القذافي وانفصال جنوب السودان
رأي القدس
رأي القدس
27/08/2009
الحكومة السودانية اعتبرت تصريحات الزعيم الليبي 'خطيرة' جدا، وطلبت توضيحات رسمية لها، وهي تصريحات لا تحتاج الى أي توضيح، لانها وردت على موقع الزعيم الليبي الالكتروني الرسمي، ولم يصدر أي نفي لها حتى كتابة هذه السطور.
صحيح ان ما أورده الزعيم الليبي من فوارق كبيرة بين اهل الجنوب وأهل الشمال في السودان من حيث اختلاف الملامح والدين والتاريخ قد تبرر الانفصال، ولكن الصحيح أيضا ان هذه القاعدة تنطبق على معظم الدول الافريقية والعربية بما في ذلك ليبيا نفسها.
فليبيا كانت مقسمة الى ثلاثة كيانات: برقه وطربلس وفزان، ولم تتوحد في دولة مركزية قوية الا بعد الحرب العالمية الثانية، وبفضل 'الوحدوية' الامريكية التي انتصرت على النزعة التقسيمية الاستعمارية الاوروبية (فرنسا وبريطانيا وايطاليا) التي كانت تحتل المنطقة.
والأهم من ذلك ان الزعيم الليبي معمر القذافي معروف بتطلعاته الوحدوية العربية أولا، والافريقية ثانيا. فقد بذل معظم حياته من اجل تحقيق حلم الوحدة العربية الذي يؤمن به بطريقة تصل الى حد الهوس، وهو هوس مشروع ووطني يحسب له، وعندما انهارت طموحاته هذه لاسباب عديدة، معظمها عربي للأسف، ليس هنا مجال ذكرها، التفت الى القارة الافريقية ونجح في فرض تصوره عليها بعد جهود اقناعية شتى، وتبلورت احلامه هذه في الاتحاد الافريقي الحالي الذي حل محل منظمة الوحدة الافريقية في شكلها الفضفاض وغير الفاعل.
وربما يجادل البعض بأن الزعيم الليبي الذي أيد انفصال الجنوب السوداني، مثلما أيد قبل ذلك انفصال الشمال الكردي عن العراق، حذر الوفد السوداني الجنوبي الذي كان في زيارته في سرت، من أن الدولة الجنوبية التي ستنشأ عن هذا الانفصال ستكون ضعيفة غير مستقرة بسبب نقص الموارد، والصراعات القبلية بين أهلها، ولكن تأييده للانفصال في حد ذاته، وفي هذا التوقيت، يشكل دعما كبيرا لأصحابه بسبب مكانة العقيد وتاريخه الطويل في الحكم، باعتباره عميد الحكام الافريقيين، وسيحتفل بعد ايام معدودة بالذكرى الاربعين لوصوله الى السلطة.
تأييد انفصال جنوب السودان قد يشكل ارضية لانفصال دارفور، وربما كردفان، او حتى بتفكيك دول عديدة في المغرب العربي على اسس عرقية ومذهبية، تستغلها قوى اقليمية وخارجية تتربص بالجميع وعلى رأسها ليبيا نفسها.
المأمول ان يوضح الزعيم الليبي تصريحاته هذه بشكل موسع، لاننا على ثقة أنه، وهو الرجل الوحدوي، والمحب للسودان، والحريص على وحدته واستقراره، لا يمكن ان يكون في معسكر الانفصال والانفصاليين، اللهم الا اذا قرر شعب الجنوب الانفصال في استفتاء شعبي، وتوافق عام مع الشمال، وفي هذه الحالة يأتي تأييده للكيان الجديد مصلحة عربية، لان في استعدائه وعدم احتضانه مخاطر كبيرة أهمها على منابع النيل شريان الحياة لمصر والسودان.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire