الجمعة، نوفمبر 21، 2008

' WC



أول ما يتبادر الى الذهن لمن يذهب لمشاهدة فيلم ' W حياة ورئاسة جورج دبليو بوش' هو السؤال عما إذا كان توقيت صنع الفيلم جاء مبكرا بعض الشيء (ربما بضع سنوات) أو أنه جاء متأخرا (بضع سنوات ايضا). الافتراض الأول يعود إلى أن كتابة قصص حياة الزعماء والمشاهير تستغرق سنوات طويلة تمتد'غالبا إلى ما بعد رحيلهم عن دنيانا، ولأن التاريخ يستغرق زمنا طويلا ليقول كلمته بشأن هؤلاء، سريان الزمن هذا يعول عليه دائما أن يكشف لنا او تتكشف خلاله حقائق ومعلومات كانت خافية طوال حياة الشخصية موضع التناول، ربما من خلال مذكرات أشخاص عاصروها وعملوا معها. ولنا في أوليفر ستون نفسه خير دليل على صوابية هذا التوجه، ففيلماه السابقان عن رؤساء أمريكيين: ' JFK' عن الرئيس جون كيندي، و' نيكسون' لم ينجزهما إلا بعد رحيل كل منهما بعدة سنوات، وكان التاريخ قد قال عنهما الكثير آنذاك. أما الافتراض الثاني فمرده إلى أن جورج دبليو بوش ظل معنا طوال السنوات الثماني الماضية، واثار بقراراته وحروبها التي خاضها، وسياساته التي قلبت الكثير من موازين العالم رأسا على عقب، والنتائج الكارثية التي تمخضت عن الكثير من سياساته ولا يزال العالم يرزح تحت وطأة الكثير منها، وليس'آخرها الأزمة المالية العالمية الحالية التي تمخضت عن إطلاق إدارة بوش العنان لجشع حيتان ودهاقنة الأسواق المالية ليعيثوا نهبا وخرابا بأموال الناس. فلماذا تأخر الفيلم كل هذا الوقت، ونحن نعلم جيدا انه ما من شح في عدد الكتب التي صدرت عن جورج بوش ورئاسته، وبعضها أرخ للحرب في العراق خطوة بخطوة مثل 'خطة الهجوم' أو أرخ لنتائجها الكارثية مثل 'حالة إنكار' وكلاهما لصحافي الواشنطن بوست الشهير بوب وودورد، بل إن جورج بوش نفسه تندر على كثرة الكتب التي حبرتها الأقلام عنه في نهاية رئاسته الأولى قائلا 'إن شيئا واحدا مؤكدا أدت إليه رئاستي هو أنها أحدثت رواجا في سوق النشر'. ايا كانت الإجابة على السؤال المحير، فإن ذلك لا ينتقص بالضرورة من قيمة الفيلم، ولا ينبغي ان يؤثر على تلقينا له وحكمنا عليه. لكن شيئا واحدا مؤكدا هنا هو ان توقيت عرضه تم تقديمه عن عمد ليتزامن مع سخونة الحملة الانتخابية الرئاسية في اسابيعها الأخيرة، والتي يتنافس فيها مرشحان يتهم أحدهما- أوباما- الآخر- ماكين- بأنه لن يكون سوى امتداد للرئيس الحالي بوش، وذلك حتى يستفيد الفيلم من الاهتمام الجماهيري الجارف بمصير الرئاسة الأمريكية الذي لم يكن قد تبقى على تحديد مصيرها سوى بضعة أسابيع. ولكن حتى هذا الهدف يبدو مراوغا بعض الشيء، فالشكوك تحوم حول مدى اهتمام الناس في امريكا وحول العالم بقصة رئيس امريكي في عامه الأخير من ولايته الثانية حيث يشبه فيها عن صدق 'بالبطة العرجاء'، بل ولم يبق له سوى أسابيع في البيت الأبيض، في حين تتعلق كل الأنظار بالساكن الجديد القادم. من سيقدم على مشاهدة فيلم عن قصة حياة رئيس في نفس اللحظة التاريخية التي يوشك فيها نجمه على الأفول بل والاختفاء تماما من على مسرح الأحداث؟

بوش الإبن ضد بوش الأب

يروي ستون قصة حياة بوش في خطين متوازيين يتقاطعان من خلال التنقل بينهما قفزا الى الوراء وإلى الأمام طول الوقت. الخط الأول يتناول السنوات الأولى لبوش الشاب طالبا في الجامعة ثم خريجا يتنقل بين عدة أعمال وصولا الى بداية طرقه ابواب الحياة السياسية مع حملة أبيه الرئاسية ثم عبر نجاحه هو غير المتوقع في انتخابات ولاية تكساس ليصبح حاكم الولاية. والثاني يركز على سنوات رئاسته، خاصة في الفترة السابقة لحرب العراق واثناءها. في المشهد الافتتاحي نرى بوش منغمسا في حلم يقظة وسط ملعب بيسبول خال فيما تصفيق وهتافات الجماهير الحاشدة تدوي في أذنيه، فندرك ان الطالب في جامعة 'ييل' تراوده أحلام الشهرة والنجومية منذ ريعان شبايه، خاصة وأنه ينتمي لأسرة ثرية وذات باع في السياسة، لكن لا يبدو أن السياسة كانت مبتغاه في تلك اللحظة. لكن الفتى الحالم لا يخطو مباشرة على طريق تحقيق أحلامه، بل نتابعه في جانب من فترة التخبط والضياع التي سيمر بها لاحقا بعيد تخرجه فنرى جانبا من سنوات 'الشقاوة' هذه حيث انغماسه في الشراب وملاحقته الفتيات، وهاهنا تبدأ متاعبه الحقيقية في علاقته بأبيه، منذ ان يتلقى الأب عضو الكونغرس آنذاك مكالمة هاتفية تخبره أن ابنه اعتقل مخمورا بعد واحدة من مغامرات الشباب المتهورة الحمقاء، ويحاول الأب أن ينتزع من ابنه إقرارا بالإقلاع عن حماقاته وتوديع سنوات التمرد هذه. يضع ' ستون' يده هنا على التيمة الرئيسية التي تتمحور حولها رؤيته لحياة جورج دبليو بوش ومن خلالها يفسر كل الدروب التي سلكها تقريبا وصولا الى البيت الأبيض، بل وقراره غزو العراق. تلك هي علاقة بوش الإبن (غوش برولين)، المضطربة ببوش الأب (جيمس كرومويل)، ويرسم 'ستون' لنا أبعاد هذا التفسير الفرويدي عبر استكناه ديناميات العلاقات الأسرية داخل عائلة بوش، وفي القلب منها تفضيل واضح من الأب لابنه الأصغر 'جب'، فهو الإبن 'المطيع' الذي يسير بخطى وئيدة على درب أبيه ويقدم نفسه على أنه ' الوريث' الطبيعي لميراث الأب السياسي، ومن ثم لا يتردد الأب في إظهار هذا التفضيل في كل مناسبة ويكون هذا بمثابة تتويجه على عرش أبيه السياسي. لا يخفي الأب هنا مشاعره وهو يرى تخبط ابنه الأكبر وفشل كل محاولاته في طرق أبواب الحياة العملية، وفي أحد المشاهد'يعدد له قائمة طويلة من الأعمال التي التحق بها وفشل فشلا ذريعا. وفي المقابل نجد ان بوش أقرب إلى أمه، باربرا بوش (إلين بيرستاين) التي تحاول دائما التخفيف من وطأة قسوة الأب عليه. هذه الدينامية سيعاد إنتاجها من خلال علاقة بوش بزوجته، لورا (إليزابيث بانكس)، والتي تبدو في الفيلم أكثر رقة وعذوبة وأنوثة من الشخصية الحقيقية، وتسهم بأدائها في إبراز تلك الجوانب الإنسانية في شخصية زوجها، والتي تجعل المشاهد يتعاطف معه وقد تابع اضطراب علاقته بالأب. وتكمن المشكلة في أن الأب لم يكن ليدرك أن ابنه صنيعة هذه العلاقة المعقدة، فتخبط الابن ليس إلا نتيجة مباشرة لسطوة نموذج الأب بشخصيته المهيمنة التي لا تخلو من تسلط، ونجاحاته المهنية والسياسية، وكلها تجهض طموح الابن وتبهظ كاهله لإدراكه أنه لن يتمكن ابدا من بلوغ ما بلغه الأب من نجاح وإنجازات، وهذا الإدراك هو ما أفرز العلاقة الأوديبية المضطربة أولا وقبل كل شيء. وربما لهذا السبب تنكب بوش الابن طريق السياسة اصلا، ووجد نفسه بالفعل في غرامه الأصلي، وهو إدارة فريق بيسبول، واحد من الأعمال القليلة التي نجح فيها. بل سيظل هذا الحلم يراوده حتى بعد أن يصير رئيسا ولا يفارقه أبدا. (في تحقيق ظهر مؤخرا بإحدى المجلات الأسبوعية عن مستقبل بوش بعد انتهاء رئاسته، قال نفر من الخبراء أنه سيكون في أفضل حالاته مسؤولاً أو مديرا لأحد نوادي البيسبول). إلا أن تفضيل الأب للأخ الأصغر
'جب' زاد الطين بلة، علما بأن تلك الغيرة الأخوية من الديناميات الحاضرة دائما وأبدا في معظم العائلات، ومعروف أن الإبن الأصغر دائما ما يكون أكثر احساسا بالأمن، في مقابل افتقار الأكبر له بمجرد ميلاد الأصغر، وعادة ما تفرز هذه الدينامية مشاعر الغيرة وربما كراهية الأكبر للأصغر، الذي يحدوه هدف واحد، كيف يمنع وصول المزيد من الأخوة والأخوات الذين سوف يقتطعون من نصيبه من الحب والرعاية والاهتمام. وفي هذا الصدد فإن أخطاء التربية التي يرتكبها الآباء بإظهار تفضيلهم الواحد على الآخر، لا تزيد المشكلة الا تعقيدا. جدير بالذكر هنا أن تلك محنة يمر بها الكثير من أبناء المشاهير بوجه خاص، الذين يجدون صعوبات جمة في تخطي نموذج الأب او الوصول الى أعتاب مجده ونجاحاته، وتظل لعنة أمجاد الأب تلك تلاحقهم مدى الحياة. وفي هذا الصدد يرى البعض أن تركيز ' أوليفر ستون' على هذا التفسير الأوديبي لعلاقة بوش بأبيه، إنما يعكس في الحقيقة مأزق ستون نفسه الذي عاشه هو نفسه في علاقته بأبيه، ومحاولاته الدؤوب لتجاوز نموذجه الناجح صاحب الانجازات.
إحباط بوش الإبن يبلغ ذروته وكذا اضطراب علاقته بالأب، وفي أحد المشاهد يتحدى الأبن أباه لعراك بالأيدي، لا يحول دون وقوعه سوى وقوف الأم صارخة بينهما وقد وصلت العلاقة بين زوجها وابنها الى هذا الدرك. مع تعاظم مشاعر الإحباط والغيرة لدى بوش الابن يندفع في اكثر من طريق بحثا عن الخلاص أو السلوان، فينجرف الى الشراب بإسراف، ويقوده هذا الى مزيد من التمرد والعصيان، ثم يصل إلى أعتاب خلاص جديد حين يكتشف طريق الإيمان بالله على يد داعية يقود خطواته الى الهداية. وتكون تلك بداية تنكبه طريق الضياع، ليبدأ في طرق أبواب السياسة عبر سلسلة من الحملات لا تكلل معظمها بالنجاح. ويؤدي ذلك أيضا إلى 'تطبيع' علاقته بأبيه، ويثمر هذا اولى نجاحات بوش الإبن حين يوكل الأب إليه مهمة مساعدته في إدارة حملته الانتخابية في واشنطن. أخيرا ينجح الابن في انتزاع نوع من التقدير والاعتراف بالجدارة من الأب، وهو ما يستحثه على طريق نجاحه التالي، حين يقرر الترشح لمنصب حاكم ولاية تكساس، ضد رغبة الأب والعائلة عموما. فقد كان الجميع متفقين على أن كل الجهود يجب ان توجه في ذلك العام الى دعم الأخ 'جب' في حملته من أجل الفوز في انتخابات حاكم فلوريدا، وعبثا حاول الأب إقناع ابنه بأن ترشحه الآن سيشتت جهود الأب الذي لن يكون باستطاعته مساندة الاثنين في حملتين في ولايتين متباعدتين. لكن بوش يفاجئ الجميع، وفي المقدمة اسرته، بالفوز في الانتخابات، في الوقت الذي فشل فيه 'جب' في محاولته الأولى.

الطريق إلى البيت الأبيض

لم يتتبع فيلم 'ستون' هذا الخط السردي على هذا النحو المنتظم الذي سقناه هنا لغرض العرض فقط، وكما أشرنا سابقا ظل السيناريو متنقلا بين سنوات التكوين والتمرد والفشل والضياع ثم الهداية وطرق أبواب السياسة، وبين دخول بوش الإبن البيت الأبيض بالفعل، ومن خلال هذا التوازي حاول المخرج أن يؤسس لتأثير الأول في الثاني، ويبين أن بوش رئيسا، لم يغادر محاولاته الأولى في ريعان الشباب لإثبات الذات والجدارة في عيون الأب أولا وقبل كل شيء. ولا غرو أنه أحاط نفسه في إدارته الأولى بكل رجالات بوش الأب، الذين صنعوا لحظة مجده الكبرى بالانتصار في حرب الخليج وتحرير الكويت، وفي مقدمتهم دك تشيني الذي كان وزير دفاع تلك الحرب، وكولن باول رئيس أركانها، وغيرهم من صقور المحافظين من دونالد رامسفيلد الى بول وولفوفيتز، وكوندوليزا رايس، وكارل روف، الذي لقب 'بعقل' بوش. يشار هنا إلى أن طموح بوش الابن الرئاسي إنما ولد من فشل الأب في معركة اعادة انتخابه رئيسا امام بيل كلينتون. كانت لحظة الهزيمة قاسية على العائلة كلها والأب بشكل خاص، وهو الخارج لتوه من نصر مؤزر في الحرب دفع في حينها شعبيته الى أعلى مستوى لرئيس أمريكي منذ عقود، حيث تجاوزت في مطلع 1992 تسعين في المئة. لكن كل هذا تبدد أمام حال الاقتصاد الذي كان يمر بدورة ركود، وقد ربط منافسه بيل كلينتون حملته الانتخابية الى هذه العربة وقال قولته الشهيرة 'إنه الاقتصاد.. يا غبي'، وليس النصر العسكري ولا أكاليل الغار. (أذكر في هذا الصدد شاباً امريكياً سئل أمام الكاميرا عن رأيه في أي المرشحين سيختار فقال: 'ماذا جنيت من الحرب؟ لقد فقدت عملي، بينما صدام حسين لا يزال يحتفظ بعمله'.
لكثرة ما كتب عن رئاسة بوش وما صدر من كتب وثقت لجوانب عديدة من آليات اتخاذ القرار داخل إرادته، وما تكشف من فضائح بشأن التخطيط لغزو العراق وحملات البروباجندا المتخمة بالأكاذيب والتضليل والتلفيق، والتي استهدفت في المقام الأول الإعلام الأمريكي بإرهاب كل الأصوات التي تجرؤ على المساءلة، كان من الصعب على 'ستون' أن يقدم جديدا هنا، بل إنه اعتمد بشكل كبير على الكثير من المرويات والمعلومات التي باتت مشاعا منذ سنوات، والتي نجدها في مذكرات العديد من المسؤلين الذين كانوا منخرطين بدرجة أو بأخرى في صنع الحدث او شهودا عليه. الجديد الذي عمد الى تقديمه المخرج تمثل في الصور الكاريكاتورية التي قدم عليها أركان إدارة بوش. دك تشيني (النجم ريشارد درايفوس)، هو العقل المدبر والمحرك الأول وراء غزو العراق، وهو يظهر دائما في الاجتماعات كمراقب ينتحي جانبا لمتابعة الجدل والنقاش دون التدخل إلا في أضيق الحدود، وليس دون سبب وجيه، فتدخله لا يأتي دائما على هوى رئيسه، وبعيد إحدى الاجتماعات يوجه له الرئيس بوش ملاحظة قاسية قائلا ' أرجو ان تضبط ذاتك النرجسية من الآن فصاعدا في الاجتماعات، أنا هنا الرئيس وأنا من يتخذ القرارات'. يظل تشيني في وضع المراقب إلى أن تحين لحظته التاريخية فينتصب واقفا أمام خريطة حائطية في غرفة الاجتماعات ليشرح مشروعه الامبراطوري الطموح بالسيطرة على مصادر الطاقة حول العالم، انطلاقا من العراق، ويدلي بمقولته الشهيرة- ردا على ما اثاره كولن باول من اعتراضات خاصة فيما يتعلق باستراتيجية الخروج من العراق- 'ليس هناك استراتيجية للخروج. نذهب هناك لنبقى'. تصوير شخصية وزير الخارجية كولن باول (جيفري رايت) نجا من التصوير الكاريكاتوري لشخصيته، ويفسح له الفيلم مساحة ملحوظة في النقاشات التي دارت قبل الحرب، وهو لا يكف عن التساؤل 'لماذا العراق؟ ولماذا الآن؟' وكما بات معلوما لم يكن أركان الإدارة يكنون ودا كبيرا لباول بسبب معارضته للمشروع، وقد تم تجاهل كل نصائحه عن عمد، في حين انه كان الوحيد في المجموعة كلها صاحب السجل العسكري الذي يجعل من آرائه في هذا الصدد ذات وزن لا يمكن تجاهله. ومعروف أن باول هو صاحب العقيدة العسكرية الشهيرة والتي طبقها في حرب الخليج وتعتمد على مبدأين يحكمان خوض أي حرب: استخدام اقصى درجات القوة العسكرية، وتحديد استراتيجية الخروج من الحرب. وهذا تحديدا ما لم يفعله دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الذي اصر خلافا لكل نصائح كبار القادة العكسريين على الاعتماد على قوات أقل، وهو ما أدى إلى خسائر فادحة طوال سنوات قيادته للبنتاغون، إلى أن تم التوصل الى استراتيجية زيادة عدد القوات.
وللإجابة على تساؤلات باول، يعود 'ستون' هنا الى سنوات بوش الابن في خضم صراعه مع الأب واضطراب علاقتهما، والتي ولدت محاولاته المستميتة لانتزاع اعتراف الأب بجدارته والفوز باحترامه، وقد تعاظمت هذه الدوافع بعد هزيمة الأب في انتخابات 1992، وهنا اختلطت الرغبة في اكتساب احترام الأب، بالرغبة في الانتقام له، على اساس ان واحدة من أكثر الانتقادات التي وجهت إلى إدارة بوش الأب، أن هزيمة صدام حسين لم تكن كافية طالما انه ظل باقيا في الحكم، وبهذا صارت الحرب والانتصار فيها منقوصا ' unfinished busine' ، وتلك كانت أيضا من الأسباب التي سيقت في تبرير غزو العراق، كما زعم البعض ان بوش الابن كانت تحدوه رغبة في الانتقام من صدام حسين لأنه كان وراء محاولة اغتيال مزعومة لأبيه أثناء زيارته للكويت. وتلك تبريرات قد تبدو عصية على الإقناع خاصة وهي تقدم كتفسير لدوافع رئيس اقوى دولة في العالم. لكن 'ستون' لا يتخلى عن تفسيره هذا بسهولة، فحين يصل إلى اسماعه اعتراضات أبيه على ما يخطط له من غزو العراق، وتبدأ الصحف في نشر تقارير نقلا عن بعض رجالات أبيه مثل مستشار الأمن القومي الأسبق، زيجينو بريجنسكي، الذي كتب منتقدا بشدة خطة الإدارة، كان رد بوش الاحتماء بقناعاته المسيحية وأنه 'لا يأبه لما يقوله الأب، لأنه معني فقط بالاستجابة لأب اكبر في السماء'. كل هذا بالطبع لا يلغي وجود مخطط كبير ضمن مشروع امبراطوري للهيمنة على مصادر الطاقة بعد أن صارت أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم دون تحد يذكر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وقد التقت دوافع بوش الشخصية البحتة مع مخطط تشيني وعصابته الذين استغلوها لتمرير مخططهم الجهنمي وباعوا له سيناريو الحرب على أنها مضمونة الانتصار ودون كلفة تذكر لأن نفط العراق كفيل بتمويلها، فضلا عن الخرافات الأخرى حول الشعب العراقي الذي ينتظر قوات التحرير الأمريكية بالورود والرياحين. ونحن في الحقيقة لا نرى الرئيس يجادل بشأن أي من القضايا الاستراتيجية أو التكتيكية الخاصة بالحرب، لأنه كان معنيا فقط باستكمال المهمة التي فشل الأب في إتمامها، وفي ذلك خير رد على صراعه الأبوي على طريق إثبات الذات والفوز باحترام أبيه وتجاوزه في الوقت ذاته، ولا نغفل بالطبع عامل الهوس الديني الذي جعل بوش مقتنعا بأنه رسول العناية الإلهية لإنقاذ الشعب العراقي من طغيان صدام حسين. ولا شك ان بوش راغب فقط في سماعه للقرائن التي تدعم قناعاته وتقود الى تنفيذ المهمة التي نذر نفسه لها، كما نرى حين يسأل في أحد الاجتماعات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد
(سكوت غلن) المقدم على نحو كاريكاتوري ايضا بطريقة كلامه الملتبسة التي اعتاد ان يعذب الصحافيين بها في المؤتمرات الصحافية مثل قوله ' غياب الأدلة لا يعني دليلا على الغياب سيدي الرئيسThe absence of evidence is not the evidence of absence Mr. president، وهذا هو اجتراحه الفذ في الإجابة عن سؤال عدم وجود أدلة على امتلاك صدام حسين أو تطويره لأسلحة دمار شامل. ولم تنج كوندوليزا رايس ( ثاندي نيوتن) من التصوير وكانت تشغل في الإدارة الأولى منصب مستشار الأمن القومي، حيث تبدو دائما منتصبة القامة على نحو غريب وتتحدث من أنفها بصوت رفيع وأخنف، وإن كانت في الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا التصوير.

هل كان بوش ضحية؟

الصورة التي يقدمها الفيلم لإدارة بوش الابن على الرغم من طابعها التهكمي، إلا أنها في الحقيقة مرعبة حين نفكر في الكوارث التي جرتها الإدارة على العالم بل ولا يزال العالم يعاني منها حتى الآن، معتمدة على حملات منظمة من الأكاذيب والتضليل، وتكميم الإعلام الأمريكي، واتباع اساليب استراتيجية الخوف بتضخيم خطر الإرهاب، فضلا عن الخفة والاستهتار الذي تم التعامل بهما مع حرب العراق. لا يكاد المرء يصدق عينيه وهو يتابع المناقشات التي كانت تدور في اجتماعات الإدارة برئاسة بوش، ويصعب تجنب الإحساس بأن الرئيس'كان واقعا في حبائل عصابة بزعامة تشيني (وهو ما ثبت لاحقا من مصادر عديدة، لعل آخرها كتاب صدر حديثا يؤسس لحقيقة ان تشيني كان الرئيس الحقيقي لأمريكا). يكفي أن نشير الى حكاية مدير الاستخبارات المركزية ( سي آي إيه)، جورج تينت، حين صعق بوش من تهافت الأدلة التي قدمها له على امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل وقال متسائلا ' أهذا كل ما استطعت أن تأتيني به!' فرد عليه جازما ' لا تقلق سيدي الرئيس، إنها رمية أكيدة في المرمى أو slam dunk' بمصطلحات كرة السلة. او الكيفية التي تم بها إضافة معلومات الى خطاب الرئيس عن 'حالة الاتحاد' كان معلوما مسبقا انها زائفة وغير صحيحة حول شراء صدام ليورانيوم من النيجر، وهي الحادثة التي أفرزت قضية رفعها السفير السابق جوزيف ويلسون وزوجته عميلة السي آي إيه بالمي بعد ان تم كشف غطائها عمدا للصحافة عقابا لتجرؤ زوجها على تحدي ادعاءات الإدارة، أو التضليل المتعمد الذي خضع له كولن باول وتزويده بمعلومات مشبوهة وصور ملفقة قدمها في تقريره الى مجلس الأمن قبل التصويت على قرار الحرب، واضطر لاحقا للاعتذار عنها ولكن بعد فوات الأوان حيث تلطخت صورته وبات كالأبله وسط مجموعة من الصبية الأشرار. كل هذه الأمثلة ترسم صورة لعصابة لديها أجندة مسبقة مع سبق الإصرار والترصد لغزو العراق والاستيلاء على نفطه، وكانت على أتم استعداد للذهاب الى ابعد مدى لتسويق الحرب للشعب الأمريكي بأي ثمن، وكان لها ما أرادت ولا تزال امريكا تدفع الثمن.
لا يبدو ان أوليفر ستون قد حسم موقفه من بوش، فعلى الرغم من تصويره لحماقته ونقاط ضعفه، إلا أن هذا لا ينجح في إخفاء تعاطف المخرج، ومن ورائه المشاهد، مع البطل. وإلى حد كبير يبدو بوش شخصا محببا وليس منفرا، وهو يحرص بشكل واضح ليحظى بالقبول في محيطه فيسعى دائما الى إطلاق النكات التي لا تلقى صدى مضحكا في الغالب، وهو يتصرف بتلقائية دون عميق تفكير او روية، وهو ما يجعله عرضة للأخطاء باستمرار. ولا تبدو مشكلته في ما يحمله من أفكار ولا في طموحه ومدى ملاءمته لإمكانياته، بل في عجزه الفاضح في التعبير عن هذه الأفكار، وهذه سمة ستلاحقه رئيسا وتصبح من أهم علامات رئاسته حيث كانت الكلمات تخونه دائما، وهو يجاهد للعثور على المناسب منها، وكثيرا ما تأتي النتيجة مخيبة للآمال. وكان هذا العيب في شخصية بوش مادة خصبة جدا لنجوم الكوميديا وعروض الثرثرة التلفزيونية من أمثال جي لينو، وجون ستيوارت، وبيل مار، وجورج جوندلفينو، الذي يقدم تقليدا مذهلا لبوش، بل إن هناك كتابا كاملا صدر في أمريكا يضم تعليقات بوش الخرقاء، وزلات لسانه، وهفواته وأخطائه السياسية اللغوية. هنا تجدر الاشارة الى تميز ' جوش برولين' الذي جسد دور بوش الابن، بإتقانه لهجة تكساس وتقطيبة الجبين اللتين عرف بهما الرئيس بوش، فضلا عن تلعثمه بحثا عن الكلمات وتطلعه من وقت لآخر لمساعدة مستشاره كارل روف او نائبه دك تشيني.
ليس هناك شك في أن جورج بوش يترك البيت الأبيض وقد حاز بإجماع العالم لقب اسوأ رئيس عرفته الولايات المتحدة، وقد قيل الكثير في هذا الشأن. لكن الفيلم لا يصدر هذا الحكم على نحو مطلق، وقد يجد الكثيرون أن 'ستون' يبدي قدرا من التعاطف مع بوش، كما اتهمه البعض بأنه لم يكن قاسيا عليه بالقدر الكافي، وهو المعروف بكونه ديموقراطيا ليبراليا ملتزما، أي على النقيض تماما من كل ما يمثله بوش، إلا أن هذا الرأي يحمل بعض الشطط. الأصح ان يقال ان المخرج لم يتجن على بوش ولم يبالغ في إظهار التعاطف معه. فقصة جورج بوش الشخصية تبدو في إحدى تجلياتها قصة تقليدية لشاب ولد لأسرة ثرية ذات تاريخ سياسي وهذه النشأة في حد ذاتها من شأنها ان تضعه على الطريق الصحيح نحو الصعود في عالم السياسة، بصرف النظر عن مؤهلاته الشخصية، فالعامل الأهم هنا هو علاقات القوة والثروة التي تحكم ابناء هذه الطبقة، إلا ان علاقته المضطربة بأبيه، وموقعه داخل الأسرة، كانا حجرا عثرة على طريق صعوده، وظل تأثيرهما طاغيا عليه حتى بعد أن صار رئيسا، وحقق أحلامه المبكرة في الشهرة والسطوة. هذه المحنة العائلية لا شك تكسبه'قدرا كبيرا من التعاطف خاصة في أوساط أولئك الذين يؤيدونه أصلا، وفي هذا السياق تحديدا يمكن ان يبدو بوش ضحية نشأته التي اورثته تعقيدات وصراعات نفسية مريرة. ومن ناحية اخرى، فإن تجلي بوش كضحية يبدو على نحو جلي في رئاسته، التي اختطفتها عصابة المحافظين الجدد بزعامة تشيني الذين استخدموه مطية لتنفيذ أجندة إمبراطورية جلبت على الولايات المتحدة ومن ورائها العالم، حفنة من الكوارث والأزمات لا'يعلم أحد كم سيحتاج العالم للخروج منها. بالنسبة الى خصوم بوش فلن يزيدهم الفيلم إلا قناعة بأنه ما كان ينبغي ان يكون رئيسا في المقام الأول، والتركة المثقلة التي تركها لأمريكا تقف خير شاهد على ذلك. ولسوف تبقى الكلمة الأخيرة للتاريخ أولا وقبل كل شي

ليست هناك تعليقات: