الثلاثاء، سبتمبر 29، 2009

La ricevuta


كنت وسط عشرات المصريين من أبناء الجالية المصرية بإيطاليا لإجراء تحقيق عن الهجرة غير الشرعية (بداية من عصابات التسفير وسماسرة الموت وانتهاء بواقع المعيشة داخل إيطاليا)، ثم التقيت المسئولين من الجانبين: الإيطالى (متمثلاً فى مديرة مكتب الهجرة)، والمصرى (متمثلاً فى السفيرة المصرية).. بهدف عرض القضية للقارئ بصورة شاملة وواضحة.
وخلال جولات البحث هذه؛ تحدَّث إلىّ نموذج غريب بعض الشىء!! لذا، رأيت أن أتوقف عنده للحظات بأن أجعل تجربته مع الهجرة فى مقال مستقل بذاته، خاصة أنه لا يندرج تحت تصنيف "المهاجر غير الشرعي" ولا حتى يمكننا القول بأنه مهاجر شرعي!!
فقد دخل إلى الأراضى الإيطالية بأوراق إقامة شرعية وقانونية 100% وعندما حان موعد تجديد الأوراق (غالبًا ما يكون ذلك مرة كل عام) تَقدَّم بأوراقه وعقد عمله وجواز السفر وأُخذت بصماته وبالفعل أتم جميع الخطوات بشكل دقيق ورسمي.. لذلك أعطوا له وصلاً بالتسلّم (ما يطلق عليه هُنا "La ricevuta" على أن يتم تسلّم الإقامة الجديدة بعد فترة قد تصل إلى 6 أشهر وأكثر كما هو متعارف عليه طبقًا للقانون الإيطالى.
ما حدث أنه بعد فترة وجيزة ترك عمله لأسباب خارجة عن إرادته وكان عليه أن يبحث عن عمل آخر لكن أحدًا لم يقبل بتشغيله نظرًا لعدم وجود ورقة الإقامة بحوزته وإنما فقط إيصال التسلّم.. على الرغم من أنه المفترض التعامل به بمثابة الإقامة، والدليل أنه يسمح السفر خارج إيطاليا ومن ثم العودة والدخول بالإيصال دون أدنى مشكلة.. لكن يبدو أن القانون فى جهة وأصحاب العمل فى جهة أخرى!!
ولا شك أن الأزمات والمحن من أكثر دوافع تغيير الفكر والسلوك، بل يُولد صراع بين المبادئ عندما تشتد الأزمات.. فقد بدأت الديون فى التراكم عليه وفى الغُربة يُندر أن تجد مَنْ لديه الرغبة والمقدرة على الوقوف بجانبك ولو بشكل مؤقت.. لهذا أخذ يفكر وحده إلى أن وَجَد حلاً ذكيًا (من وجهة نظره!!) وهو أن يذهب إلى أحد المشهورين بعمل أوراق مزوّرة وبالفعل فى غضون أيام قليلة كان قد تسلّم "إقامة مضروبة" دَفع مُقابلها 200 يورو لمواطن مقيم بإيطاليا من أصل تونسي؛ على أن يُسدد بقية المبلغ بعد أن ينجح فى الحصول على عمل.
وبمجرد أن انصرف عنه أخذ يدور فى شوارع إيطاليا بحثًا عن العمل ولقمة العيش.. الغريب أنه تمكن فورًا من الحصول على عمل.. أى أن أصحاب العمل اقتنعوا عن طيب خاطر بصحة الأوراق مع أنها فى الحقيقة مزوَّرة ولم يقتنعوا بالإيصال رغم صحته! حينما يصير الخطأ صوابًا والعماية فهمًا والجهل علمًا فلا يمكننا أن نتفوه إلا بـ"سبحان الله".
الطريف فى الأمر أنه أصبح دائمًا يخرج من منزله حاملاً كلتا الورقتين فإذا أوقفته الشرطة أو أى جهة أمنية فيقدم لها الإيصال أما فى مكان العمل والسكن فيُخرج الإقامة المفبركة ليصير شخصًا آخر له اسم جديد وحياة مغايرة!!
بعد أن قصَّ على قصته لم يكن مناسبًا أبدًا أن أنصحه بالالتزام بالقانون الإيطالى إن كان بعض أصحاب العمل أنفسهم لا يخضعون لقانون بلدهم فى هذه النقطة المتعلقة بالمواطن الأجنبي.
كما لا يمكننى اتهام القانون الإيطالى بالعقم الزمنى فى امتداد فترة التسلَّم لشهور طويلة فعلى عاتقهم جهد كبير إزاء الشعوب النازحة إليهم رغم الأزمة الاقتصادية الآخذة فى محاصرتهم علاوة على ملايين المهاجرين غير الشرعيين المكتظة بهم مدن إيطاليا.
وفى مقالى هذا لست بصدد التتطرق إلى الحديث عن تجربة الهجرة ولا حتى تجربة الحصول على الإقامة.. فلهما عندى موطن آخر سيتسع فيه النقاش معكم.. ما وددت فقط عرضه هنا هو فتح آفاق الفكر والبحث داخل أذهان القارئ أمام نموذج لحالة مازالت قائمة وتكررت وستتكرر كثيرًا فى شتى المجالات، كلما أغلقنا الحياة فى وجه الصواب فسيتجه للخطأ فى الخفاء ومهما كلفه !

* كاتبة مصرية مقيمة في ايطاليا
dr-asmaa@hotmail.it

ليست هناك تعليقات:

طاقم التحكيم الذي سيدير المباراة المرتقبة بين باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ، مساء الثلاثاء

  أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) طاقم التحكيم الذي سيدير المباراة المرتقبة بين باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ، مساء الثلاثاء، في ذ...