عدالة عوراء ورأفة ملتبسة في مأساة لوكربي وكيف تكفر امريكا عن خطايا هوليوود؟
د. عماد عبد الرازق
د. عماد عبد الرازق
30/08/2009
بعد ذلك استضاف البرنامج اثنين من اقارب الضحايا: رجل فقد أخاه، وسيدة تعمل 'حاخام' فقدت زوجها وعبر كل منهما عن خليط من مشاعر الغضب والاستياء وخيبة الأمل العميقة ليس فقط تجاه الوزير الاسكتلندي بل ايضا تجاه الادارة الامريكية وخاصة الرئيس اوباما ووصفت السيدة تعليق البيت الأبيض على القرار بالسذاجة، الذي عبر المتحدث باسمه عن أسف الادارة الامريكية الشديد لصدور القرار، وهو ما اعتبره مقدم البرنامج ' هزيلا' لأنه لم يتضمن إدانة أو شجب أو عبارات قوية تعكس موقفا اكثر تشددا من الرئيس. اما الرجل فقدم حججا قوية تبرر غضبه، من بينها انه من خلال بحثه الموضوع اكتشف ان هناك ما لا يقل عن ستين سجينا يموتون في اسكتلندا من جراء المرض وهم يقضون عقوبتهم ولا احد يطلب لهم العفو او الافراج لقضاء ايامهم الأخيرة بين ذويهم. كما ان عددا لا يقل عن تسع عشرة حالة مشابهة تم التقدم بها للافراج عن مساجين لنفس الأسباب المرضية وتم رفض معظمها، فلماذا قرر الوزير اخذ حالة المقرحي بالذات بعين الشفقة. قال الرجل ايضا إن المسألة لا تتعلق فقط بالضحايا الأمريكان (وهؤلاء شكلوا حوالي ثلثي الركاب) بل هناك ضحايا اسكتلنديين، من بينهم ذلك الطفل الذي كان عائدا من مدرسته وسقطت اجزاء من حطام الطائرة الملتهبة عليه فمات حرقا، ولا يستطيع هو ان يمحو صورته من ذاكرته. وعبر الاثنان، الرجل والسيدة، عن غضبهما الشديد لأن المقرحي استقبل لدى وصوله الى بلده استقبال الفاتحين، وهذا ما زاد حزنهما وغضبهما الذي يشاركهما فيه المئات من اهالي ضحايا مأساة لوكربي. فما فعله الوزير والقضاء الاسكتلندي- من وجهة نظرهم- هو انه ارسل سفاحا مدانا Ma murderer الى ذلك النظام الذي ارسل جهاز مخابراته المقرحي لارتكاب جريمته اولا وقبل كل شيء، فكأن القضاء بذلك يكافئ هذا النظام على جريمته، موضحا ان الجميع يعلم ان النظام والقيادة في ليبيا لم يتغيرا هناك منذ اربعين عاما، فأي عدالة تلك وأي رحمة التي تكافئ القتلة وترأف بهم وبمن يقف وراءهم، على حد قولهم، وأي رسالة تلك تبعث بها اسكتلندا الى العالم والى قتلة وارهابيي المستقبل؟
كان عرض البرنامج للقضية، من الناحية الصحافية البحتة، متوازنا ومحفزا للتفكير في القضية، لأنه يجعل من الصعب على المشاهد ان ينتصر أو 'ينحاز' لطرف على حساب آخر، بأن يمنحه الفرصة ليمحص كل الحجج والأسانيد التي يقدمها كل طرف، علما بأن البرنامج استقدم ايضا أراء متخصصين في القانون، ومعلقين سياسيين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ومطلعين على خفايا السياسة الخارجية. وهذه في اعتقادي مهمة أساسية للإعلام المهني الذي يحترم مشاهديه.
بعد ذلك بيومين فقط، شاهدت مناقشة للقضية ذاتها في برنامج حواري سياسي على قناة 'العالم' الايرانية الناطقة بالعربية، تقدمه حسناء محجبة. استضاف البرنامج ضيفا ليبيا قدم له بوصفه معلقا سياسيا، ظل يصرخ طوال الوقت، ويطلق الاتهامات في كل اتجاه، ويجزم ببراءة المقرحي ويثني على استقبال الأخ قائد الثورة له شخصيا، لكنه لم يقدم خلال ذلك اي حجة تذكر تدعم كلامه سوى الانفعال المحموم. كما استضاف البرنامج محامي المقرحي، معتبرا ذلك كافيا لمناقشة القضية من كافة جوانبها.
ما لم افهمه ولم اسمعه من اي من البرنامجين، كيف تتم ادانة ضابط مخابرات تابع لبلد ما ويعاقب دون ان يعاقب البلد الذي ارسله لإرتكاب الجريمة. إما أن التهم ملفقة كما تدعي ليبيا، وان القضية مسيسة من بدايتها لنهايتها، فإذا كان ذلك صحيحا فإن تسليم ليبيا للمقرحي لمحاكمته يعد في حد ذاته جريمة في حق احد مواطنيها. بلد يسلم مواطنا بريئا ليحاكم على جريمة لم يرتكبها ثم يدفع تعويضات لأهالي ضحايا تلك الجريمة التي تبرأت منها. طبعا سيقال لنا أن ليبيا سلمت المقرحي 'آملة ان يبرئه القضاء الاسكتلندي'، وحتى تتخلص من الحصار الذي فرض عليها. وهو نفس التبرير الذي سيق لدفعها مليارات الدولارات كتعويضات لأهالي الضحايا؟
من ناحية أخرى، فأولئك الأمريكيين المكلومين ينبغي لهم ان يسألوا حكوماتهم، فقبل ادارة اوباما اعلنت ادارة بوش وحكومة توني بلير في نفس اللحظة النبأ السعيد بتخلي ليبيا عن برامج أسلحة الدمارالشامل التي كانت 'في حوزتها'!، وكانت تلك بداية 'طيبة' لإعادة تأهيلها وقبولها من جديد في الحاضنة الدولية. ومنذ تلك اللحظة، وبعد ان دفعت ليبيا مليارات الدولارات في شكل تعويضات لاهالي الضحايا (ضحايا جريمة لم ترتكبها)، تقاطرت الوفود على طرابلس، بدءا بتوني بلير وليس انتهاء بكوندوليزا رايس (التي قرأنا قبل اسابيع قليلة ان ليبيا اغدقت عليها في تلك الزيارة حفنة من الهدايا الثمينة تقدر ببضع مئات آلاف الدولارات).
وفي خضم هذه النقاشات الفضائية الحامية للقضية، ألقى سيف الاسلام القذافي بقنبلة جديدة حين اعلن من على متن الطائرة التي استقلها مع المقرحي، أنه طوال كل لقاءاته مع المسؤولين البريطانيين للتباحث في شؤون التجارة والبيزنس، كان موضوع الافراج عن المقرحي يطرح دائما من قبله كشرط أساسي من شروط تلك الصفقات (لم نكن نعلم ان نجل الزعيم له صفة رسمية تخوله التباحث وعقد الصفقات التجارية باسم الجماهيرية؟ هل نحن امام النسخة الليبية من جمال مبارك؟ على الأقل مبارك الابن يتمتع بصفة حزبية رسمية بوصفه امين لجنة السياسات). وهو ما يؤكد كل ما يشاع عن وجود صفقة سياسية/ تجارية وراء الافراج عن المقرحي، وليس من المتخيل ان تمضي بريطانيا قدما لعقد مثل تلك الصفقة مع ليبيا (التي كانت حتى الأمس القريب 'من المغضوب عليهم')، دون موافقة الأخ الأكبر في بلاد العم سام. وها هو بدوره يثير ذات الشكوك القديمة المتجددة من ان القضية كانت منذ البداية مسيسة، وليس لأهالي الضحايا إلا ان يتجرعوا الحسرات والندم.
السفارة الامريكية ترفض الاعتذار
إنها قصة مفعمة بالطرافة التي تفجرت فجأة في شكل اهتمام اعلامي محموم في مصر، وصل بعض من أصدائه الى الولايات المتحدة، تلك المتعلقة بفيلم أمريكي متهم بتعمد الاساءة الى الرئيس المصري الراحل أنور السادات. الفيلم 'أحبك يا رجل I LOVE YOU MAN 'أثار غضبا قوميا في مصر لأن صديق البطل (وليس البطل) لديه كلب صغير اطلق عليه اسم 'انور السادات'. إنها قصة نموذجية للهوة التي تفصل بين الثقافات ويمكن ان تكون سببا وراء كل انواع سوء التفاهم التي نحمد الله انها لن تصل الى حد اعلان الحرب. في القلب من المسألة الاحتجاج الرسمي الذي تقدمت به ابنة الرئيس الراحل 'رقية السادات' الى السفارة الامريكية في مصر تطالبها باعتذار رسمي عن الاهانة التي لحقت باسم والدها.
بداية سوء الفهم أو سوء التفاهم' الثقافي' ينبع من المكانة التي تحظى بها الكلاب في الثقافة الامريكية والغربية بوجه عام- وتلك التي لا تحظى بها في الثقافة المصرية/ العربية/ الاسلامية. الناس في الغرب (عايشت هذا في بريطانيا والولايات المتحدة) مهووسون بحيواناتهم الأليفة بوجه عام وفي مقدمتها الكلاب والقطط، ومن علامات هذا الغرام انهم يسمون كلابهم بأسماء آدمية مثل جورج، ديزي، نانسي وغيرها، وهذا من علامات التحبيب، في حين ان العكس تماما في ثقافتنا، فمن يطلق اسما آدميا على الكلب يعتبر بمثابة تحقير للانسان، (إن لم يعتبره بعض المتنطعين والمتطرفين تجديفا او كفرا صراحا، وربما أحلوا دم من يتجرأ عليه). بل إن من بين أدبيات الثقافة الغربية في المسائل الكلابية، اعتقاد يرى ان كل صاحب كلب يشبه كلبه بدرجة او بأخرى، سواء في الطباع او الميول أو الشخصية وأحيانا ' الملامح'. ومن متطلبات اقتناء الكلاب ان يملأ الراغب استبيانا مطولا يجيب فيه عن ما لا حصر له من الأسئلة عن عائلته وعدد افرادها واعمارهم ونوع المنزل او الشقة الذي يقيم فيها وحجمها، واسم الطبيب البيطري الذي سيتعامل معه. كل هذه المعلومات مطلوبة إجباريا أولا لضمان صحة وسلامة ورفاهية وتأمين حياة الكلب، وأيضا حتى يمكن مساعدة المتقدم على اختيار سلالة الكلاب الأكثر ملائمة لظروفه العائلية والشخصية .
سوء الفهم الآخر الأكثر إثارة للسخرية ينبع من نوعية الاحتجاج المصري وطلب الاعتذار الرسمي المرفق به. حتى لو افترضنا ان هناك تعمدا مع سبق الاصرار والترصد للاهانة، فذاك أمر لا يمكن ان يكون للسفارة الامريكية ولا الحكومة الامريكية بقدها وقديدها، وبالتأكيد ولا الرئيس باراك اوباما تبارك اسمه- اي دخل فيه. فهوليوود ومنتجو الافلام فيها لا يحصلون على إذن من الحكومة الامريكية، او من وزير الثقافة الامريكي- ولم اسمع بمنصب كهذا في بلاد العم سام، فليس عندهم لا فاروق حسني ولا وزير للإعلام كالفقي-. فعن ماذا بالضبط تريد ابنة السادات ان تعتذر السفارة الامريكية في القاهرة. عن انتاج الفيلم، ام عن كاتب السيناريو، ام لعلها تتوقع ان يوقع البيت الابيض عقوبات على الشركة المنتجة كحرمانها من عرض افلامها مثلا في دور السينما التي لا تملكها الحكومة اصلا؟
طبعا هناك عامل الحساسية المفرطة لدينا في العالم الثالث إذا ما صدر شيء نقدي او مهين لنا من الغرب، فهذا هو لب عقدة النقص التي نعانيها، وهي ذات العقدة التي تجعلنا نهلل لأي تقدير او اعتراف نحظى به من ذلك الغرب لأي إنجاز نحققه مهما كان صغيرا. (وفي الأيام القليلة الماضية فقط تابعت مثالا واحدا حيث سمعت طنينا وضجيجا ومدائح مطولة لأن فيلما دخل مسابقة مهرجان فينيسيا أو رشح لها). ولم يخل الأمر من زعم بعض المتنطعين ان هناك تعمدا مقصودا لتوجيه الاهانة للرئيس السادات من هوليوود التي يسيطر عليها ' اليهود'. لكن هذه المرة بالذات خاب سعي المتنطعين. فالسادات يحظى باحترام كبير في كل من اسرائيل والولايات المتحدة- وهو ما أكدته السفيرة الامريكية في القاهرة في معرض ردها على شكوى ابنة السادات، والتي لم تجد في الوقت ذاته ما يمكن ان تعتذر عنه- أي ان نظرية المؤامرة لن تصلح هنا كشماعة لتعليق أي شيء عليها.
الفيلم ينتمي الى نوع الكوميديا الرومانسية، وهو صراحة من افضل الأفلام الكوميدية التي شاهدتها هذا الموسم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق