تشريع الانتداب الامريكي للعراق
رأي القدس
رأي القدس
28/11/2008
ضمنت حكومة السيد نوري المالكي والائتلاف الداعم لها في البرلمان ثلاث سنوات اخرى من البقاء في الحكم بعد اقرار البرلمان العراقي امس للاتفاقية الامنية التي تنظم وجود القوات الامريكية في العراق. فهذه الحكومة قد تجد من الصعوبة بمكان الاستمرار في الحكم دون وجود هذه القوات.
التيار الصدري الذي عارض هذه الاتفاقية، وأسمع نوابه صوتهم عاليا اثناء التصويت عليها، وجد نفسه وحيدا، بعد ان تراجعت الكتل الاخرى عن معارضتها فور تجاوب الحكومة مع مطالبها وشروطها المتمثلة في ما اطلقت عليه وثيقة الاصلاحات، واجراء استفتاء شعبي على الاتفاقية في تموز (يوليو) المقبل.
العراق بات الآن تحت الانتداب الامريكي باشكاله كافة لثلاث سنوات قادمة قابلة للتمديد حسب الظروف، ولكن لا احد يستطيع ان يتنبأ كيف ستكون عليه هذه السنوات، وما اذا كانت القوات الامريكية ستستطيع الصمود اذا ما قررت التيارات الرافضة للاتفاقية بشقيها الشيعي والسني الاقدام على اعمال عسكرية.
المعارضون للاتفاقية يشككون في شرعيتها، لانها حظيت بالتصديق من قبل حكومة وبرلمان لا يتمتعان بالسيادة، لان البلاد خاضعة للاحتلال الامريكي، ولهذا فان أي اتفاق او معاهدة ربما لا يكونان ملزمين للشعب العراقي او الحكومات المقبلة، مثلما تنص بنود معاهدة جنيف الدولية.
ثقوب كثيرة في هذه الاتفاقية يمكن ان تشكل مصادر توتر في المستقبل، خاصة البنود المتعلقة بالحصانة للقوات الامريكية، وامكانية استخدام هذه القوات للعراق كنقطة انطلاق لشن هجوم على دول الجوار مثل سورية وايران. فالاتفاقية تنص على تقديم الحماية للحكومة العراقية ضد اي اخطار داخلية او خارجية، داخلية مثل تنظيم 'القاعدة' وبقايا البعث والخارجين على القانون، وهذه كلها تعبيرات قد تشمل الشعب العراقي بأسره او اجزاء كبيرة منه.
من المؤكد ان ادارة الرئيس جورج بوش حققت انجازا كبيرا باقرار هذه الاتفاقية من قبل البرلمان العراقي، لانها ضمنت صيغة تنقذ ماء وجه بلادها بعد ان اصبح استمرار وجود القوات الامريكية في العراق باهظ التكاليف ماديا وبشريا، وان انسحابها بات مسألة وقت لا اكثر ولا اقل.
بمعنى آخر فان القوات الامريكية لن تضطر الى الانسحاب مهزومة ومرتبكة مثلما كان عليه حالها بعد هزيمة فيتنام. وتستطيع ان تنسحب في اي وقت الان وتقول ان ذلك تنفيذ لهذه الاتفاقية الامنية.
نشك ان تتمكن الحكومة الحالية وتحالفها في الاستمرار في الحكم يوما واحدا في حال انسحاب القوات الامريكية، لان الجيش العراقي الذي من المفترض ان يتسلم المهام الامنية بعد اي انسحاب امريكي هو جيش طائفي، وعبارة عن محاصصة طائفية وعرقية بين الاكراد والعرب الشيعة. فالعراق بحاجة الى جيش وطني يمثل كل الوان الطيف العراقي.
وضع العراق بعد اقرار هذه الاتفاقية قد لا يكون افضل مما عليه الحال قبلها، بل ربما يزداد سوءا، لان المقاومة موجودة، ومرشحة للتصاعد، ولن يكون مفاجئا اذا ما شاهدنا بوادر وحدة بين المقاومتين السنية والشيعية على ارضية هذه الاتفاقية.
ويظل من الجائز القول ان تغييرا في الموقف الايراني، او بالاحرى تخفيف حدة المعارضة الايرانية لهذه الاتفاقية هو الذي ساهم بدور كبير في مرورها عبر البرلمان، والا لما تجرأ التحالف الحاكم على حشد كل هذا التأييد لها.
فهل هذا يعني مقدمة تفاهم امريكي ـ ايراني ينطلق من العراق، أم ان الرهانات الايرانية في هذا الصدد قد تكون في غير محلها؟
الايام المقبلة ستجيب على هذا السؤال وغيره.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق