الجمعة، يونيو 02، 2017

الثابت تاريخيا أن (فلاح) مؤسس الدولة النهيانية مجهول النسب، إلا أن المزورين في عهد النفط وزمنه لم يعدموا طريقة في (تلزيق) نسب إليه، فمن قائل انه من الهلاليين، إلى قائل انه من دواسر نجد.. وجاء فضيلة الشيخ محمد بن حسن الخزرجى، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية وصاحب فندق ستراند - أكبر موزع للخمور في الإمارة ومؤلف كتاب "وسيلة العلاج لآلام الزواج" - بفتوى ملخصها أن العائلة النهيانية الحاكمة ترجع في نسبها إلى قبيلة الأزد.. وجاء (مؤرخ) آخر (أكثر موضوعية) فزعم أن النهيانيين ينحدرون من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا يكون كل حكام وملوك وسلاطين وشيوخ وأمراء العرب الحاكمين شعوبهم (بالعدل والقسطاط ) من سلالة الرسول، بما فيهم الملك الحسن الثاني بطل محادثات افران مع الصهاينة، والإمام المخلوع جعفر النميرى بطل فضيحة (الفلاشا) ، الذي يبدو انه جاء من بطن أمة سوداء ابتنى بها الرسول صلوات الله عليه فى أخريات حياته كما يزعم النميري .
منذ ذلك التاريخ والى ما قبل دخول الإنجليز، عملت الأسرة النهيانية بوظيفة (شرطي) يتبع أحد القادة العمانيين واسمه (محمد بن ناصر الغافرى)، الذي اتخذ من (الرستاق) عاصمة له، وبدأ يغير على المدن والقرى، يسل وينهب ويقتل ويسبى النساء على أيدي عصابة من قطاع الطرق كان يتزعمهم الشيخ محمد بن زايد بن فلاح النهيانى، والتاريخ المكتوب لقرى ومدن عمان فيه الكثير من الجرائم التي ارتكبها هذا الشيخ - لعل أشهرها - جريمة استباحة ديار (الصواوفة) وهم من العرب الاقحاح ، حيث أعمل فيهم محمد بن زايد النهيانى السيف وخرب الزرع والنخل وهدم بيوتهم وسبى النساء، ولم يلبث قاطع الطريق النهيانى أن انقلب على سادته (الغوافر) إلى أن جاء الإنجليز فوجد فيهم خير معين وأصبح عميلهم وشرطيهم الأول في إمارة الظفرة.. يأتمر بأوامر ضابط إنجليزي برتبة نقيب، ويقتل ويسبى ويتجسس لصالح الأسطول الإنجليزي المتجول في الخليج ويدفع المعلوم كل شهر لضمان مناصرة الإنجليز لعرشه وإمارته، حتى اصبح - مع سلالته - من رعايا الدولة البهية ومن كلابها أيضا.
تولى الحكم في إمارة أبو ظبي شخبوط بن ذياب الذي انتقم من ابن عمه هزاع بن زايد قاتل أبيه، حيث طارده إلى منطقة (جبل على) في دبي فقتله هناك ثم أعلن عن نقل عاصمته من واحة (ليوا) في قلب الصحراء إلى جزيرة (أبو ظبي) التي بنى فيها قصرا هو (قصر الحصن).. وسيشهد هذا القصر الكثير من المؤامرات وعمليات الذبح والقتل .. وهو الآن مقر لمركز الوثائق والتاريخ في الإمارة، يعمل ليل نهار في محاولة لإيجاد نسب وشجرة عائلة لآل نهيان.
بعد أن شاخ (الشيخ) آثر حياة العزلة في واحة البريمى على بعد 170 كيلو مترا من أبو ظبي، فاغتصب جزءاً من الواحة كانت تمتلكه قبيلة (الظواهر) وأسماه (العين) حيث نصف نفسه واليا عليها، بينما استطاع ابنه البكر (محمد) أن يستقل بحكم الجزيرة ويمنع أباه من العودة إليها ثانية.. وهذا لم يرض بقية أخوته خاصة (طحنون) الذي كان يرى انه أحق بالخلافة من أخيه .. ومن يعود إلى الوثائق الموجودة في تلك الحقبة - حوالي عام 1800 إلى 1850 - يرى العجب العجاب فيها، ويقرأ عن الصراعات بين الأخوة من آل نهيان - على الحكم والنساء والرقيق والقرصنة - ما لم تصدقه أذن وتراه عين.
الشيخ محمد اغتصب الحكم من أبيه شخبوط ، الذي يغتصب بدوره أرض (الظواهر) ليقيم عليها دولة، وليسارع إلى توقيع معاهدة (سلام) مع الإنجليز في 11/1/1820م، ويبنى قصوره في منطقة (القطارة) ويجعل قلعة (المريجيب) في مدينة العين وكراً لتجارة الرقيق.
توالت الثارات بين حكام أبو ظبي من الأخوة وأبناء العمومة، فبعد عامين - وبمعاونة الإنجليز - يطيح طحنون بن شخبوط آل نهيان بحكم أخيه (محمد) الذي يلتجئ إلى قطر، وقد أدى هذا الانقلاب إلى زيادة نفوذ الإنجليز في المنطقة، وكانوا آنذاك يتعاملون مع شيوخها كقطاع طرق وقراصنة لذا فان ممثلهم فيها لم يكن أكثر من ملازم في البحرية اسمه ماكلويد (McLEoD) ، وكان هذا الملازم يجمع الشيوخ والحكام كما يجمع الراعي أغنامه، ويصدر إليهم الأوامر والتعليمات.. ولا زالت الوثائق التاريخية المحفوظة في (قصر الحصن) بأبي ظبي تتضمن قصة زيارة هذا الملازم للإمارات ونزوله في الشارقة، وكيف انه بعث في استدعاء الشيخ طحنون بن شخبوط حاكم أبو ظبي وبرفقته الشيخ زايد بن سيف شيخ دبي، وتروى كتب التاريخ - حتى تلك التي زورها مركز التراث ووزير الأوقاف - أن شيخ أبو ظبي المسمى طحنون قد أبدى استعداده للتعاون الكامل مع الملازم الإنجليزي ودفع (الجزية) له، وتقديم المعلومات الإخبارية له عن تحركات العرب الاستقلالية في المنطقة، ومنع العرب من التسلح أو تطوير أساطيلهم التجارية، وفى هذا الصدد طلب الشيخ طحنون من الملازم ماكلويد حث الحكومة البريطانية على التدخل ومساعدته في قمع ثورة منشق عربي هو الشيخ (سويدان بن زعل المحيربى) حاكم جزيرة داس، التي تفجرت بعد ذلك نفطا وثروة، وقد هدد الإنجليز حاكم الجزيرة وطردوه إلى قطر وسلموا الجزيرة إلى شيخهم وعميلهم في المنطقة فكأني بهم يرون صفحة النفط في كتاب المستقبل لهذه المنطقة حيث تشكل آبار جزيرة داس معظم إنتاج الإمارة من الذهب الأسود، ومن المسلم به أن جميع الشركات العاملة والمقيمة في الجزيرة هي إنجليزية بينما تشردت قبيلة المحيربى العربية ومالكة الجزيرة في البوادي.
قبيلة (المحيربى) ليست وحدها التي اغتصب الإنجليز أراضيها لتمنع إلى شيوخ نهيان، فقد أشرنا من قبل إلى قبيلة (الظواهر) في مدينة العين، التي تحول شيوخها إلى (مطارزية) لشيوخ آل نهيان.. ولكن الواجب يفرض علينا الإشارة إلى واحدة من أكبر قبائل (أبو ظبي) وأشدها وهى قبيلة (المناصير) المالكة الأصلية للجزيرة والتي قاتل رجالها بشرف عن كل شبر فيها.. ومشكلة هذه القبيلة أن شيوخها وقعوا في حبال آل نهيان طمعا بالمال ورغبة في ضمان جزء من السيادة على الجزيرة في مقابل قبائل اخرى تسعى لمثل هذه السيادة، لذا نجد أن (المناصير) موجودون في كل مؤامرة أو مذبحة يدبرها ويديرها ال نهيان ، فالمناصير ساعدوا الشيخ طحنون على الاستيلاء على الحكم وطرد أخيه محمد، وهم أنفسهم الذين سهلوا لمحمد (المطرود) العودة إلى (أبو ظبي) في انقلاب أحمر أطار برقاب كل أتباع الشيخ طحنون، الذي كان آنذاك خارج الجزيرة.. وعلى عادة الكر والفر بين البدو، عاد طحنون وبمساعدة المناصير أنفسهم إلى الجزيرة ليستعيد الحكم بانقلاب دموي آخر، بينما هرب أخوه إلى قطر، حيث تزعم عصابة من القراصنة ظلت تزاول عملها في قطع الطرق على السفن التابعة لأخيه ونهبها.

ليست هناك تعليقات: