رحل يوم أمس فضيلة الإمام الأكبر الشيخ سيد طنطاوي، وأرى أنه من الواجب شرعا أن لا نتعرض لـ"مثالب" الرجل، فهو اليوم بين يدي ربه سبحانه وتعالى، وإنما يعتبر خلو منصبه، مناسبة لإعادة منزلة المشيخة ومكانتها باعتبارها أكبر مؤسسة للإسلام السني في العالم، إلى دائرة النقاش العام مجددا، بعد أن تركها أكثر مشايخها جدلا وخلافا بشأن مواقفه، ولعل الوضع ـ هذه الأيام ـ يرفع عن الجميع الحرج مما يمكن وصفه بـ"التجريح" أو "إهانة" إمام الجامع الأزهر بصفته أو بشخصه.. إذ رحل الشيخ وخلا المنصب ولم يعد أمامنا إلإ "المؤسسة" التي يظل نقدها عملا مباحا ولا حرج فيه.
ولا شك في أن المشيخة ـ ومنذ حركة ضباط الجيش في يوليو 1952 ـ قد تراجعت بالتدرج مكانتها وهيبتها العلمية والدينية إلى أن وصلت إلى أسوأ مراحلها خلال السنوات العشر الأخيرة، إذ لم يعد للأزهر ذات المكانة التاريخية بوصفه قبلة العلم والعلماء وملاذ المستضعفين والضعفاء، ومخزون "الثورة" والحركات الاحتجاجية ضد ظلم السلطة الوطنية.. ولم يعد المؤسسة التي كانت ترتجف ـ بمجرد سماع اسمها ـ قادة جيوش أكثر الغزاة بربرية ووحشية وعدوانية وحقدا وكراهية للإسلام وللمسلمين.
لم تدرك الإدارة المصرية الحالية، قيمة الأزهر كأحد أهم قوة مصر "الناعمة"، إذ أحالته إلى محض مؤسسة "خدمية" لا تخدم الدور الإقليمي والدولي لمصر "البلد القاعدة" وإنما سياسات النظام الصادمة مع ما استقر في الضمير المصري من ثوابت ظلت لعقود طويلة سنام أمن العالمين العربي الإسلامي.. وهو التحول الذي تصاعد بالتدرج منذ خمسين عاما مضت وإلى أن انتهى الحال بالأزهر اليوم كبؤرة ضوء باهتة وخافتة في ليل العالم السني حالك الظلام.
هذا صحيح على مستوى دور النظام السياسي المصري في اضعاف الأزهر، وهي ظاهرة ليست بدعا عن السياق العام، حيث ترهلت الدولة في العقود الثلاثة الأخيرة وباتت "دولة عجوزا" خاصة فيما يتعلق بمؤسسات قواها الناعمة التي صنعت دور مصر الإقليمي، ولم تنتعش فيها ـ اليوم ـ إلا مؤسساتها وأجهزتها القميعة والتسلطية والتي قمعت طاقة التجديد والابداع لصالح قوى الجمود في السلطة.
ومع ذلك .. لا يمكن أن نعفي من يتولى رأس المشيخة جزءا من المسؤولية، والأخيرة تحتفظ بتراث كبير وخبرات ثرية في الصدام مع السلطة وصدها عن الاجتراء على المشيخة وهيبتها ومكانتها ولعلنا نتذكر موقف الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله عندما اصر ضباط الجيش بعد يوليو 1952، على ضم القضاء الشرعي إلى القضاء الأهلي.. حيث اعترض لإيمانه أنه من المفترض أن يكون العكس لأن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تكون المصدر الرئيسي المهيمن في التشريع، فقدم استقالته قائلا قولته الشهيرة :" "إن الأزهر أمانة قي عنقي أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأت أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من أن لا يحصل له نقص" وكان يرفع شعاره :" "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز وعلى الدنيا بعدها العفاء". ترحم الله تعالى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي وتقبل منه صالح عمله وغفر له واسكنه فسيح جناته ، ويبقى السؤال الأكبر والاهم والعاجل خاصة في ظل ظروف الوفاة المفاجئة ــ من هو الشخص المناسب لتولى هذا المنصب الرفيع إسلاميا وعربيا ومصريا خاصة في ظل مجموعة من الاعتبارات
الإستراتيجية إسلاميا وعربيا ومصريا والتي نتوقف لنلقى عليها مزيدا من الضوء ولكن في سياق استراتيجي جامع نخلص منه لترشيح الشخصية الأنسب خلال هذه المحطة التاريخية الهامة من تاريخ المسلمين و العالم .
لاشك في أن الأزهر الشريف مؤسسة إسلامية عالمية تعد الممثل الأمثل للمسلمين عالميا وخاصة أهل السنة
وقد قام فعلا بهذا الدور على مدار عمره الطويل على مستوى الفكر والتجديد والنظر والتعليم والتوجيه والإرشاد وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي بل والعسكري التحرري في مواجهة المستعمر الذي غزا مصر والعالم الاسلامى والعربي ، كما أن الأزهر منح مصر مكانة خاصة في العالم الاسلامى إضافة إلى ما تحظى هي به من مكانة حضارية متميزة عربيا وعالميا .
بيد أن الأمر تغير قليلا خلال الفترة السابقة نظرا لاعتبارات وظروف سياسية واجتماعية واقتصادية أثرت في مجموعها على الأوضاع في المنطقة وعلى مصر بصفة خاصة بداية من اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وحتى الآن أسهمت بشكل كبير في تقليص النفوذ والدور المصري عربيا وإفريقيا وعالميا وبطبيعة الحال أثر ذلك على طبيعة الدور الذي يمكن أن يقوم به الأزهر .
على مستوى القضايا الإسلامية والعربية بل والمصرية وتطور الأمر إلى اختزال دور الأزهر الشريف في مجموعة من الممارسات التنفيذية المحلية داخل مصر فقط تتعلق ببعض مكونات الشأن الديني داخل مصر
وقد تصور البعض أحيانا انه لم يعد هناك وجود للأزهرـ حيث لم نعد نسمع به إلا حين تحتاجه الحكومة في أمر من الأمور، وعلى سبيل المثال لا الحصر فتوى جواز الجدار العازل حول غزة ! .
مما تسبب في إشكالتين مزدوجتين في وقت واحد .
الأولى للأزهر ذاته كمؤسسة إسلامية عالمية لها مكانتها وهيبتها الدينية والروحية في نفوس المسلمين في شتى بقاع المعمورة ــ حيث اختزل دوره ــ إلى أن تحول إلى آداه في يد الحكومة تستخدمها وقتما شاءت دونما مراعاة لأية حرج أو اهتزاز يمس هذه المؤسسة العالمية والتي يحتاج إليها المسلمون اشد ما يحتاجون إليها الآن ، مما تسبب في المس بهيبة ومكانة الأزهر كمؤسسة دينية إسلامية عالمية يمكن أن تمارس العديد من الأدوار الدينية والثقافية والسياسية العالمية التي تساهم في حفظ وصيانة ومكانة الدين الاسلامى عامة والأديان السماوية أيضا ، ويساهم بجزء كبير في صيانة وحفظ الاستقرار والسلام والأمن العالمي
في هذا الوقت بالذات الذي يعيش فيه العالم سلسلة من الحروب المشتعلة باسم الدين وباسم محاربة الإرهاب
في ظل غيبة مؤسسة إسلامية عالمية جامعة قادرة على التحرك الايجابي واستخدام سلطاتها وأدواتها في تصحيح وترشيد وضبط الأفكار والمناهج والحركات على ارض الواقع .
الإشكالية الأخرى للدولة وللنظام المصري الذي فقد احد أهم أدواته الإسلامية العالمية التي كانت تمنحه مزيد من المكانة والنفوذ الديني العالمي الذي كان من الممكن استخدامه سياسيا في تصحيح الكثير من الأوضاع والأزمات العالمية التي كان الإسلام طرفا فيها بالإضافة إلى قضايا القدس والعراق وأفغانستان
والكثير من القضايا الأخرى التي يمكن اللجوء إلى الأزهر للمساهمة في حلها ، بيد أن النظام المصري لم يحسن استخدام ذلك بل حول الأزهر إلى أداة محدودة للاستخدام السياسي محليا ومن ثم وضع الأزهر في حرج كبير افقده الكثير من مصداقيته ومكانته محليا وعربيا وعالميا وخسر هو أيضا بضياع تكلفة الفرصة العظمى البديلة .
بداية من مؤسسة الأزهر نفسها والتي تعانى من حالة كبيرة من الجمود والتقادم والضعف والتراجع أصابت مؤسساته التعليمية والعلمية والإدارية ناهيك عن الكثير من أشكال الخلل والفساد الادارى التي أصابت أجزاء كبيرة منه والتي تحتاج إلى قيادة جديدة حاسمة وقوية ومجددة قادرة على إعادة تجديد وضخ دماء الأفكار والأشخاص التي تعيد للأزهر حياته وحيويته وفاعليته .
كما أن العالم الاسلامى وما يعانيه من مشاكل إستراتيجية كبرى بداية من توقف باب التجديد الفقهي والفكري والعلمي والذي أصاب العقل المسلم بحالة جمود وتراجع كبيرة تراجعت به إلى مؤخرة الركب الحضاري الانسانى ، بالإضافة إلى حالة الفرقة والصراع الداخلي والأزمة مع الغرب وأزمة الحركات والفرق والمذاهب الإسلامية المتعددة والمتنوعة مع نفسها أحيانا ومع بعضها البعض ومع الأنظمة والحكومات والتي تسببت في
تتشتت وإهدار الجهود وتحولها عن مسارها التنموي والنهضوى الصحيح لإعادة استجماع الأمة لعقلها وإنتاج مشروع حضاري تجتمع عليه الجهود لإعادة نهضة الأمة من جديد .
كما أن المد الشيعي الايرانى والذي يعيش أزهى فتراته التاريخية في ظل دولة إيران القوية والتي تحولت إلى دولة إقليمية تشارك الكبار في إدارة العالم وقيادة منطقتنا العربية والإسلامية مهد الإسلام السني وما تمثله للإسلام السني من تهديد في عقر داره في ظل غياب مؤسسة إسلامية سنية عالمية كالأزهر الشريف تتحدث باسم المسلمين وتستطيع أن تواجه هذا المد الشيعي الزاحف على المسلمين السنة في عقر دارهم .
كما أن الحالة الإسلامية العامة بما تمثله من تنوع كبيرفى التنظيمات والحركات الإسلامية يبدأ من التنظيمات التي تنتهج العمل الوعظي والارشادى والعلمي والتربوي انتهاء بالجماعات التي تمارس العنف وقد تأسس بعضها ونما وقوى وتعاظم فعله وأثره في سياق أفكار فردية يغيب عنها الفكرالمؤسسى الجامع الذي يستند إلى مؤسسة إسلامية عالمية جامعة تمثل المسلمين وتفكر وتجتهد لهم ولا تنتمي لدولة أو لنظام سياسي ما حيث يعلو الأزهر فوق كل هذه الانتماءات المحدودة للإسلام ومن ثم يستعيد مكانته وهيبته وحياديته واستعلائه بما يمكنه من أن يفرض كلمته على كل هذه التنظيمات ويساهم في تصحيح مساراتها وتوجيهها استراتيجيا إلى ما فيه صالح الإسلام والبلاد والعباد ويطفئ الكثير من النيران المشتعلة في الكثير من بقاع العالم .
كما ان غياب الممثل الرسمي القوى للإسلام و المعترف به عربيا وإسلاميا وعالميا ساهم بشكل كبير في توسيع هوة الفجوة بين الإسلام والغرب حيث لم يجد الغرب ممثلا واحد قويا يتحدثون إليه بل وجد الكثير من الممثلين المتنوعين للإسلام تنظيمات ومؤسسات وأفراد ـ وابرز مثال على ذلك حالة الهرج والمرج التي حدثت أثناء أزمة رسوم الكاريكاتير مع الدنمارك .
كما ان غياب مؤسسة جامعة وقوية وممثلة لأهل السنة فتحت المجال أمام التنظيمات القوية المحكمة للشيعة من التمدد الكبير في العراق وامتلاك الجزء الأكبر من الأوراق في إدارة العراق، وتحول السنة إلى مجموعة من التنظيمات المتعددة المتنوعة الضعيفة الهشة التي لا تستند إلى مرجعية قوية يمكن ان يعترف بها وفتح المجال لكل منها ان يجتهد حسب فهمه وعلمه حتى شاهدنا من يذبح البشر على شاشات التلفاز باسم الإسلام !
كما ان الحركات الإسلامية داخل المنطقة العربية تحديداً والتي دخلت في حالة من الصراع الدائم والصدام المستمر مع الأنظمة ساهمت في حرق الأخضر واليابس ووقف وتعطيل جهود التنمية التي كان من الممكن توجيهها لتنمية ونهضة هذه الدول والمنطقة لو وجدت مؤسسة إسلامية قوية جامعة مثل الأزهر الشريف ومحايدة تسمو بانتمائها إلى الإسلام وفقط ومن ثم تحظى بقبول ورضا وثقة هذه الحركات والحكومة معا ومن ثم كان من الممكن ان تقوم بدور ما في ضبط وترشيد هذا الصراع وتصحيحه وربما تحويل الأزمة إلى فرصة لتنمية ونهضة هذه الدول .
كما ان ضعف وهشاشة النظام العربي عامة وجامعة الدول العربية خاصة كان من الممكن ان يكون للأزهر دور في دعمه وتقويته وتعزيزه خاصة وان الأزهر يحظى بمكانة عالمية كبرى يستمع ويأتمر به المسلمون
في شتى قارات الدنيا .
كل ذلك يدعونا إلى ضرورة البحث عن شخصية فريدة من نوعها وتكوينها وتاريخها تمتلك القدرة العلمية والفكرية على التجديد وتمتلك منهجا وسطيا حكيما يجمع ولا يفرق ، تحظى بالقبول والثقة من جميع الفئات الإسلامية المتباينة والمختلفة تستطيع ان تعيد للأزهر هيبته ومكانته وحياديته وتعيد له دوره في معالجة الكثير من القضايا الإسلامية والعربية والمحلية بشكل علمي ومنهجي صحيح .
ربما ساقت الأقدار لعالمنا العربي الاسلامى هذه الشخصية الفريدة في تكوينها ومقوماتها العلمية والنفسية والفكرية والروحية ، وتاريخها وانجازاتها والتي ربما لن تتكرر في التاريخ الاسلامى مرة ثانية ولعل الله تعالى قد أعده على عينه لمثل هذا الموقف التاريخي المتأزم الذي يعيشه المسلمون .
ففضيلة العلامة الدكتور القرضاوى بما يمتلكه من تاريخ طويل من العطاء الممتد للقضايا الإسلامية تميز بالقدرة الفائقة على التجديد الفقهي في الكثير من أهم قضايا العصر، بالإضافة إلى ما يميزه بما أسسه وعاش طيلة عمره ينادى به ويعلم ويربى طلابه عليه في شتى بقاع الأرض على منهج الوسطية الحكيمة الراشدة ، كما انه الشخصية الفردية التي استطاعت وبكل عزة وشموخ أن تتعالى على أية انتماءات محدودة جعلته ملكا للأمة جميعها وليس ملكا لدولة أو نظام أو حركة أو فكر معين إنما هو الانتماء للإسلام وكفى .
كما انه الشخصية المقبولة عالميا على المستوى العالمي والذي يستطيع ان يستعيد للأزهر عالميته وفعاليته على الساحة العالمية .
الكثير والكثير من الأسباب التي تجعل من فضيلة العلامة الدكتور القرضاوى الشخصية الأنسب لتولى مهمة ومسئولية وأمانة استعادة الأزهر إلى الساحة المصرية والعربية والعالمية بقوة وفاعلية .
ألا ليت النظام المصري يعي ويدرك أهمية وخطورة الموقف ومدى حاجة مصر والعروبة والإسلام للأزهر وحاجة الأزهر القرضاوى .وفي الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر إثر أزمة قلبية مفاجئة ألمت به في مطار الرياض استعدادا لعودته إلى القاهرة لتختتم رحلة طويلة من المعاناة والصراعات والمشاحنات والتحصيل العلمي أيضا ، رحلة طويلة من صعيد مصر إلى القاهرة إلى العراق إلى ليبيا إلى المملكة العربية السعودية إلى القاهرة من جديد ، كانت ثرية بالتعلم والتعليم بالتحصيل والعطاء أيضا، إذ لا يمكن أن يتجاهل أحد تلك الرحلة العلمية الكبيرة التي استغرقها الشيخ في تحصيل العلم ، خاصة في النصف الأول من عمره ، وكان كتابه المهم " بنو إسرائيل في القرآن والسنة" وهو سفر كبير في جزئين من أهم المراجع التي اعتمد عليها الباحثون في مصر والعالم الإسلامي في دراسة هذه القضية ، وقد رأيت بنفسي كتابه في أكثر من مكتبة عامة في عواصم عربية مختلفة ، قبل أن تطير شهرته بالمنصب وقبل أن يتولى أي منصب رسمي ، وطوال هذه الرحلة العلمية لم يثر حول الشيخ وعلمه ودوره أي مشكلة أو شيء يقلق ، وإنما بدأ القلق عندما بدأ في تولي المناصب الرسمية ، وخاصة مشيخة الأزهر بكل ما عليها من أعباء ومشكلات واستحقاقات ، وقد أثارت مواقفه وأحيانا تناقضاته الكثير من الغضب والاحتجاج في أكثر من صعيد ، إسلاميين وعلمانيين وشرق وغرب ، وصحيح أنه شخصيا مسؤول عن كثير من تلك الإشكالات إلا أن الذي يغفله كثيرون هو أن أي شخص آخر غيره سيوضع أو يختار إلى هذا المنصب الآن لن يختلف الحال معه كثيرا ، القضية ليست قضية أشخاص الآن ، وإنما منظومة دولة بالكامل لا يوجد أي استقلالية حقيقية لأي مؤسسة أو جهة فيها ، مؤسسة واحدة هي التي تقود كل شيئ ، مؤسسة الرئاسة ، وكل ما عداها مجرد سكرتارية ، تعرف مقصود الرئاسة في المسألة أو تتلقى توجيهها ورغبتها السامية ثم تبحث عن الصيغة المناسبة لصياغة وتحقيق المطلوب تمهيدا لفرصه على المجتمع ، كل في مجال خبراته وتخصصه ، رجل القضاء أو رجل البرلمان ، أو رجل التعليم ، أو رجل الثقافة أو رجل الدين أو رجل الإعلام أو رجل الأمن أو أي شخص توكل إليه مسؤولية الإشراف على مؤسسة من مؤسسات الدولة ، مجرد أدوات لتنفيذ إرادة رئيس الجمهورية ، والفروقات بين الجميع تنحصر في "الشكل" الذي يتم به تنفيذ التوجهيات والإرادة السامية ، البعض يقوم به بجلافة ، والبعض يقوم به بنوع من الشياكة والبعض يمارسه من خلال أدوات معاونة يستأجرها في نطاق إشرافه ، تحت ستار مستشارين وخبراء ، والبعض يمارس التنفيذ بغشومية ، البعض يحتفظ بعلاقات خاصة مع مؤسسات إعلامية وصحفية للتغطية والتجميل والتستر أحيانا ، والبعض لا يحسن تلك الصنعة فيتعرض للاستهداف الدائم كصيد سهل ، وبالتالي فلا أتصور أن مشيخة الأزهر سوف يختلف شأنها في الفترة المقبلة ، أيا ما كان الشخص المرشح لها ، الشخص قيمة هامشية للغاية في تأثيرها على السياسات التي تصدر ، لأن المنظومة كلها ضاغطة ومهيمنة ومحاصرة وتسحق أي نزعة مستقلة للمسؤول ، ولن يحدث إصلاح لأي جزء من هذه المنظومة إلا بإصلاح المنظومة كلها ، وأي شخص يفكر ، مجرد تفكير ، في التمرد عليها يتم إخراجه منها ، بطريقة أو أخرى ، والحقيقة أن الشيخ طنطاوي في الأشهر الأخيرة قد تعددت الصدامات بينه وبين أقطاب نافذة في تلك المنظومة خاصة عندما زاد استهتار رئاسة الوزراء بالأزهر وشؤونه ومؤسساته أو محاولات الضغط الزائد لانتزاع موافقة الشيخ على بعض توجهات مؤسسات تابعة لحرم الرئيس ، ولا أعرف ما إذا كان لذلك أو توابعه وتعمد إحراجه سبب في زيادة الضغط على الشيخ في الأيام الأخيرة والأزمة القلبية التي داهمته في مطار الملك خالد بالرياض وهو يستعد للعودة ، لكنها ذكرتني بحادثة مشابهة وقعت للدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب الأسبق الذي مات فجأة بأزمة قلبية مشابهة وهو جالس على كرسيه في مطار كوالا لامبور انتظارا للعودة من مؤتمر شارك فيه وفد رسمي ، وكان الراحل قد تعرض لإهانات لا تليق باسمه ومكانته عرضته لأزمة قلبية عنيفة حتى فارقت روحه جسده دون أن يشعر به أحد وهو جالس على كرسيه في صالة السفر ، يرحمهما اللهزاهر لم يصافح روراوة .. ويبدى تفاؤله بعد انتهاء لجنة الاستماع
ناشد أحد قادة أقباط المهجر بالولايات المتحدة، اليهود الأمريكيين تقديم الدعم للأقباط في مصر، والعمل على تبني قضاياهم، ودعوة الزعماء الأقباط للحديث في مراكز الأبحاث اليهودية والكونجرس، وذلك من أجل "منع تحول مصر لدولة جهادية معادية لإسرائيل"، على حد تعبيره. وطالب الناشط مجدي خليل في محاضرة منظمة منتدى الشرق الأوسط الأمريكية اليمينية المقربة من اللوبي الإسرائيلي، ومقرها بولاية بنسلفانيا، مساندة اليهود الأمريكيين لما أسماه بـ "قضية الأقباط المسيحيين" في مصر، وقال: "لأننا لا نتمتع بكثير من القدرة على التعبير السياسي نريد تأييدا من أمريكا، من اليهود هنا، من مراكز الأبحاث اليهودية لوضع قضية الأقباط على أجندتكم، على أجندة مراكز الأبحاث اليهودية، لدعوتنا للحديث والكتابة عن قضيتنا، إلى الحديث أيضا إلى الكونجرس ومجلس الشيوخ لمساندة الأقباط في مصر". وحث مراكز الأبحاث اليهودية على دعوة الأقباط للحديث فيها ولقاء أعضاء الكونجرس لبحث القضايا التي تتعلق بمصر. وذكرت "وكالة أنباء أمريكا إن أرابيك" أنها حصلت على تسجيل صوتي كامل لمحاضرة خليل قال فيها إن "تعزيز حالة الأقباط في مصر يخدم أيضا المصالح الغربية والأمريكية واليهودية، لأن الأقباط في مصر هم من يكافحون لمنع تحول مصر لدولة جهادية مسلحة مناوئة للغرب ومعادية لإسرائيل". وأضاف: "الأقباط لهم تصور مؤيد وإيجابي قوي تجاه الولايات المتحدة بينما يعترف معظم المسلمين بكراهية الولايات المتحدة". ومنتدى الشرق الأوسط الذي تحدث أمامه خليل يعد أحد أبرز منابر المحافظين الجدد، ويترأسه الكاتب الأمريكي الصهيوني دانيال بايبس، الكاتب المشارك في جريدة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، ويعتبر هذا الأخير أحد أهم الأصوات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي في الولايات المتحدة. وقال الناشط القبطي: "الأقباط المسيحيون يريدون لمصر أن تكون مهتمة فقط بالقضايا والمشكلات المصرية، بينما يعتقد المسلمون أن مصر يجب أن يكون لها دور كبير في مساعدة العرب والمسلمين". وأضاف: "الأقباط يؤيدون السلام مع إسرائيل ويريدون وضع نهاية للعداء السائد لأن الأراضي المصرية المحتلة في السابق أعيدت لمصر بالكامل، لكن من الناحية الأخرى تعتبر مؤسسات الأمن القومي (المصرية) والتيار الرئيسي من المسلمين إسرائيل عدوا أول لمصر وللإسلام". ووصف خليل الأقباط في مصر بأنهم "أقلية كبيرة وأكبر أقلية تحت حكم أنظمة إسلامية، وهم أكبر أقلية في بلد إسلامي في العالم". وادعى أن "الأقباط يواجهون نفس الإرهاب الذي واجهته الولايات المتحدة في 11 سبتمبر والذي واجهته لندن ومدريد وموسكو وبالي ومومباي وتل أبيب أيضا"، لكنه قال إن "الفارق أن الأقباط تعرضوا للإرهاب الإسلامي لعقود وعلى يد الدولة نفسها"، وأشار إلى أنه "ليس مفاجئا إذن أن حوالي ثلث الإرهابيين في العالم جاءوا من مصر وأن معظم القراء والمفكرين الإرهابيين جاءوا من مصر أيضا". واتهم خليل، الذي تروج كتاباته بشكل كبير بين الأقباط داخل مصر وفي المهجر، مصر بأنها "تمثل، إضافة للسعودية وباكستان وإيران، المراكز الأساسية للفكر الإسلامي في العالم ورعاية الإرهاب الإسلامي حول العالم". ومضى قائلا: "بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تطبيق سياسة ساهمت في دعم التطرف الإسلامي في مصر، وصل التطرف إلى قلب مؤسسات الدولة حيث يشغل العديد من المتشددين مناصب قيادية حاليا في هيئات إنفاذ القانون وأجهزة أمن الدولة والاستخبارات، إضافة إلى القضاء والبرلمان ومؤسسات حكومية أخرى". وزعم خليل في حديثه عبر تقنية الفيديو كونفرانس في 26 فبراير، أن "الجرائم المرتكبة بحق الأقباط المسيحيين تحولت بدلا من كونها تصرفات إجرامية ارتكبها إسلاميون متطرفون إلى جرائم دولة"، مدعيا وجود اضطهاد ممنهج للأقباط وأن حكومة الرئيس حسني مبارك تستخدم الأقباط كبش فداء لتحويل الغضب العام ضد الفساد نحو المسيحيين في مصر، وأضاف: "نجح (مبارك) في توجيه الكراهية والعدوان الشعبيين نحو 3 أهداف بديلة هي إسرائيل والولايات المتحدة والأقباط"، على حد زعمه. |
يأتى ذلك ضمن حرص الاتحاد الدولى لكرة القدم على أخذ أقوال الطرفين بعد الأزمة التى نشبت بينهما بسبب أحداث الاعتداء على الاتوبيس الجزائرى فى القاهرة، والاعتداء على جماهير مصر بالسودان ضمن مبارتى مصر والجزائر الاخيرتين بتصفيات افريقيا المؤهلة لمونديال كأس العالم 2010.
وتكونت لجنة الإنضباط من 18 عضوا، ويرأسها السويسرى مارسيل ماثير، حيث لن تعلن اللجنة اليوم عن قرارها بل أنعقدت فقط للاستماع إلى أقوال الجانبين المصرى والجزائرى لاستكمال ملف الشكوى المقدم من الطرفين.
وحضر الاجتماع سمير زاهر وسحر الهوارى وبعض اعضاء مجلس ادارة الاتحاد المصرى، كما حضر محمد رورواة رئيس الاتحاد الجزائرى وكمال شداد رئيس الاتحاد السودانى والمغربى محمد باحو مراقب المباراة الفاصلة بالسودان.
وقال مصدر مقرب من زاهر لـ(GoalFmRadio.com) من زيوريخ :" سمير زاهر بدت عليه السعادة والراحة بعد انتهاء الجلسة، التى أوضح خلالها أنه يسعى وراء اعادة العلاقات المصرية الجزائرية مرة أخرى".
وأضاف المصدر أن سمير زاهر لم يصافح محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائرى، حيث دخل كل طرف الى المكان المخصص له باللجنة.
وأنهى المصدر تصريحاته لـ(GoalFmRadio.com) بأن سمير زاهر سيتواجد غداً بالقاهرة هو وجميع من صاحبه من اتحاد الكرة.
وفيما يلى نص البيان الرسمى الذى نشره الموقع الرسمى للاتحاد المصرى لكرة القدم:
عُقد اليوم بمقر الاتحاد الدولي بزيورخ في تمام الساعة العاشرة صباحاً اجتماع لجنة الانضباط للإستماع إلى أحداث مباراة مصر × والجزائر في تصفيات كأس العالم لكرة القدم والتي أُقيمت بالقاهرة .
وقد رأس الاجتماع السيد / مارسيل ماتير رئيس لجنة الانضباط والسيد باولو لامباردي سكرتير اللجنة ، وقد حضر الوفد المصري برئاسة الكابتن / سمير زاهر – رئيس الاتحاد المصري ، والدكتورة / سحر الهواري – رئيس لجنة العلاقات الخارجية ، والسيد / عمرو وهبي – مدير التسويق والمنسق الأمني لمباراة مصر × الجزائر ، والكابتن / أيمن حافظ – مرافق الفريق الجزائري من قبل الاتحاد المصري ، وذلك حسب طلب الاتحاد الدولي بالحضور بصفتهم ، بالإضافة إلى السيد / جان باولو مونتيري – المحامي السويسري الخاص بالاتحاد المصري لكرة القدم .
وقد حضر أيضاً الوفد الجزائري برئاسة السيد / محمد روراوه – رئيس الاتحاد الجزائري ، والسيد / وليد سعد عضو مجلس الإدارة والمشرف على المنتخب الجزائري الأول ، والطبيب الفرنسي الخاص بتأهيل الفريق ، وطبيب ألماني خاص بأحد اللاعبين الجزائريين .
وقد بدء السيد / مارسيل ماتير الاجتماع بتوضيح الهدف من هذه الجلسة بأنها جلسة اجتماع أولى فقط لجمع المعلومات والإلمام بجميع الأحداث والمُلابسات التي أحاطت بالمباراة للوصول إلى الحقيقة من خلال الأفراد الحضور .
وقد أوضح رئيس اللجنة بأن إجراءات الاستماع أن يلتزم الجميع بسرد الحقائق فقط دون التعبير عن وجهات نظر شخصية وذلك من خلال الاجابة عن أسئلة اللجنة أومحامي اتحاد الكرة .
وقد حضر أيضا مراقبي المباراة الدكتور / كمال شداد – مراقب المباراة ، والسيد /محمد باحو – المسئول الأمني لهذه المباراة .
وقد طلب رئيس اللجنة – طبقاً للإجراءات المتبعة أن يحضر الوفد المصري لهذه الجلسة كاملاً ، على أن يتم دعوة أفراد الوفد الجزائري والمراقبين للإستماع إلى أقوالهم بصفة منفردة .
وفي الختام استمعت اللجنة لكلمة الكابتن / سمير زاهر – بحضور السيد / محمد روراوه – بأنه يؤكد بأن ما بدر من البعض لكلاً من الجانبين من تجاوزات ما هي إلا فتنة وتصرفات غيرمسئولة وهي أمور يجب علينا جميعاً تجاوزها ، ودعى كلا من الشعبين إلى طي هذه الصفحة ، كما أكد على قوة الروابط التاريخية والتي تربط بين الشعبين تحتم علينا التسامح وتمنى عودة العلاقات إلى سابق عهدها .
وقد أوضح أنه يرفض أن يكون الإرهاب والشغب مرادفيين لكرة القدم وأن ذلك سوف يؤثر بالسلب على اللعبة المفضلة للجميع ومن المفترض أن كرة القدم تجمع الشعب لا تفرقها .
وقد شكر السيد / مارسيل ماتير رئيس الاتحاد المصري على تأكيده لإرساء هذه القيم والتي تتفق مع مبادئ كرة القدم .
وقد أضاف السيد رئيس اللجنة بأن هناك إجتماعاً أخر سوف يُعقد في القريب العاجل لعرض مستندات كلاً من الطرفين ، وأضاف بأنه سوف يتم النظر في الطلب المصري بخصوص مباراة السودان وذلك بعد الإنتهاء من جمع جميع المستندات الخاصة بهذه المباراة ، وقد أنتهى الاجتماع في تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر
وتكونت لجنة الإنضباط من 18 عضوا، ويرأسها السويسرى مارسيل ماثير، حيث لن تعلن اللجنة اليوم عن قرارها بل أنعقدت فقط للاستماع إلى أقوال الجانبين المصرى والجزائرى لاستكمال ملف الشكوى المقدم من الطرفين.
وحضر الاجتماع سمير زاهر وسحر الهوارى وبعض اعضاء مجلس ادارة الاتحاد المصرى، كما حضر محمد رورواة رئيس الاتحاد الجزائرى وكمال شداد رئيس الاتحاد السودانى والمغربى محمد باحو مراقب المباراة الفاصلة بالسودان.
وقال مصدر مقرب من زاهر لـ(GoalFmRadio.com) من زيوريخ :" سمير زاهر بدت عليه السعادة والراحة بعد انتهاء الجلسة، التى أوضح خلالها أنه يسعى وراء اعادة العلاقات المصرية الجزائرية مرة أخرى".
وأضاف المصدر أن سمير زاهر لم يصافح محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائرى، حيث دخل كل طرف الى المكان المخصص له باللجنة.
وأنهى المصدر تصريحاته لـ(GoalFmRadio.com) بأن سمير زاهر سيتواجد غداً بالقاهرة هو وجميع من صاحبه من اتحاد الكرة.
وفيما يلى نص البيان الرسمى الذى نشره الموقع الرسمى للاتحاد المصرى لكرة القدم:
عُقد اليوم بمقر الاتحاد الدولي بزيورخ في تمام الساعة العاشرة صباحاً اجتماع لجنة الانضباط للإستماع إلى أحداث مباراة مصر × والجزائر في تصفيات كأس العالم لكرة القدم والتي أُقيمت بالقاهرة .
وقد رأس الاجتماع السيد / مارسيل ماتير رئيس لجنة الانضباط والسيد باولو لامباردي سكرتير اللجنة ، وقد حضر الوفد المصري برئاسة الكابتن / سمير زاهر – رئيس الاتحاد المصري ، والدكتورة / سحر الهواري – رئيس لجنة العلاقات الخارجية ، والسيد / عمرو وهبي – مدير التسويق والمنسق الأمني لمباراة مصر × الجزائر ، والكابتن / أيمن حافظ – مرافق الفريق الجزائري من قبل الاتحاد المصري ، وذلك حسب طلب الاتحاد الدولي بالحضور بصفتهم ، بالإضافة إلى السيد / جان باولو مونتيري – المحامي السويسري الخاص بالاتحاد المصري لكرة القدم .
وقد حضر أيضاً الوفد الجزائري برئاسة السيد / محمد روراوه – رئيس الاتحاد الجزائري ، والسيد / وليد سعد عضو مجلس الإدارة والمشرف على المنتخب الجزائري الأول ، والطبيب الفرنسي الخاص بتأهيل الفريق ، وطبيب ألماني خاص بأحد اللاعبين الجزائريين .
وقد بدء السيد / مارسيل ماتير الاجتماع بتوضيح الهدف من هذه الجلسة بأنها جلسة اجتماع أولى فقط لجمع المعلومات والإلمام بجميع الأحداث والمُلابسات التي أحاطت بالمباراة للوصول إلى الحقيقة من خلال الأفراد الحضور .
وقد أوضح رئيس اللجنة بأن إجراءات الاستماع أن يلتزم الجميع بسرد الحقائق فقط دون التعبير عن وجهات نظر شخصية وذلك من خلال الاجابة عن أسئلة اللجنة أومحامي اتحاد الكرة .
وقد حضر أيضا مراقبي المباراة الدكتور / كمال شداد – مراقب المباراة ، والسيد /محمد باحو – المسئول الأمني لهذه المباراة .
وقد طلب رئيس اللجنة – طبقاً للإجراءات المتبعة أن يحضر الوفد المصري لهذه الجلسة كاملاً ، على أن يتم دعوة أفراد الوفد الجزائري والمراقبين للإستماع إلى أقوالهم بصفة منفردة .
وفي الختام استمعت اللجنة لكلمة الكابتن / سمير زاهر – بحضور السيد / محمد روراوه – بأنه يؤكد بأن ما بدر من البعض لكلاً من الجانبين من تجاوزات ما هي إلا فتنة وتصرفات غيرمسئولة وهي أمور يجب علينا جميعاً تجاوزها ، ودعى كلا من الشعبين إلى طي هذه الصفحة ، كما أكد على قوة الروابط التاريخية والتي تربط بين الشعبين تحتم علينا التسامح وتمنى عودة العلاقات إلى سابق عهدها .
وقد أوضح أنه يرفض أن يكون الإرهاب والشغب مرادفيين لكرة القدم وأن ذلك سوف يؤثر بالسلب على اللعبة المفضلة للجميع ومن المفترض أن كرة القدم تجمع الشعب لا تفرقها .
وقد شكر السيد / مارسيل ماتير رئيس الاتحاد المصري على تأكيده لإرساء هذه القيم والتي تتفق مع مبادئ كرة القدم .
وقد أضاف السيد رئيس اللجنة بأن هناك إجتماعاً أخر سوف يُعقد في القريب العاجل لعرض مستندات كلاً من الطرفين ، وأضاف بأنه سوف يتم النظر في الطلب المصري بخصوص مباراة السودان وذلك بعد الإنتهاء من جمع جميع المستندات الخاصة بهذه المباراة ، وقد أنتهى الاجتماع في تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر
بعد 55 كتاباً بدأها بـ«المقدمة فى التصوف لأبى عبدالرحمن السلمى» عام1987، ومروراً بكتبه «التراث المجهول.. إطلالة على عالم المخطوطات»، و«المخطوطات الألفية»، و«كلمات التقاط الألماس من كلام الناس»، وصولا إلى روايته «عزازيل»، يصدر يوسف زيدان كتابه الجديد «اللاهوت العربى» عن دار الشروق. وقد صدّر الكاتب مؤلفه بقوله: «لم يوضع هذا الكتاب للقارئ الكسول، ولا لأولئك الذين أدمنوا تلقى الإجابات الجاهزة، عن الأسئلة المعتادة. وهو فى نهاية الأمر كتاب، قد لا يقدم ولا يؤخر».
ويقدم موقع الشروق نيوز للقراء الأعزاء الفصل الأول من هذا الكتاب
الله والأنبياء فى التوراة
حين يتلقى اليهودي الصبى، والمسيحى من بعد، قصص «التوراة» للمرات الأولى فى حياته، يتلقاها مبسطة ومشفوعة بشروح وتعليقات، خليقة بأن تجعل هذا القصص مقبولا فى أذهان أهل الابتداء، على اعتبار أن بواطن المبتدئين كالشمع، تقبل كل نقش من دون أى نقاش. ومع تكرار الأمر يوما بعد يوم، وجيلا من بعد جيل، يصير القصص التوراتى معتادا ومنظورا إليه على اعتبار أنه عقيدة ودين، بل هو العقيدة ذاتها والدين.
أما إذا نظرنا للتوراة بعين مجردة لم تعتد هذه النصوص، ولا تعتد بها كوحى من السماء، فسوف تفاجئنا حقائق محيرة فى التوراة أو أسفار موسى الخمسة التى يبدأ بها «العهد القديم» وهى أسفار: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.
وهذه الأسفار الخمسة، تعد حجر الزاوية فى الديانة اليهودية، وتعترف بها المسيحية اعترافا كاملا، وينظر إليها الإسلام بعين القلق من دون أن يرفضها تماما، على اعتبار أنها صحيحة الأصل، محرفة النص. ومن ثم، فالتوراة تحظى من الإسلام باعتراف منقوص، أو بإقرار مشوب بالحذر.. المهم، تفاجئنا التوراة بعديد من الحقائق المحيرة التى يعنينا منها الآن، الحقيقة التالية:
اليهودية وصور "إشكالية" للإله
بعدما اجتهدت الحضارات الإنسانية القديمة، فى تقديم صورة مثلى للإله المتسامى، المحتجب فى عليائه «آمون، فى المصرية القديمة تعنى: المختفى» المفيض بالخير على الكون، واهب الحياة والرحمة، المتجلى منذ القدم فى صورة أنثوية «إيزيس، عشتار، إنانا، أرتميس» العادل الكامل البهى الباهر.. أتت اليهودية بصورة «إشكالية» للإله، لم تقف عند تعدد أسمائه التوراتية: آدوناى، الرب، رب الجنود يهوه، ياهو، إيل، إلوهيم، أهيه الذى أهيه.. وإنما تعدت الإشكالية هذا التعدد إلى طبيعة الله وصفاته فى التوراة. فهو «تعالى» يظهر تارة داعيا إلى الخير وفضائل الأعمال، وتارة أخرى يظهر عنيفا، منتقما من الناس لحساب اليهود. مثلما هو الحال مثلا، فى العبور «الفصح» الذى نشر الرب فيه الرعب بأرض مصر، إرضاء لشعبه المختار. تقول التوراة على لسان الرب، فى خطاب إلهى موجه إلى النبى موسى وأخيه هارون، ومن ورائهما أهلهما من اليهود الذين كانوا يقطنون مصر، بحسب التوراة، من قبلهما بقرون من الزمان، فيأمرهم الله أن يذبحوا خرافا، ويضعوا من دمها علامة على أبواب بيوتهم: «فإنى أجتاز فى أرض مصر هذه الليلة، وأضرب كل بكر فى أرض مصر، من الناس والبهائم، وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين، أنا الرب، ويكون الدم علامة على البيوت التى أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم، فلا تكون عليكم ضربة الهلاك، حين أضرب أرض مصر».
وهكذا يحتاج الرب التوراتى المفترض فيه أنه «تعالى» القادر العليم، علامة بصرية كى يميز بيوت أحبائه من اليهود، حتى لا يضربهم سهوا بتلك النيران الإلهية الصديقة، التى يهلك بها أهل مصر. وهو الهلاك الذى احتفت اليهودية بوقوعه، وجعلته عيدا للرب أبد الدهر، وهو عيد الفصح أو العبور.
والعجيب فى الحكاية التوراتية هذه، التى سوف تصير أنموذجا لبنية «الخروج» التى سنتعرض لها فى آخر كتابنا هذا، قبل الخاتمة مباشرة، أن وقائعها مسبوقة بمصائب كبيرة ألحقها «الرب» بأهل مصر، عقابا لفرعون الذى لم يوافق على إطلاق اليهود ليرحلوا عن مصر. وبحسب الآية التوراتية: شدد الرب قلب فرعون، فلم يطلق بنى إسرائيل! فكأن المصريين، وعلى رأسهم فرعونهم، ظلوا متمسكين ببقاء اليهود فى مصر، ولم يفرطوا فيهم، حتى آخر رمق فى حياة كل مصرى، وحتى خراب آخر بيت ببلادهم.
التوراة تأمر اليهود بالاحتيال على المصريين!
والأعجب مما سبق، أن التوراة لا تذكر بعد هذه الضربات الإلهية الاستباقية لأرض مصر، أن موسى النبى وقومه كانوا مضطهدين من المصريين. بل على العكس من ذلك، تقول التوراة إن الله «تعالى» أمر اليهود بالاحتيال على المصريين! ولنترك النص التوراتى، يحكى لنا ما يؤمنون هم، بأنه وقع بالفعل: «ثم قال الرب لموسى: ضربة واحدة أيضا، أجلب على فرعون وعلى مصر، بعد ذلك، ليطلقكم من هنا.
وعندما يطلقكم، يطردكم طردا من هنا بالتمام. تكلم «يا موسى» فى مسامع الشعب، أن يطلب كل رجل من صاحبه «جاره المصرى» وكل امرأة من صاحبتها، أمتعة فضة وأمتعة ذهب. وأعطى الرب نعمة للشعب فى عيون المصريين، وأيضا الرجل موسى كان عظيما جدا فى أرض مصر، فى عيون عبيد فرعون وعيون الشعب. وقال موسى: هكذا يقول الرب: «إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر، فيموت كل بكر فى أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الجارية التى خلف الرحى، وكل بكر بهيمة، ويكون صراخ عظيم فى كل أرض مصر، لم يكن مثله ولا يكون مثله».
الله التوراتي حائرا!
والله التوراتى، يظهر فى سفر التكوين حائرا وثائرا على البشر جميعا، حسبما نراه فى قصة الطوفان، ذات الأصل السومرى، التى يتخذ فيها اله صفة الغيور الغضوب، لأن: «أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا..» «تكوين 2:6» ثم يتخذ الله صفة الحزن والندم، لأن: «شر الإنسان قد كثر فى الأرض، وأن تصور أفكار قلبه، إنما هو شرير كل يوم.
فحزن الرب أنه عمل الإنسان فى الأرض، وتأسف فى قلبه..» «تكوين 6،5:6».
ثم يتخذ صفة الجبار الثائر المنتقم: فقال الرب: امحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأنى حزنت أنى عملتهم.. «تكوين 7:6»
وأرسل الله على الأرض الطوفان، أربعين يوما وليلة، فمات جميع البشر والخلائق إلا النبى نوحا والذين معه فى السفينة «الفلك المشحون» من البشر وصنوف المخلوقات، حتى مرت مائة وخمسون يوما، والأرض غرقى والخليقة كلها موات. ونسى الرب نوحا ومن معه! تقول الآيات التوراتية: «ثم ذكر الله نوحا، وكل الوحوش وكل البهائم التى معه فى الفلك. وأجاز الله ريحا على الأرض، فهدأت المياه ورجعت عن الأرض، واستقر الفلك فى اليوم السابع عشر من الشهر السابع، على جبل أرارات».. وهو الجبل المسمى عند اليهود والمسيحيين أراراط وعند المسلمين: الجودى.
والله فى التوراة يحب أن يطاع، ويستلذ رائحة الشواء، ويندم على أفعاله السابقة!
تقول الآيات: «وبنى نوح مذبحا للرب، وأخذ من البهائم ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب فى نفسه: لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان، لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته، ولا أعود أيضا أميت كل حى كما فعلت».
صورة إنسانية للإله التوراتي
كما تظهر فى النصوص التوراتية، المقدسة، صورة «إنسانية» للإله. فالله التوراتى ينتابه القلق، لأن الإنسان «آدم» أكل من شجرة المعرفة، فصار عارفا مثل «الآلهة» وليس الإله الواحد، وقد يأكل الإنسان أيضا من شجرة الخلود، فيصير أبديا مثل الله أو الآلهة. نرى ذلك فى مفتتح سفر التكوين، حيث تقول الآيات وفقا لمعظم الترجمات، ما نصه: «وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا، ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل فى الأرض التى أخذ منها. فطرد الإنسان وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم «الملائكة» ولهيب سيف متقلب، لحراسة طريق شجرة الحياة».
والله فى التوراة يترصد أعمال البشر، غيرة منهم وحنقا عليهم. فهو «تعالى» حين رأى الناس يقيمون حضارة فى «بابل» ويبنون مدينة وبرجا هائلا، وكان بنو آدم آنذاك يتكلمون كلهم لغة واحدة، اغتاظ الرب! تقول التوراة: «فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونها، وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، هذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل، ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة. لذلك دعى اسمها بابل، لأن الرب هناك، بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض».
الإله مغلوبا!
ثم تتخذ الذات الإلهية «التوراتية» أقصى صورها الإشكالية، حين يغدو الله «سبحانه» مغلوبا، مستغيثا، مستسلما. وهو ما حكاه سفر التكوين حين قص الواقعة الشهيرة التى صارع فيها «الله» النبی يعقوب، بعدما اتخذ الله فى هذا «العراك» صورة رجل آدمى. وظل الإنسان والله يتقاتلان طيلة الليل، حتى اقترب الفجر، واستطاع يعقوب «عليه السلام» أن يجثم فوقه، وينتزع منه الاعتراف بنبوته. تقول التوراة فى ترجمتها العربية، الصادرة عن «دار الكتاب المقدس» تحت العنوان الجانبى يعقوب يصارع مع الله ما نصه:
«وقال أطلقنى لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لمن تباركنى. فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل إسرائيل. لأنك جاهدت مع الله والناس. وقدرت. وسأل يعقوب: أخبرنى باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمى؟ وباركه هناك».
وبطبيعة الحال، اجتهد الربيون وعلماء الشريعة اليهود فى حل مشكلات هذه النصوص «المقدسة» ثم اجتهد من بعدهم فى حلها، علماء التفسير التأويلى المسيحى، المسمى الهرمنيوطيقا. وبذلك تعددت الاجتهادات التأويلية، وتنوعت ما بين النظر إلى تلك الحكايات والقصص التوراتية باعتبارها رموزا لا تاريخا فعليا، أو النظر إليها باعتبارها «حالات» للذات الإنسانية، فى تطورها الزمنى على الأرض.
علما بأن تاريخ البشرية كله، وفقا للتوراة والتقويم اليهودى، لم يتعد حتى يومنا هذا، ستة آلاف عام! مع أن مصر القديمة، بدأت إقامة حضارتها المبهرة فى الوقت الذى تؤكد التوراة أن آدم عاش فيه سنى عمره التسعمائة والثلاثين!
ثم عاش من بعده ابنه شيت تسعمائة واثنتى عشرة سنة، وعاش الحفيد أنوش تسعمائة وخمس سنين، وعاش ابنه قينان تسعمائة وعشر سنين.. وعلى هذا النحو الباذخ، ذكرت هذه الأعمار الأسطورية فى التوراة. مع أن البشر فى زمن ما قبل الحضارات، لم يكن متوسط عمر الواحد منهم يتجاوز ثلاثين سنة، وكان متوسط أعمار الناس فى دول مصر القديمة، المتحضرة جدا بمقاييس هذا الزمان البعيد، ستا وثلاثين سنة فقط.
تأويلات للإبقاء على القداسة
ونعود إلى مسألة صفات الله حسبما ظهرت فى التوراة، فنرى أن التأويلات والشروح الكثيرة والحلول المقترحة التى قدمت عبر التاريخ الطويل لليهودية، وفى المسيحية من بعد، بغية إبقاء «القداسة» ضافية على نصوص العهد القديم، لم تغير جميعها من صيغة هذه النصوص المقدسة ذاتها، خاصة بعدما انتقلت من العبرية التى هى اللغة الأم، إلى اللغات الآرامية واليونانية، ثم إلى القبطية واللاتينية والسريانية «الآرامية المتأخرة» والعربية، ثم ترجمت حديثا إلى كل لغات البشر. ولكن، ظلت التأويلات والشروح والحلول المقترحة، أبطأ انتقالا من اللغة التى كتبت بها التوراة أصلا، إلى بقية اللغات التى ترجمت ونقلت إليها. فكان لتأخر وصول «الحلول المقترحة» الواردة فى تلك الشروح والتأويلات أثر كبير فى الانتباه لخطورة النصوص التوراتية، وما ترسمه من صفات إلهية لا يستحب أصلا إطلاقها على البشر، ناهيك عن الله. أعنى الصفات الناتجة عن تلك القصص التى أشرنا لبعضها فيما سبق، والتى يظهر فيها الله تعالى: قلقا، حسودا، حقودا، غضوبا، نادما، ناسيا، منتشيا برائحة الشواء مغلوبا.. وهى صفات إنسانية رديئة، ألحقتها التوراة بالإله بكل وضوح، ومن دون أى مواربة، فنشأت مشكلة كبرى ظهر أثرها لاحقا، هى ارتباط «الصفات» بالذات الإلهية.
وهى المشكلة التى حاول مرقيون «الهرطوقى» فى منتصف القرن الثانى الميلادى أن يحلها برفضه للعهد القديم كله، مؤكدا أن الرب التوراتى ليس له أى علاقة بالمسيح، لأن «دراسة العهد القديم تثبت أن هذا الإله اليهودى، قد أدخل نفسه فى أفعال متناقضة، فكان متغيرا على الدوام، جاهلا وقاسيا».
اليهودية جعلت الله ملتصقا بالأرض لا السماء
ويتصل بما سبق، مشكلة أكبر أثرا وأعوص حلا، هى أن اليهودية المبكرة جعلت الله تعالى ملتصقا بالأرض لا السماء، فهو ينزل إلى «الخيمة» فيصير قريبا من الإنسان ويشاركه وقائع حياته. مع أن الله، بداهة، ينتمى إلى السماء لا الأرض، وإلا لما صار معبودا للإنسان. ولا ننسى هنا أن الإنسان عندهم، على إطلاقه، لا يعنى أى جماعة بشرية غير اليهودى. فالله التوراتى مخصوص ببنى إسرائيل، ومشغول بهم وحدهم. ولذلك نظر اليهودى إلى غير اليهودى، على أنه «أممى» وكأنه ناقص الأهلية الإنسانية، ولا يمكنه أن يحلم يوما بالانضمام إلى أبناء الرب «اليهود» ما دام لم يولد أصلا من أم يهودية. وعلى هذا النحو العجيب، صار «الله» مملوكا لليهود دون غيرهم من بنى البشر، ومتعاملا معهم فقط من دون بنى آدم، بل منهمكا بحضوره بينهم، وحدهم، فى الخيمة الأرضية التى عاشوا فيها.
الحل المسيحي للمشكلة
وقدمت الديانة المسيحية حلا لهذه المشكلة، بأن أكدت وجود الله مع الإنسان فى الأرض، لتتوافق بذلك أولا مع اليهودية، ثم رفعته ثانية إلى السماء، حيث الموضع الذى يليق به. وكان المسيح هو صيغة الخلاص من مشكلة اندماج الله مع الإنسان، واندراجه فى الأرض. وكان السيد المسيح أيضا، بحسب المفهوم الدينى المسيحى، هو صيغة الخلاص الإنسانى من مشكلة الخطيئة الأولى التى اقترفها آدم، ثم ورثها أبناؤه من البشر. مع أن هؤلاء الأبناء لم يشهدوا قط هذا الخلق الأول، ولم يشتركوا فى تلك «الخطية» التى هى عصيان آدم لأمر الرب، بإقباله على الأكل من الشجرة «الأشجار» المحرمة، بهذا الاشتهاء المفعم بجاذبية سحرية.. وعلى الرغم من ذلك، فإن عموم ذرية آدم، تعرضوا طيلة آلاف السنين، لغضب الله من زاوية القدوسية الإلهية. على اعتبار أن الله المسيحى، الأب، فيه الصفتان المتقابلتان: القدوسية «الجلال» والرحمة «الجمال». فكانت التوراة مجلى القدوسية، وتجلت الرحمة فى الإنجيل، الذى يعنى لفظه حرفيا: البشارة.
والمسيح فى العقيدة الأرثوذكسية، القبطية منها وغير القبطية، هو الرب الكامل، وهو الإله المتجسد، وهو هو. وعلينا هنا أن ننتبه إلى هذا المصطلح الأخير «الهو هو» الذى ظهر لأول مرة فى المناقشات الكريستولوجية المتعلقة بطبيعة السيد المسيح «يسوع، عيسى، خريستو، كريستوس» وهى المناقشات الحامية الحادة، التى جرت بين الكنائس الكبرى قبل ظهور الإسلام. ثم ظهر هذا المصطلح «الهو هو» عربيا بعد الإسلام، وتوسع المتكلمون المسلمون «المعتزلة» وأفاضوا فى مفهوم الهو هو، حتى صار نظرية كلامية شهيرة، تعالج مشكلة الصفات الإلهية عند المسلمين، انطلاقا من الرؤية المعتزلية القائلة إن صفات الله غير زائدة على ذاته، إذ هى عين الذات.. أى هى هو.
ـ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ
مناقضة القيم الإنسانية
والقصص التوراتى الذى أشرنا لبعضه فيما سبق، لا تقتصر خطورته على ما يطرحه من «صفات إلهية» يصعب إلحاقها بالذات الإلهية. وإنما تتعدى هذه الخطورة ذلك، إلى أمور لا تقل أهمية، منها مناقضة القيم الإنسانية التى اجتهدت الحضارات، قبل تدوين التوراة بقرون طوال، من أجل إرسائها فى وجدان البشر المتحضرين.
فعلى النقيض من فكرة أو مفهوم «الضمير» الذى قدمته مصر القديمة للإنسانية، لأول مرة، جاءت النصوص التوراتية مستهينة بحقوق البشر من غير اليهود، وممعنة فى تحقير «الأمم» غير اليهودية. وكأن غير اليهود، هم أقل إنسانية من أبناء الرب، أو أن ربا آخر غير رب اليهود، هو الذى خلقهم.
وقد انقلبت فى التوراة منظومة القيم الإنسانية، رأسا على عقب، فصار القتل مباحا مادام يتم باسم الرب، وصار الزنا بالمحارم جائز الاقتراف أو وارد الوقوع، حتى فى حق الأنبياء! مثلما نرى فى قصة النبى لوط، الذى زنى مع ابنتيه بعدما أسكرتاه، فكان نتاج هذا الزنا أن أنجبت إحداهما جد قبيلة العمونيين، وأنجبت الأخرى جد المؤابيين.
تقول التوراة، ما نصه: «فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنا ودعت اسمه مؤاب، وهو جد المؤابيين إلى اليوم، والصغيرة أيضا ولدت ابنا، ودعت اسمه ابن عمى، وهو أبو بنى عمون إلى اليوم..» وهكذا صارت القبيلتان الكبيرتان، بكل أفرادهما من الرجال والنساء، بحكم الكتاب المقدس، أبناء زنا وثمرة سفاح. مثلما صار العرب جميعهم، بحسب الحكاية التوراتية المقدسة أيضا، أبناء جارية مصرية اسمها هاجر هجرها زوجها النبى، أبو الأنبياء، ولفظها إلى الصحراء إرضاء لزوجته الغيور التى سميت سارة لأنها كانت امرأة جميلة، تسر القلب.
الصورة التوراتية للأنبياء
والصورة التوراتية للآباء الأوائل والأنبياء ورجال الله، مفزعة. فهم فى القصص التوراتى على الرغم من أنهم الأخيار المختارون، لا يتورعون عن الإتيان بأفعال مهولة، من مثل: معصية الخالق «آدم» أو استخدام الزوجة للحصول على المال «إبراهيم» أو السكر والزنا بالمحارم «لوط مع ابنتيه» أو التنكر للجميل «إبراهيم مع أبيمالك» أو السرقة ونهب الجيران والقتل «موسى» أو الإمعان فى إبادة الناس «يوشع بن نون» أو الاستيلاء على النساء بقتل أزواجهن ظلما، بعد الزنا بهن «داود» أو قتل الإخوة للانفراد بالحكم «سليمان».. ناهيك عن تبجح القتلة، وحماية الله لهم، حسبما ورد فى حكاية قايين «قابيل» ولامك، فالأول منهما قتل أخاه «هابيل» وتبجح حين سأله الله عن أخيه المقتول، ثم أعطاه الله وعدا «عهدا» بأن من يقتله سيقتل الله منه سبعة! والآخر الذى اسمه فى التوراة: لامك، قتل رجلا فحماه الله وتوعد من يقتله، بأن يقتل منه سبعين! سبعين إنسانا فى مقابل إنسان يهودى واحد.. وقد رفع اليهود المعاصرون، مؤخرا هذه النسبة غير المتناسبة، فصاروا إذا قتل منهم العرب واحدا، يقتلون منهم مائة شخص أو أكثر.
وهناك الكثير، علاوة على ما سبق، يمكن أن يقال فى خطورة النص التوراتى، وما اشتمل عليه من قصص عجيب. غير أن الذى يعنينا الآن من ذلك كله، تحديدا، هو ما يتعلق فقط بالإشكال الأساسى الذى أشرنا إليه سابقا، أعنى الإشكال المتعلق بالبحث الإلهى «الثيولوجيا» بشكل عام، والمتعلق خصوصا بالصفات الإلهية والصورة النبوية المستفادة من القصص التوراتى. وهى الصفات «الربانية» والصور «الرسالية» التى لا يمكن قبولها عند غير المؤمنين بقدسية النص التوراتى.
وقد بقى هذا الإشكال العميق قائما، حتى جاءت المسيحية.
الله والأنبياء فى التوراة
حين يتلقى اليهودي الصبى، والمسيحى من بعد، قصص «التوراة» للمرات الأولى فى حياته، يتلقاها مبسطة ومشفوعة بشروح وتعليقات، خليقة بأن تجعل هذا القصص مقبولا فى أذهان أهل الابتداء، على اعتبار أن بواطن المبتدئين كالشمع، تقبل كل نقش من دون أى نقاش. ومع تكرار الأمر يوما بعد يوم، وجيلا من بعد جيل، يصير القصص التوراتى معتادا ومنظورا إليه على اعتبار أنه عقيدة ودين، بل هو العقيدة ذاتها والدين.
أما إذا نظرنا للتوراة بعين مجردة لم تعتد هذه النصوص، ولا تعتد بها كوحى من السماء، فسوف تفاجئنا حقائق محيرة فى التوراة أو أسفار موسى الخمسة التى يبدأ بها «العهد القديم» وهى أسفار: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.
وهذه الأسفار الخمسة، تعد حجر الزاوية فى الديانة اليهودية، وتعترف بها المسيحية اعترافا كاملا، وينظر إليها الإسلام بعين القلق من دون أن يرفضها تماما، على اعتبار أنها صحيحة الأصل، محرفة النص. ومن ثم، فالتوراة تحظى من الإسلام باعتراف منقوص، أو بإقرار مشوب بالحذر.. المهم، تفاجئنا التوراة بعديد من الحقائق المحيرة التى يعنينا منها الآن، الحقيقة التالية:
اليهودية وصور "إشكالية" للإله
بعدما اجتهدت الحضارات الإنسانية القديمة، فى تقديم صورة مثلى للإله المتسامى، المحتجب فى عليائه «آمون، فى المصرية القديمة تعنى: المختفى» المفيض بالخير على الكون، واهب الحياة والرحمة، المتجلى منذ القدم فى صورة أنثوية «إيزيس، عشتار، إنانا، أرتميس» العادل الكامل البهى الباهر.. أتت اليهودية بصورة «إشكالية» للإله، لم تقف عند تعدد أسمائه التوراتية: آدوناى، الرب، رب الجنود يهوه، ياهو، إيل، إلوهيم، أهيه الذى أهيه.. وإنما تعدت الإشكالية هذا التعدد إلى طبيعة الله وصفاته فى التوراة. فهو «تعالى» يظهر تارة داعيا إلى الخير وفضائل الأعمال، وتارة أخرى يظهر عنيفا، منتقما من الناس لحساب اليهود. مثلما هو الحال مثلا، فى العبور «الفصح» الذى نشر الرب فيه الرعب بأرض مصر، إرضاء لشعبه المختار. تقول التوراة على لسان الرب، فى خطاب إلهى موجه إلى النبى موسى وأخيه هارون، ومن ورائهما أهلهما من اليهود الذين كانوا يقطنون مصر، بحسب التوراة، من قبلهما بقرون من الزمان، فيأمرهم الله أن يذبحوا خرافا، ويضعوا من دمها علامة على أبواب بيوتهم: «فإنى أجتاز فى أرض مصر هذه الليلة، وأضرب كل بكر فى أرض مصر، من الناس والبهائم، وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين، أنا الرب، ويكون الدم علامة على البيوت التى أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم، فلا تكون عليكم ضربة الهلاك، حين أضرب أرض مصر».
وهكذا يحتاج الرب التوراتى المفترض فيه أنه «تعالى» القادر العليم، علامة بصرية كى يميز بيوت أحبائه من اليهود، حتى لا يضربهم سهوا بتلك النيران الإلهية الصديقة، التى يهلك بها أهل مصر. وهو الهلاك الذى احتفت اليهودية بوقوعه، وجعلته عيدا للرب أبد الدهر، وهو عيد الفصح أو العبور.
والعجيب فى الحكاية التوراتية هذه، التى سوف تصير أنموذجا لبنية «الخروج» التى سنتعرض لها فى آخر كتابنا هذا، قبل الخاتمة مباشرة، أن وقائعها مسبوقة بمصائب كبيرة ألحقها «الرب» بأهل مصر، عقابا لفرعون الذى لم يوافق على إطلاق اليهود ليرحلوا عن مصر. وبحسب الآية التوراتية: شدد الرب قلب فرعون، فلم يطلق بنى إسرائيل! فكأن المصريين، وعلى رأسهم فرعونهم، ظلوا متمسكين ببقاء اليهود فى مصر، ولم يفرطوا فيهم، حتى آخر رمق فى حياة كل مصرى، وحتى خراب آخر بيت ببلادهم.
التوراة تأمر اليهود بالاحتيال على المصريين!
والأعجب مما سبق، أن التوراة لا تذكر بعد هذه الضربات الإلهية الاستباقية لأرض مصر، أن موسى النبى وقومه كانوا مضطهدين من المصريين. بل على العكس من ذلك، تقول التوراة إن الله «تعالى» أمر اليهود بالاحتيال على المصريين! ولنترك النص التوراتى، يحكى لنا ما يؤمنون هم، بأنه وقع بالفعل: «ثم قال الرب لموسى: ضربة واحدة أيضا، أجلب على فرعون وعلى مصر، بعد ذلك، ليطلقكم من هنا.
وعندما يطلقكم، يطردكم طردا من هنا بالتمام. تكلم «يا موسى» فى مسامع الشعب، أن يطلب كل رجل من صاحبه «جاره المصرى» وكل امرأة من صاحبتها، أمتعة فضة وأمتعة ذهب. وأعطى الرب نعمة للشعب فى عيون المصريين، وأيضا الرجل موسى كان عظيما جدا فى أرض مصر، فى عيون عبيد فرعون وعيون الشعب. وقال موسى: هكذا يقول الرب: «إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر، فيموت كل بكر فى أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الجارية التى خلف الرحى، وكل بكر بهيمة، ويكون صراخ عظيم فى كل أرض مصر، لم يكن مثله ولا يكون مثله».
الله التوراتي حائرا!
والله التوراتى، يظهر فى سفر التكوين حائرا وثائرا على البشر جميعا، حسبما نراه فى قصة الطوفان، ذات الأصل السومرى، التى يتخذ فيها اله صفة الغيور الغضوب، لأن: «أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا..» «تكوين 2:6» ثم يتخذ الله صفة الحزن والندم، لأن: «شر الإنسان قد كثر فى الأرض، وأن تصور أفكار قلبه، إنما هو شرير كل يوم.
فحزن الرب أنه عمل الإنسان فى الأرض، وتأسف فى قلبه..» «تكوين 6،5:6».
ثم يتخذ صفة الجبار الثائر المنتقم: فقال الرب: امحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأنى حزنت أنى عملتهم.. «تكوين 7:6»
وأرسل الله على الأرض الطوفان، أربعين يوما وليلة، فمات جميع البشر والخلائق إلا النبى نوحا والذين معه فى السفينة «الفلك المشحون» من البشر وصنوف المخلوقات، حتى مرت مائة وخمسون يوما، والأرض غرقى والخليقة كلها موات. ونسى الرب نوحا ومن معه! تقول الآيات التوراتية: «ثم ذكر الله نوحا، وكل الوحوش وكل البهائم التى معه فى الفلك. وأجاز الله ريحا على الأرض، فهدأت المياه ورجعت عن الأرض، واستقر الفلك فى اليوم السابع عشر من الشهر السابع، على جبل أرارات».. وهو الجبل المسمى عند اليهود والمسيحيين أراراط وعند المسلمين: الجودى.
والله فى التوراة يحب أن يطاع، ويستلذ رائحة الشواء، ويندم على أفعاله السابقة!
تقول الآيات: «وبنى نوح مذبحا للرب، وأخذ من البهائم ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب فى نفسه: لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان، لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته، ولا أعود أيضا أميت كل حى كما فعلت».
صورة إنسانية للإله التوراتي
كما تظهر فى النصوص التوراتية، المقدسة، صورة «إنسانية» للإله. فالله التوراتى ينتابه القلق، لأن الإنسان «آدم» أكل من شجرة المعرفة، فصار عارفا مثل «الآلهة» وليس الإله الواحد، وقد يأكل الإنسان أيضا من شجرة الخلود، فيصير أبديا مثل الله أو الآلهة. نرى ذلك فى مفتتح سفر التكوين، حيث تقول الآيات وفقا لمعظم الترجمات، ما نصه: «وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا، ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل فى الأرض التى أخذ منها. فطرد الإنسان وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم «الملائكة» ولهيب سيف متقلب، لحراسة طريق شجرة الحياة».
والله فى التوراة يترصد أعمال البشر، غيرة منهم وحنقا عليهم. فهو «تعالى» حين رأى الناس يقيمون حضارة فى «بابل» ويبنون مدينة وبرجا هائلا، وكان بنو آدم آنذاك يتكلمون كلهم لغة واحدة، اغتاظ الرب! تقول التوراة: «فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونها، وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، هذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل، ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة. لذلك دعى اسمها بابل، لأن الرب هناك، بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض».
الإله مغلوبا!
ثم تتخذ الذات الإلهية «التوراتية» أقصى صورها الإشكالية، حين يغدو الله «سبحانه» مغلوبا، مستغيثا، مستسلما. وهو ما حكاه سفر التكوين حين قص الواقعة الشهيرة التى صارع فيها «الله» النبی يعقوب، بعدما اتخذ الله فى هذا «العراك» صورة رجل آدمى. وظل الإنسان والله يتقاتلان طيلة الليل، حتى اقترب الفجر، واستطاع يعقوب «عليه السلام» أن يجثم فوقه، وينتزع منه الاعتراف بنبوته. تقول التوراة فى ترجمتها العربية، الصادرة عن «دار الكتاب المقدس» تحت العنوان الجانبى يعقوب يصارع مع الله ما نصه:
«وقال أطلقنى لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لمن تباركنى. فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل إسرائيل. لأنك جاهدت مع الله والناس. وقدرت. وسأل يعقوب: أخبرنى باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمى؟ وباركه هناك».
وبطبيعة الحال، اجتهد الربيون وعلماء الشريعة اليهود فى حل مشكلات هذه النصوص «المقدسة» ثم اجتهد من بعدهم فى حلها، علماء التفسير التأويلى المسيحى، المسمى الهرمنيوطيقا. وبذلك تعددت الاجتهادات التأويلية، وتنوعت ما بين النظر إلى تلك الحكايات والقصص التوراتية باعتبارها رموزا لا تاريخا فعليا، أو النظر إليها باعتبارها «حالات» للذات الإنسانية، فى تطورها الزمنى على الأرض.
علما بأن تاريخ البشرية كله، وفقا للتوراة والتقويم اليهودى، لم يتعد حتى يومنا هذا، ستة آلاف عام! مع أن مصر القديمة، بدأت إقامة حضارتها المبهرة فى الوقت الذى تؤكد التوراة أن آدم عاش فيه سنى عمره التسعمائة والثلاثين!
ثم عاش من بعده ابنه شيت تسعمائة واثنتى عشرة سنة، وعاش الحفيد أنوش تسعمائة وخمس سنين، وعاش ابنه قينان تسعمائة وعشر سنين.. وعلى هذا النحو الباذخ، ذكرت هذه الأعمار الأسطورية فى التوراة. مع أن البشر فى زمن ما قبل الحضارات، لم يكن متوسط عمر الواحد منهم يتجاوز ثلاثين سنة، وكان متوسط أعمار الناس فى دول مصر القديمة، المتحضرة جدا بمقاييس هذا الزمان البعيد، ستا وثلاثين سنة فقط.
تأويلات للإبقاء على القداسة
ونعود إلى مسألة صفات الله حسبما ظهرت فى التوراة، فنرى أن التأويلات والشروح الكثيرة والحلول المقترحة التى قدمت عبر التاريخ الطويل لليهودية، وفى المسيحية من بعد، بغية إبقاء «القداسة» ضافية على نصوص العهد القديم، لم تغير جميعها من صيغة هذه النصوص المقدسة ذاتها، خاصة بعدما انتقلت من العبرية التى هى اللغة الأم، إلى اللغات الآرامية واليونانية، ثم إلى القبطية واللاتينية والسريانية «الآرامية المتأخرة» والعربية، ثم ترجمت حديثا إلى كل لغات البشر. ولكن، ظلت التأويلات والشروح والحلول المقترحة، أبطأ انتقالا من اللغة التى كتبت بها التوراة أصلا، إلى بقية اللغات التى ترجمت ونقلت إليها. فكان لتأخر وصول «الحلول المقترحة» الواردة فى تلك الشروح والتأويلات أثر كبير فى الانتباه لخطورة النصوص التوراتية، وما ترسمه من صفات إلهية لا يستحب أصلا إطلاقها على البشر، ناهيك عن الله. أعنى الصفات الناتجة عن تلك القصص التى أشرنا لبعضها فيما سبق، والتى يظهر فيها الله تعالى: قلقا، حسودا، حقودا، غضوبا، نادما، ناسيا، منتشيا برائحة الشواء مغلوبا.. وهى صفات إنسانية رديئة، ألحقتها التوراة بالإله بكل وضوح، ومن دون أى مواربة، فنشأت مشكلة كبرى ظهر أثرها لاحقا، هى ارتباط «الصفات» بالذات الإلهية.
وهى المشكلة التى حاول مرقيون «الهرطوقى» فى منتصف القرن الثانى الميلادى أن يحلها برفضه للعهد القديم كله، مؤكدا أن الرب التوراتى ليس له أى علاقة بالمسيح، لأن «دراسة العهد القديم تثبت أن هذا الإله اليهودى، قد أدخل نفسه فى أفعال متناقضة، فكان متغيرا على الدوام، جاهلا وقاسيا».
اليهودية جعلت الله ملتصقا بالأرض لا السماء
ويتصل بما سبق، مشكلة أكبر أثرا وأعوص حلا، هى أن اليهودية المبكرة جعلت الله تعالى ملتصقا بالأرض لا السماء، فهو ينزل إلى «الخيمة» فيصير قريبا من الإنسان ويشاركه وقائع حياته. مع أن الله، بداهة، ينتمى إلى السماء لا الأرض، وإلا لما صار معبودا للإنسان. ولا ننسى هنا أن الإنسان عندهم، على إطلاقه، لا يعنى أى جماعة بشرية غير اليهودى. فالله التوراتى مخصوص ببنى إسرائيل، ومشغول بهم وحدهم. ولذلك نظر اليهودى إلى غير اليهودى، على أنه «أممى» وكأنه ناقص الأهلية الإنسانية، ولا يمكنه أن يحلم يوما بالانضمام إلى أبناء الرب «اليهود» ما دام لم يولد أصلا من أم يهودية. وعلى هذا النحو العجيب، صار «الله» مملوكا لليهود دون غيرهم من بنى البشر، ومتعاملا معهم فقط من دون بنى آدم، بل منهمكا بحضوره بينهم، وحدهم، فى الخيمة الأرضية التى عاشوا فيها.
الحل المسيحي للمشكلة
وقدمت الديانة المسيحية حلا لهذه المشكلة، بأن أكدت وجود الله مع الإنسان فى الأرض، لتتوافق بذلك أولا مع اليهودية، ثم رفعته ثانية إلى السماء، حيث الموضع الذى يليق به. وكان المسيح هو صيغة الخلاص من مشكلة اندماج الله مع الإنسان، واندراجه فى الأرض. وكان السيد المسيح أيضا، بحسب المفهوم الدينى المسيحى، هو صيغة الخلاص الإنسانى من مشكلة الخطيئة الأولى التى اقترفها آدم، ثم ورثها أبناؤه من البشر. مع أن هؤلاء الأبناء لم يشهدوا قط هذا الخلق الأول، ولم يشتركوا فى تلك «الخطية» التى هى عصيان آدم لأمر الرب، بإقباله على الأكل من الشجرة «الأشجار» المحرمة، بهذا الاشتهاء المفعم بجاذبية سحرية.. وعلى الرغم من ذلك، فإن عموم ذرية آدم، تعرضوا طيلة آلاف السنين، لغضب الله من زاوية القدوسية الإلهية. على اعتبار أن الله المسيحى، الأب، فيه الصفتان المتقابلتان: القدوسية «الجلال» والرحمة «الجمال». فكانت التوراة مجلى القدوسية، وتجلت الرحمة فى الإنجيل، الذى يعنى لفظه حرفيا: البشارة.
والمسيح فى العقيدة الأرثوذكسية، القبطية منها وغير القبطية، هو الرب الكامل، وهو الإله المتجسد، وهو هو. وعلينا هنا أن ننتبه إلى هذا المصطلح الأخير «الهو هو» الذى ظهر لأول مرة فى المناقشات الكريستولوجية المتعلقة بطبيعة السيد المسيح «يسوع، عيسى، خريستو، كريستوس» وهى المناقشات الحامية الحادة، التى جرت بين الكنائس الكبرى قبل ظهور الإسلام. ثم ظهر هذا المصطلح «الهو هو» عربيا بعد الإسلام، وتوسع المتكلمون المسلمون «المعتزلة» وأفاضوا فى مفهوم الهو هو، حتى صار نظرية كلامية شهيرة، تعالج مشكلة الصفات الإلهية عند المسلمين، انطلاقا من الرؤية المعتزلية القائلة إن صفات الله غير زائدة على ذاته، إذ هى عين الذات.. أى هى هو.
ـ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ
مناقضة القيم الإنسانية
والقصص التوراتى الذى أشرنا لبعضه فيما سبق، لا تقتصر خطورته على ما يطرحه من «صفات إلهية» يصعب إلحاقها بالذات الإلهية. وإنما تتعدى هذه الخطورة ذلك، إلى أمور لا تقل أهمية، منها مناقضة القيم الإنسانية التى اجتهدت الحضارات، قبل تدوين التوراة بقرون طوال، من أجل إرسائها فى وجدان البشر المتحضرين.
فعلى النقيض من فكرة أو مفهوم «الضمير» الذى قدمته مصر القديمة للإنسانية، لأول مرة، جاءت النصوص التوراتية مستهينة بحقوق البشر من غير اليهود، وممعنة فى تحقير «الأمم» غير اليهودية. وكأن غير اليهود، هم أقل إنسانية من أبناء الرب، أو أن ربا آخر غير رب اليهود، هو الذى خلقهم.
وقد انقلبت فى التوراة منظومة القيم الإنسانية، رأسا على عقب، فصار القتل مباحا مادام يتم باسم الرب، وصار الزنا بالمحارم جائز الاقتراف أو وارد الوقوع، حتى فى حق الأنبياء! مثلما نرى فى قصة النبى لوط، الذى زنى مع ابنتيه بعدما أسكرتاه، فكان نتاج هذا الزنا أن أنجبت إحداهما جد قبيلة العمونيين، وأنجبت الأخرى جد المؤابيين.
تقول التوراة، ما نصه: «فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنا ودعت اسمه مؤاب، وهو جد المؤابيين إلى اليوم، والصغيرة أيضا ولدت ابنا، ودعت اسمه ابن عمى، وهو أبو بنى عمون إلى اليوم..» وهكذا صارت القبيلتان الكبيرتان، بكل أفرادهما من الرجال والنساء، بحكم الكتاب المقدس، أبناء زنا وثمرة سفاح. مثلما صار العرب جميعهم، بحسب الحكاية التوراتية المقدسة أيضا، أبناء جارية مصرية اسمها هاجر هجرها زوجها النبى، أبو الأنبياء، ولفظها إلى الصحراء إرضاء لزوجته الغيور التى سميت سارة لأنها كانت امرأة جميلة، تسر القلب.
الصورة التوراتية للأنبياء
والصورة التوراتية للآباء الأوائل والأنبياء ورجال الله، مفزعة. فهم فى القصص التوراتى على الرغم من أنهم الأخيار المختارون، لا يتورعون عن الإتيان بأفعال مهولة، من مثل: معصية الخالق «آدم» أو استخدام الزوجة للحصول على المال «إبراهيم» أو السكر والزنا بالمحارم «لوط مع ابنتيه» أو التنكر للجميل «إبراهيم مع أبيمالك» أو السرقة ونهب الجيران والقتل «موسى» أو الإمعان فى إبادة الناس «يوشع بن نون» أو الاستيلاء على النساء بقتل أزواجهن ظلما، بعد الزنا بهن «داود» أو قتل الإخوة للانفراد بالحكم «سليمان».. ناهيك عن تبجح القتلة، وحماية الله لهم، حسبما ورد فى حكاية قايين «قابيل» ولامك، فالأول منهما قتل أخاه «هابيل» وتبجح حين سأله الله عن أخيه المقتول، ثم أعطاه الله وعدا «عهدا» بأن من يقتله سيقتل الله منه سبعة! والآخر الذى اسمه فى التوراة: لامك، قتل رجلا فحماه الله وتوعد من يقتله، بأن يقتل منه سبعين! سبعين إنسانا فى مقابل إنسان يهودى واحد.. وقد رفع اليهود المعاصرون، مؤخرا هذه النسبة غير المتناسبة، فصاروا إذا قتل منهم العرب واحدا، يقتلون منهم مائة شخص أو أكثر.
وهناك الكثير، علاوة على ما سبق، يمكن أن يقال فى خطورة النص التوراتى، وما اشتمل عليه من قصص عجيب. غير أن الذى يعنينا الآن من ذلك كله، تحديدا، هو ما يتعلق فقط بالإشكال الأساسى الذى أشرنا إليه سابقا، أعنى الإشكال المتعلق بالبحث الإلهى «الثيولوجيا» بشكل عام، والمتعلق خصوصا بالصفات الإلهية والصورة النبوية المستفادة من القصص التوراتى. وهى الصفات «الربانية» والصور «الرسالية» التى لا يمكن قبولها عند غير المؤمنين بقدسية النص التوراتى.
وقد بقى هذا الإشكال العميق قائما، حتى جاءت المسيحية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire