شهادة بخيانة حكام المؤامرات العبرية
وضعت الاحتجاجات التي اندلعت في إيران أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي البلاد على مسار يتجاوز الأزمة الداخلية، وفتحت باب التصعيد السياسي والإعلامي مع الولايات المتحدة، وكشفت في الوقت نفسه عن طبقة أعمق من الاستعدادات التي بُنيت بعيدًا عن الأضواء داخل المدن والأحياء والقرى.
وبينما انشغل العالم بحسابات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وحاملات الطائرات المتجهة إلى الخليج، كانت طهران تُراكم عنصرًا آخر من عناصر القوة، أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا في سيناريوهات الحرب الشاملة.
بدأت الاحتجاجات من تجار “البازار الكبير” في طهران في 28 ديسمبر/ كانون الأول، وتحوّلت سريعًا من مطالب اقتصادية إلى اضطرابات واسعة امتدت إلى مناطق ريفية ومحافظات غربية، ثم وصلت إلى العاصمة في يناير/ كانون الثاني.
واتخذت السلطات إجراءات استثنائية شملت قطع الإنترنت والاتصالات الهاتفية، في مؤشر على إدراك مبكر لطبيعة المرحلة وحساسيتها الأمنية.
ودخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة بتصريحات مباشرة صدرت عن الرئيس دونالد ترامب، حذّر فيها من ردّ قاسٍ في حال سقوط قتلى بين المتظاهرين.
وتراجعت الاحتجاجات لاحقًا، غير أن الجدل استمر مع تضارب واسع في أرقام الضحايا بين تقديرات نشرتها وسائل إعلام غربية وأخرى أعلنتها جهات رسمية إيرانية، ما أبقى احتمال التصعيد الخارجي قائمًا.
وأعلنت واشنطن لاحقًا إرسال حاملة طائرات وقوات جوية إضافية إلى المنطقة، فيما تحدثت تقارير أمريكية عن تقييمات عسكرية رأت أن القدرات المتاحة غير كافية لهجوم واسع النطاق دون كلفة مرتفعة.
ومع ذلك، أبقى ترامب الخيار العسكري مطروحًا، قائلًا إن “الخيار العسكري خارج الحسابات السياسية اليومية”، بالتوازي مع حديثه عن إمكان التفاوض.
وركزت التحليلات الغربية على القدرات الصاروخية الإيرانية واحتمالات استهداف قواعد أمريكية أو مواقع استراتيجية في إسرائيل، وقدّمت هذه القدرات باعتبارها جوهر الردع الإيراني.
غير أن هذه المقاربة، وفق قراءة داخلية إيرانية، تغفل عن عنصر آخر أكثر تعقيدًا يتمثل في الجبهة الداخلية وإدارتها في زمن الحرب.
وقال الكاتب الإيراني نور الدين شامين إن “الدولة الإيرانية بنت منذ سنوات تصورًا مختلفًا لمعنى الحرب، يقوم على أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الداخل قبل الخارج. الصواريخ مهمة، لكن ضبط الشارع، وتأمين الأحياء، ومنع الانهيار الاجتماعي، تمثل السلاح الأثقل في أي صراع طويل الأمد”.
وأضاف أن “ما جرى خلال الاحتجاجات الأخيرة كشف أن طهران تعاملت مع المشهد باعتباره تدريبًا عمليًا على أسوأ السيناريوهات”.
وبحسب هذه القراءة، شرعت إيران في بناء منظومة دفاع داخلي طويلة الأمد تستند إلى تنظيم اجتماعي–عسكري واسع الانتشار، قادر على التحرك السريع في الأحياء والقرى، خارج القوالب العسكرية التقليدية. وتمثلت هذه المنظومة في قوات “الباسيج” التابعة للحرس الثوري، التي جرى تطويرها لتكون خط الدفاع الأول ضد التمرد الداخلي في زمن الحرب.
وتعمل الباسيج وفق بنية تنظيمية هرمية تغطي كامل الجغرافيا الإيرانية، من العاصمة إلى القرى النائية. وقُسمت المدن إلى “مناطق مقاومة”، ثم إلى “أحياء مقاومة”، وصولًا إلى “محطات مقاومة” صغيرة تضمّ مجموعات منظمة تختلف في العدد والاختصاص.
وانتشرت هذه المراكز في المساجد، والمدارس، والجامعات، والمصانع، والأحياء السكنية، بما يتيح سرعة الانتشار والسيطرة الميدانية.
وتوسعت مهام هذه القوة لتشمل وحدات متخصصة لمكافحة التمرد، وأخرى لحماية المنشآت الحيوية، ووحدات مخصصة للنساء، إضافة إلى فرق تدخل سريع تمتلك صلاحيات واسعة في حالات الطوارئ.
وربطت هذه الوحدات بشبكات اتصالات داخلية مغلقة، تسمح بانتقال الأوامر من القيادة إلى الميدان خلال وقت قصير.
واستُخدمت هذه البنية، وفق مصادر متابعة، بكثافة خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، حيث لعبت دورًا محوريًا في السيطرة على الشوارع، والحدّ من الهجمات التي انطلقت من الداخل.
وأسهمت سرعة التنظيم والتواصل في خفض مستوى التهديد الداخلي خلال أيام.
ويرى المحلل السياسي من قطر د. خالد حماد أن “واشنطن تدرك أن التحدي الإيراني لا يتوقف عند منصات إطلاق الصواريخ. المشكلة الحقيقية تكمن في قدرة الدولة على امتصاص الصدمة داخليًا ومنع تفكك الجبهة الداخلية، وهو ما فشلت فيه دول كثيرة تعرّضت لتدخلات عسكرية خارجية”.
وأضاف أن “إيران تقدّم نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات، يقوم على دمج الأمن بالمجتمع، وليس فصله عنه”.
ويفترض المخططون الإيرانيون احتمالين رئيسيين في حال اندلاع مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة. يتمثل الأول في اندلاع انتفاضات داخلية متزامنة مع الضربات الخارجية، مدفوعة بعوامل اقتصادية وسياسية ودعم خارجي محتمل.
ويتمثل الثاني في التفاف شرائح اجتماعية واسعة، بما فيها قوى إصلاحية وعلمانية وقبلية، حول الدولة في مواجهة الهجوم الأجنبي، ما يحدّ من فرص التمرد.
وفي كلا السيناريوهين، تُعدّ الباسيج الأداة الحاسمة في ضبط الداخل، عبر القمع السريع أو ملء الفراغ الأمني ومنع تحوّل الاضطرابات إلى فوضى شاملة.
ويُنظر إلى هذه القوة بوصفها مكمّلة للجيش والشرطة في إطار تصوّر أوسع للأمن الوطني.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ما تخشاه واشنطن في أي مواجهة مقبلة يتجاوز الصواريخ والطائرات المسيّرة، ليصل إلى قدرة إيران على الصمود الداخلي وإدارة الجبهة الداخلية في أقسى الظروف، وهي قدرة جرى بناؤها تدريجيًا، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، داخل النسيج الاجتماعي نفسه.
وتكشف هذه الصورة أن أي حرب مقبلة ستتحول إلى اختبار لمنظومات داخلية أُعدت بعناية، وقد تعيد رسم معادلات الصراع خارج الحسابات العسكرية الكلاسيكية.