بعد انتخاب أوباما: العرب في انتظار غودو.. الذي لا يأتي ابدا
د. عماد عبد الرازق
د. عماد عبد الرازق
24/11/2008
الخلل هنا ليس في مواقف هؤلاء ولكن في ذلك المرض المزمن الذي أصاب الجسم العربي، وجعل من العرب في حالة موات وانتظار دائم للمخلص، المنقذ الذي سيأتي على جواده شاهرا سيف العدل لينصفهم من هذا الظلم البين. هذا لم يحدث أبدا على مر التاريخ الحديث من أي رئيس أو إدارة أمريكية، وبالتأكيد لن يحدث مع باراك أوباما. ونظرة سريعة على مواقفه التي أبداها أثناء الحملة الانتخابية تؤكد هذا. لقد ذهب في محاولته استرضاء اللوبي اليهودي وكسب تأييده في خطابه الذي ألقاه أمام مؤتمر 'إيباك' للجماعات اليهودية، حيث أعلن أنه يؤيد بقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. وأكثر من هذا بلغ أوباما حد الابتذال في محاولته تدليك مشاعر اليهود حيث زعم ان اسمه 'باراك' باللغة السواحيلي التي تتحدثها كينيا وبلدان إفريقية أخرى، هو نفسه المعادل لأسم 'باروخ' العبري. وهل ننسى زيارته للأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية فقط) التي لم تستغرق بضع ساعات في ما مقابل زيارته لإسرائيل لعدة أيام. لم يشأ الرجل حتى أن تحوم حوله أدنى شبهة في أنه متعاطف مجرد تعاطف مع الفلسطينيين، وهو الذي كان يدفع عن نفسه آنذاك حملات التشهير والابتزاز من اليمين الأمريكي المتعصب بأنه مسلم متنكر في عباءة المسيحية،. أي أنه وضع نفسه منذ البداية وقبل انتخابه في موقف دفاعي ابتزازي وعليه أن يواصل دائما إثبات حسن النوايا وأن يؤكد ولاءاته. وليس هناك من أي سبب يجعلنا نعتقد أن هذا سوف يتغير وقد بات رئيسا. وحتى مع أكثر التقديرات تفاؤلا وافتراض حسن النوايا، لا يمكن لعاقل أن يتصور أن سلام الشرق الأوسط او السلام الإسرائيلي الفلسطيني المأسوف عليه أو 'القضية الفلسطينية' سيكون من بين أولويات الإدارة الجديدة. من المؤكد انه سيأتي في مؤخرة الأولويات، بعد الاقتصاد الأمريكي المتجه سريعا نحو الركود، والأزمة المالية العالمية المستحكمة، والعراق بحربه التي ما تزل جرحا يستنزف الميزانية الأمريكية، واتفاقيته الأمنية المستعصية، وواقعه السياسي الهش، وخاصة مع كل الوعود التي أغدقها أوباما في الحملة الانتخابية بالانسحاب في غضون شهور. ولن يأتي سلام الشرق الأوسط قبل الحرب في أفغانستان وبالتأكيد لن يتقدم السلام على إيران وملفها النووي، ولا على العلاقات مع روسيا العائدة بقوة وعدوانية واضحة الى المسرح الدولي كخصم وند للهيمنة الأمريكية. ولا حاجة بنا هنا لرجم الغيب او ضرب الودع او قراءة الكف، يكفي أن نعود الى الحملة الانتخابية، ففي المناظرات الثلاث التي جمعت أوباما ومنافسه الجمهوري جون ماكين لم يأت ذكر السلام الإسرائيلي الفلسطيني مرة واحدة. جاء ذكر إسرائيل بالطبع مرارا في سياق التهديد المباشر الذي تمثله إيران النووية لها.
أما آن للعرب أن يفيقوا من سباتهم؟ كيف نتوقع من أي بلد في العالم أن يتبنى قضايانا ونحن لا نفعل أي شيء من أجلها. هل من بلد أو نظام عربي واحد تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياته؟ مصر الغارقة حتى أذنيها بسيناريوهات التوريث، والنهب المنظم لثروات البلد وبيع أصولها بالجملة والقطاعي، والدفع بمزيد من المصريين كل يوم وكل ساعة الى ما تحت خط الفقر. مصر هذه تطبق الحصار على غزة بهمة وتعنت ومغالاة لا يفوقها سوى تطبيق إسرائيل نفسها له. هل يعتقد أحد أن القضية الفلسطينية من بين أولويات النظام السعودي مثلا؟ أعطونا دليلا واحدا على ذلك. هل بقية دول الخليج العربي معنية بالقضية الفلسطينية؟ (بأمارة إيه؟) أو النظام السوداني المأزوم؟ أو النظام السوري المحاصر عربيا؟ أو النظام الليبي الذي طلق العروبة وتزوج إفريقيا، ويعيش حالة غزل فاضح مع أمريكا؟ أم جامعة عمرو موسى العربية؟ كم مرة زار موسى الضفة الغربية (ولا نقول غزة) مقابل زياراته المكوكية للبنان؟
هل من إنسان عاقل يمكن أن يتصور أن الرئيس الأمريكي ايا كان اسمه، يمكن ان ينحاز الى محمود عباس او أحمد قريع ضد تسيبي ليفني او بنيامين نتانياهو؟ هل يمكن تصور ان ينصف رئيس امريكي السلطة الفلسطينية المتداعية التي تحيا على المعونات الأمريكية والأوروبية على إسرائيل الحليف الأقوى لأمريكا في الشرق الأوسط؟ لقد سبق لديفيد ولش، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط ان عبر عن ذلك بوضوح لا لبس فيه، في معرض رده على سؤال من مشاهد خلال برنامج تليفزيوني أمريكي على شبكة 'سي سبان' الحكومية كان هو ضيفه، حيث انتقد المشاهد انحياز أمريكا لإسرائيل، قال ولش 'هذه السياسات التي نتبعها لم تأت من فراغ، بل إنها تحظى بإجماع وتأييد الشعب الأمريكي واعضاء الكونغرس الذين ينتخبهم الشعب الأمريكي.
سيظل العرب مثل فلادمير واستراغون، بطلي مسرحية صمويل بيكت 'في انتظار غودو' في حالة انتظار أبدي للمخلص الذي لا يأتي أبدا.
وراء كل فاشل.. إمرأة أيضا
أما وقد هدأ غبار الحملة الانتخابية الأمريكية، لا يمكن إلا أن نتوقف عند الدور الذي لعبته مرشحة الحزب الجمهوري لمنصب نائب الرئيس سارة بيلين، ليس فقط في هزيمة جون ماكين، بل وبما اضفته على الحملة من نكهة خاصة من خلال خلطة عجيبة غريبة من التسلية والترفيه والسخرية والمواقف والتصريحات التي كشفت عن جهلها العظيم، وكم كانت بكل هذا مصدرا لا ينضب من النوادر والحماقات لإمتاع ملايين الأمريكيين منذ ان قفزت الى مسرح الأحداث. فقد التقط برنامج كوميدي باسم 'سهرة ليلة السبت ''SATURDAY NIGHT LIVE هذه الشخصية المثيرة وخصص لها عدة حلقات بعد أن عثر على ممثلة موهوبة تشبهها الى حد كبير، وقد نتج عن ذلك ارتفاع نسبة مشاهدة البرنامج إلى أرقام فلكية. ومع النجاح الساحق للبرنامج تفتق ذهن سارة عن حيلة ذكية، فقررت الظهور بشحمها ولحمها في إحدى حلقاته، على طريقة 'If you cannot beat them, join them' ، وبالفعل نجح ذلك الى حد ما في التخفيف من حدة الضرر الذي لحق بصورتها في الحملة الانتخابية، وإن لم ينقذها من المصير المحتوم لا هي ولا ماكين.
نوادر سارة بيلين كانت لا تعد ولا تحصى. ففي بداية الحملة حين انتقدها البعض لجهلها بالسياسة الخارجية، قالت حاكمة ألاسكا في معرض ردها 'نحن في ألاسكا قريبون من روسيا'، وهذا بالطبع يتيح لها الاطلاع وبالأحرى 'التلصص' على ما يدبره الروس الملاعين. وفي موضع آخر قالت إنها تريد ان يتمتع منصب نائب الرئيس الأمريكي بصلاحيات أوسع من مجرد رئاسة جلسات مجلس الشيوخ. وهي مهمة اخترعتها للنائب من عندها. كان اختيار ماكين لها خطأ فادحا دفع ثمنه غاليا. فقد أراد ماكين من وراء اختياره لها استرضاء قاعدة المحافظين في الحزب الجمهوري، وهؤلاء لا يكنون ودا كبيرا لماكين لأنهم لا يرون فيه محافظا بالقدر الكافي بل هو في نظرهم يميل الى الجناح الليبرالي ولا يشاطرهم التعصب المسيحي الذي عرفوا به. وقد كان له ما أراد بالفعل في هذه الحدود، فقط حظيت سارة بشعبية هائلة وسط جموع المحافظين. لكن الهدف الثاني الذي حلم ان يحققه ماكين من وراء اختياره لها، كان اجتذاب اصوات النساء خاصة الملايين من أنصار هيلاري كلينتون واللواتي ظلت نسبة كبيرة منهن مترددات في تأييد أوباما. وتلك كانت حماقة أخرى من ماكين، وحسب تعبير المخرج السينمائي مايكل مور، فإن اختيار سارة بيلين في هذا السياق إنما يكشف عن النظرة الدونية التي يكنها الجمهوريون للمرأة على اساس انهن من الغفلة بحيث أن مجرد ترشيح إمرأة سيضمن اصواتهن، رغم البون الشاسع بين هيلاري وسارة، في التوجهات والقناعات الفكرية والانتماءات والأجندة والسجل السياسي. لقد اختار ماكين سارة بيلين بعد أن عقد معها لقاء واحدا وحيدا لساعتين، وهذا هو عمر تعرفه عليها، وكان كلما اشتد الهجوم عليها زاد هو دفاعا عنها وتشبثا بها، وهو المعروف اصلا بعناده، الى حد وصفه لها بأنها أفضل حاكم ولاية في أمريكا، وخلع عليها لقب الخبيرة التي لا تضاهى في شؤون الطاقة، بسبب إدارتها الثروة النفطية في ألاسكا. جمهور سارة بيلين لم يكن يقل عنها خطلا وحماقة ولا ضحالة، وكانوا دائما جاهزين لابتلاع كل أنواع (البروباغندا) السلبية التي يبثها الإعلام اليميني وتصديقها كحقائق لا يرقى اليها الشك، عبر عشرات المحطات الإذاعية والقنوات المحلية ومواقع الإنترنت لتشويه صورة أوباما واتهامه بكل الموبقات من مصادقة الارهابيين وإنتمائه للإسلام وليس انتهاء بعدائه لإسرائيل (روج أحدهم أن انتخاب أوباما يعني فناء إسرائيل). ومن أمثلة ذلك استخدام علاقة أوباما بالقس الأسود المتطرف في هجومه على أمريكا جيرمايا رايت (يقول في إحدى عظاته التي دأبت القنوات التليفزيونية على بثها: 'لا تقل بارك الله أمريكا، بل قل لعنة الله على أمريكا')، وتساءل هؤلاء كيف ان أوباما ظل يحضر عظات القس أسبوعيا طوال عشرين عاما، وكان صديقا للعائلة، وقام بتعميد ابنتيه، ثم يزعم أنه لم يحدث ابدا ان سمع هذه الهجمات المقذعة على أمريكا؟ نفس هؤلاء هم من ظلوا يروجون أن أوباما مسلم، حتى أن سبعة وعشرين في المئة من سكان ولاية تكساس يعتقدون جازمين انه مسلم. والمفارقة ان ماكين الذي لم يعرف عنه تدينه أبدا ولا تردده على الكنيسة اعتبر مسيحيا مخلصا، وأوباما الذي يتردد على الكنيسة منذ نعومة أظافره، اعتبر مسلما متخفيا. فأمريكا بلد العجائب حقا. وحين فشلت حكاية القس، نبشوا قصة أخرى عن علاقة أوباما بالأكاديمي الأمريكي الفلسطيني رشيد خليلي، ووصفوه بأنه كان ممثلا لمنظمة التحرير الفلسطينية حين كانت أمريكا تعتبرها منظمة إرهابية (وهي معلومة غير دقيقة)، واشارت بيلين في إحدى جولاتها الانتخابية أن أوباما حضر لقاء شن فيه خليلي هجوما على إسرائيل، وفي هذا اللقاء تم تصوير إسرائيل على أنها المعتدي الغاشم اما الفلسطينيون هم الضحية (يا حرام). لقد خسر ماكين بمجرد اختياره بيلين نسبة لا بأس بها من المستقلين الذي كان يعول على تأييدهم، وايضا جانبا من خلصاء الحزب الجمهوري، وقد عبر بعض هؤلاء عن استيائهم مؤكدين أنهم لن يصوتوا له. فكيف لرجل في الثانية والسبعين من عمره وعولج من سرطان الجلد أربع مرات، ومن ثم فهو عرضة للأخطار في أي لحظة اثناء فترة توليه الرئاسة (ما لا يقل عن أربعة رؤساء أمريكيين سابقين ماتوا اثناء الرئاسة)، ليترك إمرأة على هذا القدر من الجهل بالسياسة الخارجية وافتقاد الخبرة في واشنطن وآليات عمل المؤسسات السياسية في منصب الرئيس. وفي هذا ذهب أحد المعلقين الى اعتبار أن سن ماكين يعد عنصرا أكثر سلبية من حيث فرص انتخابه، من لون بشرة أوباما. بعد انتهاء الحملة الانتخابية ظهرت الى العلن كل التصدعات التي كانت خافية في الكواليس، واتهم بعض مسؤولي الحملة بيلين بأنها كانت مهتمة في المقام الأول بمستقبلها السياسي على حساب الترويج لماكين، ولم تكن تنصت لنصائح المستشارين، وخاصة أنها لم تخف طموحها في الترشح للرئاسة عام 1912. واتهمها آخرون بالجهل المطبق فقال أحدهم: 'هذه المرأة لم تهتم بأي قضية أو جدل سياسي في أمريكا في طوال الخمسة عشر عاما الأخير
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق