سؤال حائر : كيف تخرج ثقافة الهزيمة من رحم النصر؟
محمد عبد الحكم دياب
محمد عبد الحكم دياب
03/10/2009
وهذا لغز هذه الحرب. فالنصر العسكري الذي تحقق، وأداء الجنود وبسالتهم واستشهادهم، ودعم الشعب ومساندته وتضحياته. كأنه لم يكن، وبعد ستة وثلاثين عاما منها ضاع الوزن وخارت القوى وتلاشت الإرادة، واستعادت الهيمنة الغربية والصهيونية مواقعها السابقة وأضافت إليها مواقع جديدة بفعل الضعف العربي وسقوط النظام الدولي القديم وانهياره، مع مطلع العقد الأخير من القرن الماضي.
وقد تعمد القابضون على زمام الأمور الخلط بين ما هو عسكري وما هو سياسي، وبين ما هو تكتيكي واستراتيجي، لزوم زيادة التيه وإرباك العقل. وما وصلنا إليه لم يأت من فراغ. كانت له مقدمات أفضت إليه. والتوضيح يقتضي التعرف على التخطيط الأصلي للمعركة، وكان هدفه التحرير، وجولة كبرى في مسار الصراع العربي الصهيوني. تهيأت لها الظروف التي تخلى فيها العرب عن مواقع دفاع اعتادوا عليها انتقالا إلى مواقع هجوم لم يألفوها. وكان هذا في ذاته تحولا نوعيا وحاسما تسبب في تحقيق الانتصار العسكري الكبير وغير التقليدي.
وحرب من هذا النوع تحسم بتكافؤ موازين القوى العربية والصهيونية، وعلاج نقاط الضعف القتالية والميدانية. وتحويلها إلى وضع التعادل إن لم يتوفر التفوق. لم يتم هذا على المستوى العسكري فحسب، وتعداه إلى حشد الإمكانيات العربية، بما فيها النفط، وراء جبهة القتال.
وقوبل تفوق الطيران الصهيوني بتفوق الصواريخ ومنظومة الدفاع الجوي المصري. وفقد ذلك الطيران سيطرته المعتادة حسب رأي أغلب الخبراء والعسكريين. بجانب ما قام به سلاح المهندسين، واستخدامه أساليب تطبق لأول مرة في الحروب الحديثة. فتحصينات العدو المصممة ضد كل الأسلحة التقليدية، ولا يصلح معها إلا السلاح النووي. هذه التحصينات دمرت. وسجل التاريخ العسكري إمكانية التغلب عليها. فخط بارليف الحصين على الضفة الشرقية لقناة السويس دمرته مضخات المياه العملاقة، وكان لها فعل السحر. ونجح المهندسون العسكريون في سد فتحات ومخارج خزانات النبالم الحارقة. المعدة لتحويل قناة السويس إلى بحر من اللهب يشوي ويحرق من يحاول عبور هذا المانع المائي الكبير. واكتملت المنظومة بغطاء وفره الدفاع الجوي، كان له وقع المفاجأة وفتح الباب أمام إمكانية النصر. الذي تحقق فعلا على المستوى العسكري، بشكل صدم الأوساط الصهيونية والغربية. ولم يكن هذا ليتم بغير أداء عسكري جسور وروح فدائية عالية. وتدريب متميز، ونفسية معنوية مرتفعة، ورعاية إنسانية جادة، كل هذا أتى ثماره المتوقعة، ولم تكن الطموحات أقل من التحرير والنصر.
وإذا فوجئت الأوساط الصهيونية والغربية بذلك الأداء المتفوق فإن الأوساط الوطنية والقومية صدمتها النتائج السلبية للحرب. من ضحى وحارب لم يكسب شيئا ذا بال، ومن تقاعس وتواطأ، وسمسر استولى على كل شيء، فأخذت هذه الأوساط تبحث عن سر التحول من انتصار كاسح إلى تراجع غير مبرر. نحصد أشواكه ونتجرع مرارته حتى اليوم. هنا تجدر الإشارة لمقدمات أوصلت إلى هذه النتائج :
أولها ما كشف عنه محمد حسنين هيكل في حديث له لقناة الجزيرة وأشارت إليه وثائق ومراجع غربية عدة. وهو أن السادات فتح مبكرا خط اتصال مع الإدارة الأمريكية، منذ صباح السابع من تشرين أول/اكتوبر 1973، ولم يكن مر على بدء القتال سوى ساعات قليلة. بعث برسالة إلى هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي وقتها، وفي هذا الاتصال المبكر كشف السادات حدود ومدى تحرك القوات، وكانت كيلومترات معدودة شرق القناة، وتغيرت خطة الحرب من حرب للتحرير إلى معركة للتحريك. لم تكن للإدارة الأمريكية، حتى ذلك الوقت، اتصالات مباشرة مؤثرة مع مصر. وكان السادات يعتمد على وساطة فيصل ملك السعودية وغيره للتعرف على الموقف الأمريكي إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك. وهناك من الخبراء من يرى في هذا الاتصال المبكر تواطؤا كشف نوايا السعي إلى كسب شخصي لا يتكافأ مع حجم التضحيات ولا مع مستوى التفوق الذي شهدته ساحة القتال. ويرون أن هذا التواطؤ كان سببا في نجاح السياسة الأمريكية فيما فشلت في تحقيقه عسكريا.
وعلى المستوى الشخصي لكاتب هذه السطور فقد تسرب الشك إلى نفسه مبكرا. بعد سماع خطاب السادات في 16 تشرين الأول/اكتوبر 1973. قبل وقف القتال بحوالي اسبوع. كان يومها مكلفا بكتابة التعليق السياسي للإذاعة الليبية، واعتذر عن كتابته بعد سماع الخطاب، وقال لزملائه أن ما في الخطاب يبعث على التشاؤم. فمن غير المعقول في خطاب لإعلان الانتصار أن يُختم بتقديم 'خطة سلام '.. وقال يومها المنتصرون لا يقدمون ' خطط سلام '، والجنود يموتون وينزفون في ميدان القتال. فهي تعني لهم الاستسلام. هذه مهمة المهزوم.
وإذا بادر منتصر بالقيام بها. فإما أنه لم يحقق انتصارا أو أنه تواطأ لإجهاض نصر صنعه شعبه وجيشه !. ولم يكن لديه تفسير آخر. لم يقتنع الزملاء، وكان لهم عذرهم، فنشوة الإحساس بالنصر غالبة لا تجعل أحد يتوقف كثيرا أمام هذا القول. ووردت ' خطة السلام ' في نهاية الخطاب في صيغة رسالة موجهة إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. شملت خمس نقاط : الأولى سجلت معنى القتال ومغزاه في تحرير الأرض المحتلة، وإيجاد السبيل لاستعادة واحترام الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، وبدلا من وضع 'شروط المنتصر ' قال: ' ونحن في هذا نقبل إلتزامنا بقرارات الأمم المتحدة في الجمعية العامة ومجلس الأمن '. ومعناه عدم السعي لتغيير الظروف التي صدرت فيها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد 1967. وهو الشيء المفترض بعد إيقاف القتال. وفي النقطة الثانية عبر السادات عن استعداده لقبول وقف إطلاق النار 'على أساس إنسحاب القوات الاسرائيلية عن كل الأراضي المحتلة فوراً وتحت اشراف دولي إلي خطوط ما قبل 5 حزيران/يونيو 1967. أي أنه اختار الإشراف الدولي بديلا عن القوة الذاتية، سواء المصرية أو العربية، اللازمة لاستكمال معركة التحرير، وهذا ينم عن استعداد لإعادة موازين القوة إلى ما كانت عليه، ومنح الطرف الدولي المنحاز للدولة الصهيونية الدور الرئيسي بعد صمت المدافع. وجاءت النقطة الثالثة في ' الخطة ' تشير إلى رغبته في حضور 'مؤتمر سلام دولي في الأمم المتحدة ' قائلا : ' سوف أحاول جهدي أن اقنع به رفاقي من القادة العرب المسؤولين مباشرة عن إدارة الصراع مع العدو كما انني سوف أحاول جهدي أن أقنع به ممثلي الشعب الفلسطيني وذلك لكي يشارك معنا ومع مجتمع الدول في وضع قواعد وضوابط السلام في المنطقة يقوم على إحترام الحقوق المشروعة لكل شعوب المنطقة '. وبدا طموح السادات في أن تبدأ خطته بمصر وتتسع عربيا وفلسطينيا.
ونصت النقطة الرابعة على إنهاء حالة الحرب قبل تحرير الأرض، فيقول : ' اننا على إستعداد في هذه الساعة من هذه الدقيقة أن نبدأ في تطهير قناة السويس وفتحها أمام الملاحة الدولية لكي تعود لأداء دورها في رخاء العالم وازدهاره ولقد أصدرت الأمر بالفعل إلى رئيس هيئة قناة السويس بالبدء في هذه العملية غداة إتمام تحرير الضفة الشرقية للقناة (وليس تحرير الأرض العربية أو حتى سيناء) وقد بدأت بالفعل مقدمات للإستعداد لهذه المهمة '. وختم خطته بنقطة خامسة : ' إننا لسنا على إستعداد في هذا كله لقبول وعود بمهمة أو بمبادرات مضللة تقبل كل تفسير وكل تأويل وتستنزف الوقت مما لا جدوى منه وتعيد قضيتنا إلى جمودها، الذي لم نعد نقبل به مهما كانت الأسباب لدى الغير أو تضحيات بالنسبة لنا، ما نريده الآن هو الوضوح، الوضوح في الغايات والوضوح في الوسائل '.
وتمر السنوات والصهاينة يكررون انتصارهم على مسامعنا. وأعادت تكراره مؤخرا صحيفة ' إسرائيل اليوم ' حيث كتب عاموس ريغف مقالا في ذكرى الحرب ( نشرته 'القدس العربي ' في 25/9 الماضي ). يقول : ' كانت حرب يوم الغفران نصراً كبيراً. فبرغم البداية السيئة التي لم تكن على البال، ورغم فشل ' الرؤية العامة وانهيار الخطوط الدفاعية، ووصول الدبابات السورية إلى مرتفعات الجولان، وقوات الصاعقة إلى جبل الشيخ، واستسلام الجنود في حصون قناة السويس، ومع ذلك انتهت الحرب ومدافع الجيش الاسرائيلي تطلق النار على دمشق وقواته موجودة على مسافة 101 كيلومتر عن القاهرة '. وهذا التعامل القاصر من القيادة السياسية للحرب أجهض النصر. والأخطر منه ذلك الدأب في نشر ثقافة الهزيمة. وبدأت مقدماتها في أعقاب الحرب مباشرة منذ 1974 بتأكيد التبعية للولايات المتحدة الأمريكية، التي فتحت أمام السادات الطريق إلى القدس المحتلة، ثم استطاعت إلحاق الدور الرسمي المصري على يد خليفته بالمشروع الصهيوني. وتحويله إلى رديف له، وإلى رصيد مضاف يحمي دولته ويضمن لها الأمان والاستقرار والاستمرار.
وتقفز إلى مخيلتي صورة لأسرة مصرية من الصعيد أو لقبيلة عربية في أي مكان آخر تعرضت لاعتداء، وأعدت نفسها وحشدت طاقتها للثأر ممن اعتدى عليها. وعندما همت بذلك خزلها شيخها وتواطأ مع عدوها. الأمر لا يختلف كثيرا مع الأوطان والدول. فالثأر أساس معارك التحرير. بعدها يتغير الحال.. من الانكسار إلى العزة ومن الذلة إلى الكبرياء. فحلاوة الانتصار تغطي على مرارة الانكسار. ولم يحدث هذا مع حرب 1973. وقد كانت حربا ثأرية. قامت لمحو عار الهزيمة. ومع ذلك نادرا ما تجد أحدا يتحدث عن الانتصار.
الهزيمة حاضرة في كل مجلس وعلى كل لسان، وكأن النصر لا يجُب الهزيمة، التي يراد لها أن تستمر. وقد كانت ثقافة الهزيمة غائبة بعد 1967 لعمق روح المقاومة وغلبتها في ذلك الوقت.
وأخيرا ألا يبدو الاستسلام لثقافة الهزيمة وضعا مقلوبا وشاذا حتى تكون له هذه الهيمنة على العقل العربي، وهو نفس العقل الذي رفض الهزيمة عندما وقعت بالفعل..
وها هو يقبل بثقافتها بعد النصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق