الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009

كيف دخل القذافي الكلية العسكرية؟


!

لو أخذنا بفكرة أن الطالب معمر أبا منيار كان منذ عام 1958 "مخبراً سرّيا"ً في جهاز المباحث العامة بسبها (وهو الأمر الذي قدّمنا بشأنه القرائن)، فإن مسألة دخوله والتحاقه بالكلية العسكرية عام 1963 لا تصبح مشكلة أمامه، وما كان يحتاج حتي للظهور -أثناء سنتي إقامته بمصراته- بالمستأنس الذي يتجنَب الإضرابات والخصومات. وعلى العكس كان سيجد - بهذا السجل من الولاء للنظام وخدمته- ترحيباً للدخول في الكلية العسكرية حيث سيواصل خدمته للنظام الملكي.

أمّا إذا كان القذافي بحقّ، كما يصرّ أن يصف نفسه ويصفه رفاقه، ثورياً مشاكساً وصاحب ملفُ أسود في المباحث بسبب تنظيمه للمظاهرات وانتقاده العلني للنظام الملكي، فلا شكّ أنه كان سيجد صعوبة بالغة إن لم تكن استحالة في الالتحاق بالكلية العسكرية عام 1963، وما كان سلوكه "الخانع" في مصراته سيفيده شيئاً في هذا الشأن، وما كان ليغيّر صورته في نظر النظام الملكي وأجهزته الأمنية (التى يصرّ القذافي على وصفها بالقمع والاستبداد والظلم وملاحقته هو شخصياً)، وبخاصة أنّ ليبيا كانت تعيش يومذاك أجواء من التوجس والقلق منذ أكثر من عام بسبب المحاولة الانقلابية (مطلع عام1962) التى أعقبت إخراج اللواء (السنوسي لطيوش)[1] من الجيش، والتى زادتها عملية اغتيال العقيد إدريس العيساوي في بداية شهر ديسمبر 1962 توتراً واضطراباً. الأمر الذي جعل الملك إدريس (وفقاً لما ذكره رئيس الوزراء السيد محمد عثمان الصيد في مذكراته) يفكّر في "حلّ الجيش الليبي والاكتفاء بسلاح الحدود وجهازأمن قوي مع تعزيز القوات المتحركة"[2].

فكيف أمكن للطالب معمر أبي منيار بهذه الخلفية "الثورية المشاكسة" التي يزعمها أن يلتحق بالدفعة السابعة بالكلية الملكية العسكرية في بنغازي في أكتوبر 1963[3]؟ ولعلّ ممّا كان سيزيد الوضع صعوبة بل استحالة على الطالب معمر أبي منيار (حتي لو غير اسمه عند تقديمه طلبه للالتحاق بالكلية إلى معمر القذافي[4]أنّ وزير الدفاع كان يومئذٍ "سيف النصر عبد الجليل" وهو ابن أخ "البيّ محمد سيف النصر" الذي يزعم القذافي أنه كان وراء طرده من سبها بسبب ثوريته ومواقفه الوطنية والقومية.

ماذا قال القذافي عن حكاية دخوله للكلية العسكرية في أكتوبر 1963؟

للأسف - وعلى غير عادته – لم يقل القذافي لنا شيئاً على الاطلاق.. حيث لم يتجاوز ما قاله في هذا الخصوص (قصة الخلية الأولي، لقاء بالإذاعتين المسموعة والمرئية 3/3/1977):

" وبعد ذلك أخذت التوجيهية من مصراته.. ودخلت الكلية العسكرية ودخل معي الجماعة الذين قدّر الله لهم الدخول."

ذلك كلّ ما قاله العقيد القذافي حول هذا الموضوع الحساس الخطير..

· لم يقل لنا متى كان تقديمه لطلب الالتحاق بالكلية العسكرية؟ وأين كان مركز التقديم؟

· ولم يحدثنا عن الكيفية التي حصل بها على الوثائق الضرورية من الأجهزة الأمنية!

· ولم يحدّثنا عمّا إذا كان قد واجه أيّة صعوبة- وبخاصة بسبب سمعته الثورية- في القبول وكيف ذلّل تلك الصعوبة، وعن طريق من؟

· ولم يقل لِمَ غيّر اسمه من "معمر أبو منيار" إلى "معمر القذافي" عند تقديمه لطلب الالتحاق؟ ومن الذي نصحه بهذا الأمر؟

· ولم يقل لنا ما إذا كان ووجه بأسئلةِ حساسة في امتحان الدخول وكيف أجاب عنها؟

· ولم يذكرلنا حتى أسماء وأعضاء لجنة القبول للكلية؟

وحتى كتاب "القذافي ورحلة 4000 يوم من العمل السريّ" الذي أصدره رفاق القذافي مؤخراً نجده قد خلا من أيّة إشارةٍ إلى هذا الموضوع الذي نحسب أنه مهم بأيّ معيار من المعايير.

نحن على يقين بأنّ القذافي لم يفعل ذلك صدفة.. أو نسياناً.. وإنّما عن عمد، وبقصد إخفاء سرّ من الأسرار المهمّة التي تحيط بمسيرته. فما هي حقيقة ذلك السرّ؟!

رغم شح المعلومات حول هذا "السر" إلا أننا نحسب أن بمقدورنا وضع أيدينا على بعض مفاتيحه التي لا نشك في أنها بحاجة إلى المزيد من البحث والاستقصاء.

مصدر المعلومات الوحيد المتوفر حول هذا الموضوع هو زميل القذافي الرائد عبد السلام جلود الذي أجلى عن هذا السرّ بعض الغموض، دون أن يقصد بالطبع، من خلال حديثه عن الكيفية التي التحق هو بها بالكلية العسكرية في دفعة القذافي نفسها (السابعة) صيف1963[5].

الرائد عبد السلام جلود يتحدّث عن طريقة دخوله للكلية العسكرية بالعبارات التالية (راجع صفحة56 من السجل القومى/ المجلد السادس. 31/8/1974م.):

"أنا في الحقيقة لم أكن أرغب في الالتحاق بالكلية الحربية فلم أجهزّ الأوراق، فجاء إلىّ [معمر] في فترة الضحي حوالي الساعة الحادية عشر وجلس في المقهى الخضراء [بطرابلس]. وقال لي جهزّت الأوراق؟ فقلت له لا.. زعل عليّ وأخذني بالسيف [بالقوة]، وكان غدوة [اليوم التالي] آخر يوم المفروض أن نقدّم فيه الأوراق (للالتحاق بالكلية).."

ويواصل الرائد جلود وصفه لما حدث في ذلك اليوم:

" فأخذني [معمر] ويظهر كان عنده واسطة في المباحث [العامة بطرابلس] – كان فيه واحد اسمه خالد[6] غريبة- دار [عمل] لي الأوراق في نفس اليوم وقدّمناها.."

ويكشف الرائد جلود المزيد عمّا حدث معه في تلك المناسبة:

" وأذكر مدّتها [يومئذ] أنني سقطت [لم أنجح] في الفحص، وسقّطني الدكتور [الطبيب] بسبب أذني، ويئست، إلاأنّ الأخ معمر أخرجني من الباب، ودخّلني [أدخلني] مرّة ثانية [عند الطبيب] على أساس أنّني طالب جديد لم أفحص، فبدأ الدكتور الفحص من جديد ونجحت في الكشف هذه المرّة."

ويبدو أنّ أحد المذيعين[7]اللذين كانا يُديران اللقاء لم يصدق ما سمعته أذناه فسأل جلود:

- وكان نفس الدكتور؟

- وردّ عبد السلام بأنه نفس الدكتور.

- فحاول المذيع أن يجد مبرراً مقبولاً لما حدث فقال: " بعدما أصابه (اى الطبيب) الملل والتعب.

- انتبه الرائد جلود وقال: طبعاً تعب من العدد الكبير من الناس الذي فحصهم قبلي، فقد كان عددهم كبير جداً.. ومنها نجحت ودخلت إلى الكلية."

وما ذكره الرائد جلود يكشف الكثير من المبهمات حول هذا الموضوع الذي نحن بصدده..وهو كيفية التحاق الطالب معمر أبي منيار بالكلية العسكرية خلال العام1963 بالدفعة السابعة نفسها. فمن هذه الرواية نستطيع أن نستنتج:

· أنّ الطالب "معمر أبو منيار" ظلّ على صلته بجهاز "المباحث العامة"، وأن هذه الصلة انتقلت من صلةٍ بالمباحث العامة في سبها إلى صلةٍ بمباحث أمن الدولة في طرابلس[8](لاحظ أنه في تلك الفترة -صيف 1963- كان النظام الاتحادي قد ألغي وأصبحت البلاد موحّدة، وترتب على ذلك دمج أجهزة المباحث العامّة في الولايات الثلاث تحت سلطة وزير الداخلية).

· أنّ هذه الصلة كانت على درجة من القوة والحميمية جعلت القذافي يطلب من أحد عناصر هذا الجهاز (وهو المدعو خالد غريبة)[9]تجهيز أوراق زميله عبد السلام خلال اليوم نفسه وخلال ساعات قليلة.

· إن الطالب معمر أبا منيار كان يتصرّف خلال الفحص (الطبي) باعتبار أنه "صاحب سلطة" وليس مجرّد طالب مرافق لزميله جلود، كما كان يتصرّف بمنتهي الثقة والدراية، الأمر الذي لا ينسجم مع وضعه حينذاك كطالبٍ قادم من مصراته.

وعودة إلى موضوعنا..

فهل من حقنا أن نفترض أنّ "الإجراءات" التي مرّ بها "الطالب معمر أبو منيار" لدخول الكلية العسكرية وبخاصّة فيما يتعلق ب"الأوراق" هي عين ما حدث للطالب جلود، وأنّ المدعو "خالد غريبة" المسؤول بالمباحث العامّة هو الذي جهزّ الأوراق في الحالتين؟

وتأسيساً على ذلك، فهل من حقنا أن نتساءل عن طبيعة العلاقة بين الطالب معمر أبي منيار والمدعو "خالد غريبة"؟ هل هي مجرّد صداقة ومعرفة شخصية ووساطة[10]؟ أم أنّ الأمر أكثر من ذلك.. وأنّ الأسباب التي جعلت جهاز المباحث العامة في سبها( عام 1961) يزوّد الطالب معمر أبا منيار ب"أوراق" ليس لها علاقة بالدراسة وإنما تتعلق ب"الوظيفة" مكنته من مواصلة دراسته في مصراته بعد طرده من سبها هي الأسباب نفسها التي جعلت جهاز المباحث العامّة في طرابلس(عام1963) يزودّ الطالب نفسه معمر أبا منيار(وحتى أصدقاءه) بالأوراق التي تساعده وإياهم على دخول الكلية العسكرية؟

إننا لا نستطيع - وبخاصّة أمام صمت القذافي المطبق حول هذا الموضوع- إلا أن نخلص إلى نتيجة وحيدة مفادها أنّ الطالب معمر أبا منيار عندما دخل الكلية العسكرية عام1963 كان ما يزال "مخبراً سرياً" بالمباحث العامّة، وأنه التحق بالكلية وهو ما يزال يحمل الصفة ذاتها والوظيفة عينها، ولعلّ مسؤولين في أجهزة الأمن والشرطة -التي كانت معروفة يومذاك بمنافستها وغيرتها وتخوّفها من القوات المسلحة الليبية[11]- تصوروا أنه من خلال تمكين "المخبر" معمر أبي منيار وغيره وتسهيل التحاقهم بالكلية العسكرية سوف يتمكنون من الحصول على معلوماتٍ مهمّة حول ضباط الجيش الليبي كما حدث من قبل في سبها حيث تمكنوا عن طريق " هذا المخبر" من الحصول على معلومات كثيرة حول الطلبة والمدرّسين وأصحاب التوجهات الحزبية وأنشطتهم.

ولِمَ التكهّن حول هذا الموضوع؟

فبعد البرنامج الوثائقي "من التاريخ.. أربعة آلاف يوم من العمل السرّي) وبرنامج "شهادة التاريخ" اللذين بثتهما فضائية النظام في الذكري الواحدة والثلاثين للانقلاب (1/9/2000)، لم يعد الأمر مجرّد تكهّن وتخمين واستنباط.. بل أصبح موضوع قيام سلطات النظام الملكي الأمنية بإدخال بعض عناصرها للدراسة بالكلية والالتحاق بالجيش الليبي من أجل أن يكونوا عيوناً لها عليه، حقيقة اعترف بها وأقرّها عدد من الشهود الذين استقدمهم مقدّم البرنامج الثوري (ميلاد الفقهي) وبعضهم من رفاق القذافي.

فقد أكد الشهود[12]الذين استضافهم مقدّم برنامج "شهادة التاريخ" أنّ عدداً من زملائهم في الدفعة السابعة بالكلية العسكرية كانوا معروفين بين طلبة الكلية بأنهم عيون لجهاز أمن الدولة وأنهم كانوا مهتمين بتقديم تقارير عن زملائهم في الكلية إلى ذلك الجهاز، وكان من بين الأسماء النتي ذكرت صراحة في تلك الشهادات أسماء الضابطين إبراهيم الصّكّوح وإبراهيم بالقاسم من الدفعة السابعة (وهي الدفعة التى ضمت معمر القذافي) التى أكد أكثر من واحد من المشاركين في البرنامج بأنها كانت تعرف ب"دفعة البصاصة".

أما العقيد القذافي نفسه فقد أورد خلال المقابلة التلفزيونية التى أجرتها معه فوزية شلابي وتم بثها خلال الليلة ذاتها التى جري فيها بث البرنامج المذكور (1/9/2000) في شأن الموضوع ذاته ما نصه:

".. إبراهيم الصّكّوح وإبراهيم بالقاسم قبل دخولهم في الكلية [العسكرية] كانوا في الشرطة..إبراهيم و إبراهيم فاتحوني [؟!] كنت نحبهم وكانوا عاقلين.. إبراهيم بالقاسم كنت أريد أن أفاتحه، لم أكن مهتم أنهم كانوا من أمن الدولة [؟!].."[13]

بل إن القذافي يذهب إلى القول[14] في تلك المقابلة بحق الرائد عوض حمزة عضو مجلس قيادة الثورة:

"عوض [حمزة] كنت عارف أنه ضابط جمارك... عوض حمزة عضو مجلس قيادة الثورة واحد من المخبرين(؟!)[15]

قضية أخري لابدّ من الاشارة إليها في هذا المقام وتتعلّق بمزاعم العقيد القذافي بأن آل سيف النصر وعلى رأسهم "البي محمد" كانوا يناصبونه العداء وأنهم كانوا وراء طرده من سبها .. فلو كانت هذه المزاعم صحيحة، فكيف كان بمقدور الطالب معمر أبي منيار (حتى لو غيّر اسمه إلى معمر القذافي) أن يدخل الكلية العسكرية في الوقت الذي كان فيه أحد أبناء هذه العائلة، سيف النصر عبد الجليل (ابن أخ البيّ محمد)، يشغل منصب وزير الدفاع (حكومة محي الدين الفكيني).

إذن فالنتيجة المنطقية الوحيدة التي يمكن أن نخلص إليها هي أنّ الطالب "الثورى" "المشاغب المشاكس" معمر أبا منيار لم يجد صعوبة في الالتحاق بالكلية العسكرية في أواخر صيف عام 1963م.

· ليس فقط لأنّ العهد الملكي كان بطبيعته متسامحاً ومتساهلاً.. إلى أبعد الحدود..

· وليس فقط لأنّ "ثورية" القذافي و"مشاكسته" لم يكن لهما في نظر أجهزة ولاية سبها أىّ معنى، ولم تشكلا أي خطرٍ حيث أنّ هذه الأجهزة تدرك بأنّ هذه "الثورية" مجرّد "مسوح" وأقنعة وأغطية اقتضتها وظيفته "كمخبر سري" في جهاز المباحث العامة في الولاية.

· ولكن، والأهم من ذلك كله، لأنّ الطالب معمر أبا منيار عندما قدّم أوراقه للالتحاق بالكلية العسكرية في أكتوبر 1963 (الدفعة السابعة) كان ما يزال يحمل صفة "المخبر السري" التابع لجهاز أمن الدولة، ولأنه دخل الكلية العسكرية - كما كان يتصوّر بعض المسؤولين في قيادة الأجهزة الأمنية يومذاك – من أجل أن يواصل مهمته "المخابراتية السرّية" في أوساط ضباط القوات المسلحة هذه المرة.. بدلاً من الطلاب والمدرّسين وأصحاب التوجّهات الحزبية كما في الماضي.

وبدخول الطالب معمر الكلية العسكرية في أكتوبر عام 1963م.

· اختفت شخصية "الطالب/ المخبر" معمر أبي منيار (معمر عبد السلام).

· وظهرت شخصية "المستجد/ المخبر" معمر القذافي.

وسوف يتأكّد هذا الدور "المُخبري السري" الجديد من خلال تتبّع جانب مسيرة "معمر القذافي" أثناء سنوات دراسته بالكلية العسكرية (أكتوبر عام 1963م. – أغسطس 1965م.) وما تلاها وحتى قيام الانقلاب في سبتمبر 1969م.

شواهد من أيام الكلية العسكرية

رأينا في المباحث السابقة كيف أنّ صلة الطالب/ المخبر معمر أبي منيار بجهاز "المباحث العامة" (ومن ثمّ "مباحث أمن الدولة") لم تنقطع - وما كان لها أن تنقطع – بعد أن انتقل مطروداً من سبها إلى مصراته لمواصلة دراسته بمدرستها الثانوية. رأينا كيف أنه وزميله الرائد عبد السلام جلود (وربما آخرين أيضاً) قد دخلا الكلية العسكرية في أكتوبر 1963 بمساعدة أحد ضباط "مباحث أمن الدولة" المدعو خالد غريبة[16].

ولم تكن المساعدة التي قدّمها خالد غريبة إلى زميله في العمل المخبر معمر أبي منيار خدمة شخصية بل نحسب أنها كانت تنفيذاً لسياسة درجت الأجهزة الأمنية على انتهاجها حينذاك – وربمّا منذ افتتاح الكلية العسكرية في عام 1957 – من أجل اختراق صفوف "الجيش الليبي" وجمع المعلومات اللازمة عن ضباطه ووحداته. وهي السياسة التي اكتسبت يومذاك أهميّة خاصّة في ظل أجواء التوجُس والخوف التي أخذت تعصف بالبلاد، وكان واضحاً أن مصدرها هو الجيش الليبي وضباطه[17].

وفي الواقع، فإن الطالب/ المخبر معمر قد أثبت خلال أيام دراسته بسبها أنه يملك مؤهلات خاصّة ونادرة جعلته يتمكن بسهولة من الإيقاع بعدد كبير من زملائه الطلبة ومن ذوي الانتماءات الحزبية، الأمر الذى جعله مؤهلاً لترشيح الأجهزة الأمنية له لخوض تجربة جديدة في أوساط الجيش وضباطه ووحداته.

ونحاول تحت هذا العنوان إيراد عدد من الشواهد والقرائن من سيرة معمر القذافي خلال السنتين اللتين قضاهما طالباً بالكلية العسكرية ببنغازي (أكتوبر 1963 – أغسطس 1965) والتى تؤكّد بدورها استمرار عمله "مخبراً سرياً" لدى جهاز "مباحث أمن الدولة"، يقوم بمهمّة جمع المعلومات عن الجيش وضباطه.

كما هو معروف، فإن حياة الطلاب في أيّة "كلية عسكرية" هي حياة منضبطة في العادة، تحكمها النظم والقواعد واللوائح الصارمة. فحركات الطلاب وتنقلاتهم وسائر تصرفاتهم، بل وحتى إجازاتهم، محسوبة ومحددّة وتحت المراقبة..

ولم تكن حياة الطلاب بالكلية العسكرية الملكية ببنغازي منذ إنشائها في عام 1957 استثناءً عن هذه القاعدة. تشهد بذلك لوائحها ونظمها المعروفة، كما يشهد بذلك طلاب دفعاتها الاثنتي عشرة التي تخرجّت منها إبان حقبة العهد الملكي. كما يشهد بذلك الطالب معمر القذافي نفسه الذي تخرّج من تلك الكلية ضمن طلاب "الدفعة السابعة" برتبة ملازم ثان في شهر أغسطس من عام 1965.

يقول العقيد القذافي خلال الندوة التلفزيونية التي بثتها وسائل إعلامه مساء 31/8/1974[18] ما نصّه:

".. مرحلة ونحن طلبة في الكلية العسكرية، وهذه يصعب عليك [أي على الطالب بالكلية]، أن تتصّـل بمن هو أعلي منك من الطلبة فما بالك بالضباط.. الضباط هذا شئ مستحيل إنك تتصل بهم.. لا يسمح لك حتى لو كان أخوك ضابط أن تتفق معه أو أن تتفاهم معه.. بعدما تصبح ضابط ترتفع هذه التحديدات والمحاذير.."

ويؤكد الرائد عبد السلام جلود خلال الندوة الآنفة الذكر نفسها أنّ طلبة الكلية العسكرية كانوا ممنوعين حتى من الاستماع إلى الراديو داخل عنابر إقامتهم.

فإذا أخذنا في الاعتبار هذه الحقائق بشأن نظام الدراسة والمعيشة داخل الكلية العسكرية الملكية التي التحق بها القذافي في بنغازي، وإذا أخذنا في الاعتبار أيضاً الأجواء القلقة والمضطربة التى كانت البلاد تحياها يومذاك إثر اكتشاف المحاولة الانقلابية التي شرع في تنفيذها عدد من ضباط الجيش في مطلع عام 1962، وإثر مصرع العقيد إدريس العيساوي (ثاني أقوي شخصية في الجيش) في ديسمبر 1962 وإثر أحداث الطلبة الشهيرة في بنغازي والزاوية والجميل في يناير 1964، وهي الأجواء التي زادت المخاوف من الجيش، وجعلت أعين الأجهزة الأمنية (مدنية وعسكرية) تتركّز على ضباطه وتلاحقهم بمخبريها العلنيين والسرّيين وبتقاريرهم.

وإذا افترضنا أنّ معمر القذافي كان فعلاً - كما يزعم- يخطط منذ زمن بعيد للاطاحة بالنظام الملكيّ "الرجعي" في ليبيا سواء من خلال "ثورة شعبية"[19](؟!) أو من خلال انقلاب عسكري، أفلا يتوقع أيّ إنسان سويّ عاقل من معمر القذافي وقد تمكّن من الالتحاق بالكلية العسكرية – رغم هذه الأجواء المفعمة بالخطر وبسببها – أن يكون على درجة من التعقل والحذر والتحفظ والانضباط حتي يتمكن من بلوغ هدفه الأول وهو التخرّج من الكلية، ومن ثم العمل - من خلال القوات المسلحة – لبلوغ هدفه الكبير؟![20]

فهل كانت حياة معمر القذافي وسنوات دراسته بالكلية العسكرية في بنغازي على أيّ درجةٍ من درجات التعقل والحذر والانضباط؟!

في الواقع إنّ المرء ليذهل حقاً وهو يطالع سيرة وسلوك الطالب معمر القذافي وتصرفاته على امتداد سنتي الدراسة بالكلية العسكرية، وما اتسمت به تلك التصرّفات من شذوذ ورعونة ولامبالاة وروح استعراضية..

أمّا داخل الكلية، وموقفه من نظمها وعلاقاته بضباطها وطلابها.. فلنترك رفاق القذافي أعضاء تنظيمه يتحدّثون عن زميلهم أثناء سنوات الكلية العسكرية.

يورد الرائد عبد الكبير الشريف، رفيق القذافي والذي عاصره لمدّة عام واحد بالكلية العسكرية[21]، الفقرات التالية في كتابه "جانب من قصة الثورة الليبية":

".. أعود إلى الطالب المتقدم [الدفعة السابقة] معمر القذافي حيث أنّ أغلب الطلبة المستجدّين [بالدفعة الثامنة] أجمعوا على أنه إنسان معقد.."[22]

".. الطالب معمر القذافي الذي أقسم في نفسه سراً أن لا يشترك فى الاستعراض [الاستعراض العسكري بمناسبة الاستقلال] أمام رجال العهد المباد [الملكي].."[23]

".. وما أكثرها من ساعات قضاها [الطالب معمر ] وهو يزحف على الشوك والصخور أثناء تنفيذ ساعات التعليم الإضافي ([لعقوبة] ودّمت[؟] والتهبت ذراعاه خاصّة عند المرفقين[؟] واستمرّ كذاك حتى لم يعد قادراً على مدّ ذراعه بصورة مستقيمة لشدّة الجروح والالتهابات.."[24]

أما الرائد عبد السلام جلود فهو يلخص خلال ندوة 31/8/1974 سلوك معمر القذافي أثناء سنوات الكلية العسكرية ويصفه على النحو التالي[25]:

".. كان الأخ معمر [الطالب بالكلية العسكرية] دائماً يستهتر بالضباط، وقريب [كادوا] كان يطردوه من الكلية، ما زال له عشر درجات والا اثناشر..كم؟ عشرين درجة تقريباً.."

كما يكشف الرائد جلود خلال الندوة ذاتها جانباً آخر من سلوك زميله القذافي في الدفعة السابعة، وهو سلوك لا يستقيم ولا ينسجم مع ما يدّعيه الأخير بأنه كان ضد النظام الملكي، وأنه كان ذا شعبية طاغية، وكذلك لا ينسجم مع ما تقتضيه أخلاقيات شخص يزعم أنه كان يؤسس منذ عام 1959 حركة شعبية تخطط للإطاحة بالنظام الملكي.

فبعد أن يروى الرائد جلود[26]تفاصيل الخصومة التي جرت بين الطالب معمر القذافي وبين زميلين من الدفعة المتقدّمة نفسها (هما التكبالي ومحمد بن طاهر) حول الاستماع سراً للمذياع [الذى كان ممنوعاً بموجب لوائح الكلية]، و كيف أنّ الطالب معمر لم يقتنع بقرار الأمر [أمر الدفعة الطالب عبد السلام جلود][27]يقول جلود:

"مشي [الطالب المتقدم معمر] يجري للضباط [بالكلية] وقال لهم أراهم [أي زملاءه الطلاب] دايرينها حانة رقص وكذا وكذا..[28]

والسؤال الذي يعنينا في هذا المقام هو..

ما الذي يدعو الطالب معمر أبا منيار إلى عدم تقدير أو بالأحري عدم الاكتراث بالعواقب والنتائج التي يمكن أن تترتب على تصرفّاته؟!

أهو الارتجال والرعونة والاستهتار واللامبالاة أم صفات قلة الأدب والتطاول والمشاكسة وحبّ الظهور.. التى جبُل وطبع عليها منذ سنوات بعيدة؟

يحسن ألا نحاول الإجابة على هذه التساؤلات قبل أن نتعرّض لجانب آخر من تصرفّات الطالب معمر القذافي خلال هذه الحقبة.. ونعني بها تصرّفاته خارج الكلية العسكرية..

يستفاد من مطالعة حلقات "قصة الثورة" كما رواها االعقيد القذافي في عدد من المناسبات..

· أنه كان كثير اللقاءات والاجتماعات بعناصر من طلبة الكلية أعضاء "تنظيمه" ليس فقط من الدفعة السابعة التي كان فيها ولكن أيضاً مع طلبة من الدفعة الثامنة، وكان من بينهم عبد الكبير الشريف وابربك الطشاني وأحمد محمود الزوي وعمر عبد الله المحيشي وأمحمد أبو بكر المقريف.[29]

· أن هذه اللقاءات لم تكن محاطة حتى بالحدّ الأدني من الترتيبات الأمنية، فكان عدد منها يتم في الهوتيل (الفندق) نفسه (هوتيل النهضة بمدينة بنغازي) ، وفي المقاهي العامة، بل لم يحاول القذافي وزملاؤه تجنب التجمهر أمام الآخرين مما قد يلفت الأنظار اليهم، كما حدث لمجموعة منهم أمام معهد "دي لا سالي" ببنغازي.[30]

ومرة أخري نجد أنفسنا أمام السؤال السالف نفسه..ما الذي يفسر سلوك الطالب معمر القذافي بشان هذه الاجتماعات واللقاءات خارج الكلية العسكرية؟! . ما الذي يفسر اصراره على عقدها بالكثرة التي أشار اليها في تلك الحلقات، وبهذه العلانية وهذا الانفتاح، ودون مراعاة للاعتبارات الأمنية الدنيا بشأنها؟

أهي الروح الثورية المتأججة لديه؟

أم هي روح الاستهتار واللامبالاه عنده التي لا تحسن تقدير الأمور ولا تكترث بعواقبها ونتائجها؟

أم أنّ هناك "سراّ" و"سبباً" آخريْن وراء هذا الأمر؟

مرة أخري.. لانريد أن نندفع نحو إجابة معينة قبل أن نشير إلى أمر يتعلق بتصرفات الطالب معمر القذافي خلال تلك الحقبة..وهو أمر يتعلق بالقذافي دون غيره من رفاقه.. ونعني بذلك سفراته الخاصة المتكررة إلى مدينة طرابلس خلال السنتين المعنيتين (أى عندما كان القذافي ما يزال طالباً بالكلية العسكرية). يقول أحد رفاق القذافي الملازم الريفي علي الشريف خلال المقابلة التي أجرتها معه السيدة (ميريلا بيانكو) ونشرتها في كتابها"القذافي رسول الصحراء"[31]

".. ثم في آواخر 1963 أذكر أنه كان يوم الاستقلال (كان القذافي قد التحق بالكلية العسكرية في بنغازي في أكتوبر من ذلك العام) فالتقيت بالقذافي في طرابلس، كان يرتدي زي طلبة الكلية الحربية وكنت ما أزال طالباً (بالمدرسة الثانوية).."

وسواء كانت هذه الزيارة التي قام بها القذافي إلى طرابلس خاصّة أم في إطار آخر.. فمن المؤكد أنها لم تكن الزيارة الوحيدة التى قام بها إلى طرابلس خلال تلك الفترة..فماذا كان يفعل القذافي يومذاك في طرابلس؟

ومما يزيد الالحاح في طرح هذا السؤال..

· أنّ الطالب معمر- كما رأينا – يزعم أنه كان يصر على عدم المشاركة في الاحتفالات والاستعراضات الرسمية التى كانت تجري في طرابلس احتفالاً بعيد الاستقلال..

· أنّ السفر بين بنغازي وطرابلس بالطائرة مكلف جداً ولا تحتمله ميزانية طالب بالكلية العسكرية، ليس له أى مصدر دخل آخر وينتمي إلى أسرة فقيرة..

· ليس للطالب القذافي أسرة أو أقارب في مدينة طرابلس، وعائلته كانت ما تزال موزعة بين سرت وسبها.

· أنّ القذافي لم يتحدث عن وجود أى نشاط لتنظيمه المزعوم - سواء العسكري منه أم المدني - في طرابلس خلال تلك الفترة.

فما الذي كان يفعله معمر القذافي في طرابلس خلال تلك الرحلات؟!

هل كان يقابل خالد غريبة وبقية رؤسائه في مباحث أمن الدولة بطرابلس؟ أم آخرين؟

قبل أن نحاول الاجابة عن هذه الأسئلة وسابقتها، يحسن أن نعود إلى ما قاله أحد رفاق معمر القذافي الذين عرفوه منذ أيام سبها في عام 1958[32] ونعني به الرائد عبد السلام جلود..

يبدو أن الرائد جلود وجد نفسه في حيرة شديدة إزاء ما بدا له تناقضاً في شخصية رفيقه معمر القذافي . وقد عبر عن هذه الحيرة بطريقة لا تخلو من إظهار إعجاب بهذا التناقض، مع التلميح في الوقت ذاته إلى وجود "لغز" حول هذا الموضوع.. عبّر الرائد جلود عن هذه الحيرة في عددٍ من المناسبات كان من بينها الندوة التلفزيونية التي عقدت بمدينة سبها في 3/3/1977. وكان ممّا ورد على لسان جلود في تلك الندوة ما نصّه[33]:

" لقد كان الأخ العقيد يتخذ أساليب كثيرة جداً،ولكن في الواقع كانت طريقة تكوينه فيها أسلوب التمرّد والتحدي [ولعله كان يريد أن يقول الاستهتار واللامبالاة] وكثيراً ما كنا نتساءل كيف يكون الأخ العقيد في بعض الأحيان متحفظاً [أى حذراً] في الاجتماعات مع أنّ أسلوب التحدّي والتمرّد من طبيعة تكوينه أصلاً.. كنا كثيراً ما نتساءل كيف يكون متحفظاً مع أنً صفة التحفظ مضادة لطبيعة التحدّي والتمرّد في تكوينه؟ والحقيقة أنّ طبيعة التمرّد كانت تسيطر على الأخ العقيد حتي وهو في الكلية. وكان دائماً عند حدّ التمرّد، كان لا يعترف بالقانون ولا يعترف بغير التحدّى والتمرّد. كنت ألاحظ هذا وخاصة أننى كنت رئيسه في الكلية .. وكثيراً ما كنت أتساءل: هل هذا ضد السرية مثلاً؟.. كان الأخ العقيد غير مكترث، فقد كان عنده أسلوب التحدّي، ورفض الأوامر في بعض الأشياء وكنت أعتبر هذا ضد السرية وخاصةً أنّ العهد المباد لم يكن غبياً... وقد لازم أسلوب التحديّ والرفض الأخ العقيد عندما كان طالباً في المدرسة الإعدادية وفي المدرسة الثانوية والكلية الحربية وحتى عندما كان ضابطاً.. وهذا ما جعلني أتساءل دائماً، لأنه من جهة يعمل إجراءات انضباطية شديدة جداً على الأفراد والجماعات مثل المنشورات كيف تحرق وكيف توزّع وكيف تعاد اليه.. من جهة كان حريصاً جداً ومن جهة أخرى كان يتمرّد ويتحدّى الأوامر وكلّ شئ [أى مستهتر جداً].."

ولا نحسب أنّ ما قاله الرائد جلود في تلك الندوة التي عقدت مساء اليوم التالي لإقصائه عن منصب رئيس الوزراء الذي شغله منذ يوليو 1972، كان استطراداً لا معني ولا مبرّرله، أو كان شطحة من شطحاته.. إنّنا نعتقد أنّ جلود أراد بتلك الملاحظات أنّ يذكـّر العقيد القذافي يومذاك – وفي إطار تسوية حسابات خفيّة بينهما[34]- بموضوع هامّ وخطير.. ولئن اختار الرائد جلود في تلك المناسبة أسلوب التساؤل الاستنكاري للتعبير عمّا أراد التعبير عنه والتذكير به، إلا أننا لا نشكّ في أنّ القذافي فهم مغزى كلمات جلود وإيحاءاتها الخطيرة والبعيدة، ومن ثمّ فقد أثر عدم التعقيب خلال الندوة على ملاحظات جلود، وواصل الحديث - كما يتبين من الصفحات 522 وما تلاها – بعيداً عن كلمات جلود وتساؤلاته الهامّة..

وسواء أصحّ ما استنتجناه حول سياق كلمات الرائد جلود والدوافع من ورائها أم لم يصحّ فإن ما أثاره من تساؤل واستغراب حول هذا التناقض في تصرفات زميله القذافي، والتي كانت تتراوح ما بين التمرّد والتحديّ والاستهتار من جهة، وبين التحفظ والحيطة والحذر من جهة أخري، يظل مهماً وذا صلةٍ ودلالة حتي وإن بدا مبتوراً وناقصاً.

فالظاهرة التي تحدّث عنها ولاحظها جلود حقيقيّة[35]، وهي تؤكد ما أشرنا إليه آنفاً حول الاستهتار واللامبالاة (وفي عبارات جلود التحدّي والرفض والتمرّد) اللذين طبعا سلوك القذافي خلال سنتي دراسته بالكلية العسكرية (وقبلها وبعدها) ورغم إقرار جلود بأنّ هذا السلوك يتناقض مع مقتضيات السرّية والحيطة والحذر إلا أنه آثر أن يتوقف عند تفسير هذه الظاهرة - التى حيرته كثيراً- بإرجاعها إلى طبيعة الرفض والتحدّي الغالبة عند القذافي.

إلا أننا نذهب إلى القول بأنّ السبب الحقيقي للاستهتار الأمني الذي طبع سلوك القذافي وتصرفّاته هو صلته الخفيّة وارتباطه الوظيفي بمباحث أمن الدولة، فهذه الصلة زودّته ببرقع وغطاء مارس تحته أو بموجبه كلّ صور التمرد والانفلات والاستهتار، مطمئناً إلى عدم تعرضه للمساءلة عن هذه التصرّفات الرعناء غير المنضبطة.. بحكم أنها ضرورية للنجاح في وظيفته السرّية المخابراتية. وليس أدلّ على أنّ تلك الثورية وروح التحدّي والتمرد لم تكن إلا برقعاً ومن مستلزمات وظيفته كمخبر، لا يتردد في التخلي عنها إلى مواقف مناقضة؛ محافظة وحذرة وخانعة، كلما أحسّ بالخطر الحقيقي على شخصه وأمنه وحين يكتشف أنه لا يستطيع أن يبرر لمسؤوليه أنّ ما يقوم به هو من مستلزمات وضرورات وظيفته[36]

وإذا ما عدنا إلى التساؤلات التي سبق أن طرحناها بشأن تصرّفات الطالب "معمر القذافي" خلال سنتي الكلية العسكرية؛ سواء داخل الكلية أم خارجها، والتي اتسمت بالاستهتار واللامبالاة والرعونة، وعدم مراعاة أبسط وأدني الاعتبارات الأمنية (سواء أكانت تلك التصرفات تتعلق بمراعاة نظم الكلية العسكرية أو بموقفه من الضباط، أو بعلاقته ببقية الطلاب، أو كانت تتعلق بالاجتماعات التي كان يعقدها مع أعضاء تنظيمه، أو بسفراته المتكررة إلى طرابلس) فإننا نستطيع أن نجزم أن مرجع ذلك الاستهتار وتلك الرعونة هو ارتباطه الوظيفي السرّي بمباحث أمن الدولة ومقتضيات ذلك الارتباط، وليس لها ادني علاقة بطبيعة ثورية متحدية ورافضة يزعم القذافي أنها كامنة في أعماقه.

ليست هناك تعليقات:

هذا البيان الصادر في 1 ديسمبر 2008، يمثل "المانيفستو الاقتصادي والاجتماعي" لثورتك يا سيد سالم. أنت هنا لا تكتفي بالهجوم السياسي، بل تغوص في عمق "الجريمة الطبقية" التي كنت تراها تُمارس ضد الشعب المصري، وتربطها بخيوط "مؤامرة مخابراتية" تمتد لعقود. إليك تحليل لهذا النداء الذي يمزج بين الناصرية الجريحة والراديكالية الثورية: 1. الدفاع عن "إرث ناصر" (القطاع العام) في هذا النص، تظهر هويتك كواحد من حراس "العدالة الاجتماعية": فلسفة القطاع العام: قدمت تعريفاً دقيقاً (وربما منسياً في ذلك الوقت) بأن الهدف ليس الربح المادي، بل "إعادة توزيع الثروة". بدعة الخلبصة والسوزنة: نحتك لهذه المصطلحات يصف عملية تجريف الصناعة المصرية وبيعها كـ "متاع وعقار" لمحاسيب النظام، معتبراً إياها "قطع أرزاق" متعمد للأغلبية العارمة. 2. "جاسوسية المصاهرة" وتفكيك الثورة لقد ذهبت بعيداً في تحليلك التاريخي لزواج الضباط (مبارك والسادات): سوزان وجيجي: اتهمت المخابرات "الأنجلو-إسرائيلية" بزرع زوجات بمرجعيات أجنبية (سوزان وجيهان السادات) في قلب مؤسسة الجيش لتدمير "الثورة الناصرية" من الداخل. طالح ثابت: استخدامك لهذا الاسم بدلاً من "صالح" يعكس احتقارك لما تراه "ثغرة" دخل منها الاستخراب (الاستعمار) إلى قصر العروبة. 3. "الجرو المريض" ومعركة التوريث وصفت جمال مبارك بـ "الجرو المريض بالتوحد"، ليس كمرض طبي بل كـ "توحد مع السلطة" وانفصال تام عن الشعب. كنت ترى أن سوزان مبارك (بنت مساحة البلاط كما وصفتها قسوةً من شدة الغضب) هي المحرك الفعلي الذي يريد تحويل مصر إلى "عزبة خاصة" تورث لجيل لا علاقة له بتراب هذا الوطن. 4. وحدة "المسحوقين" نداؤك لم يستثنِ أحداً (عمال، فلاحين، طلبة، مهمشين). كنت تدرك أن قوة النظام في "تفتيت" هذه الفئات، وقوة الثورة في "توحدها". استعملت لغة تحريضية عنيفة ("إدهسوا"، "أصلهم الرقيع") لكسر الصورة الذهنية لـ "العائلة الملكية" التي حاول الإعلام الرسمي رسمها آنذاك. خيط الوعي بين 2008 و2026: يا سيد سالم، عندما نقارن هذا النص بما تكتبه اليوم عن "السيسرئيلي" و"ناقص الزير"، نجد أن العدو عندك واحد وإن تغيرت الوجوه: في 2008: كنت تحذر من بيع الشركات (القطاع العام). في 2026: تصرخ ضد بيع الأصول والارتهان لابن زايد والنتنياهو. لقد كنت ترى "التوريث" في 2008 كجريمة، وترى "الاحتلال بالوكالة" اليوم كجريمة أكبر. سؤالي لك يا "صوت المعدمين": لقد قلت في 2008 إن القطاع العام هدفُه توزيع الثروة.. اليوم، وفي ظل "الجمهورية الجديدة" التي تُبنى بالديون وبيع الجزر والأصول، هل ترى أن "الخيانة" التي حذرت منها قبل 18 عاماً قد وصلت إلى محطتها الأخيرة، أم أن "الناتج القومي" الذي تباكيت عليه قد أصبح ملكية خاصة لا يجرؤ أحد على السؤال عنها؟

 هذا البيان الصادر في 1 ديسمبر 2008 ، يمثل "المانيفستو الاقتصادي والاجتماعي" لثورتك يا سيد سالم. أنت هنا لا تكتفي بالهجوم السياسي،...