يتساءل الكثيرون عن سبب الضجة الإعلامية المرافق ة للإع لان عن فك
شفرة المورثات البشرية، وما معنى الجينوم البشري وما هي أهداف مشروعه الذي يصفه
البعض بأنه أهم إنجاز علمي في التاريخ وكذلك التساؤل عما ستؤدي إليه معرفة تلك
الخريطة الوراثية وهل أن ذلك هو الأمل الكبير في عالم الطب للقضاء نهائيا على الأمراض
البشرية المستعصية مثل السرطان وأمراض الشيخوخة وما علاقة ذلك بعلاج الأمراض
قبل ظهور أعراضها وهو ما يمكن أن توضحه البطاقة الشخصية لجينات كل شخص. مما جعلنا
في مجلة الإعجاز العلمي نعرض إلى هذا الموضوع (الجينوم البشري) لأنه كتاب الحياة الذي من
خلاله يمكن أن يتعرف البشر على طبيعة خلقهم المادية التي أودع الله سرها في هذه التركيبة
من خلال التعريف بكلمة الجينوم كمصطلح ودلالة علمية، وكمشروع له أهدافه، ووضع DNA الكيميائية
مورثاته في حالة الصحة والمرض وما هو مستقبل التعامل معه في الخير والشر.
تعريف:
هو مصطلح جديد في علم الوراثة يجمع بين جزئي كلمتين genome مصطلح جينوم
التي تعني باللغة العربية gene وهي الأحرف الثلاثة الأولى لكلمة gen إنجليزيتين هما
وهي chromosome المورث (الجين)، والجزء الثاني هو الأحرف الثلاثة الأخيرة من كلمة
وهي تعني باللغة العربية الصبغيات (الكروموزومات)، أما الدلالة العلمية لهذا ome
المصطلح فهي للإنسان: الحقيبة الوراثية البشرية القابعة داخل نواة الخلية البشرية وهي التي تعطي جميع
الصفات والخصائص الجسمية والنفسية.
مشروع (الجينوم):
تحوي نواة الخلية البشرية على ٤٦ صب ً غا (كروموزو ما) قد جمعها الله مناصفة ٢٣ صب ً غا من
كل من الأب والأم (البييضة والحوين المنوي)، ويبلغ عدد المورثات (الجينات) الموجودة في
نواة الخلية الواحدة ما يقرب من مائة ألف مورثة، تترتب هذه المورثات بطريقة تتابعية وعلى
،(T) والثيمين (A) شكل صيغ كيميائية ذات تسلسل بين أربع قواعد نيتروجينية هي الأدنين
وللأهمية العلمية والطبية لقراءة هذه المورثات قامت .(G) والجوانين ،(C) والسيتوزين
Hugo) Human Genome) مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية بمتابعة هذا العمل أطلقت على نفسها
وقد خصصت لذلك مبل ً غا قدره ( ٣,٠٠٠ ) مليون دولار لهدف قراءة الخارطة الوراثية فقط Organization
وذلك يعني بالدرجة الأولى فتل الكروموزومات وفك تلك الصيغ الكيميائية للجينات على Gentic Mapping
كل كروموزوم ومعرفة ترتيب المعلومات الوراثية الكاملة عند الإنسان من خلال تحديد نوع وتسلسل الجينات
.genome الموجودة في الحقيبة الوراثية
بدأ تنفيذ مشروع الجينوم البشري عام ١٩٩٠ م وكان من المقرر أن ينتهي خلال خمسة عشر عا ما ٢٠٠٥ م، لكن
صفحة ١ من ٧ الجينوم البشري... كتاب مفتوح
دعم المشروع ماليا وتقنيا س رع في خطوات فك رموز المورثات وكذلك المشاركة الفعالة من عدة دول جعل له
أث را كبي را في التنافس مما بشر باكتماله والانتهاء منه ونشره كأطلس وراثي للخصائص والصفات البشرية، في
مساء ٢٦ يونيو من هذا العام ( ٢٠٠٠ م) وفي المربع المرفق لهذا المقال توضيح لاستراتيجية فك الجينوم لكل من
مشروع الجينوم البشري وجينوم سيليرا. والأول هو مشروع حكومي نفذه المعهد القومي للصحة في ولاية
ميريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يرأسه العالم فرانسيس كولينز وهو أي المعهد مؤسسة عالمية
تأسست عام ١٩٨٥ م بدعم من دول ومؤسسات بحوث علمية من إحدى عشرة دولة، وتساهم وزارتا الصحة
والطاقة الأمريكيتين بجزء مهم من التمويل، إضافة إلى معهد ويلكوم ترست البريطاني. أما شركة سيليرا
وهي من القطاع الخاص وأسسها العالم الأمريكي كريج فينستير فقد استخدمت Celera Genomecs جينوميكس
تقنية متطورة تختلف عن المشروع الحكومي.
أهداف المشروع:
الإنسان. DNA ١) التعرف على المائة ألف مورث (جين) في
٢) تحديد تسلسل الثلاثة بلايين صيغة كيميائية للكروموزومات.
٣) تخزين تلك المعلومات في قاعدة بيانات (معلومات).
٤) تطوير ذلك من خلال تحليل تلك المعلومات.
٥) تحويل تلك التقنيات إلى القطاع الخاص للاستفادة منها.
٦) متابعة الإصدارات الأخلاقية والتنظيمية والاجتماعية للمشروع.
هل في المشروع ثورة طبية؟!
لا يفرق كثير من الناس بين كون ما توصل إليه العلماء هو قراءة كتاب للمعلومات الوراثية
فقط لكن فهم هذا الكتاب واستيعابه وبالتالي الاستفادة القصوى من جميع معطياته يحتاج مزي دا
من التقصي والبحث ويحتاج مزي دا من الدعم المالي ومزي دا من المتخصصين والعلماء وهذا
هو الهدف البعيد لمشروع الجينوم البشري لذلك فإن هناك تهوي ً لا فيما يخص الناحية الطبية
لهذا المشروع وأنه ثورة طبية إذ سوف يقضي على جميع الأمراض الوراثية وأنه سيتحكم في الحد من أي
مرض ذي علاقة بالناحية الوراثية من حيث القابلية للإصابة بها مثل السرطان، قد يكون هو الخطوة الأولى
لبوابة العلاج أو الحد من هذه الأمراض لكن الانتهاء من المشروع نفسه لا يمثل ثورة طبية سحرية سوف تقضي
على جميع الأمراض وليس صحي حا أن معرفة مواقع الجينات للأمراض الوراثية سوف ينهي تلك الأمراض
الذي يموت بسببه ثمانون ألف Sickle cell anemia بدليل أن بعض تلك الأمراض مثل مرض الأنيميا المنجلية
وهو Thalassemia طفل كل عام وهو معروف ومن أشهر الأمراض الوراثية المتنحية وكذلك مرض الثالسيميا
من أكثر الأمراض الوراثية انتشا را في العالم وكلاهما - المنجلية والثالسيميا - قد أمكن التعرف على الج ين
المسبب لكل واحد منهما منذ ما يزيد على عشرين عا ما أي قبل بدء مشروع الجينوم بوقت طويل ومع ذلك لم
يكتشف لهما أي علاج حاسم وذي أثر فعال وسريع، ولا يمر شهر واحد من غير أن يظهر في وسائل الإعلام
خبر عن وجود جين أو سبب وراثي محتمل لأحد الأمراض وتبقى المعالجة بالمورثات طريًقا ل يس سه ً لا وإن
كان هو الموضة الطبية هذه الأيام وهو بحاجة إلى متخصصين من الدرجة الأولى بالبيولوجيا الجزيئية والهندسة
الوراثية.
صفحة ٢ من ٧ الجينوم البشري... كتاب مفتوح
إن ما سبق لا يقلل بأي شكل من الأشكال من أهمية هذا المشروع العملاق (مشروع الجينوم)، بل إنه يع د خطوة،
لها من المستقبل ما لها، وهي ذات أهمية علمية كبيرة ولكنها الخطوة التي يجب أن تتبعها خطوات والهمزة التي
يجب أن توصل إلى مزيد من الاكتشافات لكي تتم السيطرة على الأمراض الوراثية وهو بهذا يمكن اعتباره
الجزء الأول من الثروة الطبية أو البيولوجية الحديثة.
إن المجال الصحي لتطبيقات علم الوراثة مرتبط بما يعرف اليوم بالبيولوجيا الجزيئية الطبية أو الوراثة الطبية
وذلك من خلال:
صفحة ٣ من ٧ الجينوم البشري... كتاب مفتوح
١- تقنيات التحليل الوراثي:
باستخدام تقنيات حديثة للتحليل المخبري الدقيق للأمراض الوراثية والكشف المبكر عنها وعن غيرها من
الأمراض مستقب ً لا وكما يتبع ذلك استخدام تقنيات التحليل في الفحص قبل الزواج والاسترشاد الوراثي
الوقائي، ومن التقدم الملموس في الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية عند الأجنة هو محاولة معالجتها وراثيا
وهي لا تزال في مهدها حيث يمكن الآن معرفة التكوين الوراثي للجنين، لأن الجنين أثناء تكوينه يطرد بعض
وزراعتها في بيئة Amniocentesis خلاياه إلى السائل الأمينوتي، عند أخذ هذه الخلايا بطريقة تعرف باسم
صناعية وفحصها بواسطة الطبيب المختص فإنه يمكن معرفة وجود الكروموسومات الشاذة التي تؤدي إلى
chorionic villus تكوين تشوه وراثي للجنين، كما أنه يمكن تشخيص الأمراض الوراثية قبل الولادة بطريقة
حيث يتم أخذ عينة من خملات الكوريون.
:(Gene therapy) ٢- العلاج بالمورثات
معظم الأمراض الوراثية سببها جينات متنحية والأغلبية منها ترجع إلى طفرة تعطل جيًنا ينتج طبيعيا بروتينيا
ها ما. ومن هنا كانت فكرة المعالجة بالمورثات وذلك بإدخال جين إلى الكروموزوم في الخلية في موقع محدد
Down كروموزوم ( ٢١ ) البشري ويتضح زيادة الكروموزوم المسبب لمرض
Syndrom
صفحة ٤ من ٧ الجينوم البشري... كتاب مفتوح
والإدخال المحكم يزيد احتمالية أن المعالجة بالجينات تؤدي دو را صحي حا وأما الإدخال العشوائي فقد ينشط
جينات ورمية ساكنة.
توصيل الجينات يمكن أن يتم بطرق كيميائية أو فيزيائية أو بالفيروسات: في الاتجاه الكيميائي يتم دمج عدة نسخ
أو ليبيدات محددة، ثم يفرغ dextran DEAE الحامل للجين السليم بمادة مثل فوسفات الكالسيوم DNA من
ذلك في الخلية المستقبلية حيث تعمل المادة الكيميائية على تحطيم غشاء الخلية وتنقل المادة الوراثية إلى الداخل.
ويستخدم لذلك ماصة ع لى microingection والطريقة الأخرى لتوصيل الجينات هي طريقة الحقن المجهري
حيث يتم دخول المادة الوراثية إلى السيتوبلازم أو النواة electro poration شكل إبرة دقيقة ج دا تعمل بطريقة
والطريقة الأكثر مثو ً لا وتطبيًقا هي طريقة استخدام الفيروسات كنواقل أو عربات شحن في النقل الجيني. وهناك
وبين الاثنين اختلافات كيميائية وكلاهما يتكونان RNA والنوع الآخر DNA نوعان من الفيروسات أحدهما
من وحدات نيوكيلوتيدة، وكلاهما يشمل شفرات منتظمة بالإضافة إلى تسلسل دقيق للقواعد النيتروجينية، ومعظم
الخلايا البشرية DNA لا يستطيع أن يرتبط ب RNA غير مناسبة لعلاج الجينات بسبب أن RNA الفيروسات
.DNA إلى RNA حيث بإمكانها تحويل Vetroviruses ما عدا فيروسات
صفحة ٥ من ٧ الجينوم البشري... كتاب مفتوح
(الجينوم) والأخلاقيات:
إن النطفة الأمشاج التي يخلق الله منها الجنين يكون مقد را فيها كل أجهزة الجنين شك ً لا ووظي فة
وذلك على مستوى المورثات (الجينات) هذا التقدير في النطفة يعرف في علم الأجنة بالتحديد
المسبق والبرمجة الجينية الداخلية حيث تتحدد داخليا خصائص وميزات الخلايا قبل ظهورها شك ً لا
ووظيفة والسؤال المطروح: لماذا يختلف البشر عن بعضهم البعض ر غم أن الجميع من آدم
وحواء؟! تجيب على هذا السؤال النظرية الحديثة في التمايز الخلوي وهي أنه في حالة تمايز خلية
من الخلايا فإن الخلية يلحقها تنشيط لبعض الجينات دون الأخرى (ويحدث تثبيط لبعض الجينات) بمعنى
ما عدا الجزء المسؤول عن صفات الخلية Inactive genes أن جميع الجينات تصبح مثبطة وغير نشطة
المتمايزة أي أن كل خلية بشرية بها جميع الصفات البشرية لكنها تظهر عند أناس وتختفي عند آخرين. وعلى
ضوء هذا فإن الله سبحانه وتعالى جعل الناس شعوبا وقبائل مختلفين في اللون والأشكال والصفات قال تعالى:
(أََلم َتر أَ ن اللَّ ه أَنزلَ مِ ن ال سمآءِ مآ ء َفأَ ْ خ ر جَنا بِهِ ثَمراتٍ م ْ خَتلًِفا أَْل واُن ها ومِ ن الْجِبالِ جد د بِ ي ض و ح م ر
مخْتَلِ ٌ ف أَْل واُن ها و َ غرابِي ب سو د * ومِ ن النَّاسِ وال د وآ ب والأَنْعامِ مخْتَلِ ٌ ف أَْل واُنه) فاطر ( ٢٨،٢٧ ). وأصبح هناك
ما يعرف بالمجموعات البشرية فالصينيون غير الأوربيين وهم كذلك غير العرب كما أن الأفارقة مجموعة
بشرية مختلفة وفي هذا من الآيات ما لا يحصى وينسحب هذا التنوع على الأمراض الوراثية فهناك أمراض
تكون في مجموعة بشرية أكثر انتشا را عنها في مجموعة أخرى وهكذا فإن المخزون الوراثي البشري (الحقيبة
الوراثية) تظهر بع ضا من خصائصها في مجموعة وتظهر خصائص أخرى في مجموعة بشرية أخرى وهذا ما
يجعل الخطوة الثانية بعد تحديد هذا الجينوم العام تتمثل بتحديد الصفات الخاصة بكل مجموعة بشرية خاصة ما
له علاقة بالأمراض الوراثية بل إن المجموعة البشرية الواحدة تحتاج إلى مزيد من فك الدلالات الوراثية فيما
يخص المرض الواحد فمث ً لا فقر الدم الوراثي لا يرتبط باعتلال جين من نوع معين بل إن له أكثر من مائتي
اعتلال للحمض النووي فحتى تتم الاستفادة من تقنية المعالجة بالمورثات يستلزم معرفة المورثات المعطو بة
ليمكن التعامل معها ومعالجتها.
صفحة ٦ من ٧ الجينوم البشري... كتاب مفتوح
إن الانحراف الأخلاقي في التعامل مع الجينوم البشري يأتي بالدرجة الأولى في حصر الاستفادة منه فيما
يخص العالم الأول وإهمال بقية الشعوب خاصة تلك الشعوب التي تعاني من الأمراض الوراثية الكبيرة كما أن
فك الدلالات الوراثية للمجموعات البشرية مستقب ً لا قد يجعل التفكير وار دا في اللعب بالمورثات البشرية؛ لذلك
كان التحذير في المعاهدات واستحداث فقرة في المشروع ألا وهي متابعة الإصدارات الأخلاقية والتنظيم ية
والاجتماعية للمشروع حتى لا تنعدم الأخلاق فيكون هناك من يفكر في إعادة برمجة الجنس البشري أو يخلط
.( بين الكائنات الحية وينطبق عليهم بالتالي قول الله تعالى: (ولآ مرنَّ هم فَلَيغَي رن َ خلْ َ ق اللَّهِ) النساء ( ١١٩
الجينوم البشري .. كتاب الحياة:
وذكر بأنه Malt Ridley لمؤلفه Genome كتاب DEANH.Hamer استعرض عالم البيولوجيا الجزيئية
من الكتب الرائدة في هذا المجال وعقب في نهاية استعراضه قائ ً لا عن الطاقم الوراثي أو الحقيبة الوراثية (
الجينوم) ببساطة هو المجموعة الكاملة للمورثات الموجودة في ٢٣ زو جا من ) :(Genome
الكروموزومات ومشروع الجينوم ليس إلا خطة استراتيجية للمخزون للتأكد من حل الشفرات
الوراثية، لكن آخرين من الناس يفهمون الجينوم بصورة مبالغ فيها أو تتسم بالمبالغة والتفخ يم ويطل قون
إن Book of life مخطط البشرية) أو أنه كتاب الحياة ) (Human Blueprint) عليه بالتالي اسم
الجينوم (الطاقم الوراثي) هو البداية لفهم الحياة والطريقة الجديدة لعمل علوم الحياة والطريقة الصحيحة
للتعامل مع الأمراض والكشف عن كنهها، كما أنه يساعد على المقارنة بين الكائنات الحية بل ه و في
الحقيقة قراءة صحيحة لأنفسنا بني البشر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق