بنت جيفارا: لو وفــَّر نظام الحكم مصاريف البروباجندا السياسية لكسب ثقة الشعب أسرع!
لم تقل إليدا إن جمال عبد الناصر أحب في ذلك الوقت جيفارا أكثر مما أحب كاسترو.. وفي متحف الثورة الذي زرته في هافانا صورة تجمع بينهما.. وربما همست بذلك في اللقاء الذي جمعها بهدي عبد الناصر..
كنت أسمعها فاشعر بإنني أسمع صوتا من عصر ثوري رومانسي جميل.. لم نكن فيه مثل عجينة بيتزا علي مائدة البيت الأبيض.. لكنه.. صوت وحيد.. ينتمي لعصر الجرامافون في زمن الإيفون.
لم يتعرف أحد ــ في المطعم المطل علي نيل القاهرة عند المنيل ــ علي الضيفة الأجنبية الشقراء التي دخلته يوم الاثنين الماضي لتناول طعام الغداء وسط شخصيات سياسية مؤثرة مثل محمد فائق وأحمد حمروش ويحيي الجمل وسعيد كمال.. فليس في ملامح إليدا جيفارا ما يدل علي أنها ابنة الرجل الذي خدم الثورة الشعبية المسلحة من كوبا إلي أنجولا.. ويعلق الشبان والبنات صورته علي جدران حجراتهم.. ويتوحم السياسيون عليه في زمن باع أنبياءه مقابل طن حديد.. وهجر فلاسفته بسهرة في «نايت كلوب».
إليدا أرنستو خوان انطونيو جيفارا طبيبة مثل أبيها.. لكنها.. تميل إلي البدانة.. بشرتها بيضاء.. بخلاف سمرته التي قربته من البسطاء.. وهي أم لفتاتين.. إحداهما تدرس الاقتصاد.. والأخري تدرس الطب.. وقد دفعني حماسها للمشويات الشرقية التي وضعت أمامها أن أسألها: هل تجيد الطهو؟.. فابتسمت قائلة: نعم.. وأسمع موسيقي الصلصة.. وأتحمس للرقص.. واقرأ الشعر.. وأحب السفر.. وقد أسعدها أن يتذكر المصريون عيد ميلادها الذي ستحتفل به اليوم في الإسكندرية علي عشاء يدعو إليه الدكتور هشام صادق.
إنها نفس الأشياء التي عشقها جيفارا فجعلته أيقونة الثورة التي تحرض الشعوب المسحوقة علي التحرر مما هي فيه.. لكنها.. تري أن حبها لأبيها الذي تأثرت به لا يعني أنها ليست مستقلة عنه.. " إنني لم اكتف بميراث لقب جيفارا.. بل سعيت لإثبات ذاتي.. بمفردي.. النضال ليس ثروة عائلية نوزعها علي أبنائنا بالتساوي.. إنه اختيار شخصي بحت لمن يقدر علي دفع ثمنه".
واستطردت: إنها وصية جيفارا نفسه.. فقد قال: " إن من السهل أن يتبعك الناس ومن الصعب أن تجعلهم يستقلون بأنفسهم ".
لقد ولد جيفارا في 14 يونيو 1928 في أسرة ثرية لكن صحته لم تكن كذلك.. فقد اصيب بالانيميا والربو الذي لازمه حتي اغتالته المخابرات الأمريكية في أول أكتوبر 1967 وهو في مهمة ثورية في بوليفيا.. واشتهر جيفارا بقدرته الفائقة علي السخرية.. وقبل أن يتجاوز الرابعة عشرة قرر أن يكتشف بلاده الأرجنتين علي دراجة قديمة وروي تجربته المثيرة في كتابه الممتع: " أحلامي لا تعرف حدودا ".. وقبل أن ينهي دراسة الطب قرر أن يكتشف وطنه الأكبر.. أمريكا اللاتينية.. وذاق عن قرب متاعب الفقراء.
في مذكراته كتب: " لا يمكن أن يستمر النظام الطبقي الظالم الذي يعاني منه أولئك الناس وأظن أنه قد آن الآوان كي تكف الحكومات قليلا عن الصخب الذي تحدثه عن فضائلها وتخفض نفقات الدعاية لرجالها".
ويكتب أيضا: " عندما يتعرف الفقير علي ظروف الحياة الناعمة المحروم منها تولد في داخله عدوانية يصعب إخفاؤها تجاه الذين يردعون أنفسهم عن نهش الآخرين".
في نصف دقيقة اقنعت إليدا كل المستمعين إليها بأن ينسوا أنها ابنة جيفارا.. وأن يقيموها بحجم ثقافتها السياسية.. وتجاربها الواقعية.. وخبرتها الإنسانية.. بحجم الأطفال المرضي الذين عاشت معهم في أحراش إفريقيا وأمريكا اللاتينية وعالجتهم وأنقذت حياتهم.. واعادت الابتسامة إليهم " إن هذا هو ما يمنحني التميز ".. لقد قضت في إفريقيا ثلاث سنوات تعالج الأطفال وهي المدة التي قضاها ابوها في إفريقيا ولكن لعلاجها من الاستعمار وتدريبها علي حرب العصابات.
علي أن ذلك لم يمنعها من أن تعبر عن سعادتها لوجودها في القاهرة.. المدينة التي انبهر بها أبوها.. يوم زارها.. ليس لعراقة مبانيها.. ولا لخفة ظل أهلها.. وإنما لأنها كانت عاصمة حركة عدم الانحياز.. الحركة التي جمعت بسطاء الدنيا كلها حتي أصبحوا قوة في مواجهة من يتربص بحريتهم وكرامتهم واستقلالهم قبل أن يبيع حكامهم فيما بعد ذلك كله بحفنة دولارات أمريكية مسمومة.
لم تقل إليدا إن جمال عبد الناصر أحب في ذلك الوقت جيفارا أكثر مما أحب كاسترو.. وفي متحف الثورة الذي زرته في هافانا صورة تجمع بينهما.. وربما همست بذلك في اللقاء الذي جمعها بهدي عبد الناصر.. وهو لقاء تحمست له.. علي خلاف اللقاءات الأخري مع عمرو موسي وأحمد أبو الغيط وسفراء أمريكا اللاتينية التي وصفت بأنها مجاملة.
وقد أبديت لها مخاوفي من جنون الأجيال الجديدة في بلادها بكل ما هو أمريكي.. البوب والمارلبورو والجينز وسينما هوليوود.. " لقد نسوا كلمة الثورة التي نسيها العالم قبلهم ".. لكنها.. أصرت علي أن البذرة السليمة هي أداة تحسين لا وسيلة تدمير.. وهم يؤمنون بمقولة خوسيه مارتي بأن الحرية المثقفة الواعية تحمي صاحبها من السقوط مهما كان حجم الضلال والانحراف.. وخوسيه مارتي هو نبي الحرية في بلادها.. وسوف تضع إكليلا من الزهور فوق نصبه التذكاري بحديقة الحرية قبل أن تغادر القاهرة مساء الثلاثاء القادم علي الطائرة الإسبانية.
والحقيقة أن التجربة الكوبية في الثورة الثقافية نجحت في القضاء علي الأمية.. والرعاية الصحية.. وقد قال لي محمد فائق إنه عندما سافر إلي كوبا لحضور مؤتمر القارات الثلاث طلب منه جمال عبد الناصر أن يدرس تلك التجربة.. ودرس الرجل.. وبحث.. وقرأ.. وكتب.. واقترح.. لكن.. مر علي ذلك 40 سنة ولا تزال الأمية المصرية.. أمية مزمنة.. كأنها بعض من ملامحنا وصفاتنا الوطنية التي لن تفارقنا.. مثل الشعر المجعد.. والبشرة الغامقة.. والبدانة المفرطة.
تضيف إليدا: الديمقراطية الحقيقية تفترض وجود ثقافة حقيقية.. تفترض سحق الأمية.. كيف أطالب بالتغيير دون أن أكون قادرا علي التعبير؟.. والشعب الذي يتمتع بمستوي ثقافي مرتفع لن يقبل بحاكم أقل منه.. أو بحاكم يتجاوزه.. أو بحاكم يستهتر به.. ويسخر منه.. ويتصرف بعيدا عنه.
لكنها تضيف- وقد سألتها عن الظواهر السلبية التي تحكم السلطة في بلادنا والبلاد المشابهة لبلادنا-: ليس لأحد الحق أن يقول لشعب ما كيف يعيش ؟.. أو كيف يغير حياته ؟.. يجب احترام ذلك.. أما الذين يدعون الديمقراطية في الشارع الغربي أين كانوا والناس تتظاهر ضد التدخل الأجنبي في العراق ؟.. أليس ذلك التدخل ضد الديمقراطية حتي لو جاء رافعا شعارها ؟.. إن للديمقراطية وجوهاً مختلفة.. وليس من العدل أن نقف علي أسوار دولة ونقيمها: هل هي ديمقراطية أم فاشية ؟.
جلست أمامي بملابس متواضعة.. بنطلون من التيل الأسود.. عليه جاكت من القماش نفسه.. تعلوها غلالة شفافة من قماش ناعم.. وحذاء بلا كعب.. يكاد يتساوي بالأرض.. ليس فيها ما يدل علي الثراء.. كأنها قادمة من تاريخ نسيناه لثوار زهدوا في الترف.. وعاشوا عيشة البسطاء الذين طالبوهم بالتغيير.. تري لو كان جيفارا زعيما مصريا كم حجم الثروة المالية والعقارية وعدد القري السياحية والتجمعات التجارية التي كانت ستمتلكها ابنته؟.. إن الجيل الثاني للثورة في بلادنا هو جيل الثروة.
ولو باعت إليدا جيفارا حقوق الملكية الفكرية لصور أبيها التي تطبع الآن علي بنطلونات الجينز والتي شيرتات وجدران المقاهي وأغلفة الكراسات المدرسية وكؤوس الخمر لكسبت ملايين الدولارات.. لكنها.. غير معجبة بتحويل أبيها إلي سلعة رأسمالية وكأنه نجم من نجوم البوب.. خاصة أن غالبية الذين يستهلكون البضائع التي عليها صورته لا يعرفونه.. لا يعرفون قصة حياته ولا حقيقة تضحياته.
وهناك في كوبا مركز للدراسات الخاصة بجيفارا مهتم بهذه الظاهرة.. حزين للاستغلال التجاري لصورته.. علي أنه من بين مائة يستعملون الصورة ولا يعرفون صاحبها لو خرج واحد منهم واهتم بحياة جيفارا وكفاحه فهذا مكسب لا يمكن الاستهانة به.. لقد تعودت إليدا كما قالت: " أن تنظر إلي الجانب الإيجابي لكل ما يصادفها من ظواهر تراها سلبية".
والحقيقة أنني وجدت ظاهرة الجنون بجيفارا في كل مكان زرته في العالم بما في ذلك كوبا نفسها.. فما إن تدخل فندق ناسيونال الشهير في هافانا حتي تجد صورا متنوعة بعرض الحائط له للبيع بالدولار.. وفي المتحف كتب وأفيشات ومجلات عنه.. وبأسعار ليست مناسبة.. فالاستغلال التجاري لجيفارا يبدأ في وطنه.
لكن.. إليدا تعترض علي ملاحظاتي وتعتبرها تدخلا في الشئون الداخلية لبلادها.. " لقد استهلكت هذه الأشياء البسيطة الدول النامية التي نعيش فيها ونحلم بحكم أفضل لها.. استهلكتنا.. وفرقتنا.. وباعدت بيننا.. ومنعتنا من الاتحاد في مواجهة العدو الحقيقي لنا ".
وتضيف: " علي سبيل المثال تختلف ثقافتي عن الثقافة العربية.. أنا أؤمن بحريات شخصية لا تتوافق مع الثقافة العربية المحافظة.. لكني.. لا أهاجمها.. ولا أسعي إلي تغييرها.. ربما بحثت فيها عن ما يفيدني.. واستخرجت منها ما يجمعنا ولا يفرقنا.. ما يقربنا ولا يباعدنا ".
وتضرب مثلا مباشرا: " لقد سألني صحفي فرنسي عن حجاب النساء.. أنا لست جزءاً من هذه الثقافة.. والوحيدة التي من حقها الإجابة عن السؤال.. المرأة العربية ".. " إن الاختلاف بيننا يدعم اتحادنا ولا يضعفه ".
بل " أكثر من ذلك يجب التفرقة بين الشعوب والحكومات.. إن الحكومة الأمريكية لم تخرج من فيتنام إلا بعد أن ضغط الشعب الأمريكي عليها.. والشعب الأمريكي مغيب بطبيعته بسبب فساد الإعلام.. لكنه.. لو تفهم حجم الثمن الذي سيدفعه في حرب العراق مثلا فإنه لن يترك حكومته يوما آخر هناك ".. " إن علينا أن نتفهم القوة الكامنة في الشعوب كي نتمكن من تغيير العالم ".
كنت أسمعها فاشعر بإنني أسمع صوتا من عصر ثوري رومانسي جميل.. لم نكن فيه مثل عجينة بيتزا علي مائدة البيت الأبيض.. لكنه.. صوت وحيد.. ينتمي لعصر الجرامافون في زمن الإيفون
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق