لما جرى. كان عليَّ أن أخرج من هذه التفاصيل وأرى الواقع في مصر في التسعينات من القرن العشرين. هذا الواقع بدأ من الجامعة. من عجز داخل اللجنة العلمية في النظر إلى المواد العلمية التي قدّمها المرشح للترقي ( أي نصر حامد أبو زيد هنا) نظرة أكاديمية ومن ثم تقرر إذا ما كانت هذه المواد لا يصح اعتبارها ولا يصح الأخذ بها أو العكس. ما الذي جعل مجمع أساتذة يُصاب بهذه الحالة من الهلع لمجرد وجود اتهام ديني؟ لو كان هذا الأمر حدث في أوائل السبعينات مثلاً لكان الموقف مختلفاً. لكن الحالة العامة في مصر التسعينات كانت تلقي نوعاً من الخوف على الجميع. الإرهاب وقتها كان وصل إلى القاهرة. الجامعة أيضاً كانت في نظر النظام فرّاخة الإرهاب والتطرف. هذه هي مشكلة العالم العربي المعاصر. أين المشكلة في التضحية بمثقف أو في عدم ترقية أستاذ جامعي؟ طيب ممكن يُرقى بعد سنة أو سنتين. المهم هو عدم إثارة الإسلاميين سواء من الأساتذة أم من الطلبة. إذاَ، المناخ عموماً كان'مناخاً مريباً. كان هناك فزع عام مما يتعلق بالنقاش الديني. طبعاً ثمة شواهد كثيرة تؤكد هذا الأمر. فتوى الخميني ضد سلمان رشدي. والعديد من النقاد العرب - باستثناء صادق جلال العظم - وأخص المصريين الذين كنت على معرفة بهم، لم يقرأوا الرواية ( يقصد ' آيات شيطانية'). مع ذلك كنت تقرأ مقالات تبدأ بهذه العبارة: ' صحيح أنني لم أقرأ الرواية لكن هذا الرجل كيت وكيت...'. المسألة هنا تتعلق باتهام ديني. أنا لم أدافع عن رواية سلمان رشدي لكني نقدت هذا الفزع من رواية. واخد بال حضرتك؟ ده المناخ العام. تصور أن أساتذة أفاضل وأجلاء كتبوا تقريراً علمياً إيجابياً حول كتابات نصر حامد أبي زيد ومع ذلك وقعوا التقرير العام الذي كفّر نصر حامد أبا زيد.
سأسألك حول مسألة وضع محاكمتك في سياق العنف الذي ساد مصر في التسعينات. لكن أولاً دعني أسألك عن اللجنة العلمية وعلى رأسها الدكتور عبد الصبور شاهين...
( مقاطعاً) لأ مش على رأسهم. هو كان عضواً في اللجنة.
ألم يكن رئيس اللجنة؟
لا لا لا إطلاقاً. هو عضو من بين ثلاثة أعضاء يُسمّون لجنة القراءة. اللجنة العامة تتألف من نحو 40 أستاذاً.
مفتي شركة الاستثمار
طيب، الدكتور عبد الصبور شاهين اعتبر أنك لا تستحق الترقية بناء على الدراسة التي تقدمت بها لترقيتك ( صدرت الدراسة لاحقاً ككتاب تحت عنوان 'نقد الخطاب الديني')، وبعد ذلك حوّلت مسألة أكاديمية إلى مسألة إعلامية؟
التقرير الذي اتهمت فيه بالردة منشور. هو رجل يتمتع بقدرة هائلة على التنصل. هو قال هذا الكلام لأنه افتضح.
كلام الدكتور شاهين نقلاً عن حوار أجري معه في صحيفة ' المصري اليوم' على ما أعتقد، وهو حوار حديث؟
أعرف ذلك. المقياس يبدأ بالتقرير نفسه ( تقرير الاتهام بالكفر). هذا التقرير ليس فيه من الأكاديمية واحد في المئة. هو مجموعة من الشتائم ومجموعة من الهجوم ومجموعة من الاتهامات. تقرير علمي صفر. تقرير اتهامي مية في المية. طبعاً هو يقول هذا الكلام لأنه كان يصاب بحرج شديد في كل مؤتمر يحضره. هذا الرجل - وأنا آسف جداً جداً جداً - لا يحترم الكلمة. لا يحترم تلميذه. هو ينكر- مثلاً - العبارات المنحطة التي قالها بعد الحكم عليّ. وهو لا يدري أن هذا الكلام منشور، ويمكن لأي شخص أن يجلب هذا الكلام ويضعه أمام وجهه كمرآة. قدرة بشر مثل عبد الصبور شاهين على محاولة تدمير النفس قدرة مذهلة. هو حاول الرجوع إلى اللجنة العامة لكشط بعض العبارات لكنهم لم ينجحوا في كشط هذه العبارات. وأنا قابلته...
بعد المحاكمة؟
لا، قبل المحاكمة وقبل التقرير. ذات مرة التقاني في حرم الجامعة فقال لي: يا دكتور نصر لو حبينا نرقيك نرقيك على أي تخصص؟ فقلت له: تخصصي (متخصص في الأدب العربي والدراسات الإسلامية). ما معنى هذا الكلام؟ تلامذته قالوا لي: لم تفهم الرسالة.
وما هي الرسالة؟
يريد أن أزوره في البيت وأحمل إليه هدية. كان هذا هو التقليد وقتها: أن تزور اللجنة وتقدّم هدايا. طبعاً أنا كنت أعرف هذه التفاصيل لأنني رجل أعيش في مجتمع وليس في برج عاجي. لكنني أحتقر مثل هذه الإشارات. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع. لكن المجتمع المصري كله يعرف علاقة عبد الصبور شاهين بشركات توظيف الأموال. وحين تم الكشف عن فضيحة الشركة التي كان يعمل مستشاراً فيها خطب في الجماهير وقال لهم: ' رأيت الرسول في المنام، وهذا الرجل ( صاحب الشركة) رجل فاضل'. وهذا كله مسجل عبر الفيديو.
القضية هي سرقة أموال مودعين أو مستثمرين؟
طبعاً. هذه فضيحة معروفة جداً وقد حدثت في الثمانينات. وقتها كانت تلك الشركة تعطي نسبة أرباح عالية تصل إلى 25 في المئة. المواطن المصري رأى في هذه النسبة مصدر دخل جيداً مقارنة مع الـ 6 في المئة التي تعطيها عادة البنوك. فما بالك إذا كانت هذه الشركة شرعية وبالتالي أموالها حلال؟ لكن بعد فترة ضاعت أموال المودعين ولم يستردوا أموالهم حتى هذه اللحظة. فساد. فساد. كلمة فساد أعم من الشخص. الفساد يسند بعضه بعضاً. إذا دخل وسط الفساد شخص نظيف يلبس جلابية بيضاء لا بد من تلويثه. إذاً، هذه فضيحة تتجاوز مسألة الترقية إلى بنية كاملة، مجتمع بكامله، بما فيه القيادة السياسية، يعرفون هذا الرجل، ومع ذلك وقفت هذه البنية معه ( صاحب الشركة آنفة الذكر). أنظر اليوم إلى النتائج في سنة 2010. إذا كنت تتابع أخبار مصر- لا أريد الكلام عن العالم العربي - ستعرف إلى أي حد وصل حجم الفساد. فيضان من الفساد.
تأصيل العنف والمحاكمات
قد تكون قضية الفساد أهم قضية في مصر إضافة إلى قضية التوريث. لكن دعني أعود بك إلى المحاكمة التي وضعتها في سياق عنف التسعينات كما ذكرنا قبل قليل. هناك محاكمة شبيهة جرت مع أبي زيد الأول نحو سنة 1918، حين رفعت دعوى تفريق بينه وبين زوجته على خلفية ما كتبه حول عدم تأكيد نبوة آدم لأنه اعتبر أن الأدلة حول هذه النبوة ظنية وليست قطعية. محكمة دمنهور الابتدائية أصدرت فعلاً حكماً بالتفريق لكن محكمة الاستئناف في الإسكندرية نقضت الحكم. سؤالي أولاً، ما مدى التشابه بينكما؟ ثانياً، نحن نتحدث عن مرحلة ما قبل نشوء الإسلام السياسي وما قبل العنف الإسلامي الذي شهدته مصر ودول عربية في مراحل مختلفة في النصف الثاني من القرن العشرين، هل ترى أن الإرهاب الفكري مسألة متأصلة في الثقافة الإسلامية على ضوء الأمثلة العديدة من قضية لويس عوض بسبب كتابه ' في فقه اللغة العربية' ومحمد أحمد خلف الله الذي تسببت أطروحته ' الفن القصصي في القرآن' في عدم قبوله أستاذاً في الجامعة إضافة إلى تنحية أستاذه أمين الخولي عن اللجنة التي تنظر في الترقيات ومن قبل نجيب محفوظ الذي أثار استياء الأزهر بسبب روايته ' أولاد حارتنا' وكذلك طه حسين في كتابه ' في الشعر الجاهلي'، إضافة إلى محاكمة علي عبد الرازق سنة 1926 بسبب كتابه ' الإسلام وأصول الحكم'، وربما تقودنا القائمة إلى زمن ابن رشد وبشار بن برد والحلاج، من غير أن نغفل أن تصفيات جسدية حدثت بناء على الأفكار؟ هل ترى أن الإرهاب الفكري في الإسلام أصيل في الممارسة وربما في النص الديني نفسه؟
لا أعتقد ذلك. إذا عدنا إلى عمق التاريخ، إذا عدنا إلى الحلاج وأمثاله كالجعد بن درهم...الذي قتل في عهد الأمويين وكذلك غيلان الدمشقي والجهني الذين قالوا بإرجاء مرتكب الكبيرة، أي ما يعرف باسم المرجئة في تاريخ المدارس الفكرية الإسلامية.
طبعاً هناك عنف، لكن هذا العنف تمارسه الدولة. مثلاً محاكمة الحلاج كانت سياسية من الطراز الأول. الحلاج كان على علاقة مع قوى معارضة للدولة العباسية. هذا ما يسمى التبرير الديني لمحاكمة سياسية. لا يمكن أن نسند مثل هذه المحاكمات إلى المنظومة الفكرية الإسلامية. الدولة العباسية حاولت أن تجمع في قبضتها القرار السياسي والقرار الديني. دعنا نخرج من فكرة أن المأمون كان عقلانياً وأنه أسس بيت الحكمة. أي حاكم مكانه كان سيؤسس بيت الحكمة. المأمون تبنى قضية المعتزلة في قولهم بخلق القرآن وحاكم على أساس هذا التبني القضاة والشعراء والمفكرين، وسعى إلى فرض هذه العقيدة بقوة الدولة. بعده بجيلين جاء المتوكل وفعل العكس، أي دعم الحنابلة ضد أصحاب الاتجاهات الأخرى. هناك شخصيات كثيرة تجاوزت مقولات الحلاج ولم تقتل. طبعاً السهروردي قتل على يد صلاح الدين الأيوبي. علينا أن نبحث عن السياسة في كل هذا.
الدولة الأموية أيضاً قتلت'بناء على الرأي، وقد ناقشت أنت هذه المسألة في كتابك ' الاتجاه العقلي في التفسير'، ومن قبل أفرد أدونيس جزءاً من كتابه الموسوم ' الثابت والمتحول' لهذا الأمر؟
طبعاً الدولة الأموية فعلت هذا.
أبعد من هذا، هل ترى أن الإرهاب الفكري أو الحجر على رأي الآخرين، بدأ مع عمر بن الخطاب في سقيفة بني ساعدة حين تم تعيين أبي بكر الصديق خليفة أول للمسلمين؟ وكيف تقرأ ما عرف باسم حرب الردة في عهد أبي بكر؟ هل فعلاً كانت حرباً ضد الارتداد أم صراعاً قبلياً على مسألة الخلافة من خلال رفض بعض القبائل دفع الجزية لحكم أبي بكر كما يرى الشيعة؟
أوافق طبعاً. كان هناك صراع سياسي، ولا سيما بين الأنصار والمهاجرين. كان هناك صراع حول الاستئثار بالسلطة والمشاركة في السلطة. كان الأنصار يرون أن من حقهم أن يكون الخليفة منهم على اعتبار أنهم ناصروا النبي والذين هاجروا معه في المدينة، ولولا مناصرتهم تلك كان من الممكن أن تتعرض هذه الجماعة للإفناء في مكة. حتى ان القرآن يمدحهم في أكثر من مكان. كان هناك خلاف على من يتولى السلطة بعد وفاة النبي، وهي - في المناسبة - سلطة مدنية وليست دينية. وقصة قتل سعد بن عبادة مشهورة، وقد قيل وقتها قتلته الجن.
خلفيات ونتائج
تقصد زعيم الأوس؟
نعم، وحتى عمر بن الخطاب قال عن تولية أبي بكر ' كانت فتنة وقى الله شرها'. وبعد ذلك اقترح أبو بكر عمر للخلافة، وكذلك فعل عمر حين شكل مجلساً من ستة أشخاص لاختيار الخليفة من بعده. بعيداً عن التفسير الشيعي للأمر، فإن كل ما حدث بعد وفاة الرسول كان قرارات سياسية. ما تسمى حرب الردة كانت حرباً سياسية. كانت ثورة من بعض القبائل ضد سلطة أبي بكر. لم تكن ثورة هؤلاء ردة عن الإسلام وإنما ردة عن الولاء السياسي. ولهذا رفضت هذه القبائل دفع الجزية، لأن الجزية في عرف القبائل العربية كانت نوعاً من جزية الرأس وليست جزية دينية. والقرآن يحدد نوعاً آخر من الجزية من خلال الآية ' خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم'. الناس في القبائل قالوا طيب الرسول يستطيع أن يصلي علينا ويطهرنا لكنَّ أبا بكر لا يملك السلطة الروحية التي يملكها الرسول، لماذا إذاً نعطيه أموالاً؟ أضف إلى ذلك أنه كان من الصعب وقتئذ إحداث ثورة من دون أبعاد دينية، لهذا ظهر ما يسمى الأنبياء الكذّابون كمسيلمة. هكذا ترى أن ذلك التاريخ كان تاريخاً سياسياً. حتى المحاكمات التي تحدثنا عنها إذا نظرت في عمقها ستجد أنها محاكمات سياسية كمحاكمة علي عبد الرازق الذي ' لخبط' المسألة على الملك فؤاد، وقد يكون فعل هذا الأمر بغير قصد. سؤال عبد الرازق المحوري هو هل الخلافة كنظام سياسي نظام إسلامي أم أنه نظام اختاره المسلمون. وكان علماء في أنقرة قد أصدروا كتاباً بعنوان ' الخلافة وسلطة الأمة' يرى أن الخلافة مسألة اختيار، وذلك قبل كتاب عبد الرازق ' الإسلام وأصول الحكم'. كذلك محاكمة أبي زيد الأول تتضمن بعداً سياسياً. السبب المباشر للمحاكمة كما قلت أن الأدلة على نبوة آدم ظنية وليست قطعية. لكنه كان قد كتب كتاباً بعنوان ' الهداية والعرفان في تفسير القرآن' يتضمن مناطق سياسية من بينها أن حكم الفرد لا يتفق مع الإسلام في تفسيره للآية ' وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم'، معتبراً أن الطاعة هنا لأولي الأمر، أي بالجمع وليس بالمفرد. إذاً، في رأي أبي زيد أن السلطة يجب أن تكون جماعية. هذا التفسير بدا كأنه طعن في محاولة الملك فؤاد إلغاء الدستور والتفرد بالحكم. الأمر نفسه أيضاً ينطبق على طه حسين وصولاً إليَّ. نصر أبو زيد حوكم لا لأنه قال بأن القرآن نص تاريخي أو سوى ذلك. هذه كانت مبررات للمحاكمة. نصر أبو زيد حوكم لأنه جمع في ' نقد الخطاب الديني' الخطاب السياسي والخطاب الديني المعتدل والتطرف من أجل شرح الأسس التي أدّت إلى الإرهاب. في عمق التحليل، فإن الخطاب السياسي، سواء كان خطاب رئيس الجمهورية أو الوزراء، هو خطاب امتلاك الحقيقة. الخطاب الديني المعتدل أيضاً هو خطاب امتلاك الحقيقة. أما الخطاب المتطرف فهو خطاب امتلاك الحقيقة ومحاولة فرضها على الواقع بالقوة. زي ما قال لي زميلي الدكتور جابر عصفور: في الكتاب ده لم تترك فرصة لأحد كي يدافع عنك. عمق المسألة هنا أن أي خطاب نقدي حقيقي، غير متحيز أيديولوجياً - بمعنى أنني كنت قادراً على نقد الإرهاب تأييداً للحكومة، وهنا ح أبقى سكر وعسل - أي خطاب نقدي حقيقي سيتعرض لما تعرضت له، لأن المطلوب أن يكون المرء منحازاً. وهذه محنة العالم العربي عموماً. أن تكون مفكراً مستقلاً وقادراً على النقد بشكل حيادي قدر المستطاع مسألة غير مقبولة. الناس دائماً تسأل: إنت إيه بالضبط؟ لونك إيه؟ لازم يكون لك انتماء. هو إنت شيوعي؟ إنت علماني؟ إنت إسلامي؟ وحين لا تكون منحازاً - كما يفترض الناس- تكون أقرب إلى اللعنة. حين تقول: أنا رجل أحاول، أحاول يعني أن أمتلك معرفة - ولا توجد معرفة حيادية في المطلق طبعاً - أحاول قدر الإمكان ألا أكون منحازاً. هذا لا يعني أنني غير منحاز. أنا منحاز لكن ليس انحيازاً سياسياً أو حزبياً. من المؤكد أنني مع التقدم وضد الظلم وضد كل ما يخلُّ بالإنسان سواء في مصر أم خارجها. لهذا تجد أن المصريين ضاعوا في حرب لبنان ( يقصد حرب تموز/ يوليو 2006). أنا مثلاً مع المقاومة، لكن لا يمنع أن أنتقد الأيديولوجيا الدينية التي تنتهجها هذه المقاومة. لكن إذا كنا في عصر لم يعد أمامنا إلا أن نقاوم إلا بهذه اليافطات، ينبغي ألا أؤيد اليافطة. حين قلت هذا الكلام غضب مني البعض. حماس زعلت مني زعلاً فظيعاً. وهوجمت من قبلها. حتى إنهم أوشكوا أن يقولوا عني صهيوني. لماذا؟ لأن ليس هناك قوى تتحمل النقد.
عفواً على المقاطعة، لكن بما أنك تطرقت بنفسك لهذا الموضوع، لماذا انتقدت وصول حماس إلى السلطة، في حين أثنيت على حزب الله؟
أنا لم أنتقد وجود حماس في السلطة، لكن قلت كان من الأفضل لها أن تظل في المعارضة.
وماذا عن حزب الله؟
حزب الله ليس في السلطة.
لكنه يساهم فيها. لديه وزراء في الحكومة ونواب في البرلمان؟
لم يكن الأمر هجاء أو ثناء. أنا مواطن مصري عربي يؤيد فعل المقاومة خصوصاً إذا كانت هذه المقاومة غير ملوثة بقتل الأبرياء والمدنيين وتوجيه البندقية إلى الآخر داخل الواطن. من حق المقاومة أن تقوم بعمليات. الخلاف اللبناني - اللبناني خلاف أحاول فهمه لكن ليس من حقي التدخل فيه. وأنا لا أرى أن هناك رفضاً للمقاومة في لبنان. ربما هناك اعتراضات على وسائل إدارة المقاومة أو هواجس تجاه المستقبل، وهي اعتراضات ومخاوف مشروعة في رأيي، ويجب التعامل معها بدل حجبها. مخاوف الناس في مصر من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة وما الذي يمكن أن يترتب على هذا الوصول مخاوف مشروعة لكن لا ينبغي أن يتم إقفال الباب أمام الإخوان المسلمين وغيرهم من القوى السياسية. هذا لا يعني أنني أقف مع الإخوان المسلمين وإنما مع حرية أي تجمّع في أن يجد مساحة للفعل السياسي داخل المجتمع. يجب عدم التصرف على قاعدة أنا سعيد لأنني أقصيتك. لما يتم إقصاء ناظم اليوم وسعد غداً وعباس بعد غد، سأكون أنا التالي.
أكلت يوم أكل الثور الأسود.
بالضبط. خلاصة القول إنه يجب أن نقبل بشروط الديمقراطية، بهذه ' الحاجات' الجميلة.
الرعب من التأويل
دكتور سأعود بك إلى النقاش الفكري قبل أن أعود مجدداً إلى السياسة. كان صلب عملك الفكري الشغل على فكرة التأويل. على منهج التأويل. لماذا يخشى البعض هذا المصطلح رغم أن التأويل استخدم تاريخياً لدى علماء دين ولغة كبار من بينهم الطبري صاحب كتاب ' جامع البيان عن تأويل آي القرآن'. كما أن تعريفات اللغويين والفقهاء للتأويل لا تؤدي إلى التكفير كتعريف الزركشي ' التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط' أو هذا التعريف ' التأويل كشف ما انغلق من المعنى'، وتعريف البجلي ' التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية'، وتعريف الآمدي ' التأويل حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتمال له'، وصولاً إلى سيد قطب في كتابه ' التصوير الفني في القرآن' إذ يختم إهداءه إلى والدته بهذه العبارة التي يتحدث فيها عن ولعه بالقرآن بسبب الوالدة منذ كان طفلاً: ' ولئن كان قد فاته جمال الترتيل، فعسى ألا يكون قد فاته جمال التأويل'. ما الفرق ما بين التفسير والتأويل في رأيك؟
جذرياً ودلالياً وفي الممارسة الفعلية في تاريخ التفسير المبكر، ارتبط التفسير بشرح المفردات، بشرح الألفاظ الصعبة والغريبة وليس بحثاً عن المعنى بشكل واضح. التفسير عنى التوضيح لأن التعبيرات اللغوية لا تنتج المعنى من خلال الألفاظ وإنما من خلال الوحدة الأولى، أي الجملة. في النصوص، فإن الجملة هي أصغر وحدة وليس اللفظ، لكن الجملة لا ينكشف معناها إلا في سياق أوسع من خلال علاقتها بالجملة التي سبقتها والجملة التي تلتها. وهنا نكون انتقلنا إذاً من الجملة إلى الخطاب. وأدنى أنواع الخطاب هو مجموعة من الجمل تتناول مجالاً معنوياً واحداً. عبد القادر الجرجاني طرح هذه المسألة في شكل رائع. لكن ما الذي جعل مصطلح التأويل مكروهاً؟ هنا سنعود إلى السياسة وألاعيبها. في القرن الرابع الهجري بدأت الإسماعيلية تنشط بشكل تهديد فيزيقي. وقد حدثت اغتيالات من بينها اغتيال نظام الملك الذي أدى إلى أزمة فكرية لدى الغزالي. المعروف أن الشيعة يفضلون هذا المصطلح وكذلك المتصوفة لأنهم كانوا يتماشون مع التراث. مثلاً يبدأ الطبري كلامه بهذا العبارة ' بسم الله، تأويل قوله تعالى...'. وليس صحيحاً تعريف الآمدي للتأويل كما ذكرته قبل قليل. قد يكون هذا التعريف أحد أدوات التأويل الذي يشمل التعبير الاستعاري والتعبير المجازي وغير ذلك. التأويل هو محاولة اكتشاف المعنى الذي يقصد إليه المتكلم أو من المسار المفترض الذي يقصد إليه المتكلم. ومن هنا يقال: آل، يؤول، أي رجع. أي الرجوع إلى اكتشاف المعنى: القصد. طبعاً هذا بناء على المفهوم الكلاسيكي. وهو أن المتكلم لديه قصد، وأن هذا المتكلم يستخدم اللغة للتعبير عن هذا القصد، وأن من المهم حين تقرأ تعبيراً ما أن تصل إلى القصد من هذا التعبير. نظرية ' الهيومينتكس' التأويلية المعاصرة تعطي أفقاً أوسع من النظريات الكلاسيكية. إذا كان مصطلح التأويل لم يتعرض لأي اعتراض حتى وفاة الطبري في بدايات ( 310 هجرية) القرن الرابع الهجري، وإذا كان مصطلح التفسير محدود الدلالة حتى ذلك العصر، وإذا كانت لفظة ' تفسير' وردت في النطاق القرآني مرة واحدة، في حين أن لفظة ' تأويل' وردت 17 مرة، وهي مرتبطة بتأويل الأحاديث والأحلام والطعام، والقرآن نص مهم جداً في تاريخ الثقافة العربية، لماذا إذاً الخوف من هذه المفردة؟ الأسباب أن لفظة ' تأويل' حُمّلت دلالات سلبية بسبب الصراعات السياسية على اعتبار أن التأويل هو فرض لمفهوم المفسِّر على النص. ومن هنا جاء اتهام بعض الجماعات الدينية في الإسلام بالباطنية ( كالشيعة والإسماعيلية والعلوية والزيدية وسواهم من الطوائف الإسلامية)، كأن الباطنية هي رفض للمعنى الظاهر وتسليم بالمعنى الباطن. لكن حقيقة الأمر أن المسألة كانت رفضاً للإسماعيلية. كان رفضاً سياسياً استخدمت فيه آليات إجرائية ولغوية ولاهوتية وتصوف. لقد أسس الحلاج والسهروردي والغزالي وغيرهم التصوف السني كرد على الحركات الفكرية والسياسية الباطنية أو التأويلية. إذاً، الألفاظ أو المصطلحات تكتسب دلالات إيجابية أو سلبية في ظل صراع البشر.
زمنية القرآن
تحدثت عن الخوف تاريخياً من قراءة النص الديني قراءة فردية، لكنك أنت ذهبت أبعد من هذا في قراءتك النص الديني، جعلت النص الديني خاضعاً لعلاقة جدلية ما بينه، أي النص، وبين القارئ. هكذا جعلت النص ليس خاضعاً للمفسِّر فحسب وإنما للقارئ. هكذا جعلت قراءة النص قراءة زمنية، وبالتالي حوّلت النص من نص إلهي- كما يفترضه المؤمنون - إلى نص بشري. هذا من جهة. من جهة أخرى أنت أخضعت النص القرآني للمناهج الغربية كما أخذ عليك البعض؟
الحقيقة أن يوضع البحث اللغوي وتطور المعرفة اللغوية وتطور معرفة تحليل النص باعتبارها منقسمة ما بين شرق وغرب، فهذا ما لا ينبغي القبول به، بل يجب الوقوف ضده. مثلاً عبد القادر الجرجاني أو الفارابي أو الزمخشري أو ابن جني، ما كانوا قد وجدوا بهذا الشكل لولا التفاعل مع الدراسات اللغوية، ليس فقط اليونانية وإنما الهندية والإيرانية.
حتى إن المدرسة اللغوية البصرية اعتمدت على منطق أرسطو في تقعيد اللغة.
هناك خلافات في نظريات النحو ما بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية. لكن ما أود قوله إن البحث اللغوي العربي تطور عن كونه مجرد إرهاصات وتعليقات. حين تقرأ مثلاً كتاب ' العين' للخليل بن أحمد الفراهيدي، ستجد أنه رتّب الأحرف بناء على مخارجها من الفم. ترتيبه الأفعال إلى ثلاثية ورباعية كان شكلاً من أشكال المنطق. كذلك القياس في اللغة، كأن تقيس صيغة غير موجودة في اللغة على صيغة سابقة وكذلك القياس في الفقه، هذا القياس هو جزء من بنية المنطق عند أرسطو. هذا القياس تم استخدامه عندنا في اللغة والفقه وعلم الكلام وغير ذلك. تصوّر أن هناك منهجاً إسلامياً غير مرتبط بالمعرفة الإنسانية خارجه هو تصوّر من أوهام السوق. أنا أنطلق من معرفة بالتراث ليست هيّنة. دراستي اللغوية في التراث ومناهج البحث اللغوي التراثي ليست هينة. لكن من واجبي كباحث ألا أبقى رهين القرن الخامس الهجري لأنني أعيش اليوم في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. وقد تم تطوير علم اللغة تطويراً كبيراً، لا بل إن علم اللغة الحديث يمكنني من قراءة علم اللغة القديم بشكل أكثر كفاءة. لهذا عندما نقول مناهج غربية فهذا يشير إلى محاولة من محاولات التلويث. مثل هذا الكلام يثير ضحكي ويدعوني إلى الطلب ممن يقوله: إذهب وفتش عن مناهج صافية. أين الإضافة؟ الإضافة أن ابن عربي - بعيداً عن علم اللغة الحديث والهرمنيوطيقيا وتاريخ الهرمنيوطيقيا يقول إن المعنى المستنبط يعتمد على درجة التجربة. كما أن دعوة المتصوفة هي في قراءة القرآن كأنه أنزل إليك، وإن مستويات المعنى فيه بلا ضفاف. ثم إن أي مؤمن عادي غير متشبع بمفهوم الشرق والغرب سيقول لك إن بحر المعاني في القرآن لا ساحل له. ما هي العلاقة إذاً بين المفسّر والنص؟ من أين يأتي المعنى؟ هل المعاني قارة في النصوص؟ إذا كانت المعاني قارة في النصوص فهذا يعني أنها معانٍ ثابتة، تكتشف للمرة الأولى والأخيرة في اللحظة نفسها. إذا نظرت إلى تاريخ التفسير من ابن عباس حتى سيد قطب، فما هي مجالات المعنى التي تمَّ الكشف عنها؟ قبل المعتزلة وقبل الحسن البصري، لم يجد أحد من المسلمين أن هناك مشكلات يجب حلها. لكن فجأة ظهرت أسئلة من مثل خلق الأفعال ومسؤولية الإنسان عن الفعل والظلم وغير ذلك...
أي المدارس الفكرية الإسلامية كالقدرية والجبرية والمرجئة.
كذلك الإحساس بأن النص القرآني يحتوي على متشابه ومحكم وغامض وغير ذلك. الحراك الإنساني هو الذي وجد في النص ضرورة لحل المتشابه في ضوء المحكم على سبيل المثال. نحن نعرف أن المسلمين اتفقوا على المبدأ لكنهم لم يتفقوا على المتشابهات أو المحكمات. مثلاً المحكمات عند المعتزلة خصوصاً في قضايا مثل الصفات وخلق الأفعال باتت متشابهات عند خصومهم. ما أود قوله إنه لم يسبق لنص أن أنتج المعنى بمفرده. كل نص يحتاج إلى قارئ لإنتاج معنى. والقارئ ليس فرداً. إنه فرد ينتمي إلى جماعة وله موقف ودرجة من المعرفة. صحيح أنه - أي الفرد - من ينتج المعنى، لكن قبول المعنى أو رفضه مرتبط بالجماعة. عبارة الإمام علي المشهورة والتي قالها في سياق النزاع حول هذا المعنى أثناء حرب صفين مع معاوية، وكان قتالاً منهكاً للطرفين كما أظهره كتاب نصر بن مزاحم، طبعاً كان واضحاً أن معسكر علي على وشك الغلبة لهذا رُفعت المصاحف على أسنة الرماح في معسكر معاوية، ولم يكن الناس على دراية من هو المحق بالخلافة علي أم معاوية لأن القرآن لا يطرح مثل هذا السؤال، لهذا قال نصر بن مزاحم إن الخلاف يجب أن ينتهي باستشارة السنة العادلة المرضية. انتبه لم يقل سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا لم تكن حكاية أبي موسى الأشعري الذي قال إني أخلع علياً من الحكم كما أخلع هذا الخاتم من يدي، في حين قال مروان بن العاص إنني أثبّت معاوية في الحكم كما أثبّت هذا الخاتم في يدي، لم تكن خدعة كما يقول الشيعة. كان التحكيم بهذه الطريقة تعبيراً عن إنهاك الناس. لهذا قال نصر بن مزاحم الذي توفي سنة 150 للهجرة، أي هو من المصادر المبكرة: ' حتى لا يحكمنا مضري إلى يوم الساعة' ( أي من قريش). أي إن العبارة تعني أن هناك من يرفض حكم علي الذي هو هاشمي وحكم معاوية الذي هو أموي وكلاهما من قريش. طبعاً علي أدرك هذا الأمر حين قال: ' القرآن بين درفتي المصحف لا ينطق إنما ينطق به الرجال'. وحين فشل التحكيم، وذهب بعد ذلك ابن عباس لمفاوضة الخوارج قال له علي: ' لا تحاججهم بالقرآن فإن القرآن حمّال أوجه ولكن حاججهم بالسنة'. والمقصود'بالسنة هنا ليس سنة الرسول وإنما التقاليد. إذاً، إنتاج معنى النصوص - بعيداً عن التفسير والتأويل - مرتبط بمجتمعات تقرأ هذه النصوص. افترض - والافتراض جائز في التاريخ - أن قريش استطاعت الإجهاز على المجتمع الإسلامي الأول، وأننا في القرن العشرين اكتشفنا صحائف ( أي القرآن) كما نجد بعض اللوحات والآثار الأخرى. كنا عندها سنحلل هذه النصوص التاريخية كما يحلل أي باحث مواد تاريخية. وبعد ذلك كنا سنضع هذه الكتابات ( القرآنية) في المتحف. إذاً، لا يوجد معنى هنا. ما الذي يجعل كتاباً ينتج معنى؟ العلاقة الجدلية ما بين النص والقارئ هي التي تنتج المعنى. لا أقول بإخضاع النص للقارئ. حين يخضع النص للقارئ يقع في الأيديولوجيا. وهذا ما علمنا إياه أشخاص غربيون مثل بول ريكور وآلتوسير ورولان بارت ومن قبلهم الألماني شلارماخر. هناك حوار ما بين القارئ والنص. هناك أفق القارئ وهناك أفق النص.'والمعنى هو نتيجة انصهار الآفاق.
دكتور سأعود بك إلى النقاش الفكري قبل أن أعود مجدداً إلى السياسة. كان صلب عملك الفكري الشغل على فكرة التأويل. على منهج التأويل. لماذا يخشى البعض هذا المصطلح رغم أن التأويل استخدم تاريخياً لدى علماء دين ولغة كبار من بينهم الطبري صاحب كتاب ' جامع البيان عن تأويل آي القرآن'. كما أن تعريفات اللغويين والفقهاء للتأويل لا تؤدي إلى التكفير كتعريف الزركشي ' التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط' أو هذا التعريف ' التأويل كشف ما انغلق من المعنى'، وتعريف البجلي ' التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية'، وتعريف الآمدي ' التأويل حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتمال له'، وصولاً إلى سيد قطب في كتابه ' التصوير الفني في القرآن' إذ يختم إهداءه إلى والدته بهذه العبارة التي يتحدث فيها عن ولعه بالقرآن بسبب الوالدة منذ كان طفلاً: ' ولئن كان قد فاته جمال الترتيل، فعسى ألا يكون قد فاته جمال التأويل'. ما الفرق ما بين التفسير والتأويل في رأيك؟
جذرياً ودلالياً وفي الممارسة الفعلية في تاريخ التفسير المبكر، ارتبط التفسير بشرح المفردات، بشرح الألفاظ الصعبة والغريبة وليس بحثاً عن المعنى بشكل واضح. التفسير عنى التوضيح لأن التعبيرات اللغوية لا تنتج المعنى من خلال الألفاظ وإنما من خلال الوحدة الأولى، أي الجملة. في النصوص، فإن الجملة هي أصغر وحدة وليس اللفظ، لكن الجملة لا ينكشف معناها إلا في سياق أوسع من خلال علاقتها بالجملة التي سبقتها والجملة التي تلتها. وهنا نكون انتقلنا إذاً من الجملة إلى الخطاب. وأدنى أنواع الخطاب هو مجموعة من الجمل تتناول مجالاً معنوياً واحداً. عبد القادر الجرجاني طرح هذه المسألة في شكل رائع. لكن ما الذي جعل مصطلح التأويل مكروهاً؟ هنا سنعود إلى السياسة وألاعيبها. في القرن الرابع الهجري بدأت الإسماعيلية تنشط بشكل تهديد فيزيقي. وقد حدثت اغتيالات من بينها اغتيال نظام الملك الذي أدى إلى أزمة فكرية لدى الغزالي. المعروف أن الشيعة يفضلون هذا المصطلح وكذلك المتصوفة لأنهم كانوا يتماشون مع التراث. مثلاً يبدأ الطبري كلامه بهذا العبارة ' بسم الله، تأويل قوله تعالى...'. وليس صحيحاً تعريف الآمدي للتأويل كما ذكرته قبل قليل. قد يكون هذا التعريف أحد أدوات التأويل الذي يشمل التعبير الاستعاري والتعبير المجازي وغير ذلك. التأويل هو محاولة اكتشاف المعنى الذي يقصد إليه المتكلم أو من المسار المفترض الذي يقصد إليه المتكلم. ومن هنا يقال: آل، يؤول، أي رجع. أي الرجوع إلى اكتشاف المعنى: القصد. طبعاً هذا بناء على المفهوم الكلاسيكي. وهو'أن المتكلم لديه قصد، وأن هذا المتكلم يستخدم اللغة للتعبير عن هذا القصد، وأن من المهم حين تقرأ تعبيراً ما أن تصل إلى القصد من هذا التعبير. نظرية ' الهيومينتكس' التأويلية المعاصرة تعطي أفقاً أوسع من النظريات الكلاسيكية. إذا كان مصطلح التأويل لم يتعرض لأي اعتراض حتى وفاة الطبري في بدايات ( 310 هجرية) القرن الرابع الهجري، وإذا كان مصطلح التفسير محدود الدلالة حتى ذلك العصر، وإذا كانت لفظة ' تفسير' وردت في النطاق القرآني مرة واحدة، في حين أن لفظة ' تأويل' وردت 17 مرة، وهي مرتبطة بتأويل الأحاديث والأحلام والطعام، والقرآن نص مهم جداً في تاريخ الثقافة العربية، لماذا إذاً الخوف من هذه المفردة؟ الأسباب أن لفظة ' تأويل' حُمّلت دلالات سلبية بسبب الصراعات السياسية على اعتبار أن التأويل هو فرض لمفهوم المفسِّر على النص. ومن هنا جاء اتهام بعض الجماعات الدينية في الإسلام بالباطنية ( كالشيعة والإسماعيلية والعلوية والزيدية وسواهم من الطوائف الإسلامية)، كأن الباطنية هي رفض للمعنى الظاهر وتسليم بالمعنى الباطن. لكن حقيقة الأمر أن المسألة كانت رفضاً للإسماعيلية. كان رفضاً سياسياً استخدمت فيه آليات إجرائية ولغوية ولاهوتية وتصوف. لقد أسس الحلاج والسهروردي والغزالي وغيرهم التصوف السني كرد على الحركات الفكرية والسياسية الباطنية أو التأويلية. إذاً، الألفاظ أو المصطلحات تكتسب دلالات إيجابية أو سلبية في ظل صراع البشر.
زمنية القرآن
تحدثت عن الخوف تاريخياً من قراءة النص الديني قراءة فردية، لكنك أنت ذهبت أبعد من هذا في قراءتك النص الديني، جعلت النص الديني خاضعاً لعلاقة جدلية ما بينه، أي النص، وبين القارئ. هكذا جعلت النص ليس خاضعاً للمفسِّر فحسب وإنما للقارئ. هكذا جعلت قراءة النص قراءة زمنية، وبالتالي حوّلت النص من نص إلهي- كما يفترضه المؤمنون - إلى نص بشري. هذا من جهة. من جهة أخرى أنت أخضعت النص القرآني للمناهج الغربية كما أخذ عليك البعض؟
الحقيقة أن يوضع البحث اللغوي وتطور المعرفة اللغوية وتطور معرفة تحليل النص باعتبارها منقسمة ما بين شرق وغرب، فهذا ما لا ينبغي القبول به، بل يجب الوقوف ضده. مثلاً عبد القادر الجرجاني أو الفارابي أو الزمخشري أو ابن جني، ما كانوا قد وجدوا بهذا الشكل لولا التفاعل مع الدراسات اللغوية، ليس فقط اليونانية وإنما الهندية والإيرانية.
حتى إن المدرسة اللغوية البصرية اعتمدت على منطق أرسطو في تقعيد اللغة.
هناك خلافات في نظريات النحو ما بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية. لكن ما أود قوله إن البحث اللغوي العربي تطور عن كونه مجرد إرهاصات وتعليقات. حين تقرأ مثلاً كتاب ' العين' للخليل بن أحمد الفراهيدي، ستجد أنه رتّب الأحرف بناء على مخارجها من الفم. ترتيبه الأفعال إلى ثلاثية ورباعية كان شكلاً من أشكال المنطق. كذلك القياس في اللغة، كأن تقيس صيغة غير موجودة في اللغة على صيغة سابقة وكذلك القياس في الفقه، هذا القياس هو جزء من بنية المنطق عند أرسطو. هذا القياس تم استخدامه عندنا في اللغة والفقه وعلم الكلام وغير ذلك. تصوّر أن هناك منهجاً إسلامياً غير مرتبط بالمعرفة الإنسانية خارجه هو تصوّر من أوهام السوق. أنا أنطلق من معرفة بالتراث ليست هيّنة. دراستي اللغوية في التراث ومناهج البحث اللغوي التراثي ليست هينة. لكن من واجبي كباحث ألا أبقى رهين القرن الخامس الهجري لأنني أعيش اليوم في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. وقد تم تطوير علم اللغة تطويراً كبيراً، لا بل إن علم اللغة الحديث يمكنني من قراءة علم اللغة القديم بشكل أكثر كفاءة. لهذا عندما نقول مناهج غربية فهذا يشير إلى محاولة من محاولات التلويث. مثل هذا الكلام يثير ضحكي ويدعوني إلى الطلب ممن يقوله: إذهب وفتش عن مناهج صافية. أين الإضافة؟ الإضافة أن ابن عربي - بعيداً عن علم اللغة الحديث والهرمنيوطيقيا وتاريخ الهرمنيوطيقيا يقول إن المعنى المستنبط يعتمد على درجة التجربة. كما أن دعوة المتصوفة هي في قراءة القرآن كأنه أنزل إليك، وإن مستويات المعنى فيه بلا ضفاف. ثم إن أي مؤمن عادي غير متشبع بمفهوم الشرق والغرب سيقول لك إن بحر المعاني في القرآن لا ساحل له. ما هي العلاقة إذاً بين المفسّر والنص؟ من أين يأتي المعنى؟ هل المعاني قارة في النصوص؟ إذا كانت المعاني قارة في النصوص فهذا يعني أنها معانٍ ثابتة، تكتشف للمرة الأولى والأخيرة في اللحظة نفسها. إذا نظرت إلى تاريخ التفسير من ابن عباس حتى سيد قطب، فما هي مجالات المعنى التي تمَّ الكشف عنها؟ قبل المعتزلة وقبل الحسن البصري، لم يجد أحد من المسلمين أن هناك مشكلات يجب حلها. لكن فجأة ظهرت أسئلة من مثل خلق الأفعال ومسؤولية الإنسان عن الفعل والظلم وغير ذلك... أي المدارس الفكرية الإسلامية كالقدرية والجبرية والمرجئة.
كذلك الإحساس بأن النص القرآني يحتوي على متشابه ومحكم وغامض وغير ذلك. الحراك الإنساني هو الذي وجد في النص ضرورة لحل المتشابه في ضوء المحكم على سبيل المثال. نحن نعرف أن المسلمين اتفقوا على المبدأ لكنهم لم يتفقوا على المتشابهات أو المحكمات. مثلاً المحكمات عند المعتزلة خصوصاً في قضايا مثل الصفات وخلق الأفعال باتت متشابهات عند خصومهم. ما أود قوله إنه لم يسبق لنص أن أنتج المعنى بمفرده. كل نص يحتاج إلى قارئ لإنتاج معنى. والقارئ ليس فرداً. إنه فرد ينتمي إلى جماعة وله موقف ودرجة من المعرفة. صحيح أنه - أي الفرد - من ينتج المعنى، لكن قبول المعنى أو رفضه مرتبط بالجماعة. عبارة الإمام علي المشهورة والتي قالها في سياق النزاع حول هذا المعنى أثناء حرب صفين مع معاوية، وكان قتالاً منهكاً للطرفين كما أظهره كتاب نصر بن مزاحم، طبعاً كان واضحاً أن معسكر علي على وشك الغلبة لهذا رُفعت المصاحف على أسنة الرماح في معسكر معاوية، ولم يكن الناس على دراية من هو المحق بالخلافة علي أم معاوية لأن القرآن لا يطرح مثل هذا السؤال، لهذا قال نصر بن مزاحم إن الخلاف يجب أن ينتهي باستشارة السنة العادلة المرضية. انتبه لم يقل سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا لم تكن حكاية أبي موسى الأشعري الذي قال إني أخلع علياً من الحكم كما أخلع هذا الخاتم من يدي، في حين قال مروان بن العاص إنني أثبّت معاوية في الحكم كما أثبّت هذا الخاتم في يدي، لم تكن خدعة كما يقول الشيعة. كان التحكيم بهذه الطريقة تعبيراً عن إنهاك الناس. لهذا قال نصر بن مزاحم الذي توفي سنة 150 للهجرة، أي هو من المصادر المبكرة: ' حتى لا يحكمنا مضري إلى يوم الساعة' ( أي من قريش). أي إن العبارة تعني أن هناك من يرفض حكم علي الذي هو هاشمي وحكم معاوية الذي هو أموي وكلاهما من قريش. طبعاً علي أدرك هذا الأمر حين قال: ' القرآن بين درفتي المصحف لا ينطق إنما ينطق به الرجال'. وحين فشل التحكيم، وذهب بعد ذلك ابن عباس لمفاوضة الخوارج قال له علي: ' لا تحاججهم بالقرآن فإن القرآن حمّال أوجه ولكن حاججهم بالسنة'. والمقصود بالسنة هنا ليس سنة الرسول وإنما التقاليد. إذاً، إنتاج معنى النصوص - بعيداً عن التفسير والتأويل - مرتبط بمجتمعات تقرأ هذه النصوص. افترض - والافتراض جائز في التاريخ - أن قريش استطاعت الإجهاز على المجتمع الإسلامي الأول، وأننا في القرن العشرين اكتشفنا صحائف ( أي القرآن) كما نجد بعض اللوحات والآثار الأخرى. كنا عندها سنحلل هذه النصوص التاريخية كما يحلل أي باحث مواد تاريخية. وبعد ذلك كنا سنضع هذه الكتابات ( القرآنية) في المتحف. إذاً، لا يوجد معنى هنا. ما الذي يجعل كتاباً ينتج معنى؟ العلاقة الجدلية ما بين النص والقارئ هي التي تنتج المعنى. لا أقول بإخضاع النص للقارئ. حين يخضع النص للقارئ يقع في الأيديولوجيا. وهذا ما علمنا إياه أشخاص غربيون مثل بول ريكور وآلتوسير ورولان بارت ومن قبلهم الألماني شلارماخر. هناك حوار ما بين القارئ والنص. هناك أفق القارئ وهناك أفق النص. والمعنى هو نتيجة انصهار الآفاق.
خالفت المذاهب السنية الأربعة إلى حد ما في اجتهاداتك، ولا سيما الإمام الشافعي الذي كان يقول ' من استحسن فقد شرّع'، بعكس أبي حنيفة الذي غالباً ما لجأ إلى الاستحسان والاستصلاح ( الاستحسان هو أن تخالف الإجماع لاستحسانك فعل شيء بينما الاستصلاح هو فعل شيء مخالف للإجماع لكنه يفيد المسلمين)، وكذلك يقول الشافعي في تعريفه للنص الديني بأن ' التنزيل هو ما يستغنى به عن التأويل'؟
هو يتكلم عن النص. والنص في المفهوم الإسلامي ليس النص كما نعرفه اليوم (Text). هذا أيضاً من مخايلات الخطاب الديني. النص هو الوحدة داخل القرآن، داخل المقول سواء كان قرآناً أم حديثاً نبوياً، والذي لا يحتمل إلا معنى واحداً. وهذا عزيز جداً. الفقهاء يقولون: والنصوص عزيزة. أي نادرة. وعندما أعطى الشافعي مثالاً للنص أعطى مثالاً للمخالفة في الحج، وهو الآية '...فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم'. إذا كان النص توقف هنا لما بات نصاً. لهذا يكمل 'تلك عشرة أيام' لئلا يخطئ أحد في العد. كأن العبارة هنا لم تترك لك مجالاً للغلط في الجمع. السيوطي يقول مثلاً إن الآية ' حُرّمت عليكم أمهاتكم' ليست نصاً لأنها يجب أن تقترن بالنكاح، فالمعنى هنا حُرّم عليكم نكاح أمهاتكم. طالما أنك تفترض محذوفاً في الكلام فهذا ليس نصاً. النص هو الوحدة اللغوية داخل القرآن أو داخل الحديث والتي يفهمها الجاهل والعاقل. طبعاً هناك تقسيمات للقرآن من بينها كلام ابن عباس عن أن هناك جزءاً في القرآن تفهمه العرب جميعها، وأن هناك جزءاً لا يفهمه إلا العلماء. لفظة نص هنا ليس بنية عامة. لهذا لا اجتهاد في ما فيه نص ( أي لا اجتهاد مع وجود النص). النص الواضح الذي يفهمه الجاهل والعاقل لا داعي للاجتهاد فيه. لكن الفكر الإسلامي يقول لك لا اجتهاد في ما فيه نص ويجعل القرآن كله نصاً وكذلك السنة كلها يجعلها نصاً، أي السنة كما وردت في البخاري وغيره. هذا تزييف معرفي.
لكنك لم تسع إلى تأويل النص فحسب. أنت بدأت بتأويل النص عبر الدعوة إلى إعادة قراءته لكنك انتهيت إلى نسف النص...
هذا ادعاء طبعاً. على المدعي أن يبين هذا.
مثلاً، كيف تفسّر عباراتك حول ' ظاهرة النص' و' الظاهرة القرآنية'. كأنما تنقل النص من مستوى إلهي إلى مستوى إنساني؟
ده كلام - إسمح لي - خارج العلم. هل من المفروض أن أتكلم لغة المشايخ من أجل ألا أتهم بأنني أنسف النص؟ العلم يفترض استخدام لغة علمية. عندما تستخدم اللغة العلمية في وصف القرآن كعبارة ' ظاهرة القرآن' فذلك للدلالة على أن القرآن مرَّ في مراحل، من المرحلة الشفاهية الأولى التي كان فيها القرآن مجموعة خطابات، ثم هناك ظاهرة المصحف ( مرحلة جمع القرآن). اللغة تتطلب هذا التمييز. المشيخية الدينية لا علاقة لها بالعلم لأن هذه المشيخية تفرض عليك أن تستخدم العبارات نفسها التي كانت تستخدم في التراث. هذه المشيخية تفرض عليَّ كلما ذكرت محمد أن أقول عليه الصلاة والسلام وتحاكمني على هذا الشيء. في الجامع أقول هذا الكلام لكن في كتاب فكري ما الداعي إلى هذا التذييل. هناك عداء لطبيعة اللغة الأكاديمية التي يجب عليها طوال الوقت أن تكون لغة وصفية. هذه امتحانات مضحكة إذا سمحت لي. مضحكة يعني. ثمة موقف إيماني من النص وثمة موقف تحليلي. ثمة موقف إيماني من الظاهرة وثمة موقف تحليلي من الظاهرة. الباحث يجب أن يجنّب موقفه الإيمان. لا يجوز محاسبة موقف الباحث الإيماني على أساس خطابه الأكاديمي.
دعني أتكلم حول خطابك. عندما تقول ' القرآن منتج ثقافي' أو ' القرآن'ظاهرة تاريخية' أو ' القرآن منتج لغوي'، هذا التوصيف العلمي إلى أين يؤدي؟
لأ مش إلى أين يؤدي؟ ليس هنا السؤال. السؤال هو: كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟ هذا هو الأهم. وليس إلى أين يؤدي؟ عندما تسأل إلى أين يؤدي فإنك تعبر عن مخاوف. تعبر عن رعب وفزع من المعرفة. لم تتم مناقشة المقدمات التي أوصلتني إلى هذا الاستنتاج الذي لا ينكر مصدر القرآن الإلهي. الفزع مما يؤدي إليه هذا الاستنتاج هو فزع على الإيمان ورقابة على الإيمان. فلنفرض أن كلامي سيؤدي إلى كفر بعض الناس. فلنفرض هذا. أنا لست رقيباً على إيمان الناس. السؤال إلامَ يؤدي ذلك هو سؤال نابع من هذا الفزع، نابع مما يُسمّى حماية عقائد العامة. هذا الكلام يضعنا في العصور الوسطى. كأنني أكتب كلاماً لناس جهلة يحتاجون إلى من يحميهم من الكلام. أنا أدرّس في الجامعة. ومهمتنا أن نعلم طالب الجامعة كيف يفكر من دون أن نضع له حدوداً للتفكير. كل النقاش الذي حصل حول أفكاري إنما حصل كراهية للنتائج وليس مناقشة للمقدمات. ما هكذا يا سعد تورد الإبل. من أجل نقد النتيجة يجب الانطلاق من نقد المقدمات. ويجب أن يكون النقد صادقاً. ما كان للعرب أن يقبلوا بوجود نبي مرسل ما لم يكن مفهوم الوحي قاراً ومستقراً في الثقافة. أن يكون القرآن مصدراً إلهياً فهذه مسألة إيمانية. وأنا أنطلق هنا من حكم انتمائي إلى الفضاء الثقافي الإسلامي. ما أود قوله إن بعض الناس لم يقرأوا الكتاب ( يقصد كتاب ' مفهوم النص' الذي ترقى على أساسه كأستاذ مشارك في الجامعة) لكنهم قرأوا المقدمة. وتحمّسوا كثيراً له ولا سيما أنهم وجدوا في هذه المقدمة هجوماً على التيارات الإسلامية المتطرفة والتخلف العقلي. وهي مقدمة إلى حد كبير سجالية. وكان الناس في القاهرة يحيونني على هذا الكتاب. أحد هؤلاء المثقفين ( الذين لم يقرأوا الكتاب) قال لي: يا دكتور، الكتاب رائع وفتح وما عرفش إيه - وأنا المدح المبالغ فيه يشتتني- لكن إنت متردد ليه يا دكتور؟ قلت له: خير، متردد في إيه؟ قال: لماذا لم تقل إنه ( القرآن) تأليف محمد؟ فقلت له: ده مش رأيي. ليس رأيي أن محمداً كان كذاباً أو نصّاباً أو أفّاقاً وغير ذلك من الصفات. ثم تابعت: إذا كنت إنت شايف إنو من تأليف محمد إكتب حضرتك كتاباً. إلى هذا الحد يمكن أن ترى أشخاصاً لا يستطيعون قراءتك جيداً لأنهم مرعوبون من النتائج. وثمة أشخاص يرون النتائج ومتحمّسون لها من غير أن يقرأوها.
ظاهرة النبوة
لكنك قلت إن ' النبوة ليست ظاهرة فوقية' في كتابك ' مفهوم النص'. وتحدثت كذلك عن إحساس محمد العميق باليتم والإهمال، معتبراً أن الصوت الذي أوحى إليه لم يكن صوتاً بعيداً عنه بل قريب من واقعه. ثم إنك تقول إن القرآن ابن بيئته. كيف تريد للقارئ أن يفهم هذا الكلام؟
عندما أقول إن شعر محمود دروش أو شعر أدونيس أو شعر شكسبير أو شعر أبي العلاء المعري أو شعر فلان، هو شعر ينتمي إلى بيئة، لا أستطيع فهم شعر المعري دون أن أعرف معرّة النعمان والظروف التي عاش فيها الشاعر والسياق الثقافي للشعر العربي...
لكننا نتحدث عن نص إلهي بحسب المؤمنين به...
لحظة واحدة، سأرد على حكاية النص الإلهي. لكن لا أحد ينكر أن'نص أبي العلاء منتج في ذلك الوقت. وإلى اليوم لم يمت نص أبي العلاء أو نص شكسبير. لماذا؟ لأننا حين نقرأ هذا النص التاريخي نعيد كل مرة إنتاج المعنى. نعود الآن إلى النص الإلهي والنص الإنساني. ما الفرق بينهما؟ هل يتطلب النص الإلهي منهجاً إلهياً لشرحه؟ الأسئلة اللاهوتية والأسئلة الدينية ساذجة جداً ولا تقدم أي شرح. الله أراد ذلك. كل شيء حدث بإرادة الله سبحانه وتعالى. هذه هي الإجابات اللاهوتية. هذا الجواب يكشف عن عمق إيمانك لكنه لا يشرح شيئاً. النص الإلهي مصدره إلهي لكن الوسيط إنساني. الوحي معناه التواصل، وهو تواصل غير لغوي. القرآن يقول ' أوحينا إلى النحل' أو ' أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..' أو ' إن الكفار لا يوحي بعضهم إلى بعض'. إذاً، الوسيط الإنساني هنا فيه الصوت الإلهي الذي لم أسمعه ولم يسمعه أي مؤمن. من سمعه هو شخص واحد ( محمد) ونحن آمنا بصدق هذا الشخص - خلي بالك - بصدق هذا الشخص. أي لاهوتي مسيحي سيقول إن موسى تلقى التوراة والألواح أمام بني إسرائيل كلهم. مدخلي إلى التواصل مع الكلام الإلهي مدخل بني آدم، إنساني. بني آدم قرر لي ماذا قال له الله. بلغة هذا البني آدم. وحين نتكلم عن اللغة لا نتكلم عن مفردات ومعجم بل عما يُسمّى تعبير اللغة عن المنظومة الثقافية. اللغة عبارة عن مفاهيم مستقرة في الجماعة. تكلمت عن أنواع الكود (الرموز) المستخدمة في القرآن. الكود المرتبط باللحظة والكود الذي يتجاوز هذه اللحظة وغير ذلك. إذاً، هناك المتلقي الأول، المبلّغ، الرسول، حامل الرسالة، وهي تعبيرات دينية كما ترى. أنا شخصياً لم أقابل الملك. الملك لم يكلمني. الملك - مع الاعتذار عن التشبيه - بعث برسالة مع الرسول لكنها رسالة شفوية، لهذا فإن اللغة التي تتضمنها هذه الرسالة ليست لغة الملك، وإنما هي لغة الرسول. ' وما أرسلنا من نبي إلا بلسان قومه'. طالما أن النبي يتحدث بلسان قومه فهذا يعني أنه يتحدث بثقافتهم. اللغة ليست وعاء فارغاً بل بنية محمّلة بالدلالات. شايف حضرتك؟ إذاً، أولاً هناك الإنسان الأول الذي تلقى الوحي. ثانياً، هناك اللغة البشرية. ثالثاً، الرسالة غير مرسلة إلى محمد شخصياً. محمد هو وسيط لتبليغ الرسالة إلى قومه. رابعاً، الرسالة تلك لم تنزل مكتملة من الألف إلى الياء'مرة واحدة بل على مراحل زمنية. كانت تنزل آيات، يقابلها المجتمع برد فعل، فتعود آيات أخرى وترد على المجتمع.
على مدار 23 سنة؟
نعم، القرآن يرد على كلام الكفّار في اتهامهم محمد بأنه شاعر أو ساحر أو كاهن أو يمليه عليه أعجمي أو أنه أساطير الأولين وهو كتبها. كان وقتها العرف أن النبي يجب أن يكون معه كتاب. وهذا هو الفرق ما بين الأميين والكتابيين. الأميون هم الذين ليس لديهم كتاب. وحين سأل اليهود محمداً أين كتابك؟، قال لهم: هذا هو الكتاب. هذا الجدل هو الذي جعلني أستخدم مصطلح ' الظاهرة القرآنية'، لأن هذه الظاهرة تتضمن الجدل والإقناع والسجال والرد. القرآن يتضمن العديد من السجالات: إن قالوا، فقل، يسألونك، قل لهم... هذه ظاهرة مهمة جداً وهي تختلف عن ظاهرة المصحف.
تقصد جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان؟
نعم ترتيب الآيات وجمعها. ما أود قوله إن المصدر الإلهي لا يلغي هذه الأبعاد الإنسانية، بالإضافة إلى أن تاريخ التفسير هو تاريخ تعاقد إنساني مع القرآن. وهنا دخلت الخلافات السياسية واللاهوتية والأيديولوجية الفلسفية.
لهذا قلت إن تفسير المفسّرين الأوائل واللاحقين هو تفسير تاريخي؟
طبعاً هو تفسير تاريخي. ذكرت لك قبل قليل عدداً من العناصر. لهذا لا معنى في إنكار هذه العناصر من أجل القول إن هذا كلام الله، ويجب اختيار منهج خاص للتعاطي'مع هذا الكلام، مع أن أحداً لم يقل لنا ما هو هذا المنهج. الذين يردون على كلامي يقولون يجب التعاطي مع القرآن كما تعاطى معه الطبري مثلاً. وعندما نتأمل كيف تعاطى الطبري مع القرآن نجد أنه يجمع آراء جميع المفسّرين، ويقسّمها إلى آراء مختلفة، ثم يختم بالقول: ' والرأي عندي....'. داخل تفسير الطبري الذي هو معجم كامل تجد هذا الجمع والتعدد والرأي الشخصي. عندنا مثلاً ست قراءات للقرآن بسبب تنوع اللهجات. هذه القراءات لم يجر تقنينها إلا في القرن الرابع الهجري على يد ابن مجاهد في كتابه ' القراءات السبع'. القرآن نص إلهي؟ نعم. لكنَّ له رحلة منذ البداية. في التاريخ الإنساني لا نستطيع تجاهل هذه الرحلة بادعاءات لاهوتية. يجب أن يظل هذا النص ( القرآني) منفتحاً على إنتاج المعنى. مشكلتنا في العالم العربي والعالم الإسلامي هي في هذا العداء للمعرفة. النص إلهي طبعاً. على عيني وعلى راسي. أنا لم أنكر إلهية النص. لكنك هل لديك منهج إلهي؟
هل هذا التواصل غير اللغوي ما بين الوحي الإلهي والنبي محمد الذي تقول به هو امتداد لمفهوم السيوطي حول الوحي، إذ اعتبر أن الوحي نزل على النبي كمعنى وليس كلغة؟
هذا أحد الآراء طبعاً. تصوّر النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان ساعي بريد، هو تصور فقير جداً، وخاطئ تاريخياً، لأن القرآن يناقش النبي' يا أيها النبي اتق الله'، أو ' يا أيها النبي لم تحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم'. وكذلك ' عبس وتولى/ إن جاءه الأعمى/ وما يدريك لعله يزكّى/ أو يذّكر فتنفعه الذكرى/ أما من استغنى فأنت له تصدّى/ وما عليك إلا يزكّى/ وأما من جاءك يسعى وهو يخشى/ فأنت عنه تلهّى'. انتبه إلى هذه اللهجة التي يخاطب بها الله النبي. إنها لغة زاجرة. أروي لك حكاية عمر حين سمع رجلاً يقرأ القرآن، فسأله: أين تعلمت هذه القراءة؟ فقال: علمنيها الرسول. فأخذه إلى النبي من رقبته. وقيل إن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وقد اجتهد العلماء في معرفة هذه الأحرف. أخيراً، تم الاتفاق على أنها لهجات مختلفة. لهذا قال عثمان: ' إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلسان قريش فإنه أنزل بلسان قريش...'. نعود إلى فكرة أن محمد ليس ساعي بريد. لهذا كتبت أن الوحي كان نوعاً من الاتصال«'البعض قال إن جبريل تكلم العربية. أنظر إلى الآية ' ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم'. حتى الرسول يوحي إذا انتبهت للآية. المشكلة في ضعف مناعة الإيمان. والرقابة على الإيمان وحماية الإيمان الدوغماطيقي وليس الإيمان الحر هما المشكلة. مفهوم الرعية يقوم على أن المسلمين يحتاجون إلى من يحميهم من الذئاب، وهو مفهوم السلطة أيضاً. هذا مفهوم الرعايا وليس المواطنين الأحرار القادرين على التفكير والاختيار بين جميع الأفكار. هذه مشكلة حقيقية. هذا جوهر الدكتاتورية وأزمة الاستبداد.
إهدار السياق التاريخي
تتحدث عما يُسمّى إهدار السياق وإهدار أسباب النزول في القرآن. في المقابل تحدثت عن تصنيف الآيات القرآنية في كتابك ' دوائر الخوف' إلى آيات تاريخية وآيات وصفية وآيات استنكارية وآيات حكمية وهناك آيات لا تفيد إلا العبرة كقصص الأولين، أي أنك جعلت عدداً كبيراً من آيات القرآن خارج إرادة التشريع. مثل هذه الآيات في رأيك لا تهدف إلى التشريع كما رآها ويراها البعض. هل يؤدي هذا التوصيف لبعض آيات القرآن إلى تعطيلها وبالتالي تحويلها إلى نص فني؟
يعني إيه نص فني؟؟؟...
يعني قصص الأولين لا تهدف كما ترى سوى إلى أخذ العبرة مثلاً؟ ألا يتنافى هذا مع اعتبار المسلمين أن القرآن دستور حياة شامل لا حاجة بهم إلى سواه؟
حين أقول إن هذه الآية فيها تهديد فهذا يشير إلى نمط الخطاب. هناك خلاف كبير حصل ما بين المعتزلة وخصومهم حول الآية ' وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمّرناها تدميراً'. إذا أخذت هذه الآية لاهوتياً تفيد معنى الجبرية. كأن الله أراد أن يهلك القوم فرتّب كل شيء لإهلاكهم. كأن الله هنا لديه خطة لإهلاك القوم. هلاك القرية هنا هو الأساس، ثم إن الله يأمر مترفيها أن يفسدوا فيها. هذه القراءة اللاهوتية. الله أراد، والله أمر، والله حقق الهدف وهو تدمير القرية. القرية هنا مظلومة بكل المقاييس. لأن من فسد هم المترفون وليس جميع الناس. ما هو نمط الخطاب هنا؟ إنه التهديد. تهديد قريش. كلمة قرية هنا للدلالة. التفسير اللاهوتي هنا يصنع إلهاً ظالماً وقرية مظلومة. المعتزلة، أصحاب العدل، وقعوا في حيص بيص. خرجوا بهذا التفسير. فعل أمر هنا ليس المقصود به الفعل الثلاثي، بل آمرنا بمد الألف، أي أكثرنا من عددهم، ومنها لفظة المؤتمر، وتآمر القوم إذا اجتمعوا بعضهم مع بعض. مع ذلك فإن المشكلة ما زالت قائمة، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أكثر من عددهم، أي لا يزال الجبر قائماً، وعندما كثر عددهم زادت قوة الفعل. هنا لا المعتزلة كانوا على حق ولا خصومهم أيضاً. القرآن هنا تحوّل إلى ساحة صراع لاهوتي. الخطاب هنا خطاب تهديدي تماماً كالآية ' يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان'. أيضاً أدخلنا التفسير العلمي لهذه الآية في حواديت حين تم اعتبار السلطان هو العلم. وهذا تخريف طبعاً. هذا فرض لرؤية المفسِّر على النص. الهدف من هذه الآية هو إظهار قدرة الله.
هل الخطاب وصفي؟ هل هو تهديد؟ هل هو وعيد؟ هل هو وعد؟ هل هو بشارة؟ هل هو مساجلة؟ هل هو تشريع؟ وهذا الأخير فيه مستويات ودلالات. هل المقصود بالتشريع تحسين الفعل؟ هل المقصود بالتشريع تقبيح الفعل؟ هل المقصود به وجوب الفعل؟ والفقهاء القدماء كانوا أكثر وعياً إذ اعتبروا أنه ليس أمراً معناه الوجوب. هناك معانٍ في القرآن، منها المعنى الروحي والمعنى الأخلاقي والمعنى الكوني والمعنى المجتمعي والمعنى التشريعي.
بعكس مفهوم السلفيين للقرآن حول المعنى الظاهري له؟
المعنى الظاهري بحسب ابن حزم مختلف. ما تسميه قراءة سلفية هي ليست قراءة. هم يعتمدون على قراءات قديمة ويعتبرونها صحيحة. وهم يختارون من القراءات الكلاسيكية ما يتوافق مع هواهم. لهذا هم إلى حد كبير انتقائيون وأيضاً عاجزون عن فهم سياق هذه القراءات الكلاسيكية. ومعظم تفسيراتهم تجيء من تفسير ابن كثير أو القرطبي. الفكر الديني حتى في شكله المعتدل معادٍ للتاريخ. التاريخ هو مجال التلوث«'حتى علماء كالشافعي مثلاً كانوا خارج التاريخ. لهذا قامت ثورة عليّ حين كتبت كتابي عن الشافعي ' الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجيا الوسطية'، كأن الشافعي مقدّس كالقرآن.
لماذا لم تقم هذه الثورة على أدونيس بسبب كتابه ' الثابت والمتحوّل' والذي أفرد فيه للشافعي جزءاً نقدياً، إذ اعتبر أنه أول من أصّل أصول الفقه بالمعنى السلبي لكلمة أصول هنا؟ وإلى أي حد استفدت من أدونيس في كتابك عن الشافعي؟
طبعاً استفدت من أدونيس ومن محمد عابد الجابري ومن قبلهما مشايخ الفقه المصريين كالسمهوري وأبي زهرا.
ألا تخشى أن تقع في الأقلوية بقراءتك هذه للتاريخ الإسلامي كما فعل أدونيس في كتابه آنف الذكر، علماً بأن قراءاتك عموماً هي قراءة أقلوية؟
أن تكون أقلية أو لا فهذا مفهوم سياسي. يقول الشيخ أمين الخولي: ' تكون الأفكار ملحدة، كافرة، ثم يمضي الزمن دورته، فتصبح أفكاراً تتغير بها الحياة'. أعتقد أن الناس لم يقرأوني بشكل مباشر. هم قرأوني بعين عبد الصبور شاهين. تصوّر أن شخصاً مثل مصطفى محمود قال: الشيخ عبد الصبور قال. محمد الغزالي قال أيضاً: الشيخ عبد الصبور قال. شد أشد علامات البؤس الثقافي أن يؤخذ الحق بالرجال ولا يحاكم الرجال على أساس الحق. أحد أعضاء مجلس النواب الكويتي ( سلفي) قال عني: إنه يقول في كتابه ' مفهوم النص' إن الله غير موجود. أنت قرأت كتاب 'مفهوم النص'. هل وجدت مثل هذه العبارة؟ لا يمكن في هذا البؤس أن يوجد فكر أكثري أو فكر أغلبية يخترق هذا البؤس.
من الجامعة إلى الجامع
في المناسبة منعت من دخول الكويت سنة 2009 لإلقاء محاضرتين، وكنت وصلت إلى المطار، لكن لم يسمح لك بالدخول. عدت من حيث أتيت وألقيت محاضرة صوتية حضرها 1500 شخص بعدما كان المكان معداً لحضور 150 شخصاً. أيضاً سنة 2008 واجهت مشاكل حين رفضت أكثر من جهة استضافتك في القاهرة، إلى أن تم تعيين محاضرتك ' الفن وخطاب التحريم' التي كنت ألقيتها في بيروت في ' مسرح دوّار الشمس'، لإلقائها مجدداً في الجامعة الأميركية في القاهرة، ومع ذلك لم تتح أمامك إلا قاعة صغيرة ما اضطر الناس - على غرار ما حصل في الكويت - إلى التجمع خارج القاعة للاستماع إليك. هل تعيش فعلاً ' لعنة' تقيّد حياتك؟ ومتى تنتهي هذه اللعنة؟
نحن نعيش في نظم سياسية أمنية، في دولة أمنية. قبضة الأمن في رقاب الناس في كل مكان. أحدهم قال لي: من حقك أن تطلب اعتذاراً. قلت له: الأنظمة ده حتعتذر لمين ولاّ لمين ومين. أنا شخص معروف وأي قهر ضدي يغطى إعلامياً. لكن ماذا عن القهر الذي يطال المواطن العادي؟ ماذا عن القتل اليومي للمواطن في أقسام الشرطة وللطلاب في أقسام المحاضرات. حين تقول لولد في المحاضرة: إخرس. أستاذ جامعة يقول لتلميذه إخرس ما تبقش سخيف. هذا نوع من القهر أيضاً. لا أريد أن أصنع من نفسي شهيداً وضحية. لكن هذه المجتمعات تعبر عن ثقافة بائسة، وأنظمة ديكتاتورية أشد بؤساً. والشكل الوحيد لحماية هذه الأنظمة الديكتاتورية أن تشارك المتطرفين في مطاردة أي فكر نقدي. لأن الفكر النقدي يهدد السلطة أيضاً. الفكر النقدي لا يتحدث فقط عن التاريخ والتراث. الفكر النقدي إذا كان يهدف إلى تحرير الناس من سلطة النصوص، فإن أول هذه السلطات هي الديكتاتورية. أنا أحتقر هذه السلطات رغم أنني لا أعتبر أن هذه السياسات موجهة ضدي شخصياً. هذه السلطة تخاف من رواية، من قصيدة، من لوحة، من أغنية. المشكلة أن الحكومات تتبنى ثقافة الإقصاء هذه قبل الجماعات المتطرفة. ثقافة البؤس هي الثقافة المعادية لأي شكل من أشكال الفرح الإنساني. الفرح الإنساني جزء منه الاستمتاع بالمعرفة، والاستمتاع بالموسيقى والأغنية والقصيدة، الاستمتاع بالجمال، جمال الناس وجمال الطبيعة. شوارعنا قبح، إعلامنا بشكل عام قبح، الوجوه التي تطالعنا أحياناً فيها قبح. فساد سياسي، فساد اقتصادي، فساد اجتماعي.
وهل ستعود للعيش في مصر في ظل هذا القبح والفساد اللذين تتحدث عنهما؟
أعيش في هولندا، لكن زياراتي إلى مصر زادت في الفترة الأخيرة. الآن بلغت سن التقاعد.
( ممازحاً) أنت متقاعد من مصر.
( يضحك) قصدي تقاعد رسمي من الجامعة. حين دعيت للمشاركة في الاحتفال في الذكرى المئوية لتأسيس جامعة القاهرة سنة 2008، تفاجأت أن الفاعلية نظمت في فندق. قلت: معقول أن الجامعة المصرية تحتفل بمئويتها في فندق؟ هذه جامعة ' مكسوفة' من نفسها. خجلانة من روحها، زي ما تكون بتداري عورة.
لديك عتب على الجامعة. هل السبب أن ما جرى لك إنما جرى داخل أسوار الجامعة؟
مش عتب أشد من العتب. الجامعات في مصر تحولت إلى جوامع. جوامع بالمعنى السلبي طبعاً.
تحرير الإنسان من النص
طالبت بتحرير الإنسان ' لا من سلطة النصوص وحدها وإنما من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن وفوراً وقبل أن يجرفنا الطوفان'. هل يشمل هذا الكلام النص القرآني أيضاً؟
إسمح لي أن أكون واضحاً. طبعاً هذا الكلام ورد في كتابي عن الشافعي. وقد تعرض هذا الكتاب لردود كثيرة. الإمام الشافعي تحوّل إلى نص'وسلطة. حتى القرآن كيف يتحول إلى سلطة؟ يتحول عبر الجماعة التي تؤمن بأن هذا النص القرآني مرجعيتها. لكن ما يحصل في التاريخ هو اعتماد قراءة واحدة صحيحة واعتبار القراءات الأخرى هرطقة. هذا الأمر يحوّل النص طبقاً للقراءة الواحدة إلى سلطة. هكذا يصبح المتحدثون باسم النصوص هم السلطة. النصوص نفسها لا تمتلك أي سلطة. لو كان تم القضاء على المسلمين وبقيت صفحات من القرآن فلن يكون لهذه الصفحات أي سلطة. وعليه، فإن التحرر من سلطة النصوص في العبارة التي ذكرتها في سؤالك هو تحرر من سلطة التأويل السلطوي للنصوص والتي تحتكر تأويل النص الديني.
أي النصوص الموازية إذا صح التعبير؟
النصوص الثانية والثالثة والرابعة. حتى القرآن نفسه كمصدر يحتاج طوال الوقت إلى إعادة قراءة مستمرة. إذا كان المقصود بأن سلطة القرآن تأتي من قراءته مرة واحدة وإلى الأبد فهذا يعني أن هذه السلطة ضد النص نفسه، ضد طبيعة النص نفسه المتعدد المعاني وفقاً للتغيرات الزمنية والمكانية.
هذا يعني أنك لا توافق على أن النص القرآني يحمل معنى العنف، كما يفسّره البعض ويعمل على أساسه من خلال الآيات التي تحض على القتال من مثل ' وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم' أو ' قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله' أو ' أقتلوهم حيث ثقفتموهم'.
بعض الساسة اليمينيين في الدول الغربية يأخذون هذه الآيات التي يستخدمها الإرهابيون ويعتبرون أنها تمثل جوهر القرآن. هذه قراءات غير سياقية. في السابق حض القرآن المسلمين على القتال: ' وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان'. هذه آية تحض الناس المترددين في القتال. السؤال هو: إلى من يتوجه هذا النص؟ ولماذا؟ وبأي لهجة؟ المسلمون الأوائل كانوا يقاتلون أهلهم وليس الصهيونية أو الإمبريالية. الأمر الآخر أن الذين دخلوا في دين محمد إنما فعلوا ذلك بداعي التسامح والقيم الإنسانية والإخاء. ' يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالي فيه كبير وصد عن سبيل الله' ( العرب قبل الإسلام كانوا يحرّمون القتال في ما يعرف باسم الأشهر الحرم وهي ثلاثة أشهر). لهذا فإن الآية المذكورة تحض المسلمين على القتال ضد أناس قريبين إليهم بمعنى النسب.
يُخشى أن تحوّل هذه القراءات المتطرفة القرآن إلى شريعة فقط؟
صحيح، اختصروا القرآن إلى تشريعات. وهم يعتمدون في هذه التشريعات على المتأخرين، أي على علم المتأخرين. لهذا حين أجري قراءة أقسم الموضوع إلى ظاهرة النص وظاهرة القرآن وما قبل النص وما بعد القرآن. وهذا تقسيم إجرائي علمي ضروري. يجب أن نعرف كيف تم تداول القرآن ومعانيه في علم الكلام والفقه والبلاغة والتصوف والفلسفة والأدب والشعر. هناك الكثير من القراءات الأيديولوجية من قبل إرهابيين أو مدعي حداثة. القرآن ليس نصاً إرهابياً ولا نصاً حداثوياً. أن تسأل القرآن أسئلة خاطئة من مثل إن القرآن لا يدعو إلى المساواة أو لا يدعو إلى حرية الأديان، هي أسئلة ساذجة لأن هذه الأسئلة هي أسئلة خاصة. كمسلم عليك أن تحاور القرآن لإيجاد أجوبة لهذه الأسئلة. خذ مثلاً موضوع الديمقراطية. فجأة اكتشف المسلمون أن القرآن نادى بالديمقراطية'من خلال الشورى. لكن قبل القرن التاسع عشر ما كان في إمكان المسلمين معرفة أن الشورى قد تعني الديمقراطية، والسبب أن الديمقراطية لم تكن سؤالاً مطروحاً. هذا ما قاله محمد رشيد رضا في رده على الذين كانوا يقولون إن الشورى تعني الديمقراطية، متسائلاً كيف كنا سنعرف أن الشورى نص ديمقراطي لو لم تأتنا الديمقراطية من الغرب؟ أي إهدار للسياق حتى في النصوص التشريعية يؤدي إلى مخاطر كثيرة. مثلاً، آية ' الرجال قوّامون على النساء' لا يمكن أخذها بحرفيتها، أي عدم وجود مساواة بين الجنسين. مثل هذا التفسير هو إهدار لنصوص كثيرة وإهدار لسلوك النبي نفسه.
كأنك حين تتحدث عن الشورى تنفي أن ما جرى في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة النبي، أي انتخاب أبي بكر الصديق خليفة أول للمسلمين، كانت نوعاً من الشورى؟
طبعاً لم تكن شورى. ثم إن آية ' وأمرهم شورى بينهم' آية وصفية. آية'' وشاورهم في الأمر' هي التشريع. والمقصود هنا مشاورة أهل الحل والعقد. لكن نحن اليوم لسنا في زمن أهل الحل والعقد. نحن في زمن انتخابات نيابية نختار من خلالها أشخاصاً ثم نرفضهم ونأتي بأشخاص غيرهم وبمعايير مختلفة كثيراً. خذ مثلاً حين تم تأسيس مجلس شورى في السعودية. أهل الحل والعقد عيّنهم الملك ولم يخترهم الناس. يعني الديمقراطية من أعلى وليس من أسفل. يجب أن نتجنب استخدام المصطلحات استخداماً خفيفاً. الديمقراطية من أسفل جوهرها الحريات الفردية. الناخب يجب أن يكون حراً فعلاً وليس مدفوعاً أو مدسوساً في جيبه ' عشرة جنيه' أو ' واخد' وجبة من الحزب وغير ذلك. هذا يدخل في الإكراه الاقتصادي والإكراه الاجتماعي والإكراه التوظيفي. من ضمن الحريات الفردية حرية تغيير الدين مثلاً. الحريات لا تتجزأ. من هنا، متى لا يعود نصر أبو زيد أو أدونيس أو غيرهما أقلية؟ عندما'تصبح الأقلية والأكثرية مصنوعة سياسياً طبقاً لمجتمع حر.
مخيلة القرآن
قلت إن الدين فكر غيبي، ورددت ظاهرة الجن والثواب والعقاب والملائكة إلى مخيلة أسطورية. هل تنفي مثل هذه العقائد التي وردت في القرآن؟
هل القرآن كتاب عقائد؟ كنص هو يستخدم ما في مخيلة العرب وما يملكون من أوهام. هذا كلام قاله محمد عبده وأمين الخولي. حين يقول القرآن ' تتخبطه الشياطين من المس'، فسرها محمد عبده كمعتقد شعبي وليس كنظرية قرآنية حول مس الشياطين. حين يتكلم القرآن عن السحر فإنه يتحدث عن كلام في ذهن العرب وليس لأن القرآن يؤمن بالسحر. القرآن يحض على العطف على المساكين والعطف على الفقراء، فهل يعني هذا أنه يجب أن يكون لدينا مساكين وفقراء؟ يعني إذا لم يكن لدينا مساكين وفقراء نخترعهم أو نوجدهم. وطيب إذا لم يكن عندنا مساكين وفقراء فهل يعني هذا أن جزءاً من القرآن تم إلغاؤه؟ خذ مثلاً العبودية التي لها أحكام في القرآن. هذه العبودية انتهت اليوم. ماذا نفعل إذاً بهذه الأحكام؟ هذه الأحكام تحولت إلى شواهد تاريخية. هناك من يقول إنها منسقة أي مؤجلة، لأن العبودية قد تعود مجدداً. الله يبشّرك بالخير. هناك من يظن أن المعنى أزلي في القرآن. أنا أرفض تسمية منسق وأقترح بديلاً لها مصطلح المنسوخ التاريخي. أي أن نسخ الحكم في النص القرآني سببه تطور التاريخ. لا تستطيع إيقاف القرآن خارج التاريخ. القرآن بشكل عام يخاطب - إلى جانب مخيلة المتلقي ووجدانه - الحس الإنساني العام. إذا تأملت في القرآن ستجد أن خطابه عقلاني ليس بالمعنى الحديث للكلمة لكن بمعنى النظر والتبصّر والاعتبار والتفكر. هذه مثيرات يلجأ إليها القرآن. لكن إذا تأملت الواقع والآفاق وسنن الله في الأرض ستصل إلى نتائج توصلك إلى الإيمان. هناك سجال دائم في القرآن. حين كان الناس يسألون النبي'عن العذاب الذي وعد الله به كان الرد القرآني يأتي بهذه الصيغة ' وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم'. القراءة العميقة للقرآن هي ما أسعى إلى تزويد القارئ بها سواء كان مسلماً أم غير مسلم.
أثناء مسيرتك الفكرية الطويلة أين أخطأت في رأيك؟ أين راجعت نفسك؟
من المؤكد أن من يتابع عملي سيجد انتقالات. لا تعني هذه الانتقالات أنني كنت على خطأ ثم صححت. الباحث لا تتوقف عنده الأسئلة. عندما يتوقف الباحث عن طرح الأسئلة عليه أن يلف نفسه في كفن وينتظر الموت. لا أتحدث فقط عن كتبي وإنما عن حواراتي مع طلبتي وفي المؤتمرات الجادة. أنا أتعلم كل يوم. حين أتوقف عن العلم سأشعر أنني أصبحت مريضاً.
دكتور، حدثت حالات نهضوية فردية في العالم العربي منذ القرن التاسع عشر. ما يطلق عليه النهضة الأولى والنهضة الثانية لم يكن أكثر من مبادرات نهضوية ظلت معزولة، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من النهضويين تمت محاكمتهم: الطهطاوي نفي، محمد عبده هُمّش، علي عبد الرازق حوكم، طه حسين تم دفعه إلى تغيير بعض آرائه في كتابه ' في الشعر الجاهلي' وصولاً إلى لويس عوض ونجيب محفوظ وأمين الخولي وليس آخرهم نوال السعداوي. هل تظن أن فكر نصر حامد أبي زيد سينتهي معزولاً ومجهضاً أم تأمل عكس ذلك؟
بداية دعني أوضح أن هؤلاء الأشخاص وإن لم يصلوا إلى كل المجتمع لكنهم كانوا مؤسسين وأساسيين. تتحقق النهضة بالأفراد إذا كان هناك مؤسسات ثقافية وسيطة تنقل فكر هؤلاء الأفراد إلى مستوى أوسع. ثم هناك الوسائل الوسيطة الأخرى، أي الإعلام. وسائل الإعلام عندنا لا تقوم بهذا الدور. لهذا لا نستطيع أن ندين الأفراد أو نتهمهم بأنهم نخبة. أنا مثلاً كنت أدرّس في الجامعة. هذا يعني أنني مسؤول عن نحو 500 طالب. وهذا كان هدف الدعوى ضدي، أي فصلي من الجامعة. ولم يكن من سبيل لفعل ذلك إلا اتهامي بأنني مرتد. الإعلام لا يقوم بالدور الذي يمكن أن تقوم به الجامعة. حين تتم استضافتي في منبر إعلامي تطرح علي أسئلة سريعة وخارجية. الإعلام لا يلعب دوراً تنويرياً لأننا نفتقد إلى حركة تنوير عامة. هناك طبعاً محاولات فردية في الإعلام المرئي أو المقروء أو المسموع لكنها لا تشكل تياراً. ما أود قوله لا يوجد أفكار تموت. لكن السؤال هو: كيف يستطيع المجتمع أن يعطي لهذه الأفكار نفسَاً. هذا هو السؤال.!
دول محور الاعتدال العربي ومبدأ الدولة الصهيونية أولا!
والحقيقة أن الشعارات بقيت شعارات معلقة في الهواء بينما الواقع الفعلي شيء آخر . وإذا ما كان التركيز هو على دول الاعتدال العربية فإن آخر ما يمكن أن تهتم به وتفكر فيه هو مصالحها الحيوية والاستراتيجية. وكثيرا ما يتبنى مسؤولوها مواقف هي في المحصلة النهائية ضد مصالح شعوبهم. ولا يمل كتبة الدواوين وصحافيو وإعلاميو دول الاعتدال العربية من التغني وترديد القول بمبدأ مصر أولا .. أو الأردن أولا .. أو المغرب أولا .. أو فلسطين أولا . وهلم جرا . وعادة ما يكون هذا الخطاب شديد السخونة في المواجهات العربية العربية، وهينا لينا في التعامل مع صناع المشاكل والأزمات ومشعلي الحروب ومفجري الصراعات. وزادت تبعا لذلك معدلات التعصب والشوفينية والنرجسية إلى ما فوق حدها الأقصى، وغطت على تصرفات تتجاوز الإساءة الأدبية واللفظية إلى جرائم فعلية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وما يحدث لغزة والضفة والقدس والمسجد الأقصى وجنوب لبنان يؤكد ما نقول وندعي .
وذلك الخطاب الذي يتردد في هذا البلد العربي أو ذاك يجد مروجين وأنصارا بين قطاعات من الرأي العام في غير دول الاعتدال. ومنها ما يُصنف غربيا وصهيونيا بأنه يرعى 'الإرهاب' أو يعد من 'الدول المارقة' . ومن يود من تلك الدول الحصول على شهادة حسن سير وسلوك عليه بنبذ 'الإرهاب' ومحاربته ، بإدانة المقاومة الوطنية واتخاذ موقف العداء من حركات التحرير العربية وغير العربية. ومن لا يريد أن توجه له تهمة 'الإرهاب' عليه بترك أرضه مستباحة، وفتح أجوائه ومياهه وأراضيه للغزاة والمحتلين، وزرعها بالقواعد العسكرية الأجنبية، ودعوة كل هب ودب للتدخل المباشر وغير المباشر في شؤونها. هذا إن كان من رعاة الإرهاب. أما وإن كان من أبناء 'الدولة المارقة' فليس أمامه إلا الانخراط في عملية سياسية أو سلمية، يلتزم فيها بطريق التفاوض ولا شيء غيره. وإذا ما سلم بأن السلام خياره الاستراتيجي فالتفاوض هدف مطلق مطلوب لذاته. وعليه إذا ما قبل أن يكون معتدلا أن يمسح ذاكرته الشخصية والتاريخية والوطنية، ويتخلص مما اختُزِن فيها وعَلِق بها في السابق ويهيل عليه التراب. فلا قيمة لضحايا ولا تقدير لشهداء سقطوا طلبا للحرية والاستقلال والتقدم. وعليه أن يقبل بنصائح الواقعيين، الذين يربطون السلام بالتفريط والتنازل عن الأرض والحقوق والسيادة. وألا يكل أو يتعب من الضغط على غير المعتدلين حتى يلحقوا بركب من سبقوهم. وتقوم تقاليد الاعتدال على ألا يستقر المواطن على أرض حرة أو محررة. يتصرف فيها بما تمليه عليه مصالحه الوطنية والاستراتيجية، وألا يحميها أو يدافع عنها، ويترك أمرها لجبابرة وسادة العالم المتربعين على عرشه. ومن تقاليد الاعتدال كذلك ألا يتمسك مواطن بهويته أو ثقافته، مهما كانت مستقرة وراسخة، وغير منقولة أو منقوصة. فالشخص المعتدل مجرد رقم، بلا شحم ولا لحم ولا عقل أو مشاعر واحتياجات .
ونلقي بعض الضوء على تطور الاعتدال المصري، إذا جاز لنا أن نسمي ما تمر به مصر تطورا. بدأ ذلك التطور المعكوس بشطب المصالح الوطنية من قاموس السياسة الرسمية، وإن كان الخطاب السياسي والإعلامي يطنطن بأن مصر أولا فقد تراجعت عمليا، ووضعها مسؤولوها في مرتبة متدنية للغاية قياسا بغيرها من الدول التي لم تكن بدأت نهضتها، وكانت مصر قد قطعت فيها شوطا كبيرا. بدأ ذلك مبكرا مع وقف إطلاق النار وتوقف العمليات العسكرية في 1973، ومنذ ذلك الوقت سارت على طريق التراجع خطوة خطوة. فكت ارتباطها بالتاريخ الوطني والقومي، في ظل تعتيم كثيف على التضحيات، وإهالة التراب على سير الشهداء والأبطال. سُحبت القوات المنتصرة التي عبرت القناة إلى مواقعها في غربها مرة أخرى، وتوالت الخطوات متسارعة. نزع سلاح سيناء واستعادتها منقوصة السيادة. وترتيبات أمنية نصت عليها اتفاقية كامب ديفيد في 1979، وقوات أجنبية.. متعددة الجنسية.. تحت غطاء المراقبة ويقودها أمريكيون . وما كان هذا ليحدث دون تفريط مبكر في دور متميز. استبدل بآخر تستحوذ فيه الولايات المتحدة الأمريكية على 99' من الاوراق ذات العلاقة بمصير ومستقبل مصر والوطن العربي والعالم. أعيدت هيكلة كل شيء، وضبطه على البوصلتين الأمريكية والصهيونية، وهما في الحقيقة بوصلة واحدة. جُمدت اتفاقيات الدفاع العربي المشترك، وتوقف الالتزام بأي اتفاقية أو معاهدة لا تضع المصالح الصهيونية في المقدمة.
وظهرت للاعتدال الرسمي المصري أنياب ومخالب، غرسها ونهش بها لحم الوطن والمواطن، وتحت وطأتها تسابق المعتدلون على تقديم التنازلات. دخلت القضية الفلسطينية حظيرة الاعتدال. وقدمت سلطتها التنازل تلو التنازل. بعد غزو بيروت عام 1982 وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى المنافي. واستمر الاعتدال المصري بتقدم مسيرة تعريب التطبيع إلى أن التحم بالاعتدال السعودي ، فتقاسما الأخطاء والخطايا، وبهما دخل الاعتدال مرحلة المبادرات. بدأت بمبادرة سعودية ، بدت موحى بها من الصحافي الإمريكي توماس فريدمان، وحملت اسم الأمير عبد الله بن عبد العزيز ( الملك الآن )، وتبناها مؤتمر القمة العربية في بيروت 2002، وتحولت من مبادرة سعودية إلى مبادرة عربية. ومثل الاعتدال السعودي نقلة بعد استقرار الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي بداية من 1991 عقب احتلال الكويت، وفي ظروف الفراغ والخلل الذي أحدثه اختفاء الاتحاد السوفييتي في ميزان القوى الإقليمي والعالمي، وأضحى الوجود العسكري الأجنبي أساسا لتشكيل ما عرف بالتحالف الدولي لإخراج القوات العراقية من الكويت. تحالف شاركت فيه قوات عربية، أهمها قوات مصرية وسورية . وقوي عود المعتدلين العرب بدخول الاعتدال الأردني إلى العلن والعمل المباشر، عقب اتفاق أوسلو في 1993. وبعده وقع الملك حسين بن طلال اتفاق وادي عربة في تشرين الاول (اكتوبر) 1994.
وتعزز الاعتدال العربي بالاعتدال الخليجي. ولعب دورا في تسهيل غزو العراق في 2003 . الكويت اختيرت قاعدة للحشد البري، وتهيأت القواعد والأساطيل على الأراضي وفي المياه الخليجية لاستقبال الطيران وناقلات العتاد والجنود وحاملات الصواريخ والبوارج والأساطيل وانطلاق الغارات منها. سُمح لسفن وبوارج الغزو بالمرور في قناة السويس ولطائراته الحربية بعبور الأجواء المصرية . وبذلك استطاعت الإدارة الأمريكية الربط بين أطراف ومراكز الاعتدال العربي، وإضافة مجهودها العسكري والسياسي والاقتصادي إلى المجهود السياسي والاقتصادي والعسكري الأ مريكي . حتى تلاقت الأولويات وتطابقت. فالدولة الصهيونية التي تحتل موقعا متميزا في سلم الأولويات الأمريكية أخذت تحتل نفس المكانة في سلم أولويات دول الاعتدال العربي . فالخطاب السياسي والإعلامي لدول الاعتدال العربي، وهو يردد أن مصر أو غيرها أولا تكشفه شواهد تقول بعكس ذلك، وأن الدولة الصهيونية هي أولا وثانيا وأخيرا، وأتصور أن الموقف لا يختلف بالنسبة للسعودية أو الأردن. أمور لم تعد خافية تمارس فى الغرف المغلقة، وتعبر عن نفسها في المؤتمرات المعلنة والقاعات المفتوحة، على الرغم من كل ما تقوم به الدولة الصهيونية من فظائع ومجازر وتخريب وتهجير. وكل هذا يجد تبريره في ادعاء العجز ولزوم حماية الامن القومي، ودواعي عدم التورط فى حروب لا شأن لهم بها. حروب تخوضها المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، أما الحروب التي تخصهم فهي التي ينعقد لواؤها للقيادة الأمريكية. أو تشن لفرض الحصار والتجويع. ولأن إيران تتخذ موقفا متشددا في مواجهة محور واشنطن تل أبيب، أصبحت العدو الأول والخطر الداهم على وجود الاعتدال العربي ومصالحه.
يرى فقهاء الاعتدال أن المعتدلين العرب إذا ما سلكوا نهجا مغايرا فسيتعرضون لعقاب ' المجتمع الدولى'، الذي تتولاه واشنطن أو تل أبيب وحلفاؤهما. ولا سبيل أمامهم إلا بالتماهي في المشروع الصهيوني والانحياز له وعدم استفزاز دولته وتلبية طلباتها. والدولة الصهيونية تستخدم الممرات المائية العربية في البحر الأحمر وخليج عدن وقناة السويس بحرية تامة . وتتمتع سفنها.. تجارية وعسكرية.. بالامتيازات التي تقدمها هيئة كهيئة قناة السويس للسفن الصديقة. وعلى الجانب الآخر توضع القيود على مرور سفن تحمل مساعدات إنسانية ومستلزمات ضرورية لقطاع غزة المحاصر، وتطبق نفس القيود على حركة المواطنين في سيناء، بينما يدخلها الصهاينة بلا تأشيرات. واتفاقية الكويز (المناطق الصناعية المؤهلة) لا تسمح بتصدير المنتج الصناعي المصري دون احتوائه عنصرا أو مادة مصنعة صهيونيا، كشرط لدخول السوق الأمريكي. ووصلت خطايا الاعتدال إلى ذروتها بتصدير الغاز المصري الداعم للصناعات العسكرية والمدنية وللاستهلاك المنزلي في المدن والمستوطنات.. ويباع للدولة الصهيونية بثمن بخس لا يغطي تكلفة إلاستخراج.
ونختم بشهادات تبين مستوى ما وصل إليه الاعتدال العربي. فقد نشرت 'المصري اليوم' القاهرية في 26/1/2010 على لسان ' شالوم كوهين' السفير الصهيوني السابق في القاهرة وصفا للعلاقات بين دولته ومصر يقول فيه أنها في أوجها، وأن ' عدد الزيارات رفيعة المستوى خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، تجاوزت التي تمت من قِبَل مسؤولين صهاينة لبعض الدول الأوروبية، أو لدول أخرى تعتبر صديقة جداً '. وذكر أن القاهرة استقبلت خلال عام2009 شيمون بيريس' ثلاث مرات، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ثلاث مرات. وأن التعاون الصهيوني المصري في مجا ل الأمن بلغ ' مستوى غير مسبوق '. وقبلها كانت صحيفة هآرتس قد نشرت في 22/1/2010 ما قاله رئيس مركز هرتسوغ لبحوث الشرق الأوسط بجامعة بن غوريون عن الجدار الفولاذي الذي تبنيه مصر على حدودها مع قطاع غزة كنموذج للخدمات التى تقدمها القاهرة لتل أبيب. و تترجم المصلحة المشتركة في استئصال حركة المقاومة الإسلامية ' حماس ' المسيطرة على قطاع غزة والقضاء عليها بالقوة، ونظرتهما المشتركة إليها كمنظمة ' إرهابية ' . ثم يشيد صحافي صهيوني آخر بالتعاون الصهيوني الخليجي أثناء زيارة له مؤخرا إلى
البعث: المقاومة العراقية نجحت في دحر الاحتلال الامريكي الصهيوني الفارسي البغيض وأمسكت بمقود النصر المبين
وقال البعث في بيانه: 'تحل علينا الذكرى السابعة للاحتلال الأمريكي الصهيوني الفارسي البغيض والذي استهدف العراق أرضاً وشعباً وحضارة، فبعد مقاومة ضارية لعدوان المحتلين دامت ثلاثة أسابيع وبعد البطولات الجريئة للجيش العراقي ومقاتلي اللواء 45 في معركة أم قصر الخالدة ومعارك الناصرية والكفل والهندية ومعركة المطار وغيرها من الملاحم الخالدة، فعلت اخر مبتكرات تكنولوجيا الأسلحة العمياء والقوة الغاشمة فعلها في احتلال العراق وتدمير دولته الوطنية وحل جيشه الباسل وإصدار قرار (اجتثاث البعث) السيئ الصيت الذي استهدف حالة الانبعاث العربي الجديد التي حققتها ثورة البعث الخالدة على ارض العراق الطاهرة.
فكان استهداف البعث استهدافاً للشعب العراقي كله وللامة العربية كلها، ولقد بان ذلك بقتل ما يقارب من المليوني شهيد عراقي وأكثر من 120 ألف شهيد بعثي وتدمير البنى التحتية والاقتصادية والثقافية للعراق وتنفيذ أبشع جرائم الإبادة الجماعية بحق أبناء شعبه الأبي وبالغطاء المهترئ للعملية السياسية المخابراتية وحكومات الاحتلال المتعاقبة والانتخابات المزورة المتعاقبة، وقد بان ذلك وعلى نحو جلي وعبر فصول اخرها استمرار مسلسل (الاجتثاث) الخبيث والذي طال أبناء الشعب كلهم وحتى بعض المشاركين في العملية السياسية ممن لا يرومون الخنوع والخضوع لتنفيذ مخططات الحلف الامريكي الصهيوني الفارسي في توريث الاحتلال الامريكي للاحتلال الإيراني .. وقد ترافق ذلك بتصعيد جرائم اغتيال واعتقال مناضلي البعث ومجاهدي المقاومة وتدبير المظاهرات الهزيلة التي قوامها عملاء من سقط المتاع ومرتزقة حكومة المالكي العميلة للتحريض في قتل المناضلين البعثيين في بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب التي يتصدى أبناؤها البررة ببسالة منقطعة النظير للتغلغل والنفوذ الإيراني والتواطؤالامريكي الإيراني في تقاسم النفوذ والمصالح على حساب الشعب العراقي المجاهد والامة العربية المجاهدة.
يا شرفاء العراق وأبناءه الغيارى إنكم تدركون تمام الإدراك أن ما جرى في التاسع من نيسان/ابريل عام 2003 هو الثأر التاريخي المركب للحلف الامريكي الصهيوني الفارسي من البعث والعراق والامة، ففي السابع من نيسان/ابريل عام 1947 ولد البعث الأصيل فكراً وتنظيماً وممارسات نضالية وفي الثامن والعشرين من نيسان/ابريل عام 1937 ولد شهيد الحج الأكبر الرفيق القائد صدام حسين رحمه الله وفي السابع عشر من نيسان/ابريل عام 1963 انبثق ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق وفي السابع عشر من نيسان/ابريل عام 1988 حرر مقاتلو الجيش العراقي الأبي الفاو العزيزة من براثن الاحتلال الإيراني الفارسي العنصري وكانت معركة الفاو بوابة النصر الحاسم للعراق والعرب في الثامن من آب/اغسطس عام 1988 فيما لقن مقاتلو الجيش العراقي الأبطال الكيان الصهيوني مر الدروس في الأعوام 1948، 1967، 1973 في معارك العرب المصيرية ضد هذا الكيان العنصري الاغتصابي المسخ .. فيما ضربت ثورة البعث في العراق وقواته المسلحة الكيان الصهيوني بثلاثة وأربعين صاروخاً في كانون الثاني/يناير عام 1991 رداً على العدوان الثلاثيني الغاشم وسبق للعراق أن حقق الاستثمار الوطني المباشر للنفط في التاسع من نيسان/ابريل عام 1972 والذي أفضى بصدور قرار التأميم الخالد في الأول من حزيران من ذلك العام .وهكذا جاء احتلال أميركا وحلفاؤها الصهاينة والفرس في التاسع من نيسان/ابريل عام 2003 دلالة ثأرية كبيرة ومركبة من التاسع من نيسان/ابريل عام 1972 وكل عطاءات نيسان/ابريل الخير التي عرضناها في هذا البيان فهو احتلال ثأري مقيت استهدف بعث الامة ونهوضها واستهدف العراق وثروته النفطية متوخياً تحقيق امن الكيان الصهيوني الذي كان أكثر شماتةً واطمئناناً بتدمير العراق ولكن هيهات هيهات.
ان المقاومة العراقية الباسلة انبثقت في ضحى التاسع من نيسان/ابريل عام 2003 واستعر لهيبها المتواصل حتى يومنا هذا ونجحت في دحر الاحتلال الامريكي ـ الصهيوني ـ الفارسي البغيض وأمسكت بمقود النصر المبين الذي بات ملء عيون العراقيين الإباة وأفئدتهم وضمائرهم بعد أن انهزمت فلول المحتلين الأمريكان فارة مذعورة الى قواعدها غير الآمنة والتي غدت مقبرة لأزلامها تحت وطأة نيران المقاومة العراقية الحامية وحتى يوم الظفر الحاسم يوم التحرير الشامل العميق واستقلال العراق التام والناجز بتحقيق حكمه الوطني الشعبي الديمقراطي التعددي الذي سيكون للعراقيين جميعاً بعد أن يضع العملاء والخونة تحت مقصلة التاريخ الذي لن يرحمهم أبداً'.
دبي، ويطالب بزيادة معدل التعاون معها، ويرى أن الأزمة المالية الحالية ستدفع دبي للتعاون مع أي فرد أو أي جنسية مهما كانت.
البرادعي للمصريين قبيل سفره لواشنطن: إذا لم تنضموا لحملتي الآن فلا تشكوا سوء الأوضاع غداً
وقال البرادعي' نصيحتي لكل الآباء والأمهات والشباب أن تلتفوا على قلب رجل واحد كي ننجح معاً في عبور هذا الليل الذي يلف بنا من كل جانب بعد أن أحكم النظام حصاره على مصر وجعل منها مطية لكي تخدم مصالح فئة ضيقة'.
وتحت عنوان 'إذا لم تشارك بصوتك اليوم فلا تشكُ غداً' قال الدكتور البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه بالرغم من حملة الترويع التي يشنها النظام بمختلف مؤسساته في وجه دعاة التغيير إلا أن الامل كبير في أن يحصل المصريون على الحرية التي يستحقونها شأن شعوب العالم الذين صعدوا وتقدموا حينما حكموا عبر قواعد من الديمقراطية وتوالت عليهم حكومات وصلت للحكم عبر انتخابات نزيهة وتحظى بالشفافية'.
ومن المقرر أن يلقي البرادعي محاضرة فى جامعة هارفورد ويلتقي بأنصار التغيير من المصريين في بوسطن.
وتشير التقارير الصادرة عن المنسقين لحملة الرجل الذي أربك وصوله للقاهرة الحزب الحاكم وساهم في حالة من الحراك السياسي غير المسبوق أن عدد مؤيدي البرادعي والموقعين على بيان حركة التغيير التي تقودها الجمعية الوطنية للتغيير، على الموقع الخاص بها 36.265 مصريا حتى الآن، يؤيدون عملية التغيير والمبادئ التى ينص عليها بيان جمعية 'التغيير'، هذا علاوة على آلاف التوقيعات التى جمعتها الحملة المستقلة لدعم البرادعي وحركة 6 أبريل.
وفي سياق متصل يستعد المشرفون على حملة البرادعي لتنظيم لقاء مع المصريين المرحلين من الكويت وأعضاء الحملة بالكويت عقب الإفراج عن طارق ثروت، منسق الحملة بالكويت، لبحث مجريات الأمور وكيفية الحصول على حقوقهم.
وأشارت مصادر أن الحملة مهتمة حاليا عملية بجمع التوقيعات على بيان الجمعية بجانب تدشين التليفزيون الإلكتروني الذي يهدف لفتح مناقشات حول التغيير في مصر.
ويعود البرادعي في 15 ايار/مايو المقبل ليبدأ جولة جديدة في محافظات مصر يلتقي خلالها المواطنين المصريين وأعضاء الجمعية الوطنية للتغيير في المحافظات.
وفي نفس السياق قال جورج إسحق ـ أحد رموز الجمعية الوطنية للتغيير - إن قيادات الجمعية سيعملون خلال الفترة المقبلة من أجل الإعداد لعدد من الجولات التي سيبدأها الدكتور محمد البرادعي فور عودته في 15 ايار/مايو رافضا الكشف عن المحافظات التي سيزورها البرادعي في الوقت الحالي قائلاً 'ما زلنا في فترة الإعداد وبعدها سنعلن عن الأماكن التي سيزورها البرادعي وقيادات الجمعية'.
ونفى إسحق ما تردد بشأن أن البرادعي سوف يلتقي خلال وجوده في أمريكا بمسؤولين بالبيت الأبيض أومن الإدارة الأمريكية، مشدداً على أن ما يتم الترويج له في هذا السياق عار تماماً من الصحة ومرده محاولة قوى داخل النظام تشويه صورة الرجل الذي لا يسعى إلا للوصول ببلاده للمكانة التي تستحقها وأن تحكم بواسطة حكم شريف ونزيه وأن يحول بين الأجيال الجديدة وأن تحكم بنفس الآلية الديكتاتورية التي تعاقبت على مصر على مدار العقود السابقة.
وأضاف إسحق قوله: إن جولة الولايات المتحدة الأمريكية مهمة لا سيما المؤتمر الذي سيعقده البرادعي مع المصريين في هارفارد لطرح قضية التغيير وإشراكهم في الحوار الدائر في مصر حولها بالإضافة إلى عقد عدة محاضرات في الجامعات الأمريكية فضلا عن اللقاء بالجالية المصرية هناك.
وتعتبر زيارة البرادعي للولايات المتحدة واللقاء بالمصريين هناك فضلاً عن لقائه بالمصريين في أوروبا هي الأولى من نوعها بعد عودته إلى مصر وتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها البرادعي مع المصريين بالخارج بشكل مباشر حول قضية التغيير وهي خطوة ستكون مؤثرة في استكمال الضغوط التي تمارسها حركات المعارضة الحية بعيداً عن أحزاب المعارضة على نظام الحكم في مصر من أجل الوصول إلى تعديلات دستورية تتيح لمختلف المصريين الترشح لرئاسة الجمهورية بلا قيود على أي شخص من الأحزاب أو المستقلين وتضمن معايير من النزاهة والشفافية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتحدد مدد تولي الرئيس لموقع الرئاسة بفترتين على الأكثر.
وانتقد رموز في الحزب الحاكم جولة البرادعي للخارج مشددين على أنها تعد طلباً صريحاً من قبله للخارج للتدخل في شؤون مصر.
وقال اللواء نبيل لوقا بباوي عضو مجلس الشورى لـ'القدس العربي' ان البرادعي هبط بباراشوت على المصريين ويريد أن يحكمهم بالرغم من أنه لا يعرف عنهم شيئاً فقد عاش في الخارج اربعين عاماً.
ووصف دعوته بتغيير الدستور من خلال جولاته بالكنائس والمساجد بأنها غير مقبولة طالباً منه أن يلتزم بالمعايير القانونية إذا أراد أن ينافس في الإنتخابات الرئاسية المقبلة.
من جانبه هاجم الدكتور حسام عيسى، نائب رئيس الحزب الناصري أحزاب المعارضة الكبرى 'الوفد والتجمع والناصري والجبهة' واعتبرهم جزءا لا يتجزأ من النظام الحاكم في مصر.
وقال عيسى الذي صنع تلك الأحزاب هو النظام، كما أنه هو الذي فطمهم، على حد تعبيره.
أضاف عيسى أن هذه أحزاب لن تجرؤ على إصدار قرار بمقاطعة الانتخابات بسبب ولاءاتها للنظام وارتباط مصالحها بمصالحه. وبرر عدم قدرة الحزب الناصري على المقاطعة بأنه 'لن يتجاوز عدد أعضائه 4 آلاف بعد أن كانوا 29 ألفا'
واعترف القطب الناصري الكبير بأن مؤيدي البرادعي أصبحوا أكثر من أعضاء الحزب الناصري'.
وقال عيسى أن النظام سيلغي حالة الطوارئ قبل الانتخابات، لأنه ليس بحاجة إليها بعد أن ضمن الأحزاب المعارضة، مشيرا إلى أن خوض هذه الأحزاب للانتخابات سيكون بمثابة 'مناصرة' للنظام، فالهدف من إعادة الوفد إلى الساحة هو إنهاء مبادئ ثورة يوليو ومساندة رجال الأعمال، أما التجمع، فالهدف الأساسي من إنشائه هو مقاومة الإخوان، بينما ينظر الناصري نحو النظام بنظرة الضعيف حتى يقابله النظام بالشفقة عليه وإعطائه عددا من المقاعد فى البرلمان.
فيما رد عليه عصام شيحة، عضو الهيئة العليا بالوفد بأنه في حالة مقاطعة هذه الأحزاب للانتخابات فإن هناك 20 حزبا آخرين سيدخلون بدلا منهم، مضيفا أن من يهاجمون أحزاب المعارضة في الغالب يتبنون أجندات أجنبية
الشوكولاتة دواء جيد لمرضى الكبد
وقال باحثون اسبان ان تناول الشوكولاتة السوداء يضع حدا للارتفاع المعتاد الذي يحدث بعد تناول الطعام في ضغط الدم في منطقة البطن والذي قد يصل إلى مستويات خطيرة لدى مرضى التليف الكبدى وفي الحالات الشديدة قد يؤدي الى تمزق الأوعية الدموية.
ومن المعتقد ان مضادات الأكسدة الموجودة في الكاكاو هي السبب في ان الشوكولاته مفيدة لضغط الدم حيث ان هذه المواد الكيميائية تساعد خلايا العضلات الملساء في الأوعية الدموية على الاسترخاء والاتساع.
ووجدت دراسة شملت 21 من مرضى الكبد في مرحلة متأخرة ان اولئك الذين اعطوا وجبة تحتوي على 85 في المئة من شوكولاتة الكاكاو السوداء واجهوا ارتفاعا أقل بشكل ملحوظ في ضغط الدم في الكبد أو في الوريد البابي مقارنة باولئك الذين اعطيت لهم الشوكولاته البيضاء.
وقال مارك ثارسز أستاذ امراض الكبد بكلية لندن امبريال 'هذه الدراسة تظهر صلة واضحة بين تناول الشوكولاتة السوداء وتراجع ارتفاع ضغط الدم وتدل على اهمية محتملة للتحسن في علاج مرضى التليف الكبدي'.
وتأتي هذه النتائج -التي عرضت في الاجتماع السنوي للرابطة الأوروبية لدراسة الكبد في فيينا- في اعقاب عدد من الدراسات العلمية السابقة التي تشير إلى أن الشيكولاته السوداء تعزز أيضا صحة القلب.
وينجم التليف الكبدي عن عوامل مختلفة منها الاصابة بالالتهاب الكبدي الوبائي أو ادمان المشروبات الكحولية. .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق