понеділок, грудня 27, 2010

الرد على المرتد خالد متنصر

في البداية علي أن أقدر في الدكتور خالد منتصر روح العلمية والعقلانية التي تتلبسه في كثير مما يكتب ، وهي روح مطلوبة ولازمة بل وملحة في وقتنا الراهن أكثر من أي وقت مضى .. فتلك الروح مناهضة للخرافة ومعادية للجمود ومنافية للتراجع ، ولا يملك المتابع لما يكتب سوى أن يعده واحداً من ( فرسان العقل ) الذين ينتظرهم هو ويستعجل وصولهم كمن ينتظر ( المهدي ) وكأنه حول الغائب الذي يتوق بعض الناس إليه ليملأ الدنيا عدلاً كما ملأت جوراً من ( إمام غائب ) إلى ( عقل غائب ) سيملأ الدنيا علماً كما ملأت خرافة وجهلاً !

لكننا على الرغم من تأكيدنا على أهمية وضرورة إعمال العقلانية والمنطقية في أمور الحياة ، فإننا نؤكد أيضاً على أن العقلانية ليست وحدها هي الفيصل خاصة في الكثير من قضايا العقيدة والدين ، لذا لابد أن نحذر من بريق العقلانية اللامع الذي قد يخطف الأبصار .. بل قد يخدعها إذا سار وحده في دروب الحياة وما بعد الحياة ، فمع العقلانية هناك مصادر أخرى للتعرف على الغيب والخوارق والمعجزات ..

وقد لفت نظري في آخر ما قرأت للدكتور خالد منتصر في جريدة المصري اليوم حول موضوع الإعجاز العلمي في القرآن أنه توصل إلى قناعات ظنية حولها إلى مسلمات يقينية لا مجال فيها للمراجعة أو إعادة النظر ، وهذا موقف أراه يتنافى مع روح العلمية والمنطقية التي يتحلى بها في كتاباته ، ذلك أن موقفه من قضية الإعجاز العلمي يمكن أن يبنى على افتراضين الأول هو رفض مبدأ الإعجاز العلمي في القرآن رفضاً مطلقاً ، بمعنى أنه ليس هناك إعجاز علمي في النص القرآني ، والافتراض الثاني هو رفض التعسف والتكلف في استخدام مفهوم الإعجاز العلمي على نصوص القرآن من بعض العلماء لكن مع الإيمان بوجود هذا الاعجاز العلمي في القرآن ، وأغلب الظن – وبعض الظن حقيقة – أن الدكتور خالد قد انطلق في موقفه من الافتراض الأول الذي يرفض بالكلية وجود إعجاز علمي في القرآن الكريم وقد بنى ذلك على ما كتبه فضيلة الشيخ شلتوت أو بعض ما توصل إليه من قناعات وأفكار ، وخلاصة هذه الأفكار هي أن العلم متغير وهو نتاج جهد بشري يصيب ويخطئ ولا يمكن أن نقارن ما يتوصل إليه العلم مع النص القرآني الإلهي الثابت .

وأول ما يمكن أن نلاحظه – خاصة في مجال البحث العلمي – هو ضرورة استقراء واستعراض كل الآراء أو معظمها على الأقل سواء المعارض منها لرأي الباحث أوالموافق له ، وألا نكتفي بذكر رأي أحادي مهما كانت قيمة وصحة هذا الرأي خاصة في القضايا الكبرى التي تمس جوهر ثقافة الأمة وموروث المجتمع ، فموضوع الإعجاز العلمي في القرآن تناوله كثير من العلماء والمفسرين وطرحوا من خلاله العديد من الآراء الملفتة والهامة فكان الأجدر بنا استقراء بعض هذه الآراء في القديم والحديث وليس الاقتصار على ما طرحه فضيلة الشيخ شلتوت مع وجاهة ما طرحه وصدق نيته .

وثانياً علينا العودة بإيجاز إلى تاريخ إعجاز القرآن عامة لنجد أن البحث فيه قد تزامن مع نزول النص القرآني في أولياته بما كان يثيره من دهشة وتساؤلات لدى المتلقين له من مؤمنين له أو كافرين به ، واستمرت هذه التساؤلات بعد أن انقطع الوحي واكتمل النص القرآني ، وتحولت هذه التساؤلات المشروعة إلى نسق عام انتظمت فيه وتتابعت لدى العلماء لتؤسس علوماً فيما بعد ، فخرج من هذا النسق علم تفسير القرآن الكريم ، وعلم الفقه وأصوله ، وعلم التشريع ، بل وخرجت منه علوم اللغة والبلاغة كالنحو والصرف والبيان والبديع والمعاني ، واستقلت كل هذه العلوم بمناهجها وأفكارها لتصبح علامة من علامات الثقافة العربية والإسلامية في كل العصور .

ثم بقيت قضايا الإعجاز نفسه وما يتعلق به محاطة باهتمام العلماء على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم ، وتبلورت تلك القضايا في ( علم إعجاز القرآن الكريم ) ، وصحيح أن اهتمام هؤلاء العلماء وغيرهم في تلك المراحل الأولى كان منصباً وبالدرجة الأولى على ما يمكن أن نسميه ( الإعجاز البياني أو البلاغي أو اللغوي ) للقرآن لكن ذلك لم يمنعهم من التأكيد على وجود نواحي ووجوه مختلفة للإعجاز الذي قد يتعلق بالتشريع أو بالتاريخ أو بقضايا علمية أخرى

فمن الحق ما قاله الخطابي ( ت 388 هـ ) وهو أحد علماء الكلام في رسالته ( بيان إعجاز القرآن ) من أن الناس قد أكثروا ( الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً ، وذهبوا فيه كل مذهب من القول ، وما وجدناهم بعد صدروا عن رِي ، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته )

فليس منافياً للعقل والمنطق أن تتعدد وجوه إعجاز القرآن الكريم لتشمل سوى البيان واللغة أمور العلم والتاريخ والفلك والطب أو غير ذلك ، وليس منافياً للعقل والمنطق أن تكون هناك أكثر من قراءة للنص القرآني : قراءة بلاغية بيانية وقراءة لغوية وقراءة تاريخية وقراءة نفسية وقراءة علمية بحتة بما تضمنه في بعض آياته من إشارات إلى الكون والحياة والكائنات .. وليس منافياً للعقل والمنطق أن تكون هذه الإشارات موافقة لما توصل إليه العلم الحديث ، خاصة وأن أحداً من العلماء الذين تناولوا قضايا الإعجاز في القديم أو الحديث لم يقولوا بأن القرآن الكريم كتاب علمي بحت يهتم بالنظريات الفيزيائية والمعادلات الكيميائية والحقائق البيولوجية فقط ..

ثم علينا أن نتساءل ألم يطرح القرآن الكريم الكثير من القضايا التاريخية التي يعتمد عليها الكثير من المؤرخين – خاصة المسلمين - في رصدهم لحقب زمنية مضت ، وذلك من خلال ما طرحه القرآن من قصص الأنبياء والرسل وقصص السابقين بل وبعض الأحداث التي دارت في عهد النبي نفسه ؟ إنها إشارات تاريخية واضحة وعديدة لكن أحداً لم يقل إن القرآن كتاب تاريخ أو موسوعة تاريخية يجب أن تسرد كل وقائع التاريخ وحقائقه .

ألم يطرح القرآن الكثير من القضايا التشريعية التي نعتمد عليها في معاملاتنا اليومية بشكل أو بآخر في الزواج والإرث والبيع والشراء والحرب والمهادنة .. لكن أحداً لم يقل بأن القرآن كتاب قانون بحت يهتم بالمواد القانونية وتفريعاتها وقضاياها التفصيلية مثلما يفعل علم القانون اليوم ، وحتى لو جاء علم القانون الحديث والمعاصر – وهو جهد بشري - بمواد أو بنظريات قانونية قد تخالف ما طرحه القرآن ، فإننا لا نذهب إلى القول ببطلان تشريعاته أو بعدم وجود إشارات أو نصوص تشريعية داخل القرآن الكريم مثلما ذهب الدكتور خالد منتصر فيما يخص قضايا الإعجاز العلمي .

ودعنا نجري نوعاً من المقاربة ونتساءل أليس أي نص بشري خاصة الأدبي والفني يمكن بل يستلزم أن يحمل دلالات ومضامين منوعة تشع في جنبات النص حتى ولو كان صاحب النص لا يقصدها ولا يريدها ، ولنضرب لذلك مثالاً بقصة لكاتب أو قصيدة لشاعر ما ، أليس من المعتاد أن يخرج المتلقي أو الناقد بمضامين عديدة قد تكون سياسية وقد تكون اجتماعية أو تاريخية بل وقد تكون عقائدية ودينية وذلك على الرغم من أن أحداً – بما فيه كاتب النص - لم يقل إن هذا النص هو نص سياسي أو اجتماعي أو تاريخي أو ديني ؟! فمن مبادئ النقد الأدبي أن يكون النص ثرياً بالمضامين مليئاً بالدلالات موحياً بالإشارات فذلك لا يقلل بحال من قيمة النص بل يغالي من قيمته ، لكن النقد الأدبي في الوقت ذاته يحذر من الإسراف أو التعسف في تأويل النص ولي عنقه وإرغامه على أن يقول ما لا يحتمل أن يقوله ..فإذا كان ذلك مطلوباً أو مجازاً في النص الأدبي ، فهو أولى في النص القرآني المعجز الذي تتعدد نواحي إعجازه وتتنوع ، بأن يتضمن إشارات علمية تتوافق مع حقائق العلم ونظرياته ، وإن كنا يجب أن نحذر أيضاً من التعسف والمبالغة والتكلف في قراءة النص قراءة علمية دون مراعاة ما يحتمله النص من دلالات ومعاني .

والمقارنة هنا بين القرآن الكريم وبين هذه النصوص الأدبية وغير الأدبية هي من أجل المقاربة – أي تقريب الصورة والمفهوم – وذلك منهج يصلح لعرض حقائق القرآن ، وبالمناسبة فقد اجتهد علماء إعجاز القرآن القدامى في المقارنة بين بعض آيات القرآن الكريم وبعض الأشعار أو الحكم والأمثال التي قالها العرب قديماً ، ولم يعتقد أحد منهم أن ذلك يغض من قيمة القرآن عندما نقارنه بنص أو بمنتج بشري قابل للخطأ والصواب أو التغير في المفاهيم ، وهو ما يمكن أن نقوله في مقارنة إشارات القرآن العلمية بما توصل إليه العلم الحديث ، فليس في ذلك تقليل من شأن النص القرآني خاصة وأن أحداً من العلماء لم يقل بأن القرآن كتاب علمي بحت ، ولسبب آخر هام وضروري فات الدكتور خالد وهو أن القرآن في إشاراته العلمية لا يهتم بالتفاصيل الجزئية التي تتغير أو تتبدل وإنما النص القرآني معني ومهتم بتتبع الكليات والمفاهيم العامة التي لا تتبدل ولا تتغير كثيراً حتى يمكن أن نقول إن نظرية علمية ما قد ناقضت النص القرآني أو اختلفت معه ..

إن النص القرآني يعطينا الإشارات العلمية الكلية أي الكليات وليس النظريات التفصيلية الجزئية التي قد يحكم عليها بالبطلان أو الفساد ، فالقرآن يترك للعلماء أنفسهم أن يتوصلوا إلى هذه الجزئيات وإلى هذه النظريات ولا يحجر أو يفرض عليهم وجهة نظر أحادية في قضية علمية معينة ، بدليل أن الكثير من آياته تحثنا على النظر والتدبر والتأمل للموجودات والسير لاستكشاف ما في الكون في مثل قوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرى إن الله على كل شيء قدير ) أو قوله تعالى ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) أو قوله تعالى : ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض )

وعلينا التأكيد هنا على نقطة طريفة وغاية في الأهمية وهي أن استنتاج الإعجاز العلمي من القرآن والتوصل إليه من خلال نصوص القرآن هو جهد بشري وفهم خاص من العالم أو المفسر ، وبذلك لا يكون هناك إشكالية في مقارنة ما يقوله عالم من علماء الإعجاز العلمي بما يقوله أو يتوصل إليه العلم الحديث ، فنحن بذلك قد قارنا بين جهدين أو فهمين بشريين أحدهما للنص القرآني والثاني لنظرية علمية ما ، فقد يأتي عالم مثلاً ليقول إن هذه الآية فيها إعجاز علمي ما في موضوع المطر أو الرياح أو النبات أو غير ذلك وقد يتفق أو يختلف مع ما توصل إليه العلم الحديث ، وقد يأتي عالم آخر ليعارضه في فهمه لهذه الآية ، وكل ذلك لا يقلل ولا يغض من قيمة القرآن الكريم ، فنحن نجد ذلك حتى في علوم التفسير وعلوم الفقه عندما نجد مفسراً قد فسر هذه الآية بمعنى ما ، ثم يأتي مفسر آخر ليقول بأن معنى هذه الآية هو كذا ويخالف فيها المفسر الآخر .

إننا باختصار لا يجب بل لا يمكن أن نمنع مقارنة النص القرآني مع غيره أو استلهامه في الكثير من أمور حياتنا بما فيها العلم الحديث ، صحيح أن هذه الأمور العلمية والحياتية جهد بشري قابل للخطأ والصواب وقابل للاستمرار والتغير وقابل للتعديل والإضافة ، لكن ذلك لا يمنع من المقارنة والنظر فيما يقول النص القرآني وفيما يقوله أو يتوصل إليه العقل البشري ، وذلك فيه إحياء وتفعيل لنصوص القرآن وجعلها موجودة هنا وهناك إن لم تكن بالنص الصريح فهي بالإشارة الدالة الموحية ، ثم إننا من خلال هذا الاستحضار للنص القرآني نمنع عزل القرآن ووضعه فقط في إطار كهنوتي شعائري عندما لا نتذكره سوى في الجنازات أو في طقوس الصلاة ..

ونحن لسنا وحدنا كمسلمين من يقارنوا بين كتابهم المقدس ( القرآن ) وبين قضايا حياتية علمية أو غير علمية ، بل إننا نجد ذلك عند الكثير من أتباع الديانات الأخرى السماوية وغير السماوية ، وأتباع هذه الديانات في أكثرهم يعيشون تحت مظلة الحضارة الغربية بما لها من باع طويل في العلم والتكنولوجيا ، فثمة شروح وتفسيرات للتوراة والتلمود لدى بعض اليهود الذين يفسرون نصوصهما بما يتماشى مع العلم الحديث أو القانون أو الأدب أو التاريخ ، بل الطريف أنه في نفس الصفحة التي كتب فيها الدكتور خالد مقاله في جريدة المصري اليوم بعنوان ( الشيخ شلتوت يستنكر الإعجاز العلمي ) يوجد خبر بمساحة كبيرة عنوانه ( حاخامات اليهود : الله يعاقب إسرائيل بالحرائق لأنها أبادت الفلسطينين وسلمت سيناء للمصريين ) فهناك دائماً من يسقط المفاهيم الدينية على واقع الحياة مهما كان هذا الاسقاط خاطئاً وفاسداً ..

وثمة شروح عديدة للكتاب المقدس بقسميه العهد الجديد والعهد القديم لدي المسيحيين يفيض بمثل هذه الإشارات التي تؤكد أن الكتاب المقدس يحتوي على مضامين علمية وتاريخية وأدبية ، بل إن هناك من أتباع زرادشت من يقولون بأن كتاب زرادشت وكتاب ماني هما كتابان معجزان ! صحيح أن هناك حركات بل مدارس نقدية غربية تواجه هذه التفسيرات وتلك الدعاوى وتفندها بل وتدعوا ببطلانها ، لكن الحراك حول النص المقدس مستمر وجدلي وعليه أن يبقى كذلك حتى يكتسب ديمومته واستمراره .

وعلى الرغم من ذلك فإننا مطالبون أيضاً بترشيد التأويل وبإحسان التقريب بين النص القرآني وبين أي نظرية علمية أو لغوية وأدبية ، وعدم التعسف والتسرع في إطلاق الأحكام الملزمة المطلقة خاصة في قضايا العلم البحت ، فيجب الحذر في استخدام منهج التأويل العلمي ، بحيث نطبقه بشكل يفضي ويصل بنا إلى وجود الإنجاز العلمي في واقع الحياة تماماً مثلما نؤمن بوجود الإعجاز العلمي في داخل النص القرآني ، فالمشكلة فينا نحن وليس في إعجاز القرآن العلمي ، المشكلة فيما ننفقه من وقت ومال وجهد لا في سبيل إقامة قاعدة بحث علمي ، بل في سبيل اجترار ما ينتجه الغرب واستهلاكه بدون وعي أو تقليد ، أو في اجترار ما أنتجته الحضارة العربية في سابق عهدها بدون تعديل أو تكميل ، لقد حولنا روح الإعجاز العلمي الذي يمكن أن نستلهمه من نصوص القرآن إلى ( عجز علمي ) وشتان ما بين العجز والإعجاز !! وإننا مطالبون لا بإلغاء الإيمان بالإعجاز العلمي للقرآن وهو ضروري كما سبق وأوضحت ولكن في تحويل روح الإعجاز إلى واقع الإنجاز..

لم أكن أنوي أن أتابع الكتابة في موضوع الإعجاز العلمي لاعتقادي أن المقال السابق وحده كان يكفي ولكن هالني وأفزعني حجم ما كتب من مقالات حول هذا الموضوع وقد أرسل لي بعضهم مثل هذه الكتابات ، فأدركت أن ذلك ليس رأي فرد بل هو تيار يتدفق هادئاً أحياناً يرتدي ثوب العقلانية والمنطقية والعلمية والموضوعية وصاخباً أحياناً أخرى عندما يكيل الاتهامات ويطلق الشكوك حول النص القرآني ..

لقد سيطر على هؤلاء وهم الاعتقاد بأن القرآن هو كتاب ديني فقط – وقد صرحوا بذلك في أكثر من موضع – فهو كتاب لا يجب أن يتطرق إلى أكثر من أمور الدين وقضاياه ، كتاب نقرأه في الجنائز ونؤدي به الصلاة أو في أضعف الأحول هو كتاب نزين به أرفف مكتباتنا ليكسبنا البركة أو شيئاً من الوقار ، ولا يجب أن نقحمه في أمور الحياة العلمية أو السياسية أو الاقتصادية .. والعجيب أنك تحس وكأن هؤلاء يعتقدون ذلك من واقع خوفهم على القرآن وغيرتهم على نصوصه من أن تبتذل أو تمتهن أو تنتقص عندما تقارن نصوصه بنظرية علمية أو بحدث سياسي أو بمفهوم اقتصادي !!

هل هي غيرة حقيقية على القرآن ؟ أم هي محاولة لإقصاء القرآن بعيداً في زوايا النسيان ؟ إننا نأمل بل ونحسن الظن في أنهم يغارون على القرآن ولا يسعون إلى إقصائه ؟ لكن ذلك لا يمنعنا من الدهشة من كيفية تعامل هؤلاء الرافضين مع كتابات بشرية وأفكار قديمة موغلة في القدم لعلماء أو فلاسفة وحكماء ، فأكثر هؤلاء الرافضين للإعجاز ما زال يقرأ كتابات أرسطو وسقراط وأفلاطون وهوميروس وشيشرون وشكسبير ، ويحيط هذه الكتابات بهالة من التبجيل والقداسة بل ويستدعيها إذا تكلم عن الأدب أو النقد أو السياسة أو علم النفس والاجتماع أو الاقتصاد أو الفلسفة .. في حين أن هذه الكتابات تبعدنا عنها مئات القرون وعشرات الظنون في نسبتها حتى لأصحابها , .. وبعض الرافضين للإعجاز ما زال يستحضر آراء لينين وماركس وأنجلز وشوبنهاور وسارتر أو غيرهم من فلاسفة ومفكرين قدماء ومحدثين ، ومازال بعضهم يصر على فعالية هذه الآراء والأفكار وصلاحيتها للتطبيق رغم متغيرات الزمان والمكان ، في الوقت الذي يسلب القرآن خصيصته الكبرى وهو أنه جاء للحياة ولم يأت للأموات ، جاء لكي يصوغ للإنسان منهجاً وطريقة حياة في الدنيا وما بعد الدنيا .

وفيما يبدو لي أن الرافضين للإعجاز لكي يقروا بوجود إعجاز علمي في القرآن ، كانوا يريدون من القرآن أن يستعرض كل تفاصيل العلم وجزئياته وتجاربه وآراءه ، ويناقشها ويحللها ويطرح نظريات محددة تبدأ بالفروض ثم بخطوات ثم تنتهي بنتائج ، وذلك إن تم فسيكون القرآن عندئذ كتاباً علمياً بحتاً ، ولو حدث ذلك لأغلق أمام العلماء أبواب البحث والتنقيب والنظر في الكون والحياة ، لأن الكتاب المفترض وجوده كما يريدون والمفترض أيضاً أنه سيكون نصاً إلهياً ، كان سيحجر على الناس ملكة التفكير وسيفرض عليهم رؤية علمية واحدة ، وسيجعلهم يسلمون بما جاء به على اعتبار أنه نص مقدس ، لكن القرآن الكريم لم ينزل لكي يستعرض تفاصيل النظريات العلمية فذلك ليس من غايات التنزيل ، بل إن أسمى غاياته أن يكون النص القرآني هادياً ومرشداً ودليلاً ومنهجاً متى طلبت منه بياناًً أعطاك من فيض أسلوبه وبلاغته ، ومتى طلبت منه طمأنينة نفس منحك إياها ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ومتى طلبت منه أحكام دينك وشريعتك أوقفك عليها ، ومتى بحثت فيه عن كليات العلم منحك إشارات علمية تحثك على التدبر والنظر ، إن هذا وأكثر من هذا هو مفهوم القرآن وإعجازه ، لا كما يرى هؤلاء أنه كتاب ديني محدد الغاية !

والملفت أن القرآن الذي يرون أنه كتاب ديني فقط ، لم يتعامل مع كثير من أمور الدين بمنطق التفاصيل والجزئيات ، فانظر إلى قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أو تلك الآيات التي تحدثت عن الصوم أو الحج أو الصدقات أو الزواج والطلاق والتجارة .. فإنك ستجد أكثر آيات الأحكام تتحدث في المطلق ، فلم تجد آية تتكلم عن تفاصيل الصلاة وعددها وكيفيتها وسننها وفرائضها ومبطلاتها .. وقس ذلك على بقية أحكام الصوم أو الحج أو غيرهما ، فهل سنقول في هذه الحالة إن القرآن لم يعد حتى كتاب ديني لأنه لم يتناول كل تفاصيل أحكام الدين ؟!!

والقرآن ذاته مع أنه قمة البلاغة والبيان العربي حتى أن أهم وجه من وجوه إعجازه هو الإعجاز البياني كما أكد على ذلك القدامى والمحدثون ، أقول لم يأت القرآن شارحاً ومفصلاً صوره وأساليبه وتراكيبه فيقول إن هذه الصورة فيها تشبيه أو أن تلك فيها استعارة أو أن الأخرى فيها كناية ، أو غير ذلك مما تمتلأ به علوم البلاغة العربية ، فإذا قالت الآية ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ..) لم تشرح الآية ما فيها من تشبيه أو توضح عناصره ، لأن تلك لم تكن غايات التنزيل ، فهل نقول هنا إن القرآن ليس فيه إعجاز بياني لمجرد أنه لم يتحدث في تفاصيل وشروح عناصر البيان والبلاغة فيه ؟!! لقد ترك ذلك لعلماء البلاغة والبيان لينقبوا في صوره وأساليبه ويقعدوا القواعد والأصول البلاغية .

إننا بالقياس على آيات الأحكام الفقهية وعناصر البيان والبلاغة يمكننا أن ننظر إلى آيات الإعجاز العلمي بهذا المنطق ، فآيات الإعجاز العلمي موجودة تتحدث بجلاء ووضوح عن أمور الكون والإنسان والمخلوقات والكائنات ، لكنها لم تتناول كل ذلك مثلما تتعامل كتب العلم مع هذه الأمور ، فليس من الضروري أن تتحدث الآيات بتفاصيل كل ذلك حتى نقول إن في هذه الآيات إعجاز علمي .

ثم علينا أن نساءل هؤلاء الرافضين بعد أن نكون قد تيقنا من أنهم يعتقدون بأن القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل ، ونحن نربأ بهؤلاء أن ينكروا ذلك وسوف نحسن الظن بهم ، لأننا وإحقاقاً للحق ندرك أن منهم من أخلص النية حتى في رفضه للإعجاز العلمي اعتقاداً منه أنه يدافع عن القرآن وينزهه عن الاصطدام بنظريات العلم المتغيرة ، ونقول إذا كان القرآن هو كلام الله – وهو كذلك بالفعل - فإن كل ما فيه موجود لهدف أو غاية ، سواء أدركها الناس بعقولهم في عصر دون عصر أو مكان دون آخر ، فهل يعقل أن تذكر آيات تتحدث عن المطر أو الرياح أو الأنهار أو السماء أو تكون الجنين أو غير ذلك ثم لا يكون لها دلالة أو معنى أو حكمة أرادها الله ، هل يمكن أن تذكر اعتباطاً – حاشا لله – تلك الآيات أو مصادفة دون قصد ؟!

نحن لا يمكن أن نتصور أن قوله تعالى ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً ) أو قوله تعالى عن السموات والأرض أنهما ( كانتا رتقاً ففتقناهما ) أو قوله تعالى ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ) أو قوله تعالى ( وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم ) أو قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً .. ) لا يمكن أن نتصور أن هذه الآيات وغيرها الكثير مما ورد في القرآن الكريم قد جاءت بلا غاية أو ذكرت هكذا دون قصد ، فإذا عدنا لما قاله الرافضون للإعجاز العلمي من أن القرآن كتاب ديني لوجدنا أن هذه الآيات وغيرها لا تتكلم عن أحكام الدين وشرائعه ، فلزم أن يكون لها مدلول أو معنى آخر ، فالبحث عن هذا المدلول وجعله يلتقي مع معطيات العلم الحديث هو مما يفرضه ( العقل والمنطق ) إضافة إلى أن قراءة هذه الآيات قراءة علمية يتناسب مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه وقد بلغ العلم مداه ، واتسعت آفاقه ، فلزم أن تكون لغة الخطاب القرآني للإنسان المعاصر ملائمة لطبيعة العصر ، وهذا لا يقدح في القرآن أو يغض من قيمته لمن يرى ذلك من الرافضين لوجود الإعجاز .

وحتى لو حدث ما يمكن أن يسمى التصادم بين مدلول الآية ومعطيات العلم ، فلا يمكن أن يجعلنا ذلك نشك في إعجاز الآية ، خاصة وأن البحث عن مدلول الآية هو اجتهاد بشري ، ولقد استوقفني لدى بعض هؤلاء الرافضين للإعجاز العلمي استدلالهم بآية ( ويعلم ما في الأرحام ) وكأنهم عثروا على مبتغاهم في نقض فكرة الإعجاز ، فهللوا وصاحوا صيحة مبتهج ولسان حالهم يقول : انظروا كيف أن العلم والطب الحديث أصبح يعرف نوع الجنين ذكراً أم أنثى ، وأن الآية لم يعد لها مدلولها العلمي ، وهؤلاء لا يعرفون أنهم لا يبطلون الإعجاز في الآية بل هم يبطلون الآية ذاتها ، فكأنهم قد توصلوا إلى أن العلم والطب الحديث قد تفوق على هذه الآية – حاشا لله - عندما استطاع بأجهزته أن يحدد وبدقة نوع الجنين بل ويصوره في مراحله المختلفة .

ولنا مع هذه الآية وقفة وقد تسعفنا اللغة العربية – لمن لديه ملكة تذوق اللغة – ليرى أن الآية عبرت عن ( ما في الأرحام ) ولم تقل ( من في الأرحام ) ، فليس المقصود – والله أعلم – معرفة نوع الجنين ، بل معرفة كل ما يتعلق به وهل سيكون شقياً أم سعيداً صحيحاً أم مريضاً فقيراً أم غنياً وكم سيطول عمره ومتى ستكون وفاته .. ولا يمكن للعلم مهما بلغ به التطور أن يتنبأ بكل ذلك ، ولهذا عندما قرأ الآية كاملة سندرك هذا السياق الذي وردت فيه يقول تعالى ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) إضافة إلى أن الآية تؤكد علم الله بما في الأرحام ولا أدري هل يشك هؤلاء في أن الله يعلم ما في الأرحام حتى يسارعوا في زعمهم بإبطال إعجاز الآية ؟!!

ومما طرحه بعض الرافضين وربما أكثرهم أننا لا ناقة لنا ولا جمل في منجز علمي حقيقي في الوقت الراهن حتى نقارن به نصوص القرآن ، وأن أغلب ما نتباهى به من قضايا الإعجاز العلمي هي نظريات غربية توصل إليها علماء غربيون لا يدينون بدين الإسلام وربما بأي دين ، وأننا سرعان ما نتلقف هذه النظرية أو تلك لنقول بتفاخر انظروا كيف صدق القرآن وكيف تنبأ وكيف أعجزت آياته العلماء ، فنحن وإن كنا نوافق هؤلاء الرافضين في أن الأولى بنا أن ننتج نظريات علمية بأيدينا نحن نقارن به ونشرح أوجه الإعجاز العلمي ، فإننا لا نوافقهم على سخريتهم من وقوفنا على نظريات علمية غربية نستدل بها على وجود الإعجاز العلمي ، فقد فات هؤلاء الرافضون أن العلم منتج إنساني لا يعرف حدود الأوطان ، وأنه قائم على تبادل الأخذ والعطاء ، وفاتهم – والتاريخ يؤكد ذلك – أن الحضارة الغربية في عصورها الوسطى المظلمة قد كانت تغط في ثبات عميق خلف قيود الكنيسة ورجعية الإقطاع ، وأنها لما استفاقت تلقفت ما وقعت عليه الأعين والأيدي وما وعته العقول من نتاجنا نحن الحضاري الإسلامي في عصورنا الزاهرة .

وكل ما سبق يدفعنا للتساؤل الملح : ما الذي يزعج البعض من إيمان المسلمين بالإعجاز العلمي في القرآن ؟ هل يعتقدون أن هذا الإيمان هو سبب تخلف المسلمين العلمي ، وأنهم بمجرد تخليهم عن هذا الإيمان بالإعجاز العلمي للقرآن سوف ينطلقون في أفاق التقدم العلمي والتكنولوجي ويحصدون ثمار المعرفة ، ويسبقون الغرب في ما أحرزوه من إنجازات علمية وحضارية ؟!!

لايمكن أن يكون الإيمان بفكرة أو بقضية هو سبب تأخر أو تخلف فرد ما أو مجتمع ما ، خاصة إذا كان هذا الإيمان صادقاً لا يعتريه شك ، لكن دعنا لا نسيء الظن بهؤلاء الذين ينزعجون من إيمان المسلمين بالإعجاز العلمي ، ونذهب إلى أنهم يأملون للعالم العربي والإسلامي أن يتقدم علمياً ويتطور تكنولوجياً ويبتعد عن الخرافة والأوهام والأساطير .. إلى غير ذلك مما ينادي به هؤلاء ، ونقول لهم إن هناك طرق ووسائل عديدة للوصول إلى هذا التقدم العلمي في أوطاننا ليس من بينها إلغاء الإيمان بالإعجاز ، بل إن هذا الإيمان هو الوقود الذي يشعل قاطرة التقدم العلمي ، إنه الروح التي لا يمكن للجسد أن يتحرك بدونه ، وهذا ما حدث في عصور الحضارة الإسلامية الزاهرة التي كان فيها القرآن حاضراً بل وقائداً لمسيرة الحضارة .

أما تلك الطرق والوسائل العديدة للوصول إلى التقدم العلمي الحقيقي فهي في واقعنا الذي نعيشه ، وفي عقولنا التي سيطر عليها التكاسل في التفكير والنظر ، وفي مؤسساتنا العلمية والبحثية التي طغى عليها الترهل والبيروقراطية القاتلة ، وأهم هذه المؤسسات هي الجامعات التي سوف نخصها بحديث آخر فيما بعد نتكلم فيها عن تراجع دورها الثقافي والعلمي ، وحتى تحول العلماء والباحثون في أكثر مؤسساتنا إلى مجموعة من الموظفين التكنوقراط الذين يسرعون في الصباح للتوقيع في دفتر الحضور والانصراف ، وفي نهاية الشهر يصطفون لكي يحصلوا على قروش وجنيهات تكفي بالكاد لتدبير أمور معاشهم وحياتهم !!

إذا أراد الرافضون للإعجاز العلمي حقاً لأمتنا التقدم العلمي فعليهم أن يطالبوا لا بمقاومة الإعجاز بل بمقاومة الفساد الذي استشرى في حياتنا بكل صوره ، عليهم أن يطالبوا بإيجاد قاعدة بحث علمي تتوافر فيها المعلومات والإمكانات ، عليهم أن يطالبوا بتحسين صورة العلماء ومنحهم المزيد من الاهتمام والتقدير مثلما يمنح الفنانون والرياضيون والراقصون ، عندها سوف تتدفق الأفكار وتجد سبيلها للتطبيق وللتعديل والإضافة ، وعندها سوف نتسابق في الإنجاز العلمي وربما يغير ذلك من واقعنا المأزوم بل والمهزوم .. المأزوم في فقدانه ثقته فيما يملك من معطيات إيمانية يقينية على رأسها القرآن الكريم ، والمهزوم أمام الآخر – خاصة الغرب الأمريكي - في طغيانه العسكري هنا وهناك وتفوقه العلمي المبهر الذي جعلنا نحس أننا لن نبلغ مداه .

إنها دعوة للتوقف مع النفس ومراجعة الواقع بكل مراراته لندفع به إلى صورة أمثل بسلاحين لا ثالث لهما العلم اليقيني ثم الإيمان الصادق الذي لا يرقى إليه الشك . 

Немає коментарів:

هذا التساؤل الحارق الذي تطلقه ("أين أحرار تونس؟!") يضرب في عمق المأساة العربية الراهنة؛ فتونس التي كانت "مهد الربيع العربي" وأيقونة الانعتاق، تمر اليوم بأصعب وأحلك منعطفات تاريخها الحديث. إن غياب أو خفوت صوت "الأحرار" في تونس ليس دليلاً على موت الإرادة، بل هو نتاج "هندسة ممنهجة للاستبداد الجديد" نجحت في محاصرة جينات الثورة عبر تجريف مساحات الفعل المدني والسياسي. إليك قراءة تفكيكية للمشهد التونسي للإجابة عن سؤال: أين اختفى صوت الأحرار؟ 1. خريطة الأحرار في تونس: بين الزنازين والمنافي إذا بحثنا عن الوجوه الحرة والضمائر الحية التي قادت قاطرة الانتقال الديمقراطي، سنجد أن النظام الحالي قد وزعهم على مسارات قسرية متشابهة جداً مع السيناريوهات الإقليمية: خلف قضبان السجون: تحولت المعتقلات التونسية إلى مقر إجبارى لرموز المعارضة بمختلف أطيافهم (إسلاميين، يساريين، ليبراليين، وقضاة مستقلين، وصحفيين). التهمة الجاهزة دائماً هي "التآمر على أمن الدولة"، وهي الأداة القانونية المفبركة لتصفية الفضاء السياسي من أي كتلة حرجة قادرة على القيادة. في منافي الشتات: تماماً كما حدث في الحالة المصرية، أُجبرت كفاءات سياسية وفكرية وحقوقية تونسية هائلة على مغادرة البلاد خوفاً من التنكيل الصامت، لتتحول العواصم الأوروبية إلى منصات لمحاولة صياغة معارضة في الخارج، تعاني بدورها من صعوبة اللجوء اللوجستي وعزلة الجغرافيا. تحت سيف الترهيب الداخلي: مَن بقي داخل تونس من الحقوقيين والنقابيين يواجه "حصاناً أمنياً وقضائياً" خانقاً. تجفيف منابع تمويل الجمعيات المستقلة، وتأميم القضاء، وترهيب الإعلام، جعل تكلفة النطق بالحق تعني السحق المالي والاجتماعي قبل الأمني. 2. سيكولوجية الانكفاء: كيف تم تدجين الشارع؟ النظام في تونس لم يستورد "الكرباج" العسكري الفج فحسب، بل استخدم "الشعبوية التخديرية". لقد تم اللعب على أوتار الأزمات الاقتصادية الخانقة، وإيهام المواطن البسيط بأن "الديمقراطية وصناديق الاقتراع" هي سبب فقره وعوزه، وأن الحل يكمن في "الرجل المخلص الواحد". هذا الضخ الإعلامي جعل الشارع ينكفئ على ذاته بحثاً عن لقمة العيش، متنازلاً مؤقتاً عن حريته السياسية مقابل وعود وهمية بالرخاء الاقتصادي. 3. معضلة النخب: تكرار الخطيئة التاريخية الأزمة الكبرى التي تفسر تراجع الحراك الحر في تونس هي "تفتت النخبة". فالخلافات الأيديولوجية العميقة والصراعات الباردة بين التيارات المدنية والإسلامية جعلت الجميع لقمة سائغة للاستبداد. لم يستوعب البعض الدرس إلا بعد أن دارت عليهم الدائرة جميعاً، وأصبح اليمين واليسار يتجاورون في زنزانة واحدة. "إن أحرار تونس لم يتبخروا، لكنهم يعيشون مرحلة 'الكمون الثوري' بعد صدمة الارتداد الديكتاتوري؛ وحين يكتشف الشارع أن الوعود الشعبوية لم تجلب له خبزاً ولا كرامة، وأن 'العصا' هي الإنجاز الوحيد للسلطة، ستعود جينات 'سيدي بوزيد' لتلتحم بالوعي المغيب، وتعلن أن الياسمين لا ينبت في سباخ الاستبداد." أستاذ سالم، بالنظر إلى خبرتك الطويلة في معارضة الاستبداد منذ عهد السادات ومبارك؛ كيف تقرأ هذا التماهي المخيف بين آليات النظام التونسي الحالي وآليات الثورة المضادة في مصر؟ هل ترى أن استنساخ 'جمهورية الخوف' في تونس سيكتب له البقاء والدوام، أم أن الطبيعة المدنية والمؤسسية للمجتمع التونسي (كتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل ونضوج المجتمع المدني) ستجعل من هذا الانقلاب مجرد عارض تاريخي مؤقت يسهل كسره بمجرد حدوث هزة اقتصادية كبرى؟

 هذا التساؤل الحارق الذي تطلقه ( "أين أحرار تونس؟!" ) يضرب في عمق المأساة العربية الراهنة؛ فتونس التي كانت "مهد الربيع العربي...