عن القضاء والقدر و'أم الفرائض'
عبد الحليم قنديل
عبد الحليم قنديل
24/11/2008
بالطبع، لا يتوقع أحد أن ينفذ نظام مبارك حكم القضاء المصري الجليل بوقف تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل، كما لا يتوقع أحد أن ينفذ النظام نفسه حكما للقضاء ـ صدر قبلها بأيام ـ يؤكد حق المصريين الدستوري في السفر والتنقل وكسر حصار غزة، وكانت قوى الوطنية المصرية ـ من كفاية وأخواتها ولجنة فك الحصار ـ قد أقامت دعويين بالخصوص أمام القضاء الإداري، وأحكام الأخير واجبة النفاذ دون توقف عند أية طعون أو استشكالات قانونية .
وسبب امتناع النظام عن تنفيذ الأحكام ظاهر بلا مواربة، فليس لدى النظام غير الشرعي القائم أدنى احترام لأحكام القضاء، وهو النظام الذي سعى لعقود إلى تخريب السلطة القضائية، وفرض تغول السلطة التنفيذية عليها، وإن ظلت عناصر المقاومة تدافع عن استقلال القضاء وحصانته، وتصدر أحكاما نزيهة تتحدى الظلم والعنت.
وقد تعود النظام على رمي أحكام القضاء التي لا تعجبه في أقرب سلة مهملات، وخصوصا فيما يتعلق بتزويره المنهجي المنتظم للانتخابات، وتزيد شراسة النظام وإهداره لأحكام القضاء إذا تعلق الأمر بإسرائيل أو بالإسرائيليين، وعلى طريقة إهدار حكم القضاء بوقف مولد ابو حصيرة، والذي يقيمه الإسرائيليون كل عام في قرية 'دمتيوه' بمحافظة البحيرة بالدلتا المصرية، فكيان الاغتصاب الإسرائيلي هو القضاء والقدر بالنسبة للنظام، وطاعة إسرائيل عنده أوجب من طاعة أحكام القضاء، والسبب مفهوم، فنحن بصدد نظام بلا قواعد سياسية ولا اجتماعية شعبية، بصدد نظام معلق لا يربطه بالواقع المصري سوى جهاز أمني متضخم، وبصدد حكم يعتمد على الرعاية الأمريكية ـ الإسرائيلية، وأفضل أمانيه أن يكسب رضا أمريكا بكسب محبة إسرائيل!
وقد بدت القاعدة سارية في كل الأحوال، ألا وهي أولوية إسرائيل حتى لو تعارضت مع أحكام القضاء، فكسر حصار غزة ليس من مصلحة إسرائيل بالطبع، بل هو عمل يندرج في إطار مقاومة إسرائيل، ولا يعقل أن يرتكب نظام موبوء ـ مثل نظام مبارك ـ خطيئة المقاومة، وهو ـ أي النظام ـ لا يتوقف فقط عند حد الامتناع عن المقاومة، بل يجند قواته الأمنية لحصار واعتقال الوطنيين المصريين الراغبين في المقاومة حتى السلمية منها، وقد منع مسيرتين لفك حصار غزة، أوقف الأولى بالحصار الأمني عند بوابة مدينة الإسماعيلية، وقبل أن تصل القوافل إلى خط قناة السويس وبوابات سيناء، ولجأ مع المسيرة الثانية إلى المنع من المنبع، وحاصر المشاركين من قضاة وأساتذة جامعات ونشطاء في قلب القاهرة، وحتى قبل أن تبدأ سيارات القافلة الإغاثية في التحرك، وجرى اعتقال وخطف العشرات، ورميهم في معسكرات قوات الأمن المركزي، وهكذا بدا النظام وفيا لإسرائيل بأكثر من إسرائيل نفسها، فقد استحت إسرائيل أن تمنع بواخر النشطاء الأوروبيين من الرسو في ميناء غزة، ولم يستح النظام المصري وهو يمنع النشطاء المصريين من التحرك بحرية في بلادهم، والوصول إلى خط الحدود عند معبر رفح، وإعلان مساندتهم للشعب الفلسطيني .
وفي قضية تصدير الغاز يبدو النظام أكثر شراسة، وقد حاول النظام أن يعرقل صدور حكم المحكمة، وادعى أن تصدير الغاز لإسرائيل مسألة سيادية، ولا دخل للقضاء ولا ولاية له عليها، وهو الدفع البائس الذي رفضته محكمة القضاء الإداري، وأمرت بوقف تصدير الغاز، بل وأشارت إلى تصرفات وصفتها بـ 'المريبة' في قصة تصدير الغاز، والذي لم تعرض اتفاقيته على البرلمان، وبدعوى أن بها 'بنودا سرية' لا يستطيع النظام إعلانها، وهو ما سخر منه نواب المعارضة بمجلس الشعب في حينه، واعتبروه خرقا لأبسط مبادئ الدستور، وكلاما لايصح أن يقال في برلمان، ولا حتى في قهوة بلدي أو 'غرزة حشيش '، وصمت النظام المجلل بالعار وقتها، فهو يعرف ان قضية تصدير الغاز لإسرائيل ليست مما يمكن الدفاع عنه بأي وسيلة، فهي تخلو من طابع اقتصادي أو زيادة موارد، وقد جرى تصدير الغاز لإسرائيل بأقل من عشر قيمته في السوق العالمي، ثم أنها عمل غير مشروع من وجهة النظر المصرية الوطنية العامة، بل خطيئة وخيانة يرتكبها تشكيل عصابي في صورة نظام سياسي، ويعهد بها ـ من الباطن ـ إلى حسين سالم الملياردير المقرب من عائلة مبارك، والمقيم غالبا في شرم الشيخ حيث يقيم مبارك أغلب الوقت، والذي يستضيف مبارك في قصوره وفنادقه، واقتطعت له شرم الشيخ كمقاولة من الباطن، ولا يستطيع أحد التصرف في متر أرض من شرم الشيخ بدون موافقة حسين سالم والذي منه، وأنشاؤا له شركة 'شرق المتوسط' كغطاء 'مريب' ـ بوصف المحكمة ـ لجريمة تصدير الغاز لإسرائيل .
وإحتقار النظام لأحكام القضاء لو تعلقت باسرائيل بالذات، لا يعني أن الأحكام صارت بلا معنى، أو أن حبرها جف على الورق، بالعكس، فإن هذه الأحكام الجليلة تضيف إلى قوة المعارضة السياسية الجذرية، وتجعلها في موقع أفضل لدى مخاطبة الرأي العام، وتسند جهود تحشيد القوى، فالقضاء العادل ـ على ندرته ـ يعنى استظهار الحق الذي لامراء فيه، والقاضي العادل هو كلمة الرب، وأحكام القضاة العادلين تضيف الكثير لحركة الوطنية المصرية، فهي تؤكد صواب مبادئها ومواقفها، وتعطيها حصانة وختم القضاء، وهي ـ أي الأحكام الجليلة ـ تعري النظام، وتزيل أقنعته المراوغة، وتكشف حقيقته السافرة كعميل مباشر للاستعمار الأمريكي ـ الإسرائيلي، وتوفر إمكانية ـ مضافة ـ لشرح الطبيعة المركبة للمأساة المصرية، فمأساة مصر ليست فقط في الاستبداد السياسي، ولا في الانحطاط التاريخي والتأخر الاقتصادي والاجتماعي، بل مأساة مصر ـ أيضا ـ في أنها بلد فقد استقلاله الوطني، ويخضع للهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية المباشرة، ومنذ عقد ما يسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الشهيرة بكامب ديفيد، وإلحاقها بضغوط وقيود المعونة الأمريكية الضامنة، ومظاهر فقدان السيادة والاستقلال الوطني تبدو ظاهرة، فأغلب سيناء منزوع السلاح، وأغلب قرارات السياسة والاقتصاد منزوع السيادة، والسفارة الأمريكية بالقاهرة تحولت إلى ما يشبه دار المندوب السامي البريطاني زمن الاحتلال القديم، والنظام الجمهوري تحول إلى حكم عائلي يشبه حكم الملك فاروق، وتلازم التبعية والفساد صار عنوانا لقصر العائلة المباركية، والنظام تحول إلى وضع 'دفع الجزية' لإسرائيل طلبا للرضا السامي، وهو ما يفسر كيف أن اتفاقات النظام الاقتصادية مع إسرائيل تخلو كلها من أي طابع أو مبرر اقتصادي، فتصدير البترول المصري لإسرائيل يجري بأقل الأسعار، واتفاق 'الكويز' دمر صناعة النسيج المصرية، وتصدير الغاز لإسرائيل يتم بالمجان تقريبا، وبهدف ضمان الرضا الإسرائيلي على حكم مبارك وعائلته ومليارديراتها .
وهذه الصورة تضع حكم القضاء الجليل بوقف تصدير الغاز في محله تماما، صحيح انه يسند ويدعم حركة الوطنية المصرية، لكنه ـ بالطبع ـ ليس غاية المراد، ولاهو الحل المشفوع بالنفاذ المعجل، ولا يمكن ان يكون كذلك، فالحل ـ في البدء والمنتهى ـ سياسي لاقضائي، والمطلوب : دمج قضية مصر الوطنية في صلب مطالب التغيير السياسي، فلا إمكانية لكسب شيء بالقطعة في مصر الآن، لا إمكانية لكسب الحرية مع بقاء نظام مبارك وعائلته، ولا إمكانية لكسب الاستقلال الوطني بدون إزاحة النظام القاتل العميل، فقد انضم نظام مبارك ـ بوعي المصلحة ـ إلى صف الاستعمار الأمريكي الإسرائيلي، وجعل مصلحته من مصلحة إسرائيل تماما، بل ويدافع بعنف عن أمن إسرائيل واحتلالها وحصارها للفلسطينيين بأكثر من إسرائيل نفسها، وإذا كانت مقاومة إسرائيل فريضة دينية ووطنية، فإن مقاومة وتغيير نظام مبارك هي 'أم الفرائض'
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق