الاثنين، سبتمبر 14، 2009

ريحانة بنت زيد

الجريدة الإسرائيلية تدعي أن الرسول تزوج يهوديتين.. الأولي خانته فطردها لكنه اشتاق إليها فأعادها مرة أخري إلي بيته والثانية دخلت الإسلام مكرهة وتزوجته رغماً عنها حتي لا تلقي حتفها مثل أهلها

الكاتب الإسرائيلي يعتمد علي كتاب لمؤلف مجهول يتحدث عن السيدة صفية الزوجة اليهودية لمحمد «صلي الله عليه وسلم».. دون أن يذكر لنا مصادره التي استعان بها

عندما نشرت الصحف الدنماركية رسوماً للرسول وزوجاته رأي البعض ـ رغم الغضب الذي كاد يعصف بالجميع ـ أن بها ولو قدراً يسيراً من حرية الرأي.. فالرسوم والأعمال الإبداعية تحمل قدراً من وجهة نظر صاحبها وهو وحده الذي يتحمل مسئوليتها.. لكن شيئاً من هذا لا يمكن أن نتفاعل معه بسهولة فيما نشرته جريدة «يديعوت آحرونوت» الأسبوع الماضي.. كان العنوان الذي ساقته الجريدة عادياً هو «زوجات الرسول اليهوديات»، وهذا لا شيء فيه فالرسول تزوج من يهودية واحدة.. لكن الجريدة عمدت إلي الغمز واللمز في سيرة الرسول وليتها كانت أمينة في اعتمادها علي المصادر التي نقلت منها.. لكنها أخذت منها ما أرادت وحجبت ما شاءت حتي تخرج بنتيجة واحدة وهي الإساءة إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وتشويه أهل بيته.

كاتب المقال هو البروفيسور رونين إسحاق وهو محاضر لتاريخ الشرق الأوسط في الكلية الأكاديمية «جليل معراقي» يقول رونين: علي الرغم مما ورد في التراث الإسلامي حول وصف أعمال وأنشطة الرسول إلا أن هناك حالة من العجز عن تحديد عدد النساء اللاتي تزوجهن طوال حياته، وتأتي الصعوبة من عجز المؤرخين المسلمين في تحديد من منهن كانت زوجته ومن كانت ملك يمينه.. ورغم الاعتراف بهذا العجز إلا أن الكاتب الإسرائيلي يطمئن إلي رأي المؤرخ الإسلامي ابن سعد ويسند ظهره علي كتابه الشهير «الطبقات الكبري» حيث يقول فيه: إن الرسول تزوج بـ12 امرأة من بينهن يهوديتان ومسيحية واحدة.

يهتم المقال بالزوجتين اليهوديتين يقول: في عام 627 ميلادي قرر الرسول القضاء علي القبيلة اليهودية الثالثة في المدينة وهي قبيلة «بني قريظة» «..في هذه المعركة قتل 700 رجل وتم بيع الأطفال والنساء وتم تقسيم الممتلكات بين المسلمين الذين اشتركوا في المعركة.. وكانت من بين النساء اللاتي فقدن أزواجهن في المعركة «ريحانة بنت زيد» وتشير بعض المصادر الإسلامية- لاحظ أن كاتب المقال لا يحدد لنا ما هي هذه المصادر الإسلامية ـ كانت شابة وجميلة إلي الحد الذي جعل الرسول يتأثر بجمالها وعندما رآها عرض عليها إما أن تظل في السبي أو تدخل الإسلام وتتزوجه، وقال لها: إذا اخترت الله ورسوله سأتزوجك، لكن ريحانة رفضت الإسلام في البداية.. لكن الرسول مارس عليها ضغوطاً كثيرة حتي دخلت الإسلام».

وتشير المصادر التي لم يذكرها المؤلف للمرة الثانية أن الرسول تزوج ريحانة دون أن يكون بينهما حب.. ولذلك خانته وعندما اكتشف الأمر اضطر أن يطردها من بيته علي حد تعبير الكاتب.. ولكن اشتياقه لها عندما تزايد دعاها للعودة مرة أخري، ويزعم الكاتب الإسرائيلي أنه نظراً لأن كل أفعال الرسول وأقواله كانت تعد نموذجاً يحتذي به فقد خشي المؤرخون المسلمون أن تتحول فعلة ريحانة وموافقة الرسول علي عودتها رغم خيانتها سابقة من شأنها زعزعة وضع وصلاحية الرجال لذلك فإن معظمهم زعم أن ريحانة لا تعد من زوجاته الشرعيات بل كانت من بين ملك يمينه، ويظهر هنا لأول مرة اسم أحد المؤرخين المسلمين وهو محمد بن اسحاق والذي توفي عام 767.. حيث يدعي رونين أن ابن اسحاق حدد بشكل واضح أن ريحانة كانت زوجة شرعية للرسول.

<<<

لم يحدد لنا رونين أين قال ابن اسحاق ما قاله ولا أين حدد ما حدده.. بل إنه تجاهل ما قاله ابن سعد صاحب الطبقات الكبري رغم أنه اعتمد عليه قبل ذلك في تحديد العدد الرسمي والحقيقي لزوجات الرسول..يقول ابن سعد «اعتق النبي ريحانة بنت زيد وكانت عند زوج لها مكرم فقالت لا استخلف بعده أبداً، كانت ذات جمال فلما سبيت بنو قريظة عرض السبي علي النبي فكانت فيمن عرض علي النبي فأمر بها فعزلت، فلما عزلت أرسل بها إلي منزل أم المنذر أياما حتي قتل الأسري وفرق السبي، ثم دخل عليها فاستحيت منه، فدعاها ليجلسها بين يديه وقال لها: إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله لنفسه، فاختارت الله ورسوله فلما أسلمت اعتقها وتزوجها.»

هنا لم يضغط الرسول عليها ولكنه خيرها وإذا كانت ريحانة فعلت ذلك تحت تأثير الخوف من الموت اتقاء شر التغرير بالشرف فإن هذا شعور إنساني وطبيعي ولا يمكن أن يلام الرسول في موقفه لأنه لم يجبرها علي شيء فقد أعجب بها لأنها كانت ذات جمال.. ويشهد أصحاب هذه الرواية أن الرسول كان معجباً بها وكانت لا تسأله شيئاً إلا أعطاها وقيل لها: لو كنت سألت رسول الله في بني قريظة لأعتقهم.. لكنها كانت ترد علي ذلك بقولها: لم يكن يخل بي حتي فرق السبي.

وفي طبقات ابن سعد هناك روايات أخري تخص ريحانة بنت زيد ومنها أن الرسول خيرها أن يتزوجها أو تكون في ملك يمينه فقالت: في ملك يمينك أخف عليّ وعليك فكانت في ملك يمين النبي يطؤها حتي ماتت.. وهناك رواية أخري تقول: إن ريحانة رفضت الإسلام وقالت: أنا علي دين قومي فشق ذلك علي الرسول ثم أسلمت وكان يطؤها بملك اليمين، لم ينف المؤرخون المسلمون إذن أن هناك روايات متعددة تتعلق بريحانة لكن ما لم يرد في أي مصدر من المصادر أن ريحانة خانت الرسول وأنه أعادها بعد أن اشتاق إليها.. فقد أخرج السيدة عائشة من بيته عندما أحاط بها حادث الإفك واتهمها بعض الصحابة بالزني ولم يعدها إلي بيته مرة أخري إلا بعد أن أعلنت السماء براءتها مما نسب إليها.. ولو كانت ريحانة فعلت ذلك لما أعادها الرسول.. فهي لم تكن ـ رغم جمالها أعز ولا أحب إليه من السيدة عائشة التي كانت أحب زوجاته إليه.

<<<

نعود مرة أخري إلي مقال الجريدة الإسرائيلية يقول كاتب المقال: بعد عام واحد من زواج الرسول بريحانة تزوج بأرملة يهودية أخري هي صفية بنت حيي بن أخطب، وهنا يقع كاتب المقال في زلة أخري عندما يقول: وفي الكتاب الذي صدر مؤخراً بعنوان «صفية الزوجة اليهودية لمحمد» والذي صدر في يوليو 2006، لم يقل لنا كاتب المقال من هو مؤلف الكتاب ولا ما هي صفته ولا أين صدر ولا في أي بلد.. لكنه ورغم ذلك يقول علي لسان المؤلف المجهول: كانت صفية ضحية وقد رفضت الاغتسال قبل الزواج وأنها لامت أختها التي حاولت إقناعها بأن تشهر إسلامها وأنها أسلمت رغماً عنها دون أدني خيار.. ومن خلال النظر إلي المصادر الإسلامية ــ لا يحددها كاتب المقال للمرة الثالثة ـ فإن صفية تظهر كشخصية مراوغة استغلت الفرصة للتخلص من العبودية وتحسين وضعها، وكانت قد ولدت عام 611 وكانت زوجة لأحد الزعماء اليهود في خيبر والذي قتل لأنه لم ينفذ شروط اتفاق الخضوع وكانت وقتها تبلغ من العمر 17 عاماً.

ويشير كاتب المقال إلي أن الرسول انبهر بجمالها واقترح عليها أن يحررها من الأسر إذا ما تزوجته وعلي عكس ريحانة بنت زيد وافقت صفية علي الفور، وبدا الأمر غريباً ليس لكونها زوجة لأحد الزعماء اليهود فقط، بل لكونها ابنة من قام بإدارة حرب ضارية ضد الرسول بل ومحاولة قتله أيضاً، ويبدو أن الرسول فوجئ من سرعة قبول صفية للدخول في الإسلام وذكرها قائلاً: إن والدك كان أحد أعدائي حتي قتله الله.. لكنها لم تفكر ولم تتردد في قبول عرض الرسول عليها بالزواج.

وفي حالة من الاستخفاف ينقل كاتب المقال ما ذكره مؤلف كتاب «صفية الزوجة اليهودية لمحمد ..«يقول: شقيقة صفية خانتها فهي التي أخبرت المسلمين بأصلها الكبير والمحترم وهو ما جعل الرسول يقبل علي الزواج منها.. وعندما تزوجها الرسول وفي إحدي الليالي سمع الرسول بعض الضوضاء ورأي حارسه ينظر إليه هو وصفية وأصيب الرسول بالذهول وسرعان ما قال له حارسه: إنني أراقبك خوفاً من هذه المرأة التي قتلت كل أسرتها.. وهي تستطيع أن تنتقم منك وتفتكك وأنت نائم.. لكن الرسول بدد كل هذه المخاوف التي اشتعلت في صدر حارسه وقال له: إنه يطمئن إليها وأنه لا يجب أن يقلق عليه.

ويختم كاتب المقال رؤيته المنحازة والتي لا تقف علي قدمين بأن دخول صفية إلي حرملك الرسول ـ والذي كان وقتها يضم خمس زوجات آخريات ـ قد عكر الصفو فحسب ما ورد أن همست إحدي الزوجات إلي أخري قائلة لها: أنا أخشي أن تبقي هذه المرأة مع الرسول أكثر منا، وكان لجمالها الخاص والأخاذ دور في أن تغير الزوجات الآخريات منها.. ويجزم كاتب المقال إن الرسول كان يتعامل مع صفية بعدل واحترام وظل الزواج بينهما أربع سنوات وأثمر ابنة.. وهي معلومة لم يسندها الكاتب إلي أي مصدر معروف أو حتي مجهول وهو ما يشكك في صحتها خاصة أن المعروف عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه لم ينجب إلا من السيدة خديجة ومن السيدة مارية القبطية ولم يرزقه الله لا بأولاد ولا بنات من أي من زوجاته.

<<<

قصة السيدة صفية كما روتها الجريدة الإسرائيلية ناقصة وتحتاج إلي إعادة ترميم.. جمعت عدداً من المصادر الإسلامية مثل تاريخ الطبري وطبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام والإصابة لابن حجر.. حاولت أن أخلص الحكاية من بين السطور الكثيرة.. لن أدافع عن الرسول هنا.. ربما لأن الدفاع يقوم به الضعفاء فقط.. لكنني سأضع ما يطمئن إليه العقل والمنطق من تفاصيل الحكاية.

بعد أن خربت خيبر علي يد الرسول سيقت إليه النساء سبايا وفي مقدمتهن صفية زوجة كنانة، وكنانة هذا كان صاحب حصن القموص أعز حصون خيبر، اقتحم المسلمون هذا الحصن وجاءوا بكنانة إلي الرسول حياً.. كان عنده كنز بني النضير، ولما سأله الرسول عنه أنكر أنه يعرفه أو يعرف مكانه، فقال له الرسول: إن وجدناه عندك.. أأقتلك؟! فقال له: نعم، بحث المسلمون عن الكنز فلما وجدوه عنده أمر الرسول بكنانة إلي محمد بن سلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن سلمة الذي قتله اليهود في المعركة.

كان زوجها مقتولاً قبل ساعات إذن.. لكنها لم تقف وحدها بين يدي الرسول.. كانت إلي جوارها ابنة عم لها، مر بهما بلال علي قتلي قومهما قبل أن يصل إلي الرسول، أرادت صفية أن تصرخ.. لكن الصرخة وقفت عند حدود شفتيها.. لكن ابنة عمها صرخت ولطمت وجهها ووضعت التراب فوق رأسها، غضب الرسول من قسوة بلال، ألقي الرسول نظرة علي المرأتين وقال لبلال: أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين علي قتلي رجالهما، ربما كانت هذه هي اللحظة التي التفتت فيها صفية إلي الرسول.. فهو ليس سفاحاً يقتل بغير حساب.. لكنه رجل مشاعره تسبقه، أمر الرسول بصفية فوقفت خلفه وألقي عليها رداءه فكان ذلك إعلاناً منه بأنه اصطفاها لنفسه ويروي أنس بن مالك إن الرسول لما أخذ صفية بنت حيي قال لها: هل لك فيّ؟ قالت: يا رسول الله قد كنت أتمني ذلك من قبل فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام.. فأعتقها الرسول وتزوجها وكان عتقها صداقها.

لقد تعجب الكاتب الإسرائيلي من سرعة السيدة صفية في الاستجابة للرسول.. خلفيات ما دار بين الرسول وزوجته تكشف لنا ولو جانباً من مبررات هذه الاستجابة السريعة.. فقد انتظر الرسول بخيبر حتي هدأت مناحة النساء علي الرجال وظن أن الروع قد ذهب عن صفية أو كاد.. فحملها وراءه وانطلق بها إلي منزل في أطراف خيبر فمال يريد أن يعرس بها لكنها تمنعت ورفضت أن يفعل.. فغضب منها وحملها له في نفسه.. فلما وصل بها إلي الصهباء التي تبعد كثيراً عن خيبر ونزل هناك ليستريح بدا له أن صفية متهيئة للعرس.

جاءتها ماشطة فمشطتها وجملتها وأظهرت آيات جمالها وسحرها.. وأقبلت صفية علي الرسول تمنحه نفسها كاملة.. من الطبيعي أن يتبادر للذهن أنها رفضت معاشرته في البداية لأنها كانت قريبة من أرض أهلها وقد تكون قد خجلت مما يحدث بينها وبين الرجل الذي قتلهم جميعاً.. لكنها وكما يقول ابن اسحاق.. كان لها حديث آخر ومختلف تماماً قالت للرسول: إنها في ليلة عرسها بكنانة بن الربيع رأت في المنام أن قمراً وقع في حجرها فلما صحت من نومها قصت رؤياها علي كنانة فقال غاضبا: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمداً، ولطم وجهها لطمة ظل في وجهها أثر منها.

فإذا كان الأمر كذلك.. وإذا كانت تنتظره فما الذي جعلها تتمنع عليه.. سألها: ما حملك علي الامتناع أولا؟ فأجابته: خشيت عليك قرب اليهود.. ومن بين ما ينسب للسيدة صفية أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلي عمي أبي ياسر، لم القهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله صلي الله عليه وسلم المدينة غدا عليه أبي وعمي مغسلين، فلم يرجعا حتي كان مع غروب الشمس فأتيا كالين ساقطين يمشيان الهويني فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال عمي: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ فأجاب: عداوته والله ما بقيت.

كانت السيدة صفية تعلم إذن أنه رسول.. علمت ذلك من أقرب الناس إليها.. لكن شيئاً من هذا لم يمنع أن يسري القلق في نفوس الصحابة.. فصفية فقدت أعز من لديها أبوها وزوجها وعمها.. فكيف يعقل أن تستريح وتلقي برأسها علي كتف رجل سقاها من كأس العلقم هذا.. فخارج القبة التي دخل إليها الرسول مع صفية بات رجل من الانصار وهو أبو أيوب خالد بن زيد ساهراً مستعداً بسيفه يطوف حول القبة.. وفي الصباح سأله الرسول: مالك يا أبا أيوب.. فقال له: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك.

في الرؤية الإسرائيلية أن الرسول قال لأبي أيوب إنه يطمئن إليها.. لكنه عند المؤرخين المسلمين تعامل مع الموقف بما يليق به فقد قدر قلق أبي أيوب عليه وتفهم دوافعه فقال له: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني.. وهنا يأتي الفارق فصاحب كتاب «صفية الزوجة اليهودية لمحمد».. والذي اعتمد عليه كاتب المقال الإسرائيلي أراد أن يظهر الرسول رجلاً شهوانياً يسير وراء رغباته والسلام غير واضع في اعتباره أية مخاطر يمكن أن يتعرض لها.. وأن صفية استغلت ذلك فلعبت عليه لتربح ويهدأ لها الحال. فقد رأت أنها هالكة لا محالة فآثرت السلامة.

<<<

عاشت السيدة صفية في بيت الرسول وبين زوجاته حياة من اطمأنت لزوجها وحسن إسلامها علي يديه ولم يكن ينغص حياتها إلا غيرة النساء التي لم يكن بيت الرسول يخلو منها.. فقد كانت الزوجات تقودهن السيدة عائشة يتفاخرن علي صفية بأنهن جميعاً عربيات قرشيات وهي الوحيدة الأجنبية.. شكت ذلك للرسول فقال لها: ألا قلت لهن: وكيف تكن خيراً مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسي، وكان الرسول يحس أن صفية تشعر بالغربة في بيته وبين زوجاته فكان يتأهب للدفاع عنها في الوقت المناسب.. خرجت معه في سفر وكانت معهما زوجته السيدة زينب بنت جحش.. فضعف بعير صفية وكان في إبل زينب ما يمكن أن تمنحه لصفية فقال لها الرسول: إن بعير صفية اعتل فلو أعطيتها بعيراً.. فردت زينب في ترفع: أنا أعطي تلك اليهودية، فولي الرسول عليه الصلاة والسلام عنها غاضباً وتركها ثلاثة أشهر لا يقترب من حجرتها.

وظل الرسول يدافع عنها حتي وهو في مرضه الأخير.. اجتمعت زوجاته من حوله قالت له صفية: إني والله يا بني الله لوددت أن الذي بك بي، فتبادلت الأخريات نظرات فيها الاحتجاج والغضب والدهشة فنظر إليهن الرسول قائلاً: تمضمضن.. فتساءلن في دهشة: من أي شيء؟ فقال: من تغامزكن بها.. والله إنها لصادقة، مات الرسول إذن وصفية جالسة إلي جواره.. قد تكون دخلت الإسلام وفي نفسها شيء من أثر دماء أهلها.. لكنها وهي في بيت الرسول أسلمت وحسن إسلامها.. فلم تكن فيما فعلت مكرهة.

ولا يخشي من دونوا التاريخ الإسلامي أن يذكروا هذه الواقعة عن السيدة صفية.. فقد ذهبت إحدي جواريها إلي عمر بن الخطاب قائلة له: يا أمير المؤمنين.. إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث عمر إلي صفية يسألها عن ذلك فأجابت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة.. وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها.. ثم عادت إلي جاريتها فسألتها عما حملها علي مثل هذا الافتراء فقالت لها الجارية: إنه الشيطان.. هنا حالة إنسانية راقية ونادرة من امرأة راجحة العقل.. فهي أسلمت وتخلص لإسلامها ولزوجها الذي كان رأس هذا الدين.. لكن إسلامها لا يمنعها مطلقاً من أن تصل رحمها حتي لو كانوا يهوداً.. فالإسلام يصل ولا يقطع.. أو هكذا يجب.. ولو كانت السيدة صفية اقترفت ما يسئ إليها أو إلي إسلامها لنهاها عمر بن الخطاب عن ذلك وهو من عرف أنه لم يصمت عن حق يراه حتي لو كان الأمر متعلقاً بزوجات الرسول وأهل بيته.

<<<

يمكن بالطبع أن يغضب البعض لما فعلته الجريدة الإسرائيلية باعتباره إهانة وهذا من حقهم.. لكن ما يستوقفني هنا أكثر أن التشويه هذه المرة جاء علي جناح الجهل فكل المصادر التي حاول الكاتب الإسرائيلي إيهامنا بأن عاد إليها جاء بين سطورها ما يجعل مما فعله الرسول أمراً عادياً ومقبولاً باعتبار أن البيئة التي كان يعيش فيها كانت تتقبل كل ذلك.. لكن الكاتب الإسرائيلي ومن وراءه الكاتب المجهول الذي اعتمد عليه أخذا من هذه المراجع ما يروق لهما وتركا ما يزعجهما أو ما يقلل من أهمية ما يذهبان إليه.

تحدثت مع عدد من أساتذة السيرة النبوية فأجمعوا أن ما يطمئنون إليه من خلال كتب الثقات أن كلاً من السيدة ريحانة بنت زيد والسيدة صفية بنت حيي أسلمتا وحسن إسلامهما.. ووجدت نفسي أسأل د. صفوت حجازي في مثل هذا الموقف ماذا يمكن أن تفعلوا قال ببساطة: إن فيما قيل خلط بين روايات متناقصة.. وفي هذه الحالة ننظر إلي المصادر التي اعتمد عليها كاتب المقال الإسرائيلي فإذا كانت ضعيفة ومشكوكاً فيها وفيمن وضعوها لا نلتفت إلي ما قيل فهو مجرد أكاذيب.. وإذا كانت المصادر قوية ونثق فيها فإننا نبحث في الأحاديث والروايات التي وردت فيها وهل هي قوية أم ضعيفة.. فإذا كانت ضعيفة لا ننظر إليها.

هذه رؤية عاقلة وحكيمة أيضاً.. لكن لم يقل لنا د. صفوت حجازي وماذا يحدث لو كانت هذه المصادر موثوقاً فيها والأحاديث والروايات التي جاءت بها قوية وصحيحة.. إن حياة الرسول صلي الله عليه وسلم الخاصة أمر متروك له وحده.. لم يقل لنا إنه فوق البشر فهو وبنص القرآن «بشر مثلكم».. إن ما حدث من الجريدة الإسرائيلية سواء أدب لأنه لم يكتب لوجه الحقيقة.. بل للطعن في سيرة صاحب رسالة قلبت العالم كله رأساً علي عقب.. ظهر هذا من الغمز واللمز بين السطور.. إن أحداً لم ينكر أن الرسول تزوج من يهوديات.. لكنهن دخلن بيته وهن طائعات.. ومهما اختلفت الأسباب في ذلك فإنه لم يجبر إحداهن علي الإسلام.. إنني هنا لا أدعو إلي أن نغضب بل أدعو إلي أن نفهم فقط.. لقد حاول أن يهيل كاتب إسرائيلي التراب علي الرسول صلي الله عليه وسلم فأهاله علي نفسه بسطحيته وعدم دقته.. وهذا يكفي جداً

ليست هناك تعليقات:

تحل إيطاليا محل إيران

  ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" يوم الأربعاء أن مبعوثاً رفيع المستوى للرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من الاتحاد الدولي لكرة القدم ...