المشهد السياسي المصري المزدحم ومحاولة لفك طلاسمه
04/09/2009
في صدارة المشهد يقف مبارك الأب مرتبكا ومنهكا. وبعد أن كان هو القابض على الزمام والآمر الناهي. ارتخت قبضته وضعف وضعه. لم يبق له إلا بقايا مصالح وارتباطات بفلول الحرس القديم، وبعض مؤسسات القوة كالحرس الجمهوري والمخابرات العامة. وفي مواجهته يقف الابن كلمته هي العليا. لا ترد ولا ينازعه فيها أحد تدفع به مؤسسات.. شخصية وعرفية أكثر منها نظامية وقانونية. تتقدمها مؤسسة العائلة، ومعها حلف ممتد بين تكتلات رجال الأعمال وأجهزة الدولة والأمن. وضعت كلها فوق القانون. وإذا احتاجت لقانون تصنعه وتصيغه بنفسها ولنفسها ، بعد أن بسطت سطوتها المالية والاقتصادية والسياسية والتشريعية والخدمية (إسكان وتعليم وثقافة وصحة وإعلام) بسطتها على كل شيء. وفي محيط هذه الكيانات تشاهد صفا طويلا من الطامعين في الغنيمة والمستسلمين لجبروت الابن، وقهر منظومة الاستبداد والفساد والتبعية والبلطجة. والذي يبدو غائبا عن المشهد هو المواطن.
يقف على البعد يترقب وينتظر النتائج، ويحمل رفضا وكراهية شديدة لمشروع التوريث. وإذا ما تأملنا تفاصيل المشهد ككل نجده يوحي بفهم جديد لتصريحات الأب في زيارته الأخيرة لواشنطن. الأب الذي بدا مراوغا في رده على الأسئلة المتعلقة بالتوريث. لم يكن في الحقيقة يملك ردا.
ما قاله غطى به على قلة حيلته وهوانه على أهله الذين لا يرحمون شيخوخته. فأطماعهم تعرضه لضغوط لا قبل له بها. وهناك ركن آخر من الصورة لمعركة مسرحها موقع المشروع النووي في الضبعة. وهو يشغل مساحة 20 كيلو مترا مربعا، ويقع على شاطئ البحر المتوسط، على بعد 541 كيلو مترا غربي الاسكندرية، وصدر له قرار جمهوري في 1983 وبموجبه خُصّصت هذه الأرض للمشروع. وتتخذ حاليا خطوات لإلغاء هذا القرار ، استجابة لضغوط مراكز القوى. ومن أجل أن يأخذ الإلغاء صيغة بريئة كُلفت شركة بارسونز للاستشارات الاسترالية لإعداد دراسة جدوى جديدة تعيد النظر في صلاحية المكان، ودراسة أربعة مواقع أخرى بديلة. تمهيدا لإصدار قرار جمهوري آخر يلحس القرار الأول.
ومن جانبها أكملت صحيفة الدستور القاهرية رسم الصورة في عدد الأربعاء قبل الماضي. حيث يقف في صدارتها الملياردير المتخصص في انشاء القرى السياحية، وهذا جعل كثيرين.. حسب التقرير الذي حررته نادية الدكروري للصحيفة. يؤكدون أن هذا الملياردير القريب من اسرة الرئيس يعمل على الفوز بارض الضبعة وإلغاء المشروع النووي فيها.
هذه المعركة توشك على الانتهاء بالضربة القاضية. وإذا ما انتهت على هذا النحو ستزيد من تعقيدات وضع الأب النفسي والصحي. وهو المطلوب للمسارعة في حسم مشروع التوريث بشكل نهائي.
من ناحية أخرى جدت ظروف غير مواتية بالنسبة للاب نتيجة لضعف لياقته الأمنية، إذا جاز التعبير، وكانت هذه اللياقة هي كل ما لديه ويعرفه، ومكنته من إحكام قبضته على الأوضاع وقهر الناس. بدأت أجهزة الأمن خاصة جهاز أمن الدولة ، تنقسم على نفسها، بعد أن نما داخلها تيار يرى أن استمرار مكاسبها وهيمنتها مرهون بدوام قبضتها محكمة ومتحكمة، ومشروع التوريث يوفر لها ذلك. وهي كأجهزة ليس في مقدورها تحمل النتائج المترتبة على انتقال الحكم إلى غير جمال مبارك. وتقبل أن تكون رهينة لديه وخادمة له خشية المحاسبة والمحاكمة إذا ما تولى غيره الحكم. وسبيل تجنب ما قد يقع هو التشبث بالوريث وإنجاح مشروع التوريث، وهذا التيار يساعد أعضاء لجنة جمال مبارك على عقد صفقات مع أحزاب المعارضة، ونجحت جهوده إلى حد كبير مع حزب التجمع اليساري، وأقر رئيسه بأن الخيار إذا كان بين الإخوان المسلمين أو جمال مبارك ( أي التوريث ) فإن حزبه سيختار التوريث، وأقر أنور السادات ابن شقيق السادات وله حزب صغير تحت التأسيس بالتوريث. وحجته ضعف وانقسام أحزاب المعارضة وعجزها عن توحيد كلمتها وعن تقديم مرشح تقف وراءه. ويبدو حزب الوفد هو الآخر لا يمانع في عقد صفقة مع الابن إذا ما وفر عددا من المقاعد النيابية للوفديين في مجلس الشعب القادم، واستغلال رغبته في إزاحة الإخوان والمستقلين في الانتخابات القادمة والحصول على عدد من مقاعدهم.
هذه التداعيات أثرت على فئات وشرائح بين كتل ذات وزن شعبي لصالح التوريث. منها جماعات نوبية منضوية تحت كيان يطلق عليه لجنة المتابعة ومقره القاهرة.
تقدمت هذه اللجنة برسالة إلى مبارك الإبن تطالبه بخمسة مطالب. وترجوه أن ينظر لأبناء النوبة ويشملهم بعين العطف ويتسع وقته للاطلاع على مشاكلهم. وكان هذا بمثابة الاعتراف الثاني بالتوريث بعد الاعتراف الأول من البابا شنودة والكنيسة المصرية. ومعروف أن الجماعات الانعزالية والطائفية والمذهبية تعلق آمالها على جمال مبارك لطبيعته الانعزالية، و انبهاره بالغرب، ولدوره في ترسيخ المشروع الصهيوني وحماية دولته. كل هذه الجماعات تقريبا ترفع رايات السند الخارجي وتسعى للدعم الأجنبي. كان مضمون الرسالة النوبية أقرب إلى المبايعة منها إلى طلب تحقيق مطالب خاصة بأهل النوبة. ولم يكد حبر هذه الرسالة يجف، وفي جو فرح عم معسكر التوريث، الذي علق على الرسالة آمالا عريضة تفتح باب المبايعات والتأييد. جاءت الضربة الموجعة من شباب النوبة.
وكان واضحا أنها موجهة إلى جمال مبارك شخصيا. بادر الشباب النوبي بتأسيس جماعة باسم ' نوبيون ضد التوريث ' في اللحظة التي كان الابن يتهيأ فيها للسفر في زيارة كانت مقررة إلى مركز نصر، بمنطقة النوبة في محافظة أسوان، صباح الخميس أول أمس. وتسبب الموقف القوي لتلك الجماعة في حرج بالغ لمبارك الابن وفرقته، ولم يكن أمامه إلا إلغاء الزيارة. وكانت جماعة 'نوبيون ضد التوريث ' قد أصدرت بيانا أعلنت فيه رفضها للزيارة وعدم ترحيبها بالزائر ومن معه. وأن يأتي رد الفعل على هذه الدرجة من الرفض من أناس عرفوا بكرم الضيافة، ودماثة الخلق، وطيب المعشر والرقة، وعلى درجة عالية من الأمانة والحلم والصفاء النفسي. يبين تأثير الكراهية الشديد على الطبيعة الإنسانية الطيبة.
وصف البيان الزيارة بأنها دعاية للتوريث لا علاقة لها بالنوبة ولا بمشاكلها. وكان البيان صريحا في موقفه. معلنا دون لبس أنه ضد توجهات جمال مبارك وأطماعه.
لطمة النوبيين القوية جاءت في لحظة حرجة من تاريخ مصر. تبحث فيها عن حل لأزمتها ومأزقها مع حكم عائلة تطمع وتسعى لتوريث الحكم لنسلها، وفي خضم البحث عن الحل تواترت الأحاديث عن دور القوات المسلحة، ومعها ارتفعت أصوات رموز وشخصيات ذات وزن سياسي ومهني وأكاديمي. تأمل الخلاص من كابوس حكم العائلة وتبعاته. ومنهم من توجه للجيش لإحساسه بوطأة الوضع، وما نجم عن عملية الإخصاء، التي جرت للأحزاب القائمة، وأدت إلى عقمها الشديد. فلا طاقة فيها للخصوبة، ولا قدرة لها على التناسل. مثل البغال التي ليس لها في التناسل ولم تخلق للانجاب، ومثل طواشية السلاطين والأمراء وأصحاب الجاه والثروة. والطواشي يخدم في قصور وحمامات وأجنحة وغرف نوم النساء والجواري والغلمان، لا يخشى منه على إمرأة أو جارية أو غلام. وأغلب أحزاب مصر تستمتع بوجودها في أحضان ومخادع الحزب الحاكم، ولا تقاوم مشاركته غرف نومه، ومع ذلك لم تبد عليها علامات حمل أو مقدمات وضع. واتجه بحث قياديين ومسؤولين ووزراء لجنة جمال مبارك ( السياسات ) وملحقاتها عن طريق يبعد المؤسسة العسكرية عن الصراع الدائر على الحكم، ويحرضها ضد الكتاب والباحثين والصحافيين، وتوقيع العقوبات عليهم. ويعمل جمال مبارك على إحياء مادة في الدستور ( المادة 100). تجرم وتعاقب من يقحم المؤسسة العسكرية فيما يخص إدارة الحياة المدنية للبلاد. واستغلال ما ينص عليه القانون في عدم نشر شيء له علاقة بها أو بالمخابرات العامة دون إذن مسبق من المخابرات العسكرية، واعتبار ما يرد في الصحف المعارضة والمستقلة عن دور محتمل للقوات المسلحة فى تحديد مستقبل الحكم جريمة تضع صاحبها تحت طائلة القانون.
ويبدو أن مبارك الابن يرى في إحياء تلك المادة فرصة تمكنه من إحالة خصومه إلى المحاكمة. ويضغط على الأب من أجل إعادة العمل بها.
يبدو الأمر وكأن جمال مبارك تنقصه المعارك. فيفتح على نفسه معركة جديدة. لا يقنع فيها بوقوف المؤسسة العسكرية على الحياد من مشروع التوريث. يريدها سندا لمشروعه وأطماعه وعقده. وكان مقال الأكاديمي والكاتب البارز حسن نافعة، اتناول فيه موقف المؤسسة العسكرية من قضية التوريث. أثار هذا المقال رد فعل غاضب في كواليس الحكم وبين أعضاء لجنة جمال مبارك. لأن الكاتب أعرب عن تخوفه، وهو تخوف مشروع، من أثر دفع مصر للتحول نحو النظام الملكي، وقال إن هذا يضع الجيش على المحك في صراع مرتقب ' حيث من المعروف بأن على رأس أهداف المؤسسة العسكرية هو الحفاظ على النظام الجمهوري '
'
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق